الاقتصاد البريطاني على عتبة تخطي «خريف بريكست الكئيب»

محللون: رؤية هاموند طموحة وواضحة... لكن الضغوط قد تستمر طويلاً

فيليب هاموند وزير الخزانة البريطاني أمام البرلمان يقدم بيان الربيع (أ.ف.ب)
فيليب هاموند وزير الخزانة البريطاني أمام البرلمان يقدم بيان الربيع (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد البريطاني على عتبة تخطي «خريف بريكست الكئيب»

فيليب هاموند وزير الخزانة البريطاني أمام البرلمان يقدم بيان الربيع (أ.ف.ب)
فيليب هاموند وزير الخزانة البريطاني أمام البرلمان يقدم بيان الربيع (أ.ف.ب)

بعد 6 أشهر من ميزانية خريفية «كئيبة»، اتسمت حينها بظلال مفاوضات «بريكست» الغامضة، حان الربيع اقتصادياً في بريطانيا... وفي بيان استغرق 26 دقيقة أمام البرلمان، كشف وزير الخزانة البريطاني فيليب هاموند عن توقعات متفائلة لنمو وانخفاض التضخم والاقتراض في «بيان الربيع»، واستبعد انتهاء فوري للتقشف؛ لكنه لمح إلى احتمال زيادة الإنفاق في المستقبل.
ومع حرص وزير الخزانة منذ فترة على أن يكون هناك حدث مالي رئيسي واحد فقط في السنة، كان بيان الربيع يحمل الاتجاهات الاقتصادية للمملكة المتحدة خلال السنوات القليلة المقبلة.
وحرص الوزير على بث التفاؤل لمواجهة «لحظة الحقيقة» في الخروج النهائي في مارس (آذار) المقبل، بقوله إن التمويل العام قوي لمنح الدعم الكافي للاقتصاد البريطاني؛ حتى إذا لم تسر مفاوضات «بريكست» وفقاً للخطة... إلا أن حزب العمال، بقيادة مستشار الظل (الممثل لمنصب وزير الخزانة في الحزب المنافس) جون ماكدونيل، اتهم هاموند بأنه «شديد الرضا في مواجهة أسوأ أزمة تمويل في القطاع العام».
وقال مستشار الظل: «نحن نواجه في كل خدمة عامة أزمة على نطاق لم نشهده من قبل، فعلى مدار 8 سنوات تم تجاهل موظفي الخدمة العامة (الأطباء والممرضين والمعلمين وضباط الشرطة وغيرهم)، واليوم تم تجاهلهم مرة أخرى».
مشيراً إلى أن تعبير «ضوء في نهاية النفق» الذي استخدمه هاموند «أظهر بُعده عن الواقع الحقيقي الذي يعيشه هؤلاء»، موضحاً أن النمو في اقتصاد البلاد العام الماضي جاء بين أقل المعدلات في مجموعة السبع الكبار، وأبطأ معدل بريطاني منذ 2012، مشدداً على أن القيم الحقيقية للأجور انخفضت عما كانت عليه في عام 2010 وما زالت تتراجع.
وذكر ماكدونيل أن اسكتلندا ستعاني من خسارة أكبر نسبياً في الناتج الاقتصادي مقارنةً بالمملكة المتحدة ككل. وعن صفقة الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، قال ماكدونيل إن عدم التوصل إلى صفقة سيكون مدمراً بشكل كبير، مما يهدد بخفض النمو بنسبة هائلة تبلغ 9% على مدى الـ15 عاماً المقبلة. كما أوضح أن «بريكست» سيضرب «جيوب العائلات»، ما سينعكس بدوره على خسارة في توقعات الإيرادات الضريبية وبالتالي سيؤثر على الإنفاق على الخدمات العامة، «ومع ذلك وزير الخزانة صامت بشأن المخاطر التي تهدد اقتصادنا»، حسب ماكدونيل.
ورد هاموند على دعوات حزب العمال وبعض المحافظين بأن هناك تدفقاً نقدياً إضافياً من زيادات غير متوقعة في الإيرادات الضريبية لتخفيف ضغط الإنفاق، وأكد أنه سيحدد مساراً عاماً للإنفاق لعام 2020 وما بعده في أعقاب الانفصال في ميزانية الخريف المقبلة، مع مراجعة تفصيلية للإنفاق في عام 2019.
وتوقع هاموند أن يصل معدل النمو إلى 1.5% هذا العام، مع توقعات بانخفاض النمو في 2019 و2020 إلى 1.3%، وانخفاض نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي بداية من العام المالي المقبل كبداية لانخفاض مستمر في الديون خلال الـ17 عاماً المقبلة، وهو ما وصفه هاموند بأنه «نقطة تحول» في تعافي البلاد من الأزمة المالية العالمية منذ عقد من الزمن.
وعلق مكتب «مسؤولية الميزانية» في المملكة المتحدة على تقرير الربيع للخزانة البريطانية بأن بريطانيا لن توفر أموالاً عقب مغادرة الاتحاد الأوروبي على مدار السنوات الخمس المقبلة، حيث يرى أن الأموال التي كان من الممكن أن يجري توفيرها من الميزانية المدفوعة للاتحاد سيجري استخدام مقابل لها في الإنفاق إلى جانب التسوية المطلوبة لمغادرة الاتحاد. مشيراً إلى أن تراكمات «فاتورة الانفصال» ستستمر على الموازنة حتى عام 2064 على الأقل.
وأكد المكتب أن الإنفاق الحكومي حتى عام 2023 كان سيبقى على حاله إذا صوتت المملكة المتحدة للبقاء في استفتاء 2016. كما توقع أن يبلغ إجمالي «التسوية الأوروبية» نحو 37.1 مليار إسترليني، وهو ما يتماشى مع المبلغ الذي ذكره رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون، حين أشار إلى مبلغ يتراوح بين 35 و39 مليار إسترليني.
ومن المتوقع أن تبلغ المدفوعات ذروتها عند نحو 10 مليارات إسترليني في عام 2020 بعد الانفصال مباشرة، قبل أن تنخفض بحدة لاحقاً وتصل إلى أقل من 300 مليون إسترليني بعد عام 2027.
وقالت هيئة الرقابة على الميزانية إنه من المهم عدم النظر إلى هذه التكاليف بمعزل بعضها عن بعض، حيث من المرجح أن تكون هناك عواقب «أكثر بكثير» من مغادرة الاتحاد الأوروبي. وأشارت الهيئة إلى أن انخفاض الهجرة ونمو الإنتاجية المتباطئ والتباطؤ الاقتصادي، فضلاً عن ارتفاع التضخم بسبب انخفاض الإسترليني، ستؤدي جميعها في النهاية إلى زيادة الاقتراض الحكومي بنحو 15 مليار إسترليني سنوياً بحلول 2023.
وقال أندرو سينتانس، كبير المحللين الاقتصاديين في «بي دبليو سي»، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «منذ تولي هاموند الخزانة في 2016، سعى إلى تحسين سجل إنتاج المملكة المتحدة من خلال مجموعة من الإجراءات، بما في ذلك الإنفاق الغزير على البنية التحتية والاستثمار الإضافي في البحث والتطوير وزيادة التركيز على التدريب المهني... لكن إذا حكمنا من خلال التوقعات الأخيرة لتقرير الربيع، نتوقع أن يستغرق الأمر عدة سنوات حتى تتحسن الأمور، حيث وجه الركود الذي أعقب الأزمة العالمية ضربة قاسية إلى معدل النمو طويل الأجل في بريطانيا، مما قلل من نسبته إلى 1.5% سنوياً من 2.25%».
وتوقع سينتانس أن يبلغ متوسط الدخل الحقيقي القابل للتصرف لكل فرد 0.4% فقط، وهذا يعني أن الأسر لن تشعر بتحسن كبير لفترة طويلة. وبسؤاله عن التصويت البريطاني، قال ضاحكاً: «ما زلنا نتعامل مع المسودات المبكرة، لكن بشكل عام يبدو أن التصويت أضعف الاقتصاد كما توقعنا، لكن ليس بنفس القدر الذي كنا نراه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016».
وقال إن بريطانيا تقترض أقل من المتوقع هذا العام بفضل زيادة الضرائب القادمة من العاملين لحسابهم الشخصي، لتبلغ الإيرادات رقماً أعلى من المتوقع بنحو 2.9 مليار جنيه إسترليني.
وأفادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن الاقتصاد البريطاني سينمو بوتيرة أبطأ من أي دولة أخرى أو ناشئة هذا العام، ورفعت توقعاتها للنمو إلى 1.3% في 2018.
وقالت ستيلا أميس، المحللة الاقتصادية في «أبردين ستاندرد للاستثمارات وإدارة الأصول»، إن هاموند كان حريصاً على توصيل رسالة حول وجود ضوء في نهاية النفق، «صحيح أن عبء الديون في مرحلة خطرة، لكن على الجانب الآخر فإنها المرة الأولى منذ الأزمة المالية التي تقترض خلالها بريطانيا للاستثمار فقط بدلاً من تمويل الإنفاق اليومي».
وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»، أن هاموند كان واضحاً حين قال: «إننا سنبقى في النفق لفترة من الوقت، ولن تكون هناك إعادة تقييم أساسية لاحتياجات الإنفاق في المملكة المتحدة حتى عام 2020»... وهذا يعني عقداً من التقشف لم يسبق له مثيل في فترة ما بعد الحرب.
ورحب 64% من عينة استطلاع قوامها 195 من خبراء ومحللين اقتصاديين، أجرته «الشرق الأوسط»، بالمبادرات المتعلقة بالإسكان والتدريب والمجالات الرئيسية لإعادة الإنتاجية إلى مسارها وتعزيز النمو على المدى الطويل، وأبدى 27% تخوفهم من بلوغ الديون ذروتها في ظل نمو غير مستدام.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.