مصر «تغازل» مستثمرين خليجيين عبر «بوابة الأمن»

مصري يتفحص مسودة مطبوعة للدستور الجديد في أحد شوارع وسط القاهرة أمس وسط زخم شعبي أغلبه يميل نحو الموافقة (أ.ب)
مصري يتفحص مسودة مطبوعة للدستور الجديد في أحد شوارع وسط القاهرة أمس وسط زخم شعبي أغلبه يميل نحو الموافقة (أ.ب)
TT

مصر «تغازل» مستثمرين خليجيين عبر «بوابة الأمن»

مصري يتفحص مسودة مطبوعة للدستور الجديد في أحد شوارع وسط القاهرة أمس وسط زخم شعبي أغلبه يميل نحو الموافقة (أ.ب)
مصري يتفحص مسودة مطبوعة للدستور الجديد في أحد شوارع وسط القاهرة أمس وسط زخم شعبي أغلبه يميل نحو الموافقة (أ.ب)

وصف الدكتور حازم الببلاوي، رئيس الوزراء المصري، الانتهاء من مشروع الدستور الجديد للبلاد بأنه نجاح كبير في تطبيق خارطة الطريق التي توافقت عليها القوى السياسية، مضيفا في تصريحات له أمس قائلا: «ذلك يزعج البعض.. وهم قلة، ولكن لن يتركوا لنا الفرصة ونحن نعرف ذلك».
وسلم عمرو موسى، رئيس لجنة «الخمسين»، مشروع الدستور الجديد إلى الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور أول من أمس تمهيدا لإصداره قرارا بالاستفتاء الشعبي عليه خلال 30 يوما، وفقا لنص الإعلان الدستوري الذي جرى وضعه عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو (تموز) الماضي، على أن يعقب ذلك انتخابات برلمانية ورئاسية.
وأبدت معظم الأحزاب المدنية موافقتها على الدستور، في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين وتحالفها من الإسلاميين، الذين أعلنوا أمس رفضهم الاستفتاء لـ«عدم إعطاء شرعية للانقلاب»، على حد وصفهم. في حين يهدد الانقسام شباب الثورة، بسبب تحفظ البعض على عدة نصوص، أبرزها ما يتعلق بصلاحيات الجيش ومحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.
وفي افتتاحه لـ«منتدى الاستثمار المصري الخليجي» بالقاهرة أمس، قال الدكتور حازم الببلاوي إن «الدولة كل يوم تزداد قوة، وهي تسير بقوة ثابتة وراسخة. ومن أهم مظاهرها أنها - ومنذ اللحظة الأولى - أكدت أنها دولة قانون تحترم القانون، وأن ما يصدر عنها سينفذ بكل قوة وبكل حسم.. ولكن بلا تعسف وبلا شراسة».
وأضاف: «أعداء هذا الوطن - وهم كثيرون - كلما نحقق نجاحا أكبر، تزداد الشراسة. ولذلك أقول، ونحن نزداد يوما بعد يوم رسوخا على الأرض وشعورا بالاطمئنان، ستزداد أعمال الإرباك.. وهذا ليس دليلا على ارتباك الأحوال، وإنما دليل على النجاح؛ لأن هناك نفرا قليلا كلما يفقد الأرض يزداد شراسة».
وأكد رئيس الوزراء أن الدولة في غاية القوة والتصميم على المضي قدما في تطبيق خارطة الطريق، ووراءها الغالبية العظمى من جموع الشعب، مشددا على أنه «كلما كسبنا قطعة أرض جديدة - سواء في المسار الدستوري وفي الاستقرار السياسي وفي الانتخابات البرلمانية والرئاسية - فإن هذا يزعج البعض.. وهم قلة؛ ولكن لن يتركوا لنا الفرصة، ونحن نعرف ذلك».
وطالب الببلاوي بفهم المشهد جيدا، معتبرا أن «ما تحقق في لجنة الخمسين يعد نجاحا كبيرا، والوثيقة التي خرجت بتوافق في اليومين الأخيرين لأعمال اللجنة، حيث جرى التصويت، جاءت بصورة مذهلة في الإحساس بالمسؤولية وفي التعبير عن الرأي والسرعة والتوافق في الحصول على نتيجة نسعد بها جميعا. ونتيجة لهذا اشتعلت المظاهرات وستشتعل، ولكن لن تنجح.. فالطريق واضح»، مؤكدا «أننا نكسب كل يوم أكثر».
وأكد الببلاوي أنه يجب على المواطن المصري أن «يدرك حين يقوم بالتصويت على الدستور الجديد أنه عمل بشري، بمعنى أنه لا يمكن أن يحوز رضا الجميع». وأضاف أن الحكومة الحالية تعمل على تهيئة الأجواء وعودة الاستقرار الأمني، وذلك من خلال رؤية شاملة للأوضاع، لافتا إلى أن الحكومة حققت نجاحات هامة وملحوظة في مجال الأمن خلال الفترة الماضية.
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور شوقي علام، مفتي مصر، أن «التعديلات الجديدة على الدستور تعبر عن كل أطياف الشعب المصري، كما أنه أعطى حقوقا كثيرة للطوائف التي كانت مهمشة».
وأضاف، خلال استقباله أمس وفدا من البرلمان الأوروبي، أن إقرار الدستور سوف يحقق الاستقرار للبلاد، مؤكدا أن الأزهر الشريف كان له دور كبير في الدستور، وإحداث حالة من التوافق بين الجميع انطلاقا من دوره الوطني الكبير.
في المقابل، أعرب «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، الذي يضم مؤيدين للرئيس المعزول محمد مرسي، عن رفضه الاستفتاء على مسودة الدستور الجديد في البلاد. واتهم التحالف، في بيان له نشر أمس، من سماهم قادة الانقلاب العسكري بأنهم «لم يفهموا رسائل ثورة المصريين المتصاعدة والوضع الخطير الذي يدفعون إليه الوطن الغالي».
ووصف البيان «الاستفتاء المقبل بأنه نسخة طبق الأصل من استفتاءات مبارك المزورة»، قائلا إن «الانقلابيين يدعون لاستفتاء مزور معروفة نتيجته مسبقا لتجميل صورتهم وتقديم مسوغ اعتراف من الغرب الذي يتآمر معهم».
وأعرب التحالف عن رفضه المشاركة في الاستفتاء على الدستور، قائلا إنه «يرفض أي إجراء يترتب على الانقلاب العسكري، وآخره هذا العبث الذي جرى بليل في مجلس الشورى في سرية تامة، وكأن الشعب المصري شعب من الأعداء يريدون مباغتته بوثيقتهم المسمومة، بعد إفساد معالم الهوية والحريات والحقوق بالغة الوضوح في دستور 2012 الشرعي»، بحسب قولهم.
من جهة أخرى، بدا الانقسام واضحا بين القوى والحركات الثورية على تقييم المسودة النهائية للدستور، فبينما بدأت بعض الحركات وعلى رأسها «تمرد» الحشد للتصويت بـ«نعم»، أبدت أخرى رفضها للدستور اعتراضا منها على المواد الخاصة بجواز محاكمة المدنيين عسكريا، وصلاحيات الجيش، والسماح لرئيس الجمهورية بتعيين خمسة في المائة من أعضاء البرلمان.
وعبرت أميمية ماهر، القيادية بحزب الدستور، عن حيرتها ما بين الرفض والموافقة، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن لديها «تحفظات كثيرة على عدة مواد، أبرزها صلاحيات الجيش.. لكن في المقابل فإن رفض الدستور يصب في مصلحة الإخوان. ونحن كشباب للثورة نقف ضد الحكم العسكري والإخوان أيضا، وهذا ما يضعنا في مأزق»، مشيرة إلى أن «القيادة المركزية للحزب ستجتمع لتحدد موقفها، وفي الأغلب سيكون الاتجاه بالموافقة باعتبار أن ذلك يسرع من تجاوز المرحلة الانتقالية».
وأعلنت مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية» تمسكها بموقفها الرافض للمسودة الحالية، والدعوة للتصويت بـ«لا». وقالت الناشطة دينا عمر لـ«الشرق الأوسط»: «طلباتنا بسيطة جدا ومن السهل تحقيقها، لكن مع ذلك هناك تجاهل عن قصد من السلطة»، مضيفة أن «الجميع يعلم رفضنا لمادة المحاكمات العسكرية، لكنهم مصرون عليها رغم ذلك، وعليهم هم أن يخشوا من عودة الإخوان وليس نحن».
ومن جانبها، قالت حركة «شباب 6 أبريل» إنها ستعقد مؤتمرا صحافيا خلال يومين لإعلان موقفها النهائي من مسودة الدستور بعد دراسة موقف الحركة من خلال لجنة تضم قانونيين وحقوقيين.
في المقابل، اعتبر محمد عبد العزيز، مسؤول الاتصال السياسي بحركة «تمرد» وأحد ممثليها في لجنة الخمسين، أن «التصويت بنعم على الدستور يعني نعم لـ30 يونيو (حزيران) و25 يناير (كانون الثاني)»، داعيا للحشد من أجل الموافقة عليه.
وقال عصام الشريف، المنسق العام للجبهة الحرة للتغيير السلمي، إن «الجبهة قررت القبول بالدستور من أجل استكمال خارطة الطريق والخروج بالبلد من عنق الزجاجة، وستسعى لتعديل المواد الخلافية من خلال طرق سلمية والتواصل مع رئاسة الجمهورية والبرلمان المقبل».
واعتبر الشريف أن تمرير الدستور هو التحدي الأكبر لثورة 30 يونيو وتحقيق أهداف 25 يناير، مشيرا إلى أن «إسقاط الدستور هو الهدف الأساسي لجماعة الإخوان والمتحالفين معهم، ويعملون من الآن على إعداد مراقبين دوليين لادعاء أن نتيجة التصويت على الدستور المقبل مزورة».



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.