رؤوف مسعد يستعيد الشخصية المصرية بقوة الأسطورة

ندوة عن روايته الجديدة «زهرة الصمت»

جانب من الندوة («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة («الشرق الأوسط»)
TT

رؤوف مسعد يستعيد الشخصية المصرية بقوة الأسطورة

جانب من الندوة («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة («الشرق الأوسط»)

أثارت رواية «زهرة الصمت» جدلاً بين نقاد ومبدعين مصريين، خلال مناقشتها، والاحتفاء بصاحبها الأديب المصري رؤوف مسعد، إذ طرحوا العديد من التساؤلات حول ما يمكن أن يكون عليه شكل الرواية، كما حاولوا تأويل رموزها وعوالمها الأسطورية والتاريخية، وما كان وراء كتابتها من أفكار وأطروحات.
ووصف الشاعر جمال القصاص «زهرة الصمت»، خلال الندوة التي أقيمت بمنتدى المستقبل يوم الثلاثاء الماضي، في مكتبة خالد محيي الدين بحزب التجمع، بأنها رواية متاهة، لكنها مغوية ومضيئة، مصرية بشطحها ونزقها ولغتها، بفصاحتها وعاميتها، ونبرتها الكلاسيكية أحيانا. وقال إننا أمام نص مفتوح بحيوية على تخوم البدايات والنهايات، لا يركن إلى البنى التقليدية، إنما يترك الوقائع والأحداث والشخوص تتشكل في إطار رؤية هي بمثابة غلالة شفيفة للحظات مدها وجذرها.
وتساءل القصاص خلال ورقته النقدية التي جاءت بعنوان «اللعب على مفاصل التاريخ والأسطورة»: هل قصد مسعد في روايته البحث عن المهمش والمسكوت عنه في الشخصية المصرية بكل تعرجاتها وامتداداتها في الزمان والمكان، وهل أراد من خلال ذلك اللعب الربط بين الماضي والحاضر، وكأنهما ظلال لأشياء انقضت، وأخرى تأتي، أو كأن الأسطورة والتاريخ في «زهرة الصمت» حريتان تتصارعان من أجل حرية واحدة هي في النهاية تشكل حلما للوطن والإنسان معاً.
أراد صاحب الرواية كل هذا، حسبما لفت القصاص إليه، لكنه خلال عمله الإبداعي لم يكتف بذلك بل زاد عليه فكرة البناء بالأسطورة، وجعلها في حالة من الموازاة والتقاطع مع الواقع في أبعاده الماضوية والراهنة فضلا عن استشرافه للمستقبل، حيث تتمدد الأسطورة كنواة أساسية لفعل القص، يوظفها مسعد لتصنع حالة متجددة من الموازاة مع الأزمنة اللاحقة عليها حتى تصل إلى الراهن المصري المعاش، وفي سياق كل ذلك تبرز أسطورة إيزيس وأوزوريس مشكلة نواة ومركز ثقل الأحداث الروائية، ومحور إيقاعها في الوقت نفسه.
وتحدث القصاص عن بناء الرواية، مشيرا إلى أن اعتماد مسعد على الأسطورة انعكس على بنيتها السردية، فصارت أشبه بلوحة نزقة مغامرة بأقصى طاقات التجديد والتجسيد، ترفض أن يسيجها إطار أو برواز، وتكسر خط الأفق، تمتلك حيويتها الخاصة بقدرتها على تجميع نفسها من شتى الشظايا في كتل وفواصل ونقط وهوامش ودوائر وخطوط وفراغات.
ولفت القصاص، إلى أن مغامرة الإبداع تفرض إزاحة السابق وتركه جانبا أحيانا، لذلك لم يتوقف مسعد باعتماده على الأسطورة فقط، بل توازى معها فكرة أخرى تكمن في قوة الظلال، التي تستبطنها الرواية وتكسوها بمسحة من التأمل ذي الطابع الفلسفي، وتلعب على حدسها في لحظات خاصة بطبيعة الصراع، فالعلاقة بين الأسطورة وظلالها، بوصفها محركا أساسيا لمجريات الصراع، تصعد وتهبط، وتتناثر في الأزمنة والأمكنة وكأنها أنشودة للخلاص بالأسطورة من سطوة التاريخ الدموي، تقلب فيه الغزاة على مصر حيث سعوا جميعا إلى التنكيل بها، وقتل الروح القومية في وجدانها وذاكرتها.
من جانبه ذكر الدكتور يسري عبد الله أن مساحات التجريب تتسع في أعمال الروائي رؤوف مسعد، وتبدو بوصفها أساساً للكتابة، ومحاولة لاختراق السائد والمألوف، وعلامة على تحولات النص الروائي لديه، والذي بلغ ذروته في عمله الإبداعي المهم «بيضة النعامة» حيث اختراق التابو والسرد السلس المتدفق، دون خوف أو وجل، وفي «مزاج التماسيح» التي تحضر في روايته الأخيرة هذه ويشير الكاتب إليها ضمن الأحداث، ويبدو واعيا باشتراطات النوع الأدبي، وآليات الخروج عليه معاً، حيث يصير شرط الكتابة ألا تكون بلا شرط، وتتجاوز القواعد المستقرة دون أن تتخلى عنها في الوقت نفسه.
وذكر عبد الله أن كل شيء في «زهرة الصمت» يبدو فضفاضا للوهلة الأولى، فالنص الذي يستلهم جانبا من التاريخ الفرعوني القديم والقبطي والعربي، يطرح جملة من الأسئلة المتعلقة بالهوية المصرية، وطبقات التراكم الحضاري لأبنائها.
والرواية، من وجهة نظر عبد الله، تجمع خليطا شتى من الأفكار والتصورات والمقابلات النصية في بنيتها السردية، تبدو للوهلة الأولى خارجة على نواميس الكتابة وطرائقها، وتظهر أحيانا بوصفها بحثا عن سؤال الهوية المراوغ، ويدعم ذلك عنوان مراوغ وضعه مسعد في مستهل روايته، وهو «كتاب الطلوع إلى النهار»، وقد حملت هذه التقديمة الدرامية لها، والتي سبقها ما سماه رؤوف بـ«الفصل الأول»، إشارة إلى أحد شخوص الرواية المركزيين وهو رمسيس النَقَادي، الذي يحيل المتلقي إلى «معجم الحضارة المصرية القديمة»، وتشكلات الروح، ومدلولاتها في التصور المصري القديم.
ويرى عبد الله أننا أمام بناء سردي يمكن أن نتلمس ملامحه وآلياته والإمساك ببنياته التي ينهض عليها، وذكر أن الرواية كان يمكن أن تبدأ، مثلا، من صفحة 22 دون أن يختل بناؤها الكلي للسرد تنهض على ما سماه جدل المرويات التاريخية والحكاية المتخيلة، فالأولى تؤسس في الرواية لمنحى تسجيلي، يتجادل معه منحى آخر يفتح السرد على أفق وسيع، تتواتر حكاياته في تضاعيفها وتتنوع، لكن يظل في القلب منها قصة الأم الكاهنة والفتاة الشابة اللتين تهربان من الغزو العربي لتمارسا ارتحالاً قلقاً ومتواترا في الزمان والمكان الروائيين، يبدأ من نجاة الأم بمعبوداتها القديمة إيزيس وأوزير وحورس، واضطرابات الديانة القبطية آنذاك، وقد راحتا تعاودان ارتحالهما مرة أخرى عقب دخول العرب مصر لتتلاقيا في لحظة درامية مفعمة بالمأساة والخوف والترقب، مع شقيق الكاهنة الذي صار أبا مسيحيا بامتياز، وكاهنا يتجمع حوله الأنصار الفارون في حصن بابليون خوفا من القادمين العرب، وهنا تتوحد المأساة الجامعة بين الكاهنة وشقيقها، وبين الفتاة التي تصاحبها، والمسيحيين الذين معه، والرومان المغايرين في المذهب والمختلفين مع القبط المصريين حول طبيعة المسيح، وقد حوت الحكاية هذه مقاطع سردية بديعة خاصة في اتكائها على الرصد النفسي للشخوص.
وعقب الأديب صبحي شحاتة مؤكدا أن الرواية بنزوعها التجريبي صنعت إشكالا مع النقاد الأكاديميين، ويبدو بناؤها المتشظي المتناثر مماثلا لجسد أوزوريس الممزق الباحث عن البعث والحياة والوحدة، إذ تبدأ بالغزو العربي لمصر وتنتهي بثورة 30 يونيو، ففي البداية تأخذ كاهنة إيزيس فتاة صغيرة تمثل المستقبل القادم، وتهرب بها عبر أنفاق ودهاليز تحت الأرض، حيث تنتهي الرواية بأن الكاهنة وأصحابها، سيعدون جسد البنت التي ماتت لتحل فيها روح إيزيس، والفتاة هنا تمثل مصر وإيزيس روح الوحدة والانسجام التي ستحل فيها وتبعثها من جديد وتقضي بذلك على الجامحين وفوضى الأرض. ورأى شحاتة أن مسعد كتب «زهرة الصمت» بعناية فائقة معتمداً في ذلك على وثائق تاريخية ملأها بالتخييل المدهش الواقعي، فبدت كل مشاهدها سريعة رشيقة غير متصلة ببعضها وغير منفصلة، مجسدة جدل الصراع بين التشتت والوحدة اللذين يمثلان طريق الروح المصرية إلى اكتمالها المقدس.
أما صاحب الرواية رؤوف مسعد فذكر أن روايته ليست وثائقية، لكنها تتحدث عن مصر الآن، قائلاً «كان هذا محيرا لي، كيف أكتب رواية عن الماضي والحاضر في آن، تتعرض لأحداث ماسبيرو، وقرية الكرمة، وتربط الماضي بالحاضر، التاريخي بما يجري ويدور من مواقف وتفاعلات يومية، بحثا عن الشخصية المصرية».
وذكر مسعد أن الرواية كان اسمها زهرة ماسبيرو، لكنه غيرها إلى اسمها الحالي، بعد أن استشعر مشكلة مع عمال المطابع، «قد تؤدي إلى وقف طباعتها».



«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)

استعادت فرقة «كنعان» الفلسطينية للثقافة والفنون أغاني ورقصات الفولكلور الفلسطيني في ليلة رمضانية بدار الأوبرا المصرية، الجمعة، وسط حضور وتفاعل جماهيري لافت مع اللوحات الفنية الاستعراضية التي قدمتها الفرقة والأغاني الحماسية التي أدّتها.

فعلى المسرح الصغير بدار الأوبرا وبالتعاون مع الإدارة المركزية للعلاقات الثقافية الدولية وسفارة فلسطين وبحضور نائب سفيرها بالقاهرة، ناجي الناجي، قدمت فرقة كنعان للثقافة والفنون نخبة من اللوحات الحركية والتراثية بالزي التقليدي التي جسدت الهوية الفلسطينية بكل ألوانها، وأشعلت حماسة الحشد الجماهيري، كان من أبرزها رقصة الدبكة الشهيرة، وعرض «بعث» الذي قُدِّم للمرة الأولى، إلى جانب عدد من الأهازيج والأعمال الغنائية الفولكلورية التي حملت عطور أرض الزيتون والياسمين وقادها المايسترو أنس النجار وشارك فيها كل من ليندا مهدي ويارا قوريق.

جاء الحفل ضمن السهرات الرمضانية التي تنظمها دار الأوبرا المصرية، وتستضيف فيها العديد من الفرق الفنية من الدول مثل: باكستان، وفلسطين، والفلبين، والعراق، وتونس وإندونيسيا، والتي تعرض نماذج من تراثها الموسيقي والغنائي وعاداتها المرتبطة بشهر رمضان.

فرقة كنعان قدمت التراث الفلسطيني والفولكلور في الأوبرا المصرية (دار الأوبرا المصرية)

وتمثل فرقة «كنعان» للثقافة والفنون الموجودة في مصر دولة فلسطين، وتقوم بتقديم الفلكلور والتراث الفلسطيني في المحافل الدولية والمهرجانات والفعاليات الفنية المتنوعة، وشاركت في العديد من الاحتفاليات من قبل، من بينها مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء، وافتتاح مهرجان بورسعيد للسياحة والفنون، ومهرجان الطبول، وغيرها من المهرجانات الفنية في مصر وخارجها.

ومن الأغاني التراثية والفولكلورية التي اشتهرت بها الفرقة أغاني: «أنا دمي فلسطيني» و«رافع راسي بعلم بلادي» و«يا طالعين ع الجبل» و«فلسطين أنت الروح ونن العين» و«يا فلسطينية»، و«شيل شيل عالجماله»، بالإضافة إلى رقصة الدبكة الفلسطينية الشهيرة.

وأعلنت دار الأوبرا المصرية عن برنامج للحفلات الرمضانية، يتضمن فرقاً فولكلورية وحفلات للإنشاد الديني، وفرقاً عربية وأجنبية ومن بينها حفلات لفرق شبابية مثل فريق وسط البلد الذي استضاف في حفل على مسرح الجمهورية، الخميس، كل من الشيخ إيهاب يونس، والمنشد عبد الرحمن بلاله، والمطرب عادل ميخا، وسلوان محمد لتمتزج طاقة وحيوية الشباب بالأنغام الصوفية والابتهالات وقدموا أعمالاً مثل «قل للمليحة»، و«يا جزيرة»، و«أبشروا»، و«يا إمام الرسل»، و«قمر»، و«باب السما»، و«المسحراتي» و«المسك فاح».

الفرقة قدمت لوحات استعراضية متنوعة (دار الأوبرا المصرية)

ومن المقرر أن تختتم الأوبرا برنامجها الرمضاني بأمسية روحانية مع عميد الإنشاد الديني، ياسين التهامي، وفرقته في حفل على المسرح المكشوف، الاثنين 9 مارس (آذار) الحالي.

يتضمن الحفل نخبة مختارة من الأشعار الصوفية وقصائد المديح النبوي والتواشيح والابتهالات الدينية التي نجح التهامي من خلالها في تحقيق انتشار واسع وقاعدة جماهيرية كبيرة.

ووفق الدكتور علاء عبد السلام، رئيس دار الأوبرا المصرية، فقد حرصت الأوبرا في برنامج حفلاتها الرمضانية على الجمع بين الطرب والإبداع المعاصر والسهرات العربية والإسلامية التى تعكس الهوية وتعبر عن التراث، مؤكداً في بيان صحافي «الحرص على تقديم محتوى يثري الساحة الفنية ويشكل مساراً متميزاً لتعزيز الوعي والارتقاء بالذوق العام مع الحفاظ على الجذور وفتح آفاق جديدة لإبداع الشباب».


ما آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» بموسم دراما رمضان في مصر؟

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

ما آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» بموسم دراما رمضان في مصر؟

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

أعادت تصريحات أبطال عدد من صناع الأعمال الدرامية الرمضانية المصرية حول الأكثر مشاهدة وصدارة نسب المشاهدات التساؤلات حول آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» في الموسم الحالي.

وتضج مواقع التواصل الاجتماعي لعدد من الفنانين بتصريحات وسجالات حول الأكثر مشاهدة وصدارة، وهو ما برز بشكل واضح مع تكرار نشر الفنانة مي عمر وزوجها المخرج محمد سامي خبر تصدر مسلسلها «الست موناليزا» للمشاهدة خلال عرضه في النصف الأول من شهر رمضان، في حين تفاعلت الفنانة ياسمين عبد العزيز واحتفلت بصدارة مسلسلها ووجوده في المركز الثاني على منصة «شاهد»، باعتبار أنه لا يُعرض مجاناً ولكن للمشتركين فقط.

ودخلت ياسمين عبد العزيز في سجال مع محمد سامي بعد نشر تصدّرها المشاهدة عبر حسابها على «إنستغرام»، ليتفاعل المخرج المصري معها، ويؤكد أن الصدارة جاءت بعد انتهاء عرض حلقات «الست موناليزا».

الأمر نفسه تكرر بين سامي والفنان عمرو سعد الذي وزّع بيانات إعلامية عن صدارة مسلسله «إفراج» لنسب المشاهدة، ومن بينها تقرير زعم صدوره من «الشركة المصرية للأقمار الصناعية» (نايل سات) تحدث عن صدارة مسلسله، لكن رئيس الشركة نفى في وقت لاحق صدور أي بيانات حول نسب المشاهدة، وهو التقرير الذي نشره سعد بعد تهنئة سامي له بوجوده في المركز السادس بنسب المشاهدة.

بينما دخل أحمد العوضي بطل مسلسل «علي كلاي» على خط الاشتباك مع نشر صور لفيديوهات حققت ملايين المشاهدات بوصفها دليلاً على كونه الأكثر مشاهدة.

الملصق الترويجي لمسلسل «علي كلاي» (حساب العوضي على «فيسبوك»)

وتفاعل عدد من صناع الفن مع الجدل والاشتباك اللفظي بين النجوم منهم أيمن بهجت قمر الذي أكد حبه للسينما، لكونها تضع كل شخص في مكانه الطبيعي من دون صراعات عبر مواقع التواصل، في حين كتب المخرج عمرو سلامة مع الضجة مستغرباً عدم وجود آلية حتى الآن لحساب مصداقية المشاهدات التلفزيونية من دون انحياز، لافتاً في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» إلى أن الأرقام الحقيقية تكون في صالح القناة والمعلن والمنتج والفنان، بالإضافة إلى دورها في إنهاء الجدل بين الصناع.

ورد على تدوينة سلامة الإعلامي حسام صالح بتأكيد وجود هذه التقنية التي تكون مرتبطة بوجود أجهزة خاصة في أطباق الاستقبال الفضائية، لكنها غير موجودة في مصر إلا في الأجهزة التي تستخدم اشتراكات القنوات المشفرة فحسب، مشيراً إلى أن هذه التقنية هي الآلية الوحيدة العملية التي يمكن البناء عليها، لكونها تتيح معلومات حال وجودها عند صاحب الجهاز.

وأضاف أن المنصات لديها الأرقام الخاصة بها المرتبطة بالمشاهدات، لكن في الوقت نفسه توجد تحديات في معرفتها بدقة، لوجود أكثر من فرد يستخدمون الاشتراك نفسه، لافتاً إلى أن التفاعل على مواقع التواصل هو المعيار الحالي.

صورة نشرتها مي عمر عبر صفحتها لتصدر مسلسلها نسب المشاهدة (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى خبير الإعلام الرقمي، خالد البرماوي، أن «مسألة قياس نسب المشاهدة أو تحديد من يتصدر المشهد الإعلامي في مصر ما زالت تفتقر إلى آلية دقيقة أو جهة رسمية متخصصة تتولى هذه المهمة بشكل منهجي»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الجهات الموجودة عالمياً تعتمد على أدوات متعددة مثل استطلاعات الرأي والاستبيانات التي كانت تقوم تقليدياً على عينات عشوائية يتم التواصل معها لمعرفة ما يشاهدونه، إلا أن هذه الطريقة لم تعد كافية في العصر الرقمي».

ويشير إلى أن الاتجاه السائد حالياً يعتمد بدرجة أكبر على تحليل البيانات الرقمية، في ظل وجود نسبة كبيرة من الجمهور على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، مما يسمح بقياس حجم الاهتمام بالمحتوى وجودته وطبيعته، سواء أكان إيجابياً أو سلبياً أو محايداً بدرجات مختلفة.

ويضيف البرماوي أن «كثيراً من المؤشرات المتداولة حالياً، مثل تصدر بعض الأعمال أو الأسماء لقوائم (الترند)، لا يمكن عدّها مقياساً دقيقاً للنجاح أو الانتشار، لأن ظهور اسم ما ضمن الأكثر تداولاً قد يكون نتيجة عوامل متعددة، مثل الحملات المدفوعة أو النشاط اللحظي على المنصات»، مؤكداً أن تحليل البيانات يجب أن يتم عبر مستويات مختلفة، تشمل رصد مدى انتشار المحتوى على الشبكات الاجتماعية، والتمييز بين حجم النشر وحجم التفاعل وطبيعته.

عمرو سعد في لقطة من مسلسل «إفراج» (حسابه على «فيسبوك»)

من جهته، عدّ الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، مسألة تحديد العمل الدرامي الأكثر مشاهدة أو ترتيب النجوم وفق نسب المشاهدة «من أكثر الأسئلة تعقيداً في سوق الدراما، ليس في مصر فقط بل في العالم العربي عموماً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «طبيعة هذه السوق تختلف عن السينما التي يمكن قياس نجاحها بسهولة عبر شباك التذاكر والأرقام المعلنة للإيرادات. أما الدراما التلفزيونية فتفتقر إلى مقياس موحد، لأن المشاهدات موزعة بين القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية المختلفة، بالإضافة إلى نسب المشاهدة الناتجة عن النسخ المقرصنة أيضاً، مما يجعل الوصول إلى رقم دقيق لقياس حجم الجمهور أمراً بالغ الصعوبة».

ويضيف عبد الرحمن أن تعدد المنصات ووسائل المشاهدة، إلى جانب محدودية قدرة شركات الأبحاث التسويقية على العمل في جميع الدول أو الوصول إلى كل الشرائح داخل المجتمعات المحلية، يحدّ من دقة الأرقام المتداولة حول نسب المشاهدة، لافتاً إلى أن «الأفضل للنجوم وصناع الدراما هو التركيز على جودة المحتوى وقدرته على البقاء بعد انتهاء الموسم الرمضاني، بدل الانشغال بالصراعات حول من يتصدر المشاهدة».

Your Premium trial has ended


إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
TT

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي، ولكن كبيان شخصي وصرخة جماعية في آنٍ واحد، فمنذ أكثر من ثلاثين عاماً يعيش إقليم كيفو الشمالي على إيقاع نزاعات مسلحة متكررة، في حين يبقى المدنيون من نساء وأطفال وشباب في قلب العاصفة.

ينطلق الفيلم من لحظة مفصلية، وهي سقوط مدينة غوما في يناير (كانون الثاني) 2025 في يد حركة «23 مارس» الانفصالية خلال أيام قليلة، رغم وجود قوات حكومية ودعم إقليمي، وتحت أنظار بعثة الأمم المتحدة «مونوسكو»، غير أن الفيلم لا يتوقف عند الحدث العسكري في حد ذاته، بل يتجاوزه إلى ما هو أعمق عبر أثر هذا السقوط على أرواح الناس، وتفاصيل حياتهم اليومية، وقصة جيل لم يعرف من وطنه سوى المخيمات والحواجز والرصاص.

فيلم «طفح الكيل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، لا يتعامل مع الحرب بوصفها خبراً عاجلاً، بل كواقع ممتد يتنفسه السكان كل يوم. سبعة ملايين نازح وعشرة ملايين قتيل خلال ثلاثة عقود، أرقام تتحول هنا إلى وجوه حية... شباب يتدرّبون بعصي خشبية دفاعاً عن أحيائهم، وفتيات يكتبن الشعر احتجاجاً، وموسيقيون يحوّلون الغضب إلى إيقاع، وأمهات يواصلن تربية أطفالهن وسط الخراب.

الملصق الترويجي للفيلم (مهرجان برلين)

الكاميرا المحمولة، والإضاءة الطبيعية، والصوت الخام، كلها عناصر تجعل المتفرج داخل المشهد المستمر في الأحداث على مدار 65 دقيقة، بتجربة بصرية أقرب إلى الالتحام منها إلى المراقبة، في اختيار قدمه المخرج إليزي سواسوا ليس كصحافي يدوّن الوقائع، بل كابن مدينة يعيش المأساة ويقاومها، محاولاً من خلال فيلمه إيصال صوت غوما عالمياً.

يقول المخرج الكونغولي إليزي سواسوا لـ«الشرق الأوسط» إنه عندما وُلد في غوما عام 1994، نشأ «على إيقاع الرصاص»، بحسب وصفه، فالحرب لم تكن حدثاً استثنائياً في حياته، بل خلفية دائمة لطفولته ومراهقته وشبابه، مشيراً إلى أنه «نجا من مجازر عام 2008، وهذه التجربة رسّخت لديه شعوراً بأن الصمت لم يعد خياراً، وأن توثيق ما يحدث هو شكل من أشكال المقاومة».

وأوضح أن جميع الأشخاص الذين يظهرون في الفيلم هم من محيطه القريب، ما بين أصدقاء، وأقارب، وجيران، وفنانين يعرفهم منذ سنوات، لافتاً إلى أن هذا القرب منح العمل صدقه، لكنه في الوقت نفسه حمّله مسؤولية مضاعفة؛ لأنه لم يكن يصوّر غرباء، بل كان يصوّر جزءاً من حياته اليومية، فالعلاقة المتبادلة بينه وبين من صوّرهم جعلت الكاميرا أقل اقتحاماً وأكثر اندماجاً في الواقع.

الفيلم وثّق جوانب إنسانية عدة (الشركة المنتجة)

وتطرق إليزي سواسوا لصعوبات التصوير الذي اعتبره بمنزلة «مغامرة يومية»، لكونه عمل في بيئة مضطربة، وسط مظاهرات غاضبة وتحركات عسكرية مفاجئة، مما جعله يعتمد على معدات خفيفة وكاميرا محمولة، وفي أحيان كثيرة عمل بمفرده من دون فريق صوت أو حماية، بسبب خطورة الوضع وفوضويته، لافتاً إلى أن التنقل بين المخيمات والأحياء لم يكن سهلاً؛ لأن الخطر كان حاضراً في كل لحظة، لكنه رأى أن المخاطرة كانت ضرورة حتى لا تبقى هذه القصص في الظل.

الفيلم يركز على الحياة اليومية للأهالي تحت وطأة الحرب (الشركة المنتجة)

وأكد أن هدفه لم يكن تقديم تحليل سياسي معقّد، بل إظهار ما تعنيه الحرب في تفاصيلها الصغيرة؛ كيف يستيقظ الناس، ويبحثون عن الماء والطعام، وكيف يدرّب الشباب أنفسهم، ويحاول الفنانون تحويل الإحباط إلى طاقة إبداع، لافتاً إلى أنه أراد أن يرى العالم الإنسان الكونغولي الضحية المجرّدة، وأن يفهم أن وراء الأرقام عائلات وأحلاماً معلّقة.

وعن مشاركته في مهرجان برلين، أوضح أن اختياره ضمن عروض «البانوراما» كان حلماً كبيراً بالنسبة إليه، مؤكداً أن لحظة إبلاغه بقبول الفيلم شكّلت اعترافاً بجهد سنوات من العمل في ظروف بالغة الصعوبة، ومعرباً عن سعادته بردود الفعل على العرض الأول الذي شهد تفاعل الجمهور، والذي منحه إحساساً بأن الرسالة وصلت، ولو جزئياً، إلى خارج حدود بلاده.

المخرج الكونغولي إليزي سواسوا (مهرجان برلين)

وشدد على أنه يؤمن بأن السينما يمكن أن تُحدث أثراً، حتى لو لم تُغيّر الواقع فوراً، موضحاً أن مجرد معرفة الناس بتاريخ الكونغو وبالمآسي التي عاشها شعبها، قد يفتح باباً لمساءلة أوسع حول المسؤوليات السياسية والاقتصادية المحيطة بالصراع؛ لأن التغيير يبدأ بالانتباه، والفيلم يطالب العالم بهذا الانتباه، وفق قوله.