أنسي الحاج صياد البروق التي لا تخبو

بعد أربع سنوات على غيابه

أنسي الحاج
أنسي الحاج
TT

أنسي الحاج صياد البروق التي لا تخبو

أنسي الحاج
أنسي الحاج

الذين يعتقدون أن معاصرتنا للمبدعين هي نوع من الحجاب الرمزي الذي يمنعنا من قراءتهم بشكل موضوعي وتحديد القيمة الحقيقية لما أنتجوه، وأن قيمة المبدعين لا تتحدد إلا في ضوء الشغور الذي يخلفونه وراءهم بعد الرحيل، ليسوا مخطئين تماماً. ذلك أن الكثير من الأسماء تنتزع لمعانها الخلبي من عناصر خارجة عن الإبداع، ومتصلة بسلطة السياسة أو الآيديولوجيا المهيمنة، أو المنبر الثقافي الذي تشغله وتسخره للترويج لنفسها وتضخيم حجمها الإبداعي الفعلي.
لذلك يبدو الترجل عن مسرح العيش ضرورياً أحياناً لقياس الحمولات الإعلامية الزائدة للكتاب والفنانين، وللوقوف على الأحجام الحقيقية لنصوصهم ولنتاجاتهم العزلاء. وإذا التفتنا قليلاً إلى الوراء لن يعوزنا الاستدلال على هذه المقولة بالعديد من الأسماء التي تمّ تضخيمها وإعلاء شأنها ومنحها أرفع الجوائز والأوسمة من قبل «حاضنات» آيديولوجية متباينة، حتى إذا تبدلت الأزمنة وانهارت العقائد، تبخرت تلك الأسماء التي شغلت الدنيا وملأت الناس، واضمحل حضورها وخرجت أعمال أصحابها من التداول.في حين أننا لا نُعدم في الخانة المقابلة قامات من نوع آخر ما تزال رغم غيابها راسخة في وجدان القراء والمتابعين وحاضرة بقوة في المشهد الثقافي العربي.
في ضوء هذه التوطئة يحق لنا أن نسأل، وبعد مرور أربع سنوات على غياب أنسي الحاج، عما إذا كان الصدى الذي خلّفه صاحب «ماضي الأيام الآتية» وراءه هو بحجم «الدوي» الذي أحدثه في حياته، وهو الذي تبوأ سلطات ومناصب ثقافية شتى، منذ دوره الريادي في مجلة «شعر» وترؤسه لملحق «النهار» الثقافي وإشرافه على مجلة «الحسناء» وعلى «النهار العربي والدولي» وكتابته في مجلة «الناقد» وتوليه رئاسة تحرير «النهار»، وصولاً إلى زاويته الأسبوعية في جريدة «الأخبار». أعرف أن لا إجابة واحدة على السؤال إياه، باعتبار أن الأدب مسألة ذوقية وحمالة أوجه، ولكنني أعتقد أن أنسي لم يبن قصوره قبل ستة عقود على رمال السلطة والترويج الإعلامي والمناصب العابرة، لكي تطيح بما بناه أمواج الزمن وأنواؤه، بل هو مقترن بالجنون وروح التمرد شيد بنيانه فوق أكثر الصخور صلابة وقدرة على مقارعة الزمن.
فمن غير الممكن أن نستذكر صورة لبنان في حقبته الوردية الزاهية دون أن يكون أنسي الحاج حاضراً فيها. وحيث تستعاد بين حين وآخر الصورة شبه اليوتوبية للبنان ما قبل الحرب، يبدو حضور صاحب أنسي فريداً وشديد السطوع داخل تلك الصورة التي تكاد الآن أن تضمحل، بفعل التصحر والعقم الفكري وتفريغ الكيان من معناه.
لقد حظي صاحب «الرأس المقطوع» بجملة من الصفات والمزايا التي مكنته من منح الحياة الثقافية اللبنانية كل ما تحتاجه من أسباب الجدة والتنوع والحيوية الدائبة. ورغم أنه كان ركناً أساسياً من أركان مجلة «شعر» التي خاضت مع «الآداب» صراعاً لا هوادة فيه حول طبيعة الشعر ووظيفته وشروطه، إلا أن طبيعته السجالية واطّلاعه الواسع على الثقافة الغربية لم يمنعاه أبداً من التعمق في قراءة التراث والوقوف على أسرار اللغة الأم، وهو الذي اعتبر أن معرفة التراث هي الشرط الضروري لأي تجاوز له.
لقد بدا أنسي في غير مكان وكأنه يخوض الحرب على جبهتين اثنتين، أولاهما مع الجدار السميك للتقاليد الشعرية، حيث يعلن في مقدمة «لن» بأن علينا إذا ما أردنا أن يتم لنا خلاص أن «نقف أمام هذا السد ونبجّه»، وثانيتهما مع نفسه حيث لم يكن يأنس إلى يقين، وحيث الحقيقة عنده نص غير مكتمل ينبغي أن نعيد تنقيحه باستمرار. كانت «لن» بهذا المعنى تعبيراً صارخاً عن ضيق الشاعر بتصنيم الشعر واستهلاك أشكاله وجمالياته إلى حد الابتذال، أكثر من كونها النموذج الأكمل لمشروع صاحبها الحداثي. لقد حذا أنسي حذو سوزان برنار في اعتبار الإيجاز والتوهج والمجانية الشروط الثلاثة الأبرز لكتابة قصيدة النثر، وعمل في ديوانه الأول على تقويض البنية النحوية والأسلوبية المعروفة للغة الشعر، وعلى ضرب العلاقات التقليدية بين الكلمات والجمل، وعلى انتهاك الأخلاقيات المتوارثة للكتابة، بحيث أطلق عليه البعض لقب القديس الملعون.
ولأن جحيم أنسي المأهول بالشكوك كان الضريبة التي لا بد من دفعها للوصول إلى الضفة الأخرى للطمأنينة. فهو لم يتردد في الإعلان «فليذهب ملكوت القشعريرة \ أبا الهول، خذ صمتي وامنحني يسوع».
على أن أنسي المتبرم من بلادة الأشكال وتكرارها السقيم، والذي أعلن ذات مرة «أن الشاعر لا ينام على لغة»، لم يشأ أن يأسر نفسه في نمط أو أسلوب، بل راح ينتقل من شاعرية التقويض والهدم إلى شاعرية الانبثاق والرجاء والشغف بالجمال. ففي مجموعته المميزة «ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة» تحول الشعر إلى نداء لاهث الأنفاس للمنادى الأنثوي المدفوع إلى أقاصي الغياب. لقد أشاح الشاعر بوجهه في هذا الديوان عن كل ما يتصل بنداءات العدم وتسويغ الفوضى وهدم الهيكل على من فيه، ورأى في الحب المغامرة الأعتى التي تجعل الحياة جديرة بأن تعاش. ولهذا فهو لم يتردد في تحويل المرأة المعشوقة إلى أيقونة وملاذ وقِبلة للكتابة، ولا في إشهار حبه العاصف على الملأ: «انقلوني إلى جميع اللغات لتسمعني حبيبتي \ انقلوني إلى جميع الأماكن لأحصر حبيبتي..\ فحبي لا تكفيه أوراقي \ وأوراقي لا تكفيها أغصاني \ وأغصاني لا تكفيها ثماري \ وثماري هائلة لشجرة \ أنا شعوب من العشاق.».. وهذا الإعلاء للمرأة لم يتوقف عند حدود عمل واحد أو قصيدة بعينها، بل راح يتنقل من مجموعة إلى أخرى، متخففاً من وطأة التكلف وإغواء الترصيع اللفظي ومتجها إلى جوهر الهدف. كما بدا الفارق شاسعاً بين لغة «لن» المتصادية مع الانعكاسات السادو - مازوشية لتصدعات النفس «إن جلدي مشطور كالقلعة \ عميق بالشظف والعسكر \ كل ما أذكر أنني في الخندق ألتهم جسدي فيموت \ فأحشو جثتي ندماً فيحيا»، وبين لغة «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» حيث كل حب حقيقي هو سفْر آخر للتكوين، وحيث يتخفف أنسي من تعريفاته السابقة لقصيدة النثر، ليكتب ملحمة حبه الطويلة ونشيد إنشاده الجديد «أنا الململم ألفاظ صداكِ \ اقرأيني قبل أن يعرفوني فأصل باكراً إلى الحب \ هذه رؤياكِ بلغتي المنحنية \ هذا كنزك بلصوص يدي \ أنت التي تغير الحياة بجهْل صاعق \ هي قصتكِ \ قصة الوجه الآخر من التكوين». وفي «الوليمة «، آخر أعماله الشعرية، يستكمل أنسي ميله إلى الحكمة والتأمل واستكناه الباطن الإنساني المشرع على ملابساته المعقدة. أما المرأة التي أفرد لها معظم كتاباته السابقة، فستخلي مكانها بشكل جزئي لقضايا أخرى متعلقة بالحرب وخراب المكان ووحشة الكائن والوطن المعطل. صحيح أن الحب في وجهه العاطفي سيظل ماثلاً في قصائد المجموعة، لكن الشاعر المقبل على كهولته سيشرعه على المحبة، وسيجعل من جسده وليمة رمزية لكل جائع.
إلا أن الكتابة عن أنسي لن تستقيم بأي حال دون التوقف قليلاً عند نثره الأخاذ الذي يضاهي شعره في النضارة والليونة وإصابة الهدف. وإذا كان إليوت قد أشار في أحد كتبه إلى أن النثر هو أحد المعايير الأكثر دقة لقياس أحجام الشعراء، فإن هذه الإشارة أكثر ما تصح على صاحب «كلمات، كلمات». فاللغة في «خواتم» ليست واقعة تحت وطأة الرطانة والخشونة اللفظية والميوعة الإنشائية، ولكنها تخرج من مناجمها بريئة وطازجة ومثقلة بالمعرفة وشديدة التوهج. ومع أنها تحمل نبرة نبوية وفلسفية واضحة، ولكنها ليست لغة لتربية الآخرين وتبشيرهم وتلقينهم دروساً في الأخلاق، لأن محورها الأهم هو الحرية. ثمة جُمل شبيهة بالرُّقَع والتوقيعات والخلاصات الأخيرة لأغوار المعاني. وثمة تعريفات موجزة للعالم وجنونه السادر، تذكّرنا بشذرات بودلير نيتشه وسيوران من ناحية، وتردّنا إلى المقدس الديني ومراثي إرميا واعترافات أوغسطين من جهة أخرى. وفي الأحوال كلها ثمة انحياز لا هوادة فيه لدينامية الحياة في بعدها الديونيزي الذي رأى فيه نيتشه أساساً لكل عمل فني أو إبداع خلاق. وهو ما يعززه قول إنسي في أحد نصوصه «المميت هو ما لا يترك بينك وبينه مسافة تسمح لك بإعادة اختراعه». أو وصفه للفصاحة المفرطة بأنها «العدوان الأكثر تشويهاً لعذرية الفراغ»، وبأنها «جثث الكلام وقد رقّيَتْ إلى مصاف المومياءات».
لا أستطيع، أخيراً، أن أختم هذه المقالة دون أن أشير إلى شخصية أنسي الحاج ذات الجاذبية اللافتة التي تجمع بين قوة الحضور والتواضع النبيل، إضافة إلى نوع من الكاريزما الخاصة التي لم ينفك وجهه النوراني وجبينه الواسع وعيناه المغرورقتان بسراب الجمال الدامع، عن رفدها بأسباب الرقة والحنو والحدب على كل من يلتقيه.
كانت ابتسامته الخفرة تسبق يده إلى ملاقاة أصدقائه وزواره ومعجبيه الكثر. حتى إذا ما آنس من أحد تعليقاً ساخراً أو طرفة لماحة، انقلبت ابتسامته إلى قهقهة عالية تطيح بكل ما ادخره في لحظات اللقاء الأولى من رصانة ظاهرة.
على أن الرقة المتناهية التي ميزت سلوك الشاعر لم تكن سوى الجزء العلني من صلابته النادرة في وجه المرض المقيت الذي فتك به في سني حياته الأخيرة، وهو الذي لم يعمد يوماً إلى التذمر والأنين والشكوى. ولطالما تساءلت في قرارتي وأنا أقرأ «لن»، مقدمة ونصوصاً، عما إذا كان أنسي الحاج قد حدس في أعمق أعماقه بالمرض القاتل الذي سيذهب ضحيته بعد خمسين عاماً من قوله «نحن صيدليو عشبة الهلاك الباتّة \ لا وجهة.. لا وجهة \ أسرْطن العافية \ وأهتك الستر عن وجه السرطان»!.



مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.