الحكومة اللبنانية أبلغت مفوضية اللاجئين خشيتها من فتور المنح لإعانة السوريين

وزير الشؤون الاجتماعية لـ «الشرق الأوسط»: نعيل ونطعم ونطبب شعبا آخر

عائلة سورية لاجئة تنتظر في بيروت زيارة مسؤول من المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة في اليوم العالمي للاجئين أمس (رويترز)
عائلة سورية لاجئة تنتظر في بيروت زيارة مسؤول من المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة في اليوم العالمي للاجئين أمس (رويترز)
TT

الحكومة اللبنانية أبلغت مفوضية اللاجئين خشيتها من فتور المنح لإعانة السوريين

عائلة سورية لاجئة تنتظر في بيروت زيارة مسؤول من المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة في اليوم العالمي للاجئين أمس (رويترز)
عائلة سورية لاجئة تنتظر في بيروت زيارة مسؤول من المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة في اليوم العالمي للاجئين أمس (رويترز)

يحل يوم اللاجئ العالمي، الذي يحتفل به العالم اليوم ثقيلا على الدول المجاورة لسوريا، وبشكل خاص في لبنان، الذي بات يئن تحت عبء النزوح السوري، مع تقديرات تشير إلى تواجد أكثر من مليون ونصف المليون سوري في لبنان، يتوزعون بين نازحين وعمال موجودين قبل بدء الأزمة، إضافة إلى ميسورين ورجال أعمال مقيمين على نفقتهم الخاصة.
وليس اختيار المفوض السامي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش البلد الذي يستضيف العدد الأكبر من النازحين السوريين، للتوجه إليه وإحياء يوم اللاجئ العالمي وإطلاق تقرير شامل عن حركات النزوح في العالم، بتفصيل عابر. ولا يأتي هذا الاختيار عن عبث، بل عن اقتناع بضرورة لفت أنظار العالم والدول المانحة إلى لبنان، الذي أظهر «سخاء» في استضافة النازحين السوريين، بما يتجاوز إمكانياته وقدرته على التحمل، في ظل أزمة سياسية واقتصادية وأمنية خانقة.
هذا الاقتناع عبر عنه غوتيريش بنفسه أمس من بيروت، إثر مشاركته في اجتماع ترأسه رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام للجنة الوزارية اللبنانية المكلفة متابعة أوضاع النازحين السوريين، بقوله: «اخترنا لبنان لإحياء هذه المناسبة (يوم اللاجئ) لإظهار امتناننا وتقديرنا لهذا الأمر، تجاه ما تقوم به الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني الذين يستضيفون أكثر من مليون نازح سوري، وهذا الرقم يوازي ربع عدد سكان لبنان والذين يؤمنون الحماية لهم بسخاء لافت». وأوضح أن «الهدف من هذا الإحياء في لبنان هو لفت نظر المجتمع الدولي لأنه يجب أن يواكب السخاء اللبناني بتضامن ملموس من قبل المجموعة الدولية، ليس فقط من أجل الدعم الإنساني لأنه حتى الساعة، مع الأسف، غير كاف من حيث التمويل ولكن أيضا في مواجهة الاحتياجات». وذكر أن «المجتمع الدولي التزم بدعم الحكومة اللبنانية في خريطة الطريق، من أجل الاستقرار ولكي تكون البرامج التعليمية والصحية والبنية التحتية التي تواجه ضغطا هائلا، نتيجة النمو الديموغرافي الناتج عن النزوح السوري الكثيف، حتى يتمكن لبنان من الحصول على الدعم الدولي اللازم ليس فقط من أجل تلبية احتياجات النازحين السوريين، بل الشعب اللبناني الذي يعاني من ضغط كبير».
ووفق إحصائيات مفوضية شؤون اللاجئين، يستضيف لبنان أكثر من مليون ومائة ألف نازح سوري، 52 في المائة منهم من الإناث، لكن تقديرات غير رسمية ترجح أن عدد السوريين المقيمين حاليا بلبنان أكبر بكثير، مع وجود نحو نصف مليون عامل سوري على الأقل كانوا يقيمون بلبنان قبل بدء أزمة سوريا.
وأدى ازدياد عدد النازحين وانتشارهم العشوائي في المناطق اللبنانية إلى ضغط كبير على البنى التحتية والخدمات والنظامين الصحي والتربوي، عدا عن تداعياته على الأمن والاقتصاد اللبناني الذي لم يسلم أساسا من تداعيات أزمة سوريا منذ اندلاعها منتصف شهر مارس (آذار) 2011. وساهم تخلف الدول والجهات المانحة عن الإيفاء بتعهداتها المالية في مضاعفة الضغط على الحكومة اللبنانية ووزاراتها المعنية. وفي هذا السياق، قال غوتيريش أمس إن «التضامن الدولي تجاه لبنان يجب أن يكون أقوى بكثير مما هو عليه حتى الآن وهذا هو الهدف الأساسي لوجودنا في لبنان»، مؤكدا «أننا نعي تماما التأثير الخطير الهائل جراء نزوح السوريين، وخصوصا في الاقتصاد والمجتمع من دون ذكر التأثير المقلق جدا من الأزمة السورية بالنسبة إلى الوضع الأمني في لبنان».
وفي هذا السياق، أعلن وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس لـ«الشرق الأوسط» أمس أن اللجنة الوزارية، التي تضم إلى الرئيس سلام كلا من وزراء الخارجية جبران باسيل، الداخلية نهاد المشنوق والشؤون الاجتماعية رشيد درباس، أبلغت المفوض السامي لشؤون اللاجئين: «خشية الحكومة اللبنانية من فتور حركة المنح». ولفت إلى أن الجهات المانحة لم تقدم إلا القليل من الدعم المادي. ففي حين لبتّ ما يعادل 53 في المائة من نداء التمويل الذي أطلقته الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية العام الماضي، لم تقدم خلال العام الحالي إلا 23 في المائة من المساعدات. ووفق إحصاءات مفوضية شؤون اللاجئين، على موقعها على الإنترنت، استجابت الدول والهيئات المانحة حتى منتصف الشهر الحالي بما قيمته 390 مليون دولار أميركي من أصل نداء التمويل البالغ 1.7 مليار دولار.
وقال درباس إنه «في حال تخلفت الدول المانحة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية أو إذا توقفت مع طول أمد الأزمة، سيكون علينا أن نعيل شعبا آخر ونطعمه ونكسوه ونطببه ونعلمه، إلى جانب الشعب اللبناني»، متسائلا: «هل نقوى على ذلك؟». ولفت إلى أن غوتيريش «متحمس مثلنا وأكثر وهو متعاطف كثيرا مع لبنان»، موضحا «أننا قدمنا عرضا مسهبا عن وضع لبنان وإمكانياته ليكون ذلك بمثابة جرس إنذار للعالم». وكان غوتيريش، وهو رئيس وزراء سابق للبرتغال، أشار بعد مشاركته في اجتماع اللجنة الوزارية أمس إلى أن «الحكومة اللبنانية عبرت عن قلقها تجاه هذا الوضع، وإضافة إلى إجراءاتها من خلال خطة عمل تحاول عبرها خفض عدد النازحين، كانت لنا فرصة للتباحث حول أوجه هذه الخطة، وسنواصل العمل معا. وقال: «من الطبيعي أن دورنا هو حماية النازحين، ولكننا نعي المأساة ليس للشعب السوري بل أيضا الشعب اللبناني، هذا الوضع الخطير الذي يجعل لبنان تحت ضغط».
من ناحيته، أفاد وزير الشؤون الاجتماعية، وفق بيان وزعته الوكالة الوطنية للإعلام، الرسمية في لبنان، بأن «رئيس الحكومة اللبنانية قدم للوفد شرحا وافيا عن الأوضاع التي يعيشها السوريون في لبنان والمعاناة التي يعانيها الشعب اللبناني، والثقل الذي تنوء به الدولة اللبنانية جراء وجود مليون ونصف شقيق سوري يعادلون ثلث الشعب اللبناني».
وأشار إلى أنه «جرى طرح عدة نقاط من قبل رئيس مجلس الوزراء والوزراء تمحورت حول ضرورة الحد من النزوح السوري»، كاشفا أنه «تم إبلاغ المفوضية أن الحكومة اللبنانية لن تقبل بعد الآن نازحين إلا إذا كان النزوح بسبب المعارك في مناطق كبيرة من الحدود اللبنانية، كما أبلغت المفوضية أن من يغادر الأراضي اللبنانية إلى سوريا يكون قد أسقط عن نفسه صفة اللاجئ المعرف عنها بالمادة الأولى من اتفاقية جنيف للعام 1951».
واستهل غوتيريش زيارته إلى لبنان أمس بتفقد أحد تجمعات النازحين السوريين. وقال: إن «هناك حاجة أكثر من أي وقت مضى لوجود حالة من التعاطف والتضامن من المجتمع الدولي مع اللاجئين السوريين والدول التي تستضيفهم»، مكررا الإشارة إلى أن «ما يقوم به المجتمع الدولي قليل للغاية بالمقارنة مع معاناة الناس الذين التقينا بهم واحتياجاتهم».
ولفت إلى أن «20 في المائة فقط من الأطفال السوريين في لبنان ملتحقون بالتعليم الرسمي في المدارس الرسمية التي تمنح شهادات تساعدهم على المضي قدما في حياتهم. لذلك فإن ما نقوم به ضئيل جدا. نحتاج لدعم أكثر بكثير لبلد مثل لبنان أو الأردن، وهي دول تواجه تحديا هائلا».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.