ملف تايوان يعود من جديد إلى واجهة التوترات بين بكين وواشنطن

الصين تحذر الولايات المتحدة من تفعيل قرار الكونغرس للتقارب مع تايبيه

زاد عداء الصين نحو تايوان منذ انتخاب الرئيسة تساي إينج وين التي تنتمي للحزب الديمقراطي التقدمي المؤيد للاستقلال عام 2016 (رويترز)
زاد عداء الصين نحو تايوان منذ انتخاب الرئيسة تساي إينج وين التي تنتمي للحزب الديمقراطي التقدمي المؤيد للاستقلال عام 2016 (رويترز)
TT

ملف تايوان يعود من جديد إلى واجهة التوترات بين بكين وواشنطن

زاد عداء الصين نحو تايوان منذ انتخاب الرئيسة تساي إينج وين التي تنتمي للحزب الديمقراطي التقدمي المؤيد للاستقلال عام 2016 (رويترز)
زاد عداء الصين نحو تايوان منذ انتخاب الرئيسة تساي إينج وين التي تنتمي للحزب الديمقراطي التقدمي المؤيد للاستقلال عام 2016 (رويترز)

حذرت بكين في مناسبات مختلفة، خصوصاً منذ قدوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب للبيت الأبيض، من أي تقارب دبلوماسي أو سياسي أو عسكري مع تايوان، التي تعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الصينية. واعتمدت بكين في تعامل واشنطن مع ملف تايوان على السوابق في السياسة الأميركية التي تم تبنيها من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة، والتي أقرت بمبدأ «الصين الواحدة». إلا أن إدارة الرئيس الحالي دونالد ترمب، قامت بإجراءات عدة تجاه تايوان أغضبت الصين. المكالمة التلفونية التي تمت بين ترمب ورئيسة تايوان في بداية دخول الرئيس الأميركي البيت الأبيض أثارت حفيظة بكين، التي طالبت بعدم التعامل أو التقارب مع تايبيه. وزاد عداء الصين نحو تايوان منذ انتخاب الرئيسة تساي إينج وين التي تنتمي للحزب الديمقراطي التقدمي المؤيد للاستقلال عام 2016. وتعتبر بكين تايوان إقليماً منشقاً وجزءاً لا يتجزأ من «صين واحدة» وغير مؤهلة لإقامة علاقة مع الدول الأخرى، ولم تتخل مطلقاً عن فكرة استخدام القوة لإخضاع الجزيرة لسيطرتها.
وفي يوم الأربعاء الماضي، مرر مجلس الشيوخ الأميركي بالإجماع مشروع القرار الذي يسمح للمسؤولين على جميع المستويات السفر لتايوان لعقد لقاءات والسماح لمسؤولين تايوانيين رفيعي المستوى دخول أميركا للقاء نظرائهم الأميركيين. ويحتاج مشروع القانون فقط إلى توقيع الرئيس ترمب ليدخل حيز التنفيذ.
وفي الأمس، تبنت بكين خطاباً أقل عدائية تجاه تايبيه، وقال يو تشنغ شنغ، وهو واحد من أكبر مسؤولي الحزب الشيوعي الحاكم، إن الصين ترغب في تعميق أواصر الصداقة مع تايوان. وجاء هذا التصريح بعد يوم واحد من تحذير وسائل إعلام رسمية صينية من أن البلاد ربما تخوض حرباً بشأن تايوان إذا أقرت الولايات المتحدة مشروع قانون يدعو إلى توثيق العلاقات الأميركية مع الجزيرة. وثار غضب الصين من مشروع القانون وأبلغت تايوان الجمعة بأنها ستحترق إذا سعت للاعتماد على