«بلاك بانثر» أنجز ما عجز عنه غيره... ودخل الصين بقوة

إيراداته العالمية حتى الآن مليار و71 ألف دولار

«بلاك بانثر» محارب في سبيل أفريقيا
«بلاك بانثر» محارب في سبيل أفريقيا
TT

«بلاك بانثر» أنجز ما عجز عنه غيره... ودخل الصين بقوة

«بلاك بانثر» محارب في سبيل أفريقيا
«بلاك بانثر» محارب في سبيل أفريقيا

الأرقام التي تحققها الأفلام مهمّـة لأنها تدل على رغبات الجمهور وقدرة الفيلم المُـنتج على التواصل معه. لأنه أيضاً، كما الحال في الفيلم الجديد «بلاك بانثر»، قراءة في مجمل العمل الجديد ومعناه المتمثل فيه كما في ذلك النجاح أيضاً. حتى مطلع الأسبوع الحالي بلغت إيرادات «بلاك بانثر» العالمية ملياراً و71 ألف دولار، بينها، وحتى كتابة هذه الكلمات، 571 مليون دولار في الولايات المتحدة. ليس فقط أنه سبق سواه من أفلام النوع (أفلام السوبر هيرو المقتبسة عن شخصيات الكوميكس) بل أنجز في أقل من شهر ما لم ينجزه معظمها، كما أنه دخل الصين هذا الأسبوع وحصد 55 مليون دولار.
- بطل أفريقي
على الشاشة الكبيرة تتلاحق المشاهد المكوّنة لهذا الفيلم غير المتوقع. يبدأ بعملية تعريف موجزة لموقع الأحداث (بلد خيالي في الجزء الشرقي غير الساحلي لأفريقيا اسمه واكاندا)، ثم ينطلق الفيلم في قصّـة تلتقي وتختلف مع باقي قصص القوى الخارقة. تلتقي بأن بطلها هو «سوبرهيرو» آخر لجانب أترابه مثل «باتمان» و«سوبرمان» و«سبايدر مان» وتختلف في أن قضية هذا البطل ليس إنقاذ أميركا من دمار محتمل، ولا القضاء على منظمة دولية تهيمن على مقدّرات الإنسان الغربي، بل تتمثل في أن الحل يجب أن يكون سلمياً.
خلال الفيلم سيؤكد بطله أن الغاية هي فرض السلام عبر المفاوضات من مركز قوّة. هذا الفيلم الذي يضع شخصية «بلاك بانثر» في البطولة لأول مرّة (ظهر شخصية سنيّدة في مسلسلات كوميكس سابقة)، مشغولاً بتحضير البيت (الوطن) لمثل هذه الغاية. على أفريقيا، القارة الكبيرة التي تقع فيها معظم الأحداث، أن تنتصر على العداوات القائمة فيما بينها من قبل أن تمارس تأثيرها الكبير على مجريات العالم. والمهمّـة، حسب الفيلم، ليست سهلة بل تأخذ الحيز الأكبر من الأحداث. الأشرار البيض قلّـة ويُـبادون في موقع ما قرب منتصف الفيلم وليس في آخره.
الذي يقوم بدور الإبادة ليس البطل، بل شرير أسود من أصول القارة ذاتها، وهو من سيناصب «بلاك بانثر» العداء حتى المعركة الأخيرة. وفي كل ذلك أبعاد سياسية غير لم يتم التطرق إليها من قبل، خصوصاً أن الفيلم لا يغفل عن دور الإنسان الأبيض في استعمار أفريقيا وتمزيقها وشحن أبنائها عبيداً إلى مختلف أنحاء القارة الأميركية. ولا عن أن مستقبل أفريقيا يكمن في وحدتها وليس في شتاتها.
واكاندا بقيت دولة غير مكتشفة بالنسبة لأوروبا مموّهة بغلاف من السرية المطلقة بفضل حاجز هولوغرافيكي (طاقة غير منظورة متعددة الأبعاد)، وهذا ما جعلها قادرة على التطور الصناعي والتكنولوجي في حين كانت باقي دول القارة واقعة تحت «القمع الاستعماري» حسب وصف الفيلم.
في مطلع الفيلم هناك معركة على السُلطة. تشالا الملقب ببلاك بانثر (شادويك بوزمان الذي لعب الدور ذاته سنداً لبطليه روبرت داوني جونيور وكريس إيفانز في «كابتن أميركا: حرب أهلية، 2016) عليه الدخول في معركة للاحتفاظ بملكه بعد موت والده. المتحدي زعيم قبيلة أخرى (أسمها جاباري) وهو يخسر المعركة الشرسة ويعلن استسلامه.
- شجون هذا العالم
