سنوات السينما

سنوات السينما

الجمعة - 21 جمادى الآخرة 1439 هـ - 09 مارس 2018 مـ رقم العدد [ 14346]
لقطة من «الملتزم»
The Conformist
(1970)
بحث في الهوية السياسية
لدى برتولوتشي وبطله

قرب نهاية فيلم «الملتزم» نجد أن مشكلة بطله كما أدّاه بجدارة الفرنسي جان - لوي تريتنيان، تتمثّل في أنه يبحث دوما عن التزام ينتمي إليه. هذا سبق بسنوات كثيرة كشف المخرج برناردو برتولوتشي عن لا - التزام مماثل بعدما سبر في أفلامه صوب شواطئ عدة لم يرتح عند أي منها.
تريتنيان في الفيلم هو بروفسور اسمه مرشيللو يعيش أجواء الفاشية الإيطالية في العام 1938 وهو سعيد الآن بالتزامه بالفكر اليميني المعلن مما يستدعي قيام أحد السياسيين بالطلب من مرشيللو الاتصال بمثقّف وفيلسوف يساري النزعة (إنزو تاراشيو) لمعرفة تحركاته تمهيداً لاغتياله. لجانب هذا الحدث قام برتولوتشي بتقديم بطله على أنه له ماض يحاول إخفاءه ولو أنه ما زال يسيطر عليه. قبل سنوات قام بقتل سائق حاول إغواءه جنسياً ما زرع في داخله الخوف من ضعف جنسي كما من ماضيه مما جعله يقبل بالحاضر أيا كان توجهه. هو مع نظام اليمين لأنه واقع وقد يختلف وضعه لو لم يكن.
يفصح الفيلم عن ذلك عبر انتقال متعدد بين الماضي والحاضر. الأول يعكس صراع مرشيللو مع ماضيه ونشأته المهزوزة، والثاني يكشف عن بروده العاطفي حيال زوجته غويليا (ستيفانيا ساندريللي) ولهاثه وراء آنا (دومونيك ساندا)، وهي زوجة الفيلسوف الذي ينوي اغتياله. هذا يجعله حائراً في اتجاهاته، فهو لم يعد واثقاً مما يريد أن يفعله وهل هو فعل صحيح أم لا. هل سيغتال المثقف اليساري لأن الأمر صدر له بذلك أو سيفشل في تنفيذ الأمر لأنه أجبن من أن يقوم به؟
زاد من تعقيد موقفه أنه أم باريس مع زوجته ليجد نفسه في وله لزوجة الفيلسوف ما جعله حائراً بين الاثنتين وحيرته تلك تجاور حيرته الأزلية في صواب خطواته مما يخلق منه رجلاً تعيساً ومكبوت العواطف بدوره. «الملتزم»، بذلك، حكاية رجل غير واثق من خطواته التزم بالفاشية لكي يجد موضعاً اجتماعياً يقبل به ليكتشف أنه غير قادر على تحقيق ذلك بالتلقائية التي توسمها في نفسه.
كان برتولوتشي طموحاً لتوظيف موضوعه المقتبس عن رواية ألبرتو مورافيا لخدمة انتشاره. وهذا الفيلم بالفعل كان أول خطواته على طريق الشهرة لينتقل بعده إلى تحقيق بضعة أعمال وضعته على سدّة الطريق بما فيها «استراتيجية العنكبوت» و«آخر تانغو في باريس» و«1900».
لكن ليس طويلاً إذ وظّف مكانته للوصول إلى نجاحات تجارية ممثلة بأفلام مثل «القمر» ثم «الإمبراطور الأخير» الذي كان، بدوره معادياً للشيوعية. مع «السماء الساترة» سنة 1990 أصبح معادياً لشخصية العربي، وفي عام 1993 وجدناه يمجّد بوذا عبر «بوذا الصغير» أحد أسوأ أعماله قاطبة.
كتب مورافيا روايته هذه سنة 1951 استيحاء من حادثة حقيقية وقعت سنة 1937 تم خلالها اغتيال ابني عمّّه في باريس المعاديان للفاشية. ما استبعده المخرج هو جنوح الرواية صوب الرمزيات مكتفياً، عن صواب، بما لديه من حبكة كافية لتعكس أبعادها من دون إضافات رمزية أو سواها.
في الوقت ذاته، تأثر برتولوتشي بالموجة الفرنسية الجديدة وحاول مجاراة أحد فرسانها، جان - لوك غودار لكن هذا التأثر مونتاجي أكثر منه أسلوب عمل. تصميم المناظر لفرديناندو سكارفيوتي ومدير التصوير فيتوريو ستورارو يستوليان على أهم إنجازات الفيلم الفنية ويمنحانه الشكل المناسب لفيلم يحمل وساوس السياسة والجنس في شخص واحد كما في محيطه المعاش.
سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة