7 قطاعات للإنفاق الإيراني لدعم النظام السوري

تشمل دعم ميليشيات من أفغانستان ونفقات عسكرية واقتصادية

الجنرال الإيراني قاسم سليماني وسط قوات عراقية في تكريت. (أرشيفية)
الجنرال الإيراني قاسم سليماني وسط قوات عراقية في تكريت. (أرشيفية)
TT

7 قطاعات للإنفاق الإيراني لدعم النظام السوري

الجنرال الإيراني قاسم سليماني وسط قوات عراقية في تكريت. (أرشيفية)
الجنرال الإيراني قاسم سليماني وسط قوات عراقية في تكريت. (أرشيفية)

«اخرجوا من سوريا، فكروا في مصائبنا» كانت من الشعارات التي ترددت خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد نهاية العام الماضي، والتي اندلعت في أكثر من 100 مدينة إيرانية.
وقبل 7 سنوات، عندما شرعت إيران في التورط بالمستنقع السوري، كان الخطاب الذي روجت له السلطة يدور حول محاولات إيران توفير الحماية اللازمة للمزارات الشيعية من عبث المتطرفين هناك، وسمتها بـ«الاستراتيجية الدفاعية» غير المعنية بالتورط في الصراع السوري واسع النطاق من أجل السلطة بين الرئيس بشار الأسد وخصومه.
وبعد سقوطها في هوة التداعيات غير المحسوبة لمهمتها المقدسة، سرعان ما أعادت طهران صياغة خطابها من واقع أنها الضامن الرئيسي لبقاء نظام الأسد على رأس السلطة، وهو الهدف الذي وصف حينها بالحيوي والحاسم من زاوية اعتبارات الأمن القومي الإيرانية.
وبدأ الانخراط الروسي بعد مرور عامين كاملين من اندلاع الصراع في سوريا، وجاء ظهور الرئيس فلاديمير بوتين السريع باعتباره المحرك الرئيسي للأحداث داخل سوريا كضربة موجعة للخرافة الإيرانية بأنها اللاعب الأول في هذا الصراع، الأمر الذي استدعى جملة من الشكاوى الإيرانية، خفيضة النبرة في بادئ الأمر ثم علت نبرتها بمرور الوقت وتوالي الأحداث، بشأن أسباب ما سماه عضو المجلس الإسلامي الإيراني محمود صادق في طهران بأنه «المغامرة الإيرانية في سوريا».
حاول الرئيس حسن روحاني إعادة صياغة الرواية السورية بالقول إن إيران «تلتزم بإظهار أعلى درجات الإيثار وإنكار الذات من خلال مد يد العون والمساعدة للأشقاء السوريين المحتاجين».
وقال الشهر الماضي: «حتى في أحلك ظروف حياتنا فإننا نقتطع من قوت يومنا لمساعدة إخواننا في سوريا».
وفي ظل العدد الهائل من الخسائر في الأرواح الذي تكبدته إيران وحلفاؤها من اللبنانيين والباكستانيين والأفغان، والمعلن عنها بصفة رسمية، فإن السؤال الذي تطرحه شريحة في إيران الآن يدور حول التكاليف المالية للمغامرة الإيرانية داخل سوريا. ووفقا لذلك، يمكن تقسيم الالتزامات المالية الإيرانية داخل سوريا إلى سبع فئات أساسية.
الفئة الأولى، تتألف من قيمة الأسلحة والعتاد العسكري الذي توفره إيران للقوات المؤيدة لبشار الأسد. وتشتمل هذه الأسلحة والعتاد على صواريخ أرض - أرض إيرانية الصنع منضبطة وفق الصاروخ الصيني طراز «سيلكورمس»، الذي تم تطويره بالأساس لاستخدامه في البحر. وهناك عنصر رئيسي آخر يتكون من مركبات مدرعة تفيد التقارير بأن إيران قد سلمت 400 منها لتعويض الخسائر التي لحقت بالفرقة الرابعة المدرعة بالجيش الحكومي السوري. ووفقاً لتقديرات الباحثين في إيران، فإن بلادهم قد أمدت الجيش السوري أيضاً بما يزيد على 500 بطارية من المدفعية الثقيلة روسية الصنع لاستخدامها في قصف المراكز الحضرية في البلاد.
ونظراً لأن أغلب الأسلحة والعتاد الذي يذهب إلى سوريا يخرج بالأساس من مخازن الأسلحة الإيرانية، وهي الإمدادات التي ترجع في غالب الأحيان إلى سنوات مضت، فمن العسير تقدير أسعارها بحسابات اليوم. ومن المحتَمَل أن تكون إيران قد عملت على إعادة تدوير نظم أسلحتها القديمة في جزء من خطة أوسع لتجديد ترسانتها الوطنية من الأسلحة والمعدات. ورغم ذلك، يذهب المحلل الإيراني رضا صابري، إلى أن قيمة الأسلحة التي وفرتها إيران إلى النظام السوري تقدر بنحو 1.2 مليار دولار تقريباً.
الفئة الثانية، تتألف من إمداد قوات الأسد بالنفط والمنتجات النفطية. ويجري ذلك ضمن سياق حد ائتماني أنشأته طهران لصالح سوريا. وبين أكثر الأرقام مصداقية، من التي ذُكرت عبر وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، تضع حجم هذا الحد الائتماني بين 2 و3 مليارات دولار على أساس سنوي. ويسمح ذلك الحد الائتماني بتوفير ما يزيد على 6 مليارات دولار على أساس سنوي، ويشتمل على الإمدادات الغذائية واللوازم الطبية التي أعلن وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف عن أن قيمتها تدور في حدود 2.5 مليار دولار في العام الواحد.
الفئة الثالثة، «تحويل الأموال». وهذا يعني أن إيران تقوم بتصدير قدر معيَّن من النفط المحلي بالنيابة عن سوريا مع تفاهمات بينية تفيد بأن سوريا ستقوم بالسداد في الوقت المناسب، وفق ترتيب يعفيها من أية فوائد مترتبة على ذلك.
ووفقاً إلى جيسي شاهين، الناطقة الرسمية باسم مكتب ستيفان دي ميستورا، المبعوث الأممي الخاص بالشأن السوري، فإن الأموال المحوَّلة من إيران تمنح حكومة بشار الأسد ما متوسطه 6 مليارات دولار في العام، وهو المبلغ الذي يُنفق إلى حد كبير على سداد رواتب موظفي الخدمات المدنية والجيش من الموالين، بدرجة أو بأخرى، إلى النظام الحاكم في دمشق.
أما الفئة الرابعة، تتمحور حول «أموال الطوارئ» التي أُنفِقَت في عامي 2012 و2013. ووفقاً لنديم شحادة، البروفسور لدى جامعة تافتس الأميركية، فإنه قد استشهد بتقرير من إعداد علي نديم في هيئة الإذاعة البريطانية يفيد بأن هذه الأموال تبلغ نحو 14 إلى 15 مليار دولار. وتقول مصادر في طهران إنه قد تم توزيع «أموال الطوارئ» بمساعدة المصارف الخاصة في النمسا وإيطاليا على مدى 30 شهراً في صورة دفعات تتراوح قيمتها بين 300 دولار وحتى 1.2 مليار دولار.
وتتألف الفئة الخامسة من الأموال اللازمة للمحافظة على تدفّق القوات شبه العسكرية التي تتكون من «متطوعي الشهادة» القادمين بأعداد كبيرة من أفغانستان، وباكستان، وبأعداد أقلّ من العراق. وكانت المظلة الإيرانية التي انضوت تحتها هذه القوات هي «فرقة الفاطميين»، التي كانت لواءً شِبه عسكري بالأساس، وتشكلت من قوات المرتزقة بأعداد بلغت 12 ألف مقاتل حتى عام 2016.
وفي ذلك الوقت، قال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس المتفرع عن الحرس الثوري الإيراني، وهو الجهاز المعني بتنسيق العمليات العسكرية الإيرانية داخل سوريا، أن العنصر الواحد من عناصر «متطوعي الشهادة» لا يتلقى أكثر من 100 دولار فقط شهريّاً. لكن بعض أعضاء المجلس الإسلامي في إيران قالوا إن الراتب الشهري لتلك العناصر يقارب الألف دولار نقداً في الشهر، كما أن «فليق القدس» يدفع «بدل إعاشة» لعائلات جنود «متطوعي الشهادة». وإجمالاً للقول، فإن «فرقة الفاطميين» والعناصر التابعة لها تكلف إيران ما يقارب المليار دولار سنويّاً. وهذا لا يشتمل على 800 مليون دولار أخرى تسدد سنوياً إلى الفرع اللبناني من تنظيم حزب الله الإيراني بزعامة حسن نصر الله.
وتأتي الفئة السادسة من الدخل لتمويل الحرب في معسكر بشار الأسد، التي تصفها طهران بـ«التجارة الثنائية».
