الحكاية الغريبة لحياة وموت مالك بنجلول

من الأوسكار إلى الانتحار

مالك بنجلول
مالك بنجلول
TT

الحكاية الغريبة لحياة وموت مالك بنجلول

مالك بنجلول
مالك بنجلول

في الـ14 من الشهر الماضي، وقبل ساعات من بدء مهرجان «كان» الحافل، أقدم مخرج شاب على الانتحار. وقف عند رصيف محطـة سولنا سنترم في مدينة استوكهولم بانتظار وصول القطار كسواه في ساعة مسائية مزدحمة. أول ما وصل القطار السريع رمى نفسه أمامه. المخرج هو مالك بنجلول.
قبل سنة وشهرين تقريبا، كان هذا الشاب في محفل مختلف. لقد وقف على المنصـة سنة 2013 ليتسلم أوسكار أفضل فيلم تسجيلي عنوانه «البحث عن شوغرمان» Searching for Suger Man حول مغنٍّ من مدينة دترويت الأميركية ظهر في الستينات واختفى قبل نهاية ذلك العقد، حتى ظـن أنه مات، لولا أن المخرج اكتشف وجوده في العقد الماضي من هذا القرن، حيـا يرزق في جنوب أفريقيا حيث لا يزال يغني. قرر بنجلول البحث عنه وتحقيق هذا الفيلم حول حياته وتأثيره السابق على المشهد السياسي في بلاده، عندما كانت تلك راضخة لسياسة التمييز العنصري، ثم ما بعد زوال ذلك النظام.
الأغنية الرئيسة التي يتولـى الفيلم تقديمها بعزف وصوت سيكستو رودريغيز تبدأ بالقول: «شوغرمان.. ألا تستعجل؟ لأني متعب من هذا المشهد». إنها أغنية حزينة كما الفيلم. تبدو كلماتها موجـهة إلى ملاك الموت لتعكس لا حالة المغني فقط، بل حال المخرج الذي فاجأ الوسط السينمائي بانتحاره. كتبها سيكستو في الستينات وفي باله تاجر مخدرات (شوغرمان) لكن بنجلول كان مدمنا فقط على الحياة.. هذا إلى أن قرر بأن يتركها وراءه ولأسباب تبقى غامضة.

* دوافع

* ما أصاب مالك بنجلول، تؤكد التحقيقات، هو شعور بالكآبة تسلل إلى نفسه وعايشه لفترة أشهر قبل أن يزداد وطأة ويقوده في ذلك اليوم إلى فعلته. عالم النفس الدكتور الأميركي أليكس ليكرمان يكتب في مجلة «سايكولوجي توداي» حول الكآبة واضعا إياه في المرتبة الأولى بين ستة أسباب تدعو البعض للانتحار. يقول: «الألم الناتج عن الحياة يصبح فعلا لا يطاق بالنسبة للمنتحين. تتسلل الكآبة إلى التفكير فإذا به ينقاد إلى البال ويشل التفكير»، ويضيف: «اليأس هو ببساطة طبيعة مرضية. ومن يعانون من اليأس عادة ما يعانونه بصمت. يخططون للانتحار من دون معرفة أحد».
وهذا ما حدث مع محيط بنجلول من الأقارب والأصدقاء. لقد لاحظوا أن الرجل بات منطويا وكئيبا ولو أن أحدهم لم يتوقع له أن ينتحر تبعا لذلك. عندما انتشر الخبر بعد ساعات قليلة، حل الوجوم مكان المفاجأة وفي اليوم التالي انطلقت التساؤلات حول لماذا يقرر سينمائي في مطلع عهده بالنجاح، وعلى رأس سلـم الشهرة الذي صعده بلا مقدمات تذكر، على الانتحار؟ ما السبب في أن الكآبة، عوض البهجة، والإحباط عوض النشاط واليأس بدل السعي حط عليه وغيـر من منهجه حياته وأذاب الآمال التي لا بد ارتسمت له عندما نطق المقدم باسمه دون سواه، فانتفض من مكانه وسار إلى المنصـة وعلى وجهه ابتسامة طفولية كبيرة؟
الصحافي سكوت جونسون حاول معرفة الجواب على ذلك. غاص، في مقال كتبه لإحدى المجلات الأميركية، في حياة المخرج المولود في السويد وبحث فيما قد تكون الدوافع والأسباب والنتيجة موضوع غلاف لمجلة «ذا هوليوود ريبورتر» المرموقة وصفحات من الملامح إلى تكون بمجموعها صورة داكنة لشخص وصفه بعض معارفه بالقول: «أقل الأشخاص احتمالا لأن ينهي حياته على هذا النحو».
ما نعرفه بعيدا عن ذلك التحقيق، هو أن المخرج الذي هو أول مخرج عربي الأصل ينال الأوسكار فعلا، ولد في بلدة يستاد في جنوب السويد بتاريخ 14 سبتمبر (أيلول) سنة 1977. والده اسمه حسين بنجلول، وكان طبيبا جزائريا هاجر إلى السويد وتزوج من امرأة سويدية تعمل في ترجمة الكتب. هو ثاني أولاد العائلة إذ يكبره شقيقه جوهر بعامين. وهو باشر عمله ممثلا في حلقات تلفزيونية سنة 1990 عنوانها «إيبا وديدرك»، لكنه بعد ذلك انشغل في تحقيق أفلام صغيرة وقصيرة لعروض تلفزيونية مختلفة. كما شغل نفسه بالانخراط في برنامج دراسي لشؤون «الميديا» في جامعة كالمار. ووجد عملا في مؤسسة تصاميم وإنتاج محلي اسمها «كوبرا» شغله لعدد من السنوات التي سبقت تحقيق فيلمه الأوسكاري الذي كان أول فيلم يخرجه.

* القاع.. القمـة.. القاع

* مشروع هذا الفيلم ورد سنة 2006. بنجلول كان حط في مدينة كايب تاون في جنوب أفريقيا زائرا، وذلك ضمن برنامج رحلات أراد منها أن تلهمه موضوعا يخرجه فيلما. هناك التقى برجل يملك محل أسطوانات اسمه ستيفن سيغرمان، وهذا قص عليه حكاية مغنٍّ أميركي اسمه سيسكتو رودريغيز مشهور في جنوب أفريقيا ومجهول في باقي العالم. حين بعث بنجلول بفكرة تحقيق فيلم قصير لشركة «كوبرا»، ردت عليه تلك بأن المادة قد تستحق فيلما تسجيليا طويلا. لكن المشكلة، وكما يعبـر الفيلم بصدق، كانت في أن رودريغيز، المعروف بـ«شوغرمان»، كان شخصا متواريا عن الأنظار. يعيش في انطواء تام. بحث بنجلول عنه، ذاك الذي تحول إلى أكثر من عنوان فيلم، دام سنوات قليلة، وبعدها سنوات أخرى لصنع الفيلم حول ذلك الرجل الذي كان لا ينشد الشهرة، حتى ولو كانت على مقربة منه. ما حدث بعد ذلك هو ما قاد للتغيير. هذا الشاب الذي اندفع مؤمنا بعمله، وانتقل به إلى مهرجان «صندانس» في العام الماضي ودخل به مسابقة الأوسكار، وجد نفسه (كما يرجح التحقيق) كما لو سدد الضربة التي لا يمكن تجاوزها.
هل يكون هذا النجاح نهاية المطاف عوض أن يكون باكورة الطريق؟ هل يعقل أن يصل مخرج إلى القمـة ولا يرى منها سوى النزول؟ لماذا لم يوظـفها وينتقل منها إلى قمـة أخرى أو (على الأقل) يواصل العمل مستغلا النجاح الذي حققه؟ هل السبب في انحداره بعد ذلك يعود إلى أن هذا النجاح كان مبكرا جدا؟
الأخبار التي وردت مباشرة بعد فوزه بالأوسكار هي أنه جالس بعض المنتجين، الذين تدارسوا وإياه مشاريع محددة اقترحوها عليه. بعد أن أمضى المخرج أشهرا في الولايات المتحدة عاد إلى استوكهولم، وإلى أصدقائه ومحيطه. وحين سألته المنتجة كارين كلينتبيرغ عما إذا كان على موعد ما لتحقيق فيلم أميركي، بدا غير واثق. سريعا من بعد بدا وقد فقد الثقة بكاملها. أخذ سلوكه بالتغير بتدرج غير ملحوظ، ثم ملحوظا إلى أن وقع تحت ركام تلك الكآبة لأسابيع قبل إقدامه على الانتحار.
سيبقى السؤال قائما حول أسباب محددة أكثر دفعت مخرجا واعدا قفز إلى النجاح بسرعة يتمناها عشرات ألوف المخرجين إلى طي صفحة حياته. كيف يمكن لأحد أن يقفز من الأوسكار إلى الانتحار؟
طبيبة نفسية اسمها دونا روكول، تحدثت عن هذا الشأن بقولها: «الشهرة مثل حادث سيارة من حيث وقع التجربة» ورأت بعد دراسة شملت عددا من الممثلين والمخرجين الذين تأثروا بنجاحهم على نحو أو آخر أنه بالنسبة لشخص «عاش حياة طبيعية من قبل، فإن النجاح المفاجئ في عالم من الأضواء قد يكون أكثر مما يستطيع تحمـله».
ربما هذا ينطبق على مالك بنجلول، وربما لا. لا أحد يستطيع أن يتأكد، فقد حمل سره معه.

* ليس الأول

* مالك بنجلول ليس الأول الذي انتحر بعد فوزه بالأوسكار، أو حلـق في الترشيحات الرسمية له: الممثل تشارلز بوير (الذي رشح لأربع أوسكارات) انتحر سنة 1978 حزنا على رحيل زوجته. الممثل البريطاني جورج ساندرز نال أوسكار أفضل ممثل مساند عن «كل شيء عن حواء» سنة 1950، وانتحر سنة 1972 تاركا رسالة قصيرة عبر فيها عن ملله من الدنيا. ومن بين آخرين، أطلق الممثل رتشارد فارنسوورث النار على نفسه سنة 2000 وبعد أشهر قليلة من ترشيحه لأوسكار أفضل ممثل عن دوره البطولي في فيلم ديفيد لينش «قصـة سترايت».



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً