أصوات تتحدى نمطيات الحرب والعنف وقهر النساء

«العالم في عيوننا»... شعر نسوي لبناني إلى الألمانية

أصوات تتحدى نمطيات الحرب والعنف وقهر النساء
TT

أصوات تتحدى نمطيات الحرب والعنف وقهر النساء

أصوات تتحدى نمطيات الحرب والعنف وقهر النساء

هيمنت الصورة في العقود الأخيرة، أو كادت، على سياقات التواصل والتبادلات الثقافية بين شعوب الشرق الأوسط وأمم العالم، فبنت في ذهن الآخر - الغربي تحديداً - أنموذجاً مؤدلجاً عن شكل الناس والعيش في الشرق، ورؤيتهم للحياة والعالم، تغلب عليه السلبية وأجواء الحرب والعنف المجاني وقهر النساء والأقليات، حتى ليبدو استشراق إدوارد سعيد بالمقارنة وكأنه تبادل ثقافي شفيف بين أمم متنوعة. شكل التواصل المحكوم بتلك السلبية - الذي ينحو نحو نزع الإنسانية عن الآخر - يمثل نوعاً من استقطاب حاد، عديم العمق في الوقت ذاته، بين ضفتي المسكونة، ويخدم تحديداً نوازع الشر عند قلة مستفيدة، دون الأغلبيات المغيبة.
سرجون كرم، الشاعر وأستاذ اللغة العربية والترجمة في معهد الدراسات الشرقية والآسيوية في جامعة بون (ألمانيا)، أخذ على عاتقه، مع زميلة ألمانية له (كورنيليا تسيرات)، فتح كوة تواصل بديل بين العالم العربي والأمة الألمانية من خلال نافذة الأدب الرحبة، تقدم بلغة أوروبا الأولى من حيث عدد الناطقين بها في القارة العجوز باقة منوعة لنماذج شعر نسوي عربي من لبنان في أنثولوجيا (أنطولوجيا كما يسميها البعض) نادرة ثنائية اللغة (عربية - ألمانية)، بعنوان: «العالم في عيوننا: أنطولوجيا نسائية لبنانية».
الأنطولوجيا التي تصدر عن دار «شاكر» للنشر، في مدينة آخن الألمانية، بالتزامن مع يوم المرأة العالمي، الذي يصادف بعد غد، حشد لها كرم دعماً معنوياً من عدة مؤسسات رسمية وثقافية ألمانية ولبنانية: قسم اللغة العربية والترجمة في جامعة بون، والسفارة اللبنانية في برلين، ومؤسسة «أبعاد» اللبنانية للمساواة بين الجنسين، ومنظمة «أرض النساء» الألمانية، وغيرها. وتعرض قصائد مختارة لمروحة واسعة من الشاعرات اللبنانيات المعاصرات (37 شاعرة)، يمثلن بمجموعهن معظم أجيال ساحرات الكلم، واتجاهات اقتراف الشعر نسوياً في ربع القرن الماضي الأخير، والموزاييك الاجتماعي والطائفي للبنان، وهن: أدفيك شيبوب - صباح زوين - مي الأيوبي - باسمة بطولي - دارين حوماني - فاديا بدران - هدى ميقاتي - هدى النعماني - أنعام الفقيه عناية جابر - عناية زغيب - جميلة عبد الرضا - جميلة حسين - ليندا نصار - لوركا سبيتي - مريم خريباني - ميرا صيداوي - ندى الحاج - ندى حطيط - نادين طربيه نسرين كمال - رنيم ضاهر - ريتا باروتا - سنا البنا - سوزان شكرون - سوزان تلحوق - فيوليت أبو الجلد - يسرى بيطار – إيفون الضيعة - غادة إبراهيم - هالة نهرا - زهرة مروة - زينب حمود - نور سلمان - ماري قصيفي - مهى خير بك - مهى بيرقدار الخال.
واستقصد كرم أن يترك للقصائد المنتقاة حرية مخاطبة قارئها الألماني مباشرة، فكانت مقدمته لها بانوراما خاطفة للمناخ العام السائد في لبنان، دون محاولة تقديم تصنيف أدبي مُحدد يسبق القصائد فيؤطر فهمها من قبل الآخر المسجون بتصورات معلبة. وهو في منهجية اختياره لم يقصر الباقة على شكل شعري دون آخر، أو على مدرسة فنية دون أخرى، بل قدم ما يمكن وصفه بأنه صورة فوتوغرافية تلتقط لحظة شعر النساء راهناً في لبنان.
وعلى الرغم من أن «العالم في عيوننا» موجهة أصلاً للقارئ الألماني، فإن هذه الأنطولوجيا تسد بالفعل فراغاً في المكتبة العربية ذاتها، التي تفتقد إلى أعمال جادة تعطي نوعاً من صورة للأدب العربي (الشعر تحديداً) في لحظة تاريخية ما ولجيل ما، سواء عبر الحدود السياسية أو الفضاءات الزمانية أو المدارس الفنية.
يطرح كرم وزميلته من خلال «العالم في عيوننا»، على القارئين الألماني والعربي على حد سواء، تساؤلات مستحيلة أكثر ربما من الإجابات بشأن معنى نسونة الشعر، ومكانة الشعر في دنيا ما بعد الحداثة، وإمكان ترجمة القصائد بين اللغات، وكذلك البحث في قواسم مشتركة مفترضة يمكن أن تجمع بين هذه الأصوات المتباينة الألوان والمشارب.
فهل يمكن فعلاً قبول نظرية أن للنساء أدباً - وشعراً - مستقلاً بهن؟ إن ذلك يعني بالضرورة افتراض توحيد إحساس النساء بالحياة والكون، والتعامل مع نصف العالم بوصفه كتلة واحدة مصمتة، على خلاف الواقع الموضوعي. فالنساء - مهما تدثرن بعباءات النسوية - لا شك هن بنات واقعهن الاجتماعي والطبقي والسياسي والتاريخي المتفاوت حتماً، وما يجمع نصوصهن مع شعراء رجال قد يكون أكثر بكثير مما يجمعها بنساء أخريات، بحسب تقاطعات الزمان والمكان. وهذا ما دعا مبدعات كثيرات، مثل الأديبة البريطانية إيه إس بيات A.S. Byatt إلى رفض ترشيح أعمالهن إلى جوائز الأدب النسائي، والامتناع عن وصم نصوصهن بالنسوية، مع أنهن نصيرات بارزات للنوازع السياسية في النضال الحقوقي للمرأة. فالنص الأدبي لا يكسب كثيراً من خلال تنميطه المسبق بالنسوية أو الذكورية، على حد سواء، وهو أمر يفرض مسبقاً حدوداً على مساحات الخيال وآفاق التعبير، التي ينبغي لها أن تكون دوماً مشرعة للمبدع أو المبدعة - لا فرق - تأخذهما إلى ما بعد حدود اللغة والجسد والحاضر. والنساء الشاعرات العربيات، عبر تاريخ العرب المسجل، دفعن ثمناً غالياً لإقدام حراس الثقافة عبر الأجيال على تصنيف أعمالهن بالشعر النسوي، فاستبعدن من الأنطولوجيات العربية الكلاسيكية إلى منتصف القرن العشرين تقريباً، في إطار النظرة البطريركية التقليدية للنساء داخل المجتمع العربي، أو حدد وجودهن في فضاءات الرثاء والغياب السوداوية، أو في ملاعب التهتك والمنادمة والأنس.
كرم يتمرد بأنطولوجيته على هذا التراث كله، ويمنح ثلة من نساء بلاده صوتاً يرفرف بجناحات تقترف كل صنوف الحرية، دون أن يمارس عليهن سلطة التنميط المسبق، لتصير قصائدهن نوارس من شغف ووجع، معتبراً أنهن (مجاهدات جريئات) «تفرك كلماتهن رأس الفضيحة، وتنزع الضماد عن المأساة»، وأصوات عالية خرجت من ثوب أشعار نساء العرب القديمة لتنطق بكل ما أرادت، وتحكي رؤاهن الجدلية.
لا شك أن بعض النصوص المختارة لـ«العالم في عيوننا» قد تندرج في إطار أدوار وقعت فريسة فخ قبول التصور المجتمعي الموروث عن دور المرأة، كموضوعة للحب أو لهيمنة الآخر، مع نزوع ملحوظ نحو الذاتية والانشغال بالجسد بتفصيلاته، لكن كثيراً من النصوص أيضاً تعد بخطابٍ مختلفٍ يكسر القواعد المألوفة، ويستلهم رؤى تتحدى القائم، وتكرس ندية العلاقة مع هذا الآخر، سواء على صعيد شخصي أو على جغرافيا المواطنة ككل. وهي تصيب مواضع للألم وقلق العيش لا تعني فقط نساء لبنان والعالم العربي، بل تجد أصداء وترددات تعني وتخاطب النساء الألمانيات وعموم نساء العالم اللائي كما لو كن الضحية الأولى دائماً لأنماط الهيمنة الرأسمالية في أشكالها المتأخرة.
«العالم في عيوننا» تحدٍ أيضاً لجدران اللغة التي تعليها جدران السياسة، عبر مغامرة ترجمة الشعر تحديداً من بين الأشكال الأدبية - كأعقد نماذج التعبير الإنساني - بين لغتين كلاسيكيتين تاريخيتين لم تلتقيا كثيراً - لا سيما أن نقل بلاغة العربية وصورها الشعرية وثراء مفرداتها إلى لغة هيغل يعد بمثابة تحدٍ استثنائي يفوق المألوف من أعمال ترجمة النصوص الأخرى. كرم وتسيرات يراهنان حتماً على قدرة المعاني الإنسانية العميقة على تحطيم قوالب اللغة، ومخاطبة أرواح البشر مباشرة، رغم كل خيانات المترجمين التي لا مفر منها، وتعدد شخصيات الشاعرات، بأطباعهن التعبيرية وتجاربهن الحياتية المتفردة، وخيباتهن ورغباتهن ورؤيتهن الذاتية لتجربة الوجود، وتدرجات السواد والعتمة والبياض والضوء في جيوب أرواحهن. كرم لا يكتفي بما فعل، بل إن قائمة مشاريعه قيد التنفيذ تتجاوز حدود لبنان الصغير المنفعل أبداً بالصراع الحاد بين التقليد والحداثة، نحو بناء سلسلة أنطولوجيات عربية - ألمانية عن شعر النساء من أقطار عربية كثيرة ذات تجارب حضارية وتاريخية مختلفة: فلسطين، وسوريا، وربما العراق وتونس، إضافة إلى أنطولوجيا مخصصة لشعراء جنوب لبنان، وأخرى لشعراء اللبنانية الدارجة.
مواجهة كرم، الأخطر دون شك، هي في راهنية الشعر كأداة ممكنة لقراءة الأوضاع الاجتماعية والثقافية للمجتمعات، وهي مسألة تتقاطع فيها الآراء بين من يرى موت الشعر وانعدام دوره في المرحلة التالية لتبدد حالة ما بعد الحداثة، ومن يخلده كصوت للكون تتناقله قبائل من سحرة غامضين، ليبثونه أحاسيس للبشر من جيل إلى جيل. كرم بأنطولوجيته كما عراف لا يقبل تجريد الواقع، فانطلق يجمع ألواناً من شعر قالته النساء، ليصنع منها مداميك بناها جسراً بين العوالم؛ لو كان غوته بيننا اليوم لعبره ممتناً.



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».