وأغلب هذه الفئة، بطبيعة الحال، تغلب على طبيعتها «التجارة العابرة» مع الشركات الإيرانية التي تبيع النفط، والغاز الطبيعي، والفوسفات إلى دول أخرى. ووفقاً إلى الجنرال يحيى رحيم صفوي المستشار العسكري للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، فإنه بالإضافة إلى العلاقات التجارية مع النظام السوري، فإن إيران قد حازت على تعاقد كبير للهواتف الجوالة في سوريا مع احتمالات بإيجاد مصدر كبير وجديد للدخل يُوجَّه لتمويل الحرب السورية.
وبين مصادر الدخل الرئيسية للنظام السوري كانت الأموال التي أنفقها الحجيج الإيرانيون، البالغ عددهم نحو 1.2 مليون حاج، الذين وفدوا إلى زيارة مزارات شيعية سنويّاً قبل عام 2011. ومع ذلك، فإن معين تدفق الحجاج الإيرانيين قد جفّ تماماً عن سوريا مع تحول الحجيج إلى زيارة المزارات في العراق. وفي هذه الأثناء، تعرضت بعض أسس البنية التحتية، التي تشتمل على أكثر من 100 فندق في سوريا، والتي شُيِّدت بالأموال الإيرانية، إلى أضرار بالغة، أو صارت خاوية ومهجورة تماماً داخل المناطق السلمية سابقاً، التي تحولت إلى ساحات قتال في الحرب الأهلية الحالية.
وتفيد بعض الدراسات في جانب تقدير الخسائر الإيرانية على هذا المسار بأكثر من ملياري دولار بعدما أصبحت كثير من هذه البنية التحتية يستحيل عودتها إلى العمل والخدمة بعد اندلاع الحرب.
ويشكل المصدر السابع ما تنفقه الحكومة الإيرانية بهدف المحافظة على بقاء 13 ألف عنصر من قواتها النظامية، الذين يتحركون في غالب الأحيان تحت غطاء المستشارين أو الفنيين في سوريا.
وليست هناك أرقام رسمية متاحة. لكن إن حصلت القوات النظامية الإيرانية في سوريا على القدر ذاته من المعاملة التي تتلقاها عناصر الجيش الوطني داخل إيران نفسها، فإن التكلفة السنوية يمكن أن تدور حول 3 مليارات دولار، من حيث الرواتب ومصاريف التعهد والرعاية، دون الأخذ بعين الاعتبار تكاليف الأسلحة والمعدات المستخدمة.
وأكثر التقديرات المحافظة تفيد بأن إيران تنفق قرابة 12.7 مليار دولار على أساس سنوي في سوريا وحدها، ولا تسترد من هذه القيمة أكثر من ملياري دولار سنويّاً في صورة الصفقات التجارية المبرمة مع سوريا بشأن الطاقة والمواد الخام.
ووفقاً للمصادر المطلعة في طهران، فإن جزءاً من الأموال المطلوبة يأتي من خلال فرض تعريفة جمركية خاصة بنسبة 1 في المائة على جميع واردات السيارات الأجنبية في إيران، مع إضافة تلك العوائد على حساب «المقاومة» الخاص، الخاضع تماماً لسيطرة المرشد الإيراني الأعلى.
ومن مصادر التمويل الأخرى هناك «التبرعات الطوعية» التي من المفتَرَض أنها موجهة للدفاع عن أو إعادة تشييد المزارات الشيعية. وبموجب هذا المخطط، هناك حصص مفروضة على 26 من أصل 31 محافظة إيرانية لجمع الأموال عن طريق الشركات المحلية، ومن خلال التبرعات المتحصَّل عليها من المساجد والبازارات (الأسواق). وتستثنى من ذلك المحافظات ذات الأغلبية السنية في البلاد. وبما أن هذه التبرعات يجري جمعها بواسطة أئمة صلوات الجمعة في كل أسبوع فمن العسير للغاية الوقوف على النسبة المحددة التي تذهب إلى الصندوق المركزي للتبرعات، ومقدار ما يُحتفظ به لدى رجال الدين المعنيين أنفسهم.
ولقد دعا صادق زيبا كلام الأستاذ في جامعة طهران، القيادة في إيران أخيراً إلى مراجعة تورطها في المستنقع السوري. وكوفئ على ذلك بحكم بالسجن لمدة عام ونصف العام.
ورغم ما تقدم، بدأ الكثيرون من الإيرانيين في إدراك التكاليف الباهظة للحرب السورية، سواء من حيث الخسائر البشرية الكبيرة أو الأعباء المالية الهائلة. وبذلك، يعتقد بعض المحللين أن هناك بالفعل حاجة ماسة إلى إعادة النظر والتفكير فيما يعتبره بعض الإيرانيين بأنه «الاستراتيجية الخاسرة».



رحيل البريطاني بول كونروي... شاهد العيان على «مجزرة الصحافيين» في بابا عمرو

الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
TT

رحيل البريطاني بول كونروي... شاهد العيان على «مجزرة الصحافيين» في بابا عمرو

الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)

عاد اسم المصوّر الصحافي البريطاني بول كونروي إلى الواجهة، مع استعادة واحدة من أبرز التجارب الإعلامية التي وثّقت مرحلة مفصلية من تاريخ الثورة السورية، وذلك بعد رحيله، أمس (السبت)، عن عمر ناهز 61 عاماً إثر أزمة قلبية مفاجئة، ومسيرة حافلة في تغطية أخطر الحروب، وبؤر الصراع حول العالم، مثل البلقان، ليبيا، سوريا، أوكرانيا، وغيرها.

استحضار تجربة كونروي اليوم لا يأتي من باب التوثيق فقط، بل بوصفها شهادة حية على الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحقّ المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، حتى الصحافيون الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة، حيث كانت مهمته الصحافية أكثر من مجرد توثيق، كانت مواجهة مباشرة مع آلة القتل، ومحاولة لإيصال الحقيقة إلى العالم رغم الحصار والقصف والتهديد الدائم للحياة، بحسب وكالة «سانا» الرسمية.

المصوّر الصحافي البريطاني بول كونروي رحل عن 61 عاماً إثر أزمة قلبية (إكس)

كونروي كان واحداً من القلائل الذين تمكنوا من دخول حي بابا عمرو في مدينة حمص عام 2012، في وقت كانت فيه الصورة تحاصر كما البشر، وكان الوصول إلى الحقيقة محفوفاً بالموت.

هناك، تحولت مهمته الصحافية إلى مواجهة مباشرة مع آلة القتل، حين تعرض المركز الإعلامي الذي كان يعمل فيه لقصف، أسفر عن مقتل الصحافية الأميركية ماري كولفن، والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، فيما أُصيب هو، ونجا لاحقاً بعد إخراجه إلى لبنان في عملية معقدة، شارك فيها ناشطون، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.

توثيق الجرائم... من قلب حمص

لم يكن ما وثّقه كونروي في بابا عمرو مجرد مشاهد حرب، بل دلائل حية على حجم الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق المدنيين. ووصف كونروي بعد خروجه القصف على حمص بأنه يشبه مذبحة سربرنيتسا (في البوسنة)، «مذبحة عشوائية للرجال والنساء والأطفال»، مشيراً إلى أن آلاف المدنيين ظلوا محاصرين بلا كهرباء أو ماء، وبقليل من الطعام، وسط البرد وتساقط الثلوج.

بول كونروي الصحافي البريطاني يرفع علم الثورة السورية من أمام السفارة السورية في لندن رفقة متظاهرين عام 2012

وقال كونروي وقتها من غرفته في مستشفى لندن: «كيف سمحنا لهذا أن يحدث؟ إنهم يموتون وهم بحاجة إلى المساعدة»، ودعا المجتمع الدولي إلى التدخل لإنقاذ سكان سوريا مما ينتظرهم، لتظل شهادته إحدى أكثر الروايات تأثيراً في نقل معاناة المدنيين إلى العالم.

وفي تلك المرحلة، شكّلت الصور والشهادات التي خرجت من حمص عنصراً أساسياً في كسر العزلة الإعلامية التي حاول النظام البائد فرضها، وكشفت حجم المعاناة الإنسانية الحقيقية.

محاولة لإسكات الحقيقة

في المكان ذاته الذي سقط فيه عدد من الصحافيين، كان استهداف الإعلاميين رسالة واضحة: إسكات الصورة، ومنع الحقيقة من الوصول إلى الرأي العام الدولي.

غير أن تلك المحاولة لم تنجح، إذ تحولت حادثة قصف المركز الإعلامي إلى نقطة تحول في مسار التغطية الإعلامية للأحداث، وساهمت في تسليط الضوء على الانتهاكات التي ارتكبت بحقّ الصحافيين والمدنيين على حد سواء.

بول كونروي أصدر كتاباً في بريطانيا عن تجربته في حي بابا عمرو بسوريا رفقة زميلته الصحافية الفرنسية الأميركية ماري كولفن التي قضت في المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد بحق الصحافيين في حمص 2012

بعد خروجه من حمص، لم تتوقف رواية كونروي عند حدود التجربة الشخصية، بل استمر في نقل شهادته عبر وسائل الإعلام والمنابر المختلفة، مستنداً إلى ما عايشه ميدانياً، ومسلطاً الضوء على الانتهاكات التي شهدها.

وشكّلت هذه الشهادات جزءاً من السردية التي نقلت معاناة السوريين إلى الخارج، وأسهمت في إبقاء القضية حاضرة في النقاشات الإعلامية والسياسية على المستوى الدولي.

مسارات العدالة الدولية

ومع مرور السنوات، عادت حادثة استهداف المركز الإعلامي في بابا عمرو إلى الواجهة، في سياق المسارات القضائية الدولية، حيث أصدر القضاء الفرنسي مذكرات توقيف بحقّ عدد من مسؤولي النظام البائد، على خلفية استهداف الصحافيين.

وتعكس هذه الخطوات استمرار الجهود الرامية إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، والتأكيد على أن استهداف المدنيين والصحافيين لا يمكن أن يمر دون مساءلة.

بين العدسة والرحيل... شهادة لا تموت

رحل المصور الصحافي بول كونروي، لكن إرثه باقٍ، حيث لم تكن عدسته مجرد أداة لتوثيق الأحداث، بل كانت صوتاً يصرخ بالحقيقة حين حاول النظام البائد طمسها، ووسيلة لإنقاذ الإنسانية في لحظات كان الموت فيها قريباً من كل زاوية.

في بابا عمرو، حيث قتل صحافيون ودمرت مبانٍ، ووسط القصف العشوائي الذي وصفه كونروي لاحقاً بـ«مذبحة للرجال والنساء والأطفال»، لم يخف من الاقتراب من الخطر، بل كان يركض نحوه لينقذ من يستطيع، مصوراً كل لحظة من الشجاعة والمعاناة والإنسانية.

صور وحكايات كونروي تبقى شاهدة على الحقائق التي حاول النظام البائد دفنها، وعلى الأطفال والنساء الذين عاشوا تحت الحصار والبرد والجوع، وعلى الصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة.

رحل كونروي، لكن صوته يبقى: في كل صورة نجت، في كل شهادة بقيت حية، وفي كل ذكرى للمدنيين الذين وثق معاناتهم، شهادة لم تمت، لأنها حملت الحقيقة، والحقيقة تبقى حية.


الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
TT

الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)

على الرغم من قيود الرقابة العسكرية الشديدة، تتسرب للإعلام العبري والأجنبي معلومات عديدة تبين كيف دارت عمليات الإعداد للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكيف تحققت المفاجأة التي كان لها دور حاسم في توجيه الضربة الأولى القاصمة، بيد أن المعلومة الأهم في هذه التسريبات هي ما يكشفه الطيارون الإسرائيليون الذين نفذوا عمليات الاغتيال الأولى. فهؤلاء يتحدثون عن «مفاجأة حقيقية» من سهولة نجاحهم في تنفيذها.

ويقصد الطيارون، الذين تحدثوا إلى الإذاعة الرسمية، الأحد، الغارات الأولى التي استهلت بها إسرائيل عملياتها الحربية، والتي لم يعرف بعد مدى الخسائر الإيرانية فيها.

ونقلت الإذاعة الرسمية أنه تم إرسال الطيارين لتدمير 3 مواقع، يجتمع فيها أهم القادة العسكريين والأمنيين، ومعهم المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعادوا منها وقد اغتالوا معه 42 شخصية قيادية، بينهم وزير الدفاع عزيز نصير زاده، وهو نفسه صاحب خبرة عسكرية غنية، إذ كان قد تولى عدة مناصب عليا في الماضي، مثل قائد سلاح الجو ونائب رئيس أركان القوات المسلحة، كما كان مسؤولاً عن الصناعات التي تنتج صواريخ بعيدة المدى ووسائل قتالية نُقلت إلى حلفاء النظام، وكذلك عن منظمة «سبند» التي دفعت مشاريع في مجالات السلاح النووي والبيولوجي والكيميائي.

كما اغتالوا علي شمخاني، الأمين العام لمجلس الدفاع، الذي تعتبره إسرائيل «من أبرز صُنّاع القرار الأمني في إيران والمستشار الشخصي للمرشد الإيراني علي خامنئي للشؤون الأمنية» وتحمله مسؤولية البطش الشرس في قمع المظاهرات الأخيرة التي أدت إلى مقتل أكثر من 30 الفاً، ومحمد باكبور، قائد «الحرس الثوري» الذي تقول عنه إنه «يعد من العقول المدبرة لـ«خطة تدمير إسرائيل»، وصلاح أسدي، رئيس شعبة الاستخبارات في قيادة الطوارئ وكبير ضباط الاستخبارات في القيادة العليا للقوات الإيرانية، وغيرهم.

أما الأمر الذي فاجأ الإسرائيليين أنهم استخدموا الأدوات نفسها التي اعتمدوها في يونيو (حزيران) الماضي، خلال الجولة الأولى للحرب، التي أصبحت تعرف بـ«حرب الـ12 يوماً».

ففي حينه، تم رصد اجتماع لرئاسة أركان سلاح الجو الإيراني في طهران، وتم تفجير المكان وقتل غالبية الحاضرين، ومع ذلك فإن الإيرانيين لم يظهروا جدية في الإفادة من تلك التجربة. وتمكن الإسرائيليون من رصد تحركات هؤلاء القادة فرداً فرداً، طيلة 9 أشهر، عبر أجهزة التجسس البشرية والإلكترونية، ومن خلال العمليات التي يقودها عملاء الموساد، الذين أقاموا لهم فرعاً نشطاً داخل الأراضي الإيرانية يعمل على مدار 24 ساعة في اليوم.

دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية في طهران الثلاثاء 17 يونيو 2025 (نيويورك تايمز)

وتشير وسائل الإعلام العبرية إلى أن حجم الانكشاف ظهر في أن الإسرائيليين علموا بانعقاد 3 اجتماعات رفيعة المستوى في آن واحد، الثامنة من صبيحة السبت.

ويتضح أن الاجتماع الأهم، الذي جمع بين المرشد خامنئي وبين وزير الدفاع وغيره من القادة العسكريين، كان مقرراً مساء السبت، وفي سبيل التكتيك الأمني تم تبكيره إلى الثامنة صباحاً، وكانت إسرائيل على علم بذلك التغيير أيضاً، إذ إن طائراتها كانت تحلق في الجو عند موعد الاجتماع، وتم تحديد ساعة الصفر لحظة دخول خامنئي بالضبط.

متى اتخذ القرار؟

كشف تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتخذ قرار اللجوء إلى هذه الحرب فقط في يوم الجمعة، أي قبل يوم واحد من تنفيذ الهجوم المشترك مع إسرائيل، فبينما كانت التهديدات الأميركية لإيران تسير جنباً إلى جنب مع المفاوضات بين البلدين، حيث تلقى تقريراً من نائبه جي دي فانس، الذي كان تكلم لتوّه مع المبعوثين ستيف وتكوف وجارد كوشنير، بأن المفاوضين الإيرانيين يتخذون موقفاً عبثياً، وهدفهم بالأساس إطالة المفاوضات.

وبحسب الصحيفة، فإن ترمب أعطى عندها الأوامر، فانطلق الهجوم، الذي يجري الإعداد له منذ شهور طويلة، واتخذ طابعاً عملياً في 14 يناير (كانون الثاني) الماضي، إذ كان يرغب في شنّ الحرب في نهاية الشهر، لكن الضغوط العربية جعلته يعطي مهلة أخرى للمفاوضات.

وتابعت الصحيفة، نقلاً عن مصادرها، أنه «بعد شهر، وتحديداً في 18 فبراير (شباط)، حدّد ترمب لإيران 10 أيام لإنهاء المفاوضات بشكل ايجابي، لكنهم في طهران لم يفهموا الرسالة. وتصرفوا من خلال الاتفاق على استئناف المفاوضات الاثنين المقبل، تماماً كما حصل عشية الحرب في يونيو».

التوقيت

تقول إسرائيل إن توقيت الهجوم حدّدته عملياً إيران. وذلك أن المخابرات الإسرائيلية، نتيجة اختراقها العميق للدولة على اختلاف أجهزتها، حصلت على معلومة ذهبية عن 3 اجتماعات سيعقدها قادة إيرانيون في الثامنة من صبيحة السبت، 28 فبراير. واعتبرت توجيه ضربة قاضية وقاتلة على هذه الاجتماعات سيكون أفضل صدمة معنوية للقيادة الإيرانية.

ونظراً لأن البداية ستكون يوم السبت، فإن الردّ الإيراني سيأتي بأقل تأثير ممكن، على تل أبيب، حيث إنه يوم العطلة الأسبوعية، والإسرائيليون المتدينون يبقون في بيوتهم. فإذا سقطت صواريخ وشظايا ستصيب الحدّ الأدنى منهم.

الرمز

ولم تخلُ الحرب كعادة إسرائيل من رموز دينية، إذ إنها جاءت قبل يوم من عيد المساخر (البوريم) في إسرائيل، أو عيد الفرح والهزل.

ويرتبط «عيد المساخر» بشكل وطيد بإيران، إذ إن نشأته تعود إلى بلاد فارس القديمة. ويحكى أن الزعيم المهووس بالعظمة (هامان) كان يعمل مستشاراً لدى ملك فارس، أحشويروش، الذي لا يعتبر فذّاً في الذكاء، وكان همه الأساس المتع الشخصية وحفلات الطعام والشراب.

ووفق الرواية اليهودية، قد حرّض هامان ملكه على اليهود الأغنياء، وأقنعه بأن يسمح بذبحهم جميعاً، لكن تدخل مستشار آخر للملك، هو اليهودي موردخاي، وأجهض المؤامرة وأنقذ اليهود، بعدما أحضر للملك بنت أخيه الجميلة، إستير، التي كانت ملكة جمال، فأغرته وأقنعته بأن يعفو عن اليهود ويقتل هامان، وهو ما حدث، ومنذ ذلك الحين يقيم اليهود احتفالات يسخرون فيها من هامان وكل عدو آخر، ويرتدون ملابس تنكرية.


تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني إلى أبريل «لعدم توافر الظروف الملائمة»

عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
TT

تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني إلى أبريل «لعدم توافر الظروف الملائمة»

عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)

أعلنت لبنان وفرنسا تأجيل المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبنانية، الذي كان مقرراً انعقاده في الخامس من مارس (آذار) في باريس، إلى شهر أبريل (نيسان) المقبل من دون تحديد تاريخ ثابت، «نظراً لعدم توافر الظروف الملائمة للإبقاء على موعده المحدد» في إشارة إلى الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية التي تأثرت بها دول منطقة الخليج والشرق الأوسط.

وصدر القرار بعد اتصال هاتفي أجراه الرئيسان اللبناني جوزيف عون والفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الأحد، جرى خلاله «البحث في آخر المستجدات التي تؤثر على أمن المنطقة بأسرها، بما في ذلك الدول الصديقة، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة».

وحسب بيان صادر عن الرئاستين، أكد عون وماكرون أن خطورة الوضع الإقليمي تعزز ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية، وضمان استعادة سيادته الكاملة.

وأشار البيان إلى أن فرنسا ولبنان وشركاءهما في مجموعة الخماسية سيواصلون جهودهم في هذا الاتجاه، بما يضمن استمرار الدعم الدولي للمؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية وتعزيز مقومات الاستقرار في البلاد.

ووفق البرنامج الذي كانت قد وزعته وزارة الخارجية الفرنسية، فإن المؤتمر كان سينتهي «بالإعلان عن الالتزامات التي قدمتها الأطراف المشاركة التي يبلغ عددها نحو 60؛ منها 50 دولة و10 منظمات إقليمية ودولية».

دورية مشتركة بين الجيش اللبناني وقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (حسابها على «تلغرام»)

وقالت «الخارجية» الفرنسية إن ثمة 3 أهداف رئيسية للمؤتمر الذي جرى التمهيد له باجتماع استضافته القاهرة يوم الثلاثاء الماضي. يتمثل الهدف الأول، في «دعم الجيش اللبناني (والقوى الأمنية) لاستعادة سلطة الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية، وتهيئة الظروف لتحقيق استقرار دائم في لبنان والمنطقة». أما الهدف الثاني، فقوامه «ضمان الاتساق بين الالتزامات الدولية المتخذة والتقدم المحرز في تنفيذ خطة نزع السلاح».

وكان قد شارك قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل في اجتماع القاهرة الذي بحث تحديد أولويات الدعم العسكري والأمني، سواء فيما يتعلق بالعتاد والتجهيزات، أو التدريب، أو المساعدات اللوجيستية والمالية، في ظل الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة التي ترخي بثقلها على المؤسستين العسكرية والأمنية منذ عام 2019.

عنصران من الجيش اللبناني ينقلان حطام مسيَّرة إسرائيلية سقطت فوق جنوب لبنان في 2024 (أرشيفية - رويترز)