مجلس الشيوخ الأميركي يتأهب للعدول عن قواعد أوباما المصرفية

أكبر ضربة تشريعية موجهة لقانون دود ـ فرانك

من المقرر أن يجري مجلس الشيوخ تصويتا إجرائيا مبدئيا خلال أيام للمضي قدما بتدابير القانون الجديد (رويترز)
من المقرر أن يجري مجلس الشيوخ تصويتا إجرائيا مبدئيا خلال أيام للمضي قدما بتدابير القانون الجديد (رويترز)
TT

مجلس الشيوخ الأميركي يتأهب للعدول عن قواعد أوباما المصرفية

من المقرر أن يجري مجلس الشيوخ تصويتا إجرائيا مبدئيا خلال أيام للمضي قدما بتدابير القانون الجديد (رويترز)
من المقرر أن يجري مجلس الشيوخ تصويتا إجرائيا مبدئيا خلال أيام للمضي قدما بتدابير القانون الجديد (رويترز)

يستعد مجلس الشيوخ الأميركي إلى تقليص اللوائح المصرفية الشاملة التي تم إقرارها في أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، مع أكثر من اثني عشر عضوا ديمقراطيا على أهبة الاستعداد لمنح الأعضاء الجمهوريين الأصوات التي يحتاجون إليها، بغية إضعاف أحد أكبر الإنجازات التشريعية التي حققها الرئيس السبق باراك أوباما.
وتعكس رغبة مجلس الشيوخ في سحب اللوائح المصرفية الشاملة حجم نفوذ القطاع المالي داخل العاصمة واشنطن، وليس بين أروقة الجمهوريين فحسب وإنما في أوساط الديمقراطيين أيضا. فبعد مرور ثمان سنوات على دعم كل الأعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ المجموعة الواسعة من القواعد الجديدة للمؤسسات المالية الكبيرة والصغيرة، انقسم الحزب الديمقراطي الآن على ذاته، مع مواجهة كثير من المعتدلين منافسات محتدمة في انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس، وأصبحوا يتعاونون مع أعضاء الحزب الجمهوري المعارض.
ويعفي مشروع القانون الجديد، في جوهره، ما يقرب من اثنتي عشرة مؤسسة مالية كبيرة بأصول تتراوح بين 50 و250 مليار دولار من أعلى مستويات التدقيق والمراجعة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي). ويرى المؤيدون لمشروع القانون الجديد أن ذلك التشريع سوف يحقق التخفيف الذي تنشده المصارف المتوسطة والكبيرة منذ فترة طويلة، والتي كانت تلقى معاملة بمثل التي تلقاها المصارف الأكبر حجما وفق تشريع عام 2010 السابق والمعروف إعلاميا باسم قانون دود - فرانك.
في حين أن المعارضين يقولون إن القانون الجديد سوف يعمل على إضعاف الرقابة المطلوبة لوقف أنواع الإقراض والاستثمار الخطيرة التي سببت تقويضا في أركان الاقتصاد الأميركي خلال الفترة الماضية.
ومن المقرر أن يجري مجلس الشيوخ تصويتا إجرائيا مبدئيا خلال الأسبوع الحالي للمضي قدما بتدابير القانون الجديد، وإن أصبح قانونا معمولا به في خاتمة المطاف، فسوف يعتبر أكبر ضربة تشريعية موجهة لقانون دود - فرانك منذ إقراره.

ردة تشريعية في ذكرى الأزمة!
وقالت السيناتور إليزابيث وارين، الديمقراطية من ولاية ماساتشوستس، في مقابلة شخصية: «في الذكرى العاشرة للأزمة المالية المروعة، لا ينبغي على الكونغرس تمرير القوانين المعنية بإضعاف قواعد الرقابة والمساءلة على مصارف وول ستريت. إذ يسمح مشروع القانون الجديد لنحو 25 من أصل 40 مصرفا كبيرا في البلاد بالفرار من التدقيق والمراجعة المكثفة، وتنظيم أعمالها كما لو كانت مصارف مجتمعية صغيرة الحجم والنطاق والتي لا يمكن أن يكون لها كبير تأثير على اقتصاد البلاد».
بينما يشير السيناتور جون تيستر، الديمقراطي من ولاية مونتانا، وهو عضو في لجنة المصارف بالكونغرس وأحد كبار مؤيدي مشروع القانون الجديد إلى أن «المصارف في ولاية الريفية إلى حد كبير قد خرجت من العمل المصرفي بصورة جزئية بسبب اللوائح التي أقرها قانون دود - فرانك من قبل».
ويضيف السيناتور تيست «إن مصارف مين ستريت، والمصارف المجتمعية إلى جانب الاتحادات الائتمانية لم تكن السبب المباشر في الأزمة المالية العالمية لعام 2008، ورغم ذلك فقد خضعت للرقابة التنظيمية بشكل كبير وصارم»، مشيرا إلى أنه ليس هناك مادة واحدة في هذا القانون تمنح وول ستريت انفراجة بأية صورة من الصور.
ويدحض النقاد مثل هذه المزاعم، مشيرين إلى أن الانقسام الظاهر في الحزب الديمقراطي بشأن اللوائح المالية التي تثير حفيظة الليبراليين مثل السيناتور وارين والسيناتور شيرود براون، الديمقراطي من ولاية أوهايو، وهو من أبرز أعضاء اللجنة المصرفية بالكونغرس، ضد الأعضاء الديمقراطيين المعتدلين بما في ذلك السيناتور تيستر، والسيناتور هايدي هايتكامب الديمقراطية من ولاية نورث داكوتا، والسيناتور جو دونلي الديمقراطي من ولاية إنديانا.
ويواجه كثير من الأعضاء المعتدلين الضغوط السياسية المتصاعدة بهدف إنشاء سجلا وسطيا للتصويت، ولا سيما في أعقاب التصويت ضد التخفيضات الضريبية التي اقترحها الحزب الجمهوري في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي. ويعتزم الأعضاء تيستر وهايتكامب ودونلي خوض انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في الولايات التي فاز فيها الرئيس الجمهوري دونالد ترمب بهامش كبير من عدد الأصوات. ولقد ساعد الأعضاء الثلاثة المذكورون في التفاوض بشأن اللوائح المصرفية مع الراعي الجمهوري لمشروع القانون الجديد، وهو السيناتور الجمهوري البارز مايك كرابو رئيس اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ. ومع ذلك، فإن الائتلاف الديمقراطي المؤيد لمشروع القانون الجديد يضم أيضا المشرعين مثل تيم كاين من ولاية فيرجينيا، وكان الزميل المشارك لهيلاري كلينتون في انتخابات عام 2016 الرئاسية، وكذلك مارك وارنر من ولاية فيرجينيا، والذي كان من بين المشرعين الرئيسيين في إصلاحات وول ستريت عبر قانون دود - فرانك لعام 2010، إلى جانب مشروع حماية المستهلك، غير أنه أعرب عن قلقه حيال اللوائح المفرطة بحق المصارف صغيرة الحجم.
ويبدو أن مشروع القانون الجديد الذي يتزعمه الحزب الجمهوري يحمل مسارا واضحا صوب التحول إلى قانون نافذ المفعول. فإن مستوى الدعم الجمهوري لمشروع القانون الجديد يوحي بأن مشروع القرار سوف يحوز على الـ60 صوتا اللازمة لتمرير القانون داخل مجلس الشيوخ، والذي سوف يدخل حيز المناقشة التشريعية من خلال التصويت الإجرائي المقرر يوم الثلاثاء. مع الدعم الواسع الذي أعربت عنه إدارة الرئيس ترمب حيال التعديل المزمع إجراؤه.
ولقد أصدر مجلس النواب بالفعل تشريعا من شأنه إبطال أجزاء كبيرة من نصوص قانون دود - فرانك، وبالتالي صار أكبر التحديات المرتقبة لدى المؤيدين لمشروع القانون هو التوفيق بين نسختي مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ويقول الديمقراطيون من مجلس الشيوخ المؤيدين لمشروع القانون أنهم سوف يقاومون أية تغييرات كبيرة.
أما زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور تشاك شومر الديمقراطي من نيويورك، والذي يمثل «وول ستريت»، وغالبا ما يكون مدفوعا بالرغبة في حماية نواب الولايات الحمراء الضعيفة سياسيا، فإنه يعارض مشروع القانون الجديد، ولكنه اعتمد مسارا بعدم التدخل حيال المناقشات الحالية حتى الوقت الراهن.

ضغوط عدة لتمرير القانون
ويعد احتمال تخفيف الإجراءات التنظيمية في وول ستريت إشارة على تحسن موقف القطاع المالي داخل الكابيتول هيل - فضلا عن محاولات الضغوط الهائلة من المصارف المحلية والاتحادات الائتمانية والظاهر في كل ولاية من الولايات في الآونة الأخيرة. كما عززت المؤسسات المالية من مساهماتها الانتخابية لدى كبار الأعضاء الديمقراطيين خلال العام الماضي، مع اعتبار السيناتور هايتكامب ودونلي وتيستر من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الحائزين على التبرعات من المصارف التجارية حتى الآن في دورة الحملة الانتخابية للعام الحالي، وذلك وفقا لمركز الاستجابات السياسية. ويرفض أعضاء مجلس الشيوخ المذكورين وجود أية صلة بين التبرعات وبين تأييدهم لمشروع إعادة صياغة قانون دود - فرانك.
وتزايدت جهود التأييد مع اقتراب دخول مشروع القانون حيز المناقشة التشريعية. وقامت الرابطة الوطنية للاتحادات الائتمانية بزيارة العاصمة واشنطن في فبراير (شباط) الماضي للاجتماع مع المشرعين. ووصل أكثر من 5 آلاف من أنصار الاتحادات الائتمانية، بمن في ذلك الموظفون والمدراء التنفيذيون من كل ولاية أميركية إلى مبنى الكابيتول هيل وهم يرتدون شارات «التصويت بالموافقة». ولقد عقدوا ما يقرب من 600 اجتماع مع مختلف المشرعين في الكونغرس. ولقد بدأت حملة المواجهات الشخصية مع اجتماع عُقد في البيت الأبيض مع الرئيس ترمب ومع غاري كوهن، مدير المجلس الاقتصادي القومي، حيث دافع أنصار الاتحادات الائتمانية خلال الاجتماع عن مشروع القانون الجديد باعتباره وسيلة من أبرز وسائل تصحيح اختصاصات قانون دود - فرانك. وقال جيم نوسل، رئيس الرابطة الوطنية للاتحادات الائتمانية خلال الاجتماع: «إننا نتفهم المخاوف من أن المصارف هي التي تسببت في الأزمة المالية السابقة، غير أن ذلك لا يعني الاتحادات الائتمانية من قريب أو بعيد».
وتقدمت المصارف الصغيرة والإقليمية بشكوى من أن قانون دود - فرانك قد وضعهم تحت ضغوط رقابية كبيرة وغير منصفة أسفرت عن معاقبتهم على خطايا وول ستريت التي لم يرتكبوها. وأعرب كثير من المشرعين من كلا الحزبين عن تعاطفهم مع هذه الادعاءات، الأمر الذي ساعد على تأييد الحزبين لصالح مشروع قانون مايك كرابو.
وفي حين أن تأثير المشروع لن يتضح بتمامه على القطاع المالي إلا بعد الموافقة عليه وتمريره، إلا أن التشريع الجديد يهدف إلى خلق منطقة وسطى بين أولئك الساعين إلى العصف بقانون دود - فرانك وأولئك الراغبين إلى عدم المساس بالقانون من الأساس - أو، على أعلى تقدير، أن تُجرى عليه بعض التعديلات والتغييرات الفنية الطفيفة.
ويتمحور التدبير الجديد حول إعفاء ما يقرب من اثنتي عشرة مؤسسة مالية من حالة الرقابة الصارمة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي. ومن شأنه رفع حد الأصول لهذه المؤسسات من 50 إلى 250 مليار دولار، وتخفيف لوائح التدقيق والمراجعة - مؤقتا على الأقل - على مصارف مثل «صن ترست» و«بي بي أند تي». وهناك أقل من 10 مصارف في الولايات المتحدة تملك أصولا تقدر بأكثر من ربع تريليون دولار، على الرغم من أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سوف يحتفظ بالحق في تطبيق تدابير الفحص والمراجعة الأكثر صرامة على المصارف الصغيرة حالما اعتبر ذلك مبررا. ويقول النقاد إن أنصار إلغاء اللوائح الصارمة يشعرون بالذنب من ذكريات واهمة وشعور زائف بالأمن. فلم تحدث أية أزمات مالية منذ إقرار قانون دود - فرانك، والذي يحمل اسم رعاته وهم السيناتور الأسبق كريس دود (الديمقراطي من كونيتيكت)، وعضو الكونغرس الأسبق بارني فرانك (الديمقراطي من ماساتشوستس)، والذي تمت الموافقة عليه في عام 2010 في الكونغرس الذي كان يسيطر عليه الأعضاء الديمقراطيون، ووقع على إقرار الرئيس الأسبق باراك أوباما.
وجاء القانون المذكور كرد فعل على الأزمة المالية العالمية لعام 2008 والتي عصفت بمئات المصارف والمؤسسات المالية، وأطاحت ببعض من أكبر المؤسسات المالية الأميركية في ذلك الوقت، بما في ذلك بنك أوف أميركا وغولدمان ساكس. واضطرت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش إلى الحصول على حزمة الإنقاذ المالي بقيمة 700 مليار دولار والتي أدت إلى استقرار الاقتصاد من خلال المحافظة على صمود بعض من كبريات المؤسسات المالية في البلاد.
- خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد أشخاص يصطفّون خارج مركز توظيف في لويفيل بولاية كنتاكي الأميركية (أرشيفية - رويترز)

تراجع الطلبات الأسبوعية لإعانة البطالة في أميركا رغم الحذر من التوظيف

تراجع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل، رغم حذر الشركات بشأن التوظيف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتات بنوك «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي بنك» و«ويلز فارغو» (رويترز)

بنوك «وول ستريت» تجني 45 مليار دولار من الأزمات الجيوسياسية

بينما يواجه العالم تداعيات الصراع في الشرق الأوسط، أثبت «شارع المال» الأميركي قدرة استثنائية على تحويل التقلبات إلى مكاسب مليارية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.