موقع المعركة فريد: قمّـة جبل صخري مرتفع وفي مساحة غارقة في الماء عند حافة هاوية سحيقة. وإلى هذا الموقع سنعود في معركة ثانية ستدور هذه المرّة بين تشالا وغريم جديد اسمه كيلمونغر (مايكل ب. جوردان)، وهذا الأخير لا يعيش في واكاندا، كما حال الغريم السابق، بل أميركي من أصول أفريقية يعمل لحساب «سي آي إيه» منفذ عمليات قتل. شرط المعركة أن يتخلى تشالا عن قواه الخارقة لكي يكون القتال متكافئاً، وإذ يفعل ذلك يكتشف تشالا متحدياً لديه من القوّة البدنية ما يتسبب بالإطاحة به. تشالا يقع من ذلك العلو الساحق وكيلمونغر يستولي على الحكم رغم استياء طاقم الحكم.
كيلمونغر لديه خطة عمل منافية لتلك التي ثابر تشالا عليها وهي الكشف عن واكاندا كدولة واستخدام قوّتها المدمّـرة التي تم صنعها في الخفاء للنيل من الغرب. في ذلك يستند إلى موقف سياسي وإنساني وجد نفسه فيه منذ مولده. لقد تحمّـل تاريخ أجداده من العبودية ويعيش شاهداً على تفرقة عنصرية ما زالت حيّـة وما قيامه بتنفيذ عمليات القتل إلا بلورة لكرهه المكتسب لكل ذلك. لكن تشالا لم يمت وقبيلة أخرى وجدته واعتنت به، وها هو يعود إلى العمل ويستعيد قدراته الفائقة وينازل كيلمونغر من جديد ويهزمه ومعاونيه بمساعدة المخلصين من أتباعه والقبيلة المساندة.
المعركة ليست مجرد نزال بين قوّتين، بل نزال بين قوّة كل منها لديها مفهومها لرسالة واحدة: تحقيق عدالة غائبة، لكن الطريقة تختلف. ما هو مختلف أيضاً هو أن عتاد تشالا من المؤيدين هو في غالبه من النساء المحاربات. الفصل الأخير من المعارك يرتفع لا بالفيلم فقط (بعد بداية بليدة)، بل بهذا البعد أيضاً. بذلك يأتي الفيلم على استكمال حلقة كاملة من البدائل الاجتماعية والسياسية والإنسانية عما تفرضه الأفلام الأخرى.
نعم «ووندر وومان» (بدورها نتيجة شخصية كوميكس أخرى) من بطولة عنصر «ضعيف» آخر هو المرأة، لكن ذلك الفيلم الذي شاع في العام الماضي (قامت ببطولته غال غادو) لا تملك قضية كبيرة توازي شجون هذا العالم كما أنها امرأة بيضاء (كذلك معظم طاقمها)، وإذا ما تمعنت في الفيلم تجد أن استبدالها برجل أبيض، لو تم، لما تسبب في إلغاء باقي الصفات الأخرى.
مخرج «بلاك بانثر» هو الأفرو - أميركي (أيضاً) رايان كوغلر (Creed الذي قام مايكل ب. جوردان ببطولته) الذي لم يسبق له أن تعامل مع مؤثرات الديجيتال الكومبيوتر من قبل؛ لذلك لا يمكن منح الفيلم علامات عليا على صعيد تقنياته تلك، علماً بأن الفيلم في تكوينه المكاني وعناصر مشاهده الغالبة تطلب شغل الـCGI (التجسيد الصوري للكومبيوتر غرافيك) بنسبة تفوق 70 في المائة من مشاهده. لكن ما يعوض هذا النقص قدرة الفيلم على اعتبار أن هذه المؤثرات وسيلة درامية لإبلاغ الحكاية أكثر منها نماذج صناعية وديكورات مؤثرة.
وحسناً فعل المخرج، الذي شارك في كتابة السيناريو مع جور روبرت كول نقلاً عن شخصية ابتدعها في الستينات ستان لي وجاك كيربي، باستبعاد أي تكرار لعلاقة عاطفية تفرض نفسها على الأحداث. يتزوج تشالا ممن يحب، لكن من دون مداولات غرامية بينه وبين زوجته، أو بين أي من الحرس النسائي المحيطين به وآخرين إلا في حدود تشبه، حجماً، النظر من شق في نافذة.
البيض متواجدون في أدوار ثانوية (كما كان السود وما زالوا في أفلام النوع عموماً)‪:‬ أندي سركيس (عراقي الأصل) في دور الشرير الأبيض الذي يسرق جزءاً من العنصر الهولوغرافي ومارتن فريمن هو عميل «سي آي إيه» الذي يجد نفسه جزءاً من طاقم بلاك بانثر ويحارب من أجله.
- بعض التاريخ
> تم تأليف ونشر شخصية «بلاك بانثر» على صفحات مجلة «مارفل» للكوميكس سنة 1966 بصفته واحدة من شخصيات «فانتاستيك فور»، وبذلك سبق سواه من شخصيات سوداء مثل «فالكون» و«لوك كايج» وBlade‬
> اسم Black Panther في الكوميكس سبق تأسيس الجماعة السوداء التي عرفت بالاسم ذاته في مطلع السبعينات ولا علاقة تربط بينهما.


مقالات ذات صلة

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز