المسرح المصري يراهن على تجارب الشباب

صعد في الستينات ثم راح ضحية ثقافة الاستهلاك

الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
TT

المسرح المصري يراهن على تجارب الشباب

الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل

مثلت حقبة الستينات زمن الصعود الأقوى للمسرح، وارتبطت بأسماء مبدعين كبار: مؤلفين، وفنانين ومخرجين، تركوا بصمة لا تزال مثيرة للدهشة والمتعة، لكن هذا الحراك ذبل وانطفأ مع التحولات التي طرأت على المجتمع، ودخوله في نفق سياسة الاستهلاك الشرهة، ليتراجع موقعه على الخريطة الثقافية مصرياً وعربياً.
«ثقافة» استطلعت في هذا التحقيق آراء مسرحيين، لمعرفة هل ثمة خطط ومشاريع لإخراج المسرح من الحالة المؤسفة التي يعيشها حالياً؟
في البداية، يقول الناقد المسرحي الدكتور عمرو دوارة: «على الرغم من المحاولات الجادة للتنمية الاقتصادية التي تشهدها بلادنا، فإن التنمية الثقافية للأسف ما زالت تأتي في الدرجة الأخيرة من الاهتمام، وبالتالي لا نجد أي اهتمام حقيقي من جانب الجهات المعنية بتقديم الدعم المناسب للفنون المسرحية، ومع ذلك شهدت المواسم المسرحية الأخيرة، خلال عامي 2017 و2018، عدة محاولات جادة لإنقاذ المسرح المصري من عثراته وأزماته المزمنة، بعدما حمل رايته جيل جديد من الشباب العاشقين له والمؤمنين بدوره. ويحسب لهؤلاء المسرحيين الشباب حماسهم الشديد، وتوظيفهم لجميع خبراتهم لجذب الجمهور مرة أخرى إلى المسارح. وبالفعل، علقت لافتة (كامل العدد) على شباك كثير من مسارح الدولة، وذلك في حين غاب النجوم عن المسرح، بتفضيلهم العمل بالدراما التلفزيونية، خصوصاً مع تقلص نشاط فرق القطاع الخاص، بل اختفاؤها بصورة شبه كاملة، والاكتفاء بتقديم بعض العروض بالفضائيات».

المسرح والشارع
ويفسر الدكتور دوارة انفصال المسرح حالياً عن هموم الشارع والشخصية المصرية، قائلاً: «هناك محاولات للتغلب على غياب مشاركات فرق القطاع الخاص، نظراً لارتفاع تكلفة إنتاج العروض المسرحية (كنتيجة لارتفاع أجور النجوم والدعاية وإيجار المسارح). ونتيجة لذلك، انتشرت ظاهرة مؤسفة أساءت كثيراً إلى المسرح المصري، وإلى مفهوم المسرح بصفة عامة، وهي ظاهرة مساهمة بعض القنوات الفضائية في إنتاج عروض للتصوير التلفزيوني، ثم تقديمها من خلال الشاشة الصغيرة فقط. والحقيقة أن النجاح التجاري لهذه التجربة، وزيادة الطلب على مثل تلك النوعية من العروض، قد دفع بعض الفنانين إلى استغلال الفرصة وتقديم بعض العروض المتواضعة جداً فنياً. وكشفت إعادة عرض هذه العروض مدى الإفلاس، ومدى تدني المستوى الفني لتلك العروض، التي لا يمكن أن تصمد أمام الزمن، ولا يمكن مشاهدة أي منها أكثر من مرة، فجميعها تعتمد على تقديم بعض القوالب الشعبية للكوميديا المرتجلة واللعب بالكلمات والقفشات اللفظية، والسخرية من بعض العاهات أو الأحداث الآنية، وذلك على النقيض من تلك الأشكال والقوالب الكوميدية الراقية التي تعتمد على حبكات جيدة، ومجموعة من المواقف الدرامية محكمة الصنع، التي قدمها المسرح المصري منذ عشرينات القرن الماضي، وكان على رأسهم الفنان الكبير نجيب الريحاني، وعلي الكسار، مروراً بمسرحيات فترة الستينات لكتاب الكوميديا الكبار، التي استطاعت تناول قضايا الإنسان المصري، وعبرت عن طموحاته وآماله من خلال قوالب فنية راقية».
ويرى د. دوارة أن «أزمة المسرح تتمثل فقط في أزمة الإدارة، وأن مصر ولادة فعلاً، وتتمتع بعدد كبير من الفنانين الموهوبين في جميع المجالات، ومن بينها الكتابة المسرحية، ولكن تبقى مشكلة الإدارة التي يجب عليها القيام بعملية الفرز الدقيق، ومنح الفرص للموهوبين فعلا فقط». ولكن ما يحدث في أرض الواقع، كما يضيف، يخالف ذلك «حيث يقتنص الفرص أنصاف الموهوبين أصحاب النفوذ، في حين تغلق أبواب النشر وفرص الإنتاج المسرحي أمام عدد كبير من أصحاب الموهبة الحقيقية والكفاءة. ومن خلال مشاركاتي ببعض لجان التقييم والتحكيم، تأكد لي وجود عدد كبير من كتاب المسرح الرائعين بمختلف الأقاليم المصرية، ولكن للأسف كثيراً ما يصيبهم الإحباط كنتيجة منطقية لاهتمام المسؤولين ببعض الأشكال والقوالب التجريبية فقط، وتسييدها وإتاحة الفرصة لإنتاجها على حساب تلك النصوص الرصينة التي يقومون بتجاهلها وإهمالها».
واعتبر دوارة أن تجليات المسرح البديل تكمن في تعاظم دور «هواة المسرح» بمصر، وهو الظاهرة الإيجابية التي تحتاج لمزيد من دعم جميع الجهات المعنية بالشباب، خصوصاً بعدما نجحت بعض فرق الهواة، لا سيما من الفرق الجامعية وفرق «الجمعية المصرية لهواة المسرح»، في جذب جمهور جديد لعروضهم المتميزة التي يحرصون على تقديمها لعدة ليال متتالية ببعض مسارح العاصمة والأقاليم، اعتماداً على دعم جمهورهم وإيرادات شباك التذاكر.
وأضاف: «لقد نجح (هواة المسرح) وعشاقه المغامرون في تحقيق التواصل مع جمهورهم عبر وسائل الاتصال الحديثة، وكذلك في التخلص من جميع القيود الرقابية، وأهمها لوائح ممارسة المهنة بنقابة المهن التمثيلية، وقوانين ضريبة الملاهي، وقبل كل ذلك فكرة ضرورة مشاركة النجوم لاجتذاب الجمهور. والملاحظات التي يجب تسجيلها في النهاية هي أن أغلب فعالياتنا ومهرجاناتنا المسرحية تعاني كثيراً من عدم التنسيق فيما بينها (سواء على مستوى مواعيد تنظيمها أو على مستوى تكرار بعض الأنشطة)، كما تفتقد للتخطيط السليم نظراً للاعتماد على القرارات الفردية والجهود العشوائية».
وطالب دوارة بضرورة وضع خطط قصيرة المدى، وأخرى طويلة المدى، والحرص على تنفيذ كل منها بكل دقة، مع ضرورة مراعاة الاهتمام بالخطاب الدرامي لتحقيق المشاركة في التنمية الاجتماعية بصورة فعالة، مما يتطلب أيضاً ضرورة تنظيم خطط للتجوال بجميع العروض لتحقيق فكرة العدالة الاجتماعية، وتوصيل دعم الدولة للجميع، ولن يتحقق ذلك بالطبع إلا من خلال الاختيار الدقيق للقيادات المسرحية، والاعتماد على أسلوب العمل الجماعي، من خلال لجان القراءة والمكاتب الفنية المتخصصة، مع تحقيق فكرة المتابعة والتقييم والتقويم بكل جدية وشفافية.

ثقافة الإنترنت
ومن جانبه، يقول الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل إنه تحول لكاتب روائي أخيراً، وصدرت روايته الأولى «المنفى والملكوت»، لتراكم الإشكالات الكبرى التي استقرت على الفن المسرحي في مصر خلال السنوات الماضية، ولم تنته بعد إصابة المسارح بالروتين الحكومي الذي يفرض نموذج «الطابور» على المبدعين وانتظار الدور، ما أدى إلى ترهل المشهد الإداري.
ويضيف إسماعيل: «لا توجد حركة مسرحية الآن في المسرح المصري، بمعنى أن الدولة لها توجه تنموي واضح في شتى المجالات، لكنها لا تلتفت لكتاب المسرح الذين أصابهم الاكتئاب حتى بحثوا في أكوام الأفكار عن الموضوعات العدمية لكتابتها، وهذا ترتب عليه أن مسرحنا الآن (غير وطني)، بمعنى أن الكاتب يكتب في فضاء ذاتي، بما يناسب حالته النفسية، وهذا لا يشكل حركة مسرحية وطنية إطلاقاً. والمثال الأقرب لهذه الفكرة أنتجته ثورة 1952، حينما كان المسرح هو ظهير الاشتراكية. وإن أسقطنا هذا النموذج على واقعنا المعاصر، سنجد أن مصر قامت بها ثورتان في فترة وجيزة، شارك فيهما أغلب المصريين، ومن بينهم بطبيعة الحال المسرحيون. ومع ذلك، لم يواكبها أي حراك مسرحي حقيقي يؤرخ ويوثق هذا الحدث التاريخي الجلل بشكل يليق».
ويتابع: «لا يمكن أن نتجاهل النقلة النوعية التي أحدثها الذكاء الإلكتروني واختزال المعلوماتية في جهاز صغير، حيث تربت أجيال متلاحقة على استخدام (الموبايل) للسفر حول العالم وهم في أماكنهم، وبالتالي أنتج هذا سهولة التلقي، وإلغاء كاملاً للخيال والمسافة بين الشباب والقراءة الجادة، فهناك ارتباط وثيق الصلة بين العادات القرائية التي تفرز إنساناً مثقفاً حقيقياً قادراً على التخيل وفن المسرح، وكلما ابتعد الجمهور عن القراءة، ابتعد بطبيعة الحال عن خشبة المسرح».
ولكن المخرج خالد جلال لا يتفق مع الآراء السابقة، فهو يرى أن فن المسرح ليس غائباً عن المشهد الثقافي المصري، مستشهداً بكم العروض المسرحية التي تعرض على مسارح الدولة، والتي «كسرت الدنيا» - على حد تعبيره - في القاهرة، وكذلك في باقي المحافظات.
ويقول عن ذلك: «إن المسارح في كل ربوع مصر تستقبل 3 آلاف عرض مسرحي في العام الواحد، أي أن المنتج الثقافي الذي يقدمه المسرح المصري هو الأكبر مقارنة بأي منتج ثقافي آخر، وهذا على مستوى العالم العربي، ولو كان هناك غياب للمسرح ما كانت وسائل الإعلام قد اهتمت بتسجيل العروض المسرحية وبثها على مدار الموسم». ويستشهد هنا بالفرق المسرحية التي كانت تقيم عروضها في مواسم محددة، وينجذب إليها الجمهور المصري والعربي، مثل العروض المسرحية التي كان يقدمها الفنان عادل إمام ومحمد صبحي وسهير البابلي ومحمد نجم وسمير غانم، وكان لها أثر بالغ في صناعة مشهد ثقافي يتصدره المسرح الخاص.
ويستدرك المخرج جلال بقوله: «ولكن مع تطور وسائل الإعلام والميديا، تراجع هذا النوع من العروض، وذلك يرجع إلى تكاليفها الباهظة، بدءاً من تأجير المسرح، مروراً بكل ما يخص العرض من تجهيزات، إضافة لأجور الفنانين المرتفعة التي لا يصمد أمامها سعر تذكرة العرض، خصوصاً أنها سوف تسجل وتذاع مما يقلص عدد الجمهور. وهذا التراجع الملحوظ ساهم في تأكيد وجود وانتشار مسرح الدولة، وذلك لأنه لا يعتمد في عروضه على أسماء الفنانين الكبار غالباً، لكنه يعتمد في الأساس على شباب المسرحيين. ومن هنا، علينا أن نعترف بأن خريطة المسرح في مصر قد تغيرت مع غياب هذه الفرق المسرحية، وبروز مسرح الدولة الذي جذب كتاباً كباراً في مراحل مختلفة، وكان وجود هذه الأسماء مؤشراً حقيقياً على محو البيروقراطية والروتين الثقافي».



كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟


دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين
TT

دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهي عمل سردي يستكشف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية والكتابة، عبر بناء روائي متعدد المستويات يمزج بين السرد النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي.

تدور الرواية حول شخصية «الكهل»؛ رجل فاقد للذاكرة يقيم في مصحّة غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة غامضة يمثلها «العقيد». بالتوازي، يتتبع العمل مسار «سمير»، الكاتب الذي يعاني عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى «دائرة الكُتّاب المجهولين»، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم. ومع تداخل هذين المسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته.

سمير قسيمي روائي جزائري عمل محامياً ومحرّراً ثقافياً وأدبياً في عدّة منابر عربيّة. صدرت له عدة أعمال سردية، من بينها «يوم رائع للموت» و«حبّ في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد».

في ما يلي مقتطف حصري من الرواية:

دائرة الكُتّاب المجهولين

أخبرتُ الطبيب بكلّ ذلك، أو ربّما كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يزورني. كنتُ قد هيّأتُ نفسي لأجيبه عن سؤال أعرف أنّه على طرف لسانه: «كيف تتحدّث عن كلّ ذلك كأنّه حقيقة؟ أنت لا تعرف اسمك، لا تذكر وجه أمّك ولا شكل أبيك. لا تعرف لمَ أنت هنا، ولا حتّى من أحضرك».

هيّأتُ نفسي لأجيبه، لكنّه لم يسأل.

ظلّ صامتاً للحظة، ثمّ قال بصوتٍ لم يعد يشبه صوته المعتاد:

– قلتَ إنّ تلك الدعوة وصلتك في لحظة انهيارٍ صامت. ماذا تقصد بذلك؟

– لأنّها وصلتني بعد عودتي من رحلة عملٍ قادتني إلى الشارقة. فقد انتدبني مديري لأمثّل شركتنا في ملتقى دوليٍّ هناك، وهو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا لا أحبّ السفر. أراه مضيعةً للوقت في عصرٍ يمكنك فيه زيارة العالم من شاشة حاسوبك دون مغادرة أريكتك. لكنّني هذه المرّة قبلت، هرباً من واقعٍ عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبةً في التفكير في مستقبلنا معاً.

سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إليَّ بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعفٍ استسلمت لوساوسها، وساوس الوحدة القاتلة، وإنّها بعدما فكّرت مليّاً أدركت أنّنا، بعدما تجاوز كلانا الخمسين، لم نعد معنيّين بمستقبلٍ لا يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن الإنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمرٍ لا يسمح لنا برعايته كما يستحقّ.

هذه المرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تردّ على مكالماتي المتكرّرة، وإذا حدث والتقينا صدفة، تُشعرني بأنّني أتحدّث إلى غريبةٍ لا أعرفها، كأنّ روحها هاجرت من جسدها وحلّت محلّها روحٌ أخرى.

– سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت الملتقى؟

– سافرت، لكنّني لم أحضر الملتقى. لقد كان مجرّد قناعٍ أرتديه أمام العالم، وأمام نفسي. لم أقرأ ورقتي البحثيّة المملّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جلساته التي بدت كطقوسٍ جنائزيّة لعقولٍ محنّطة.

بعد اليوم الأول، أعلمتُ المنظّمين ببرودٍ مصطنع أنّني سأقدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعياً التهاباً حادّاً في الحلق يمنعني من الكلام، ويجبرني على البقاء في غرفتي الفندقيّة الفاخرة والموحشة كقبرٍ مُكيّف. كذبةٌ صغيرة استمتعت بها، ربّما لأنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن.

تخلّصت من التزامات الملتقى، وبقي أمامي يومٌ كامل قبل موعد العودة؛ يومٌ بدا لي أطول من حياةٍ بأكملها، فارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لن تُكتب. فكّرت في البداية أن أقضيه في الفندق، محدّقاً في السقف المزخرف بسخافة، أو متابعاً قنواتٍ إخباريّةً تردد نفس الكوارث بنفس الوجوه الشاحبة. لكنّ معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافعٍ من عادةٍ قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّما من يأسٍ مقنّع يبحث عن أيّ قشّة، أن أذهب لأستمع لكتّابٍ يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة.

حضرت ندوتين، لم أستفد منهما شيئاً سوى الشعور بالمزيد من الإحباط والضآلة، ثمّ رحت أجول في أروقة المعرض المزدحمة والصاخبة، أتصفّح أغلفة الكتب الجديدة بعينين متعبتين، أبحث لاشعورياً عن كتبٍ تشرح الكتابة للمبتدئين أو تعلّم الإبداع بخطواتٍ سهلة ومضمونة. وجدت الكثير، بعضها يَعِد بتحويلك إلى روائي عالمي في ستّة أشهر، وأخرى في شهرين، كأنّها وصفات طبخٍ سريعة لطبقٍ معقّد. لم أشترِ شيئاً، وفضّلت العودة إلى عزلتي في الفندق، إلى صمت الغرفة الذي بدا لي أرحم من ضجيج الآمال الكاذبة.

في طريقي إلى المخرج، وكالمُنوَّم مغناطيسيّاً، وجدت نفسي أقف أمام جناح دار نشرٍ طالما حلمت بالوصول إليها، دار نشرٍ كانت تمثّل لي القمّة البعيدة، الحلم المستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعوام، وكلّها رُفضت برسائل نمطيّةٍ باردة كأنّها كُتبت بواسطة آلة. كتبها لا تصل إلى الجزائر إلّا نادراً، وبأسعارٍ خياليّة.

لحظة جنونٍ عابرة، أو ربّما شجاعة وُلدت من رحم اليأس المطبق، دفعتني للتفكير: ماذا لو تحدّثت إلى صاحبها؟ لعلّه يخبرني، وجهاً لوجه، بسرّ هذا الرفض المتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لم تجرؤ لجان القراءة على تسميتها. لعلّي أستدرك أخطائي، أو ربّما أتوقّف عن هذه المهزلة نهائيّاً.

اشتريت روايتين من الجناح بشكلٍ عشوائي، إحداهما مترجمة لكاتبٍ لم أسمع به من قبل، والأخرى لكاتبةٍ ناشئة بدا غلاف كتابها حزيناً كوشاح أرملة. ثمّ سألت الشابّ الذي كان يقف خلف طاولة البيع عن صاحب الدار، فدلّني عليه بإشارةٍ مقتضبة من رأسه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.

تقدّمت نحوه بخطواتٍ متردّدة، أثقل من خطوات سجينٍ يُساق إلى حبل المشنقة. كان يقف منتصب القامة، أنيقاً في بدلته الدكناء، يتحدّث بابتسامةٍ محترفة ومصقولة مع رجلٍ يبدو من هيئته أنّه شخصيّةٌ مهمّة. انتظرت على بعد خطوات، أشعر بالغرابة والخجل، كأنّني متسوّلٌ يقف على باب قصرٍ فخم، لا ليطلب صدقة، بل ليطلب اعترافاً بفشله. انتظرتُ حتّى انصرف الرجل المهمّ، فاقتربت، وقلبي يدقّ ببطءٍ مقلق، كأنّه يستعدّ للتوقّف. شعرت ببرودةٍ في أطرافي، وبجفافٍ في حلقي.

حين التقت نظراتنا، رفعت صوتي قليلاً لأتغلّب على الضجيج المحيط:

– مساء النور، أستاذ.

ومددت يدي لأصافحه. يدٌ باردة ورطبة قليلاً. أضفت بسرعة، كمن يلقي اعترافاً أخيراً قبل أن يغيّر رأيه:

– في الحقيقة، كنت منصرفاً، لكنّني رأيت جناح دار نشركم، فتوقفت. اشتريت هذين الكتابين، وخطر لي أن أتعرّف إليك شخصيّاً.

قلتها بلهجتي الجزائريّة، متعمّداً هذه المرّة، لا بكبرياء زائفة، بل كإعلانٍ عن هويّتي الضائعة في هذا المكان الغريب. كثيرٌ من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربيّة، ليس ليفهمهم الجميع، فالفصحى تكفي لذلك، بل لشعورٍ دفين بالنقص يدفعهم لاستعارة لهجات تبدو لهم أكثر «رقيّاً» أو «عروبة».

توقّعت أن يطلب ترجمة، أو أن يبتسم بسخريةٍ خفيفة، أو أن يتجاهلني ببساطة. لكنّه فهم، أو تظاهر بالفهم ببراعة. قال مبتسماً ابتسامةً مدرّبة كشفت عن أسنانٍ ناصعة البياض بشكلٍ مبالغ فيه:

– آه، جزائري! يا أهلاً وسهلاً! مرحباً بك، يسعدني التعرّف إليك. أتمنّى أن تجد في كتبنا ما يمتعك ويثري تجربتك.

أضاف وهو يصافحني بحرارةٍ وقوّة كادت تسحق عظام يدي:

– أحبّ لهجتكم كثيراً، مزيجٌ فريد ورائع من التاريخ والجغرافيا، من الفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والتركيّة والعربيّة طبعاً، وحتّى بعض الأمازيغيّة أحياناً. مزيجٌ غير متجانسٍ تماماً، أعترف، لكنّه ساحر في تركيبته. دائماً ما أقول لأصدقائي العرب ممّن يزعمون أنّها غير مفهومة: إنّها تحتاج فقط إلى بعض الثقافة والقلب المفتوح للاستمتاع بها، كقطعة موسيقى جاز معقّدة.

ابتسمت ابتسامةً باهتةً، مقدّراً لباقته المصطنعة، لكنّني لم أصدّق حرفاً واحداً خرج من فمه، فقد شعرت بكلماته كأنّها جزءٌ من نصٍّ محفوظ يلقيه على مسامع كلّ جزائريٍّ محتمل.

قلت معلّقاً بصوتٍ خافت، كأنّني أحدّث نفسي: «من ذوقك الراقي». ثمّ استجمعت شجاعتي الباقية وقدّمت نفسي:

– أنا كاتب، أو بالأحرى... أحاول يائساً أن أكون كاتباً. كتبت عشر روايات، سبق أن أرسلتها إليكم على مدى سنوات.

اتّسعت عيناه بدهشةٍ مصطنعة ومبالغٍ فيها. قال وهو يتقدّم نحوي بخطوة:

– عشر روايات؟ يا إلهي! واو! هذا إصرارٌ مذهل! عددٌ هائل بالفعل!

– عشر روايات، وكلّها رفضتها لجنتكم الموقّرة للقراءة.

قلتها بمرارة لم أستطع إخفاءها هذه المرّة، مرارة تسرّبت إلى صوتي رغماً عنّي.

انكمش وجهه قليلاً، كقناعٍ مطّاطي فقد بعض الهواء، لكنّ ابتسامته المحترفة لم تتلاشَ تماماً.

سأل بهدوءٍ حذر، كمن يسير في حقل ألغامٍ يعرف مكان كلّ لغمٍ فيه:

– وتعتقد أنّنا أخطأنا في تقييم أعمالك؟ أنّنا ظلمناك ربّما؟

– على العكس تماماً... أظنّ أنّها كانت غير صالحةٍ للنشر. ربّما كانت مجرّد أصداءٍ باهتة لكتّاب آخرين أحببتهم وقرأتهم حتّى حفظت إيقاع جملهم.

أجبت بلا تردّد، بصدقٍ فاجأني أنا نفسي، صدقٍ نابع من قاع اليأس.

ضحك هذه المرّة بصوتٍ أعلى، ضحكة بدت حقيقيّةً للحظةٍ خاطفة، كشرارةٍ في عتمة، ثمّ تماسك بسرعة، ودعاني للجلوس إلى طاولةٍ صغيرة منعزلة في زاوية الجناح، كأنّه يخشى أن يسمع أحدٌ حديثنا.

بادرني وهو يشير لنادلٍ افتراضي لم يكن موجوداً:

– أصدقائي الجزائريّون يفضّلون القهوة القويّة، السوداء، بلا سكّر. وأنت؟ قهوة أم شاي؟

– لا هذه ولا تلك، شكراً جزيلاً.

أضفتُ شارحاً: لا أحبّ المنبّهات. أفضّل عقلاً يعمل بإيقاعه الطبيعي، أو على الأقلّ، لا يعمل بفعل منبّهٍ خارجي يملي عليه ما يجب أن يشعر به.

ابتسم شابكاً أصابع يديه:

– قد تكون أول كاتبٍ ألتقيه يفضّل عقله هكذا، صافياً. وبلا شكّ، أنت أول كاتبٍ أعرفه لا يغضب كالثور الهائج إذا أُخبر أنّ كتابه سيّئ.


قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.