زيدان بعد عودته إلى ليبيا: أنا رئيس الوزراء الشرعي

قذاف الدم يدعو المجتمع الدولي لرعاية حوار وطني

سيارات ليبية تمر بجانب ملصقات انتخابية في طرابلس أمس (أ ف ب)
سيارات ليبية تمر بجانب ملصقات انتخابية في طرابلس أمس (أ ف ب)
TT

زيدان بعد عودته إلى ليبيا: أنا رئيس الوزراء الشرعي

سيارات ليبية تمر بجانب ملصقات انتخابية في طرابلس أمس (أ ف ب)
سيارات ليبية تمر بجانب ملصقات انتخابية في طرابلس أمس (أ ف ب)

بالتزامن مع تزايد أنشطة المهجرين الليبيين في تونس ومصر، والبالغ عددهم مئات الألوف، للفت نظر العالم لقضيتهم، وعودة رئيس الحكومة الليبية المقال، علي زيدان، إلى البلاد بشكل مفاجئ، دعا أحمد قذاف الدم، المبعوث الشخصي السابق للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي، المجتمع الدولي أمس، لرعاية حوار يضم جميع القبائل والفعاليات الليبية، كما ناشد من سماهم بـ«كافة أفراد الشعب المسلح» للالتحاق الفوري بمعسكراتهم. ووجه نداء إلى كل من «رجال الشرطة» ورجال «العدل الشرفاء»، أن يعودوا إلى أعمالهم لـ«إنقاذ الوطن وحماية أرواح المواطنين».
ويعد زيدان سياسيا مستقلا، لكنه يحظى بدعم الليبراليين، وتعد زيارته لليبيا الأولى له منذ إقالته في مارس (آذار) الماضي عقب مواجهات مع التيارات الإسلامية في المؤتمر الوطني العام (البرلمان). وغادر زيدان البلاد رغم منعه من السفر بقرار من النائب العام لاتهامه بالتورط في قضية اختلاس أموال عامة، لكنه قال بعد عودته إن قرار النائب العام له دوافع سياسية، مشيرا إلى أنه لا يزال ينتظر قرار القضاء بشأن إقالته التي عدها «غير قانونية». ويتهم الرجل الإسلاميين بالسعي للاستحواذ على السلطة.
ويوجد توافق بين الكثير من الأطياف الليبية، من قبائل وتيارات شعبية وسياسية، على ضرورة التخلص من مظاهر التسلح ونظام الكتائب والميليشيات، وإيجاد جيش وطني موحد، وشرطة قادرة على حفظ الأمن في البلاد، بمن في ذلك زيدان، وفقا لما أعلنه فور وصوله لمدينة «البيضا» في شرق البلاد يوم أول من أمس، لكن هذه الأطياف غير قادرة، على ما يبدو، على تجاوز خلافاتها الكبيرة بشأن مواقفها المؤيدة والمعارضة لكل من النظام السابق ومن تولوا عملية الإطاحة به.
وبينما يوجد زخم شعبي حول «عملية الكرامة» التي يقودها اللواء المنشق خليفة حفتر، ضد كتائب وميليشيات الإسلاميين المتشددين، إلا أنه يوجد أيضا انقسام بين كتل قبلية وجهوية وسياسية معتبرة، حول حفتر نفسه. وقال زيدان، الذي ينتمي إلى مدينة «ودان» الصحراوية الواقعة جنوب شرقي سرت، إنه يؤيد «عملية الكرامة» وأضاف أنها «يجب أن تحظى بدعم الشعب الليبي»، وعد الهدف من العملية «اقتلاع الإرهاب والعنف وبناء جيش وطني».
يشار إلى أن عبد الله الثني، الذي يتولى حاليا رئاسة الوزراء بالوكالة، حل محل زيدان، بعد أن كان وزيرا للدفاع في حكومته. وعين المؤتمر الوطني رئيس وزراء آخر الشهر الماضي، هو أحمد معيتيق المحسوب على الإسلاميين، إلا أن القضاء أبطل قرار تعيينه. يأتي هذا في وقت تتصاعد فيه المواجهات بين قوات حفتر والإسلاميين في عدة مناطق خاصة في مدينة «بنغازي» في ضواحي الهواري والقوارشة وسيدي فرج، إضافة لمناطق الوديان والغابات الواقعة جنوب مدينة «درنة»، بينما تعد مدينة «البيضا» الأكثر أمنا بسبب طبيعتها القبلية والجغرافية.
من ناحية أخرى، وفيما يتعلق ببيان قذاف الدم، قال أحد المقربين منه في القاهرة لـ«الشرق الأوسط» إن المقصود بتعبير «كافة أفراد الشعب المسلح»، هم «جميع أطياف الجيش من القوات البرية والبحرية والصاعقة وغيرها»، كما أضاف أنه يقصد به أيضا «جميع خريجي الكليات العسكرية والحربية في ليبيا». ويأتي هذا في وقت يتزايد فيه حراك «المهجرين الليبيين» في عدة دول خاصة دول الجوار الليبي، وذلك من أجل لفت نظر العالم لقضيتهم وللضغط لإيجاد نظام سياسي مستقر في البلاد التي تعمها الفوضى منذ الإطاحة بنظام القذافي ومقتله في خريف 2011.
ومن المقرر أن ينعقد مؤتمر بالقاهرة للمهجرين الليبيين، يوم الأحد المقبل وفقا لما أعلنه ما يعرف بـ«مجلس القبائل الليبية» بمصر. وسبق أن أقام مهجرون ليبيون في تونس مؤتمرا الأسبوع الماضي، شاركت فيه عدة شخصيات ليبية ووجهاء ممن يخشون على حياتهم في ظل النظام الجديد في طرابلس الغرب.
ويقيم قذاف الدم في القاهرة منذ نحو ثلاث سنوات، ولم يعلن تأييده صراحة للعملية العسكرية التي يقودها اللواء المنشق خليفة حفتر ضد الإسلاميين المتشددين في البلاد. وقال قذاف الدم في بيان أصدره أمس: «نعلن بأننا ندعو لحراك جديد يتجاوز الماضي، ويطيح بالحاضر البائس، ويضع مستقبلا مزدهرا لكل الليبيين دون إقصاء أو تهميش أو مزايدة».
وظهر قذاف الدم في أيام الثورة المسلحة ضد القذافي، والتي شارك فيها حلف الناتو بالقصف الجوي، كرجل ينأى بنفسه عن سياسات العقيد الراحل حين كانت مقاليد البلاد تفلت من يد القذافي في طرابلس الغرب. وخرج قذاف الدم من ليبيا أثناء المواجهات الكبرى بين قوات «الثوار» وقوات القذافي. وثارت أقاويل وقتها عن أنه كان في مهمة لدعم النظام السابق، إلا أنه نفى ذلك عدة مرات.
وكشفت مصادر قريبة من قذاف الدم عن أن له اتصالات مع عدة أطراف في الداخل الليبي، وأخرى مع شخصيات ليبية اضطرت للعيش في الخارج بسبب تردي الأوضاع الأمنية في البلاد. وأضافت أن قذاف الدم واجه على مدى الشهور الماضية مشكلة التوفيق بين بعض ممن يرفعون شعارات «ثورة فبراير عام 2011»، ومن ما زالوا يرفعون شعارات «ثورة القذافي عام 1969». وتابعت قائلة إن قذاف الدم طلب أخيرا من الطرفين أن ينحيا الشعارات والخلافات جانبا، من أجل إنقاذ الدولة الليبية.
وأعلن قذاف الدم في بيانه أمس، والذي تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، أن دعوته التي أطلقها لليبيين من أجل «حراك جديد يتجاوز الماضي»، جاءت بعد «التواصل المستمر، ولأشهر كثيرة مع أحرار ليبيا»، و«بعد أن أصبح الصمت يلحق العار التاريخي بالجميع». وقال: إن وضع «مستقبل زاهر لكل الليبيين»، لن يتحقق إلا بوحدة كل أبناء الشعب بغض النظر عن الرايات والشعارات والطرح السياسي. كما دعا إلى عودة كافة المهجرين، والإفراج الفوري عن كافة المعتقلين. وقال: «بعد هذا الدمار والجرائم والنهب والسجون.. وغياب الدولة، لا ندري من سيحاكم من».
وأضاف قائلا في بيانه: «إننا نقبل عند قيام الدولة الجديدة، بأن يحاكم كل من أجرم في حق الوطن من الطرفين أمام محكمة عادلة». كما أعلن رفضه لـ«كل التدخلات الأجنبية في شؤون ليبيا من كافة الدول والأطراف»، إلا أنه دعا المجتمع الدولي لرعاية حوار بين القبائل، وقال: «ندعو المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته، وأن يرعى على الفور حوارا يضم كافة القبائل، والفعاليات الليبية دون استثناء، لوضع النقاط على الحروف لتنفيذ ما جاء في هذا البيان.. عندما يجري التوافق عليه».
ودعا قذاف الدم «كافة أبناء شعبنا الذي روعته هذه المأساة والفرقة، وبات يحلم بالأمن والأمل، بعد هذه الآلام، أن يتبنى هذا النداء.. والتعبير عن ذلك بخروج جماهيري في كافة المدن والقرى يدا بيد، ليسمع العالم صوتنا، ونقف معا شركاء في الوطن وحراس له وحماة لوحدته وأمنه».
وتنظر بعض الأطراف الليبية التي ترفض أي حوار مع محسوبين على النظام السابق، بعين الريبة إلى أنشطة مجالس القبائل الليبية التي تأسست أخيرا في عدد من دول الجوار الليبي، وتتخوف من أن تكون هذه المجالس أوعية لتجمع أنصار نظام القذافي، لكن قيادات في مجالس القبائل أعلنت أن الهدف من تحركاتها «إنساني يهدف إلى لفت أنظار العالم للمأساة التي يتعرض لها مئات الألوف من الليبيين الذين اضطروا لترك منازلهم ومدنهم والعيش في المنفى».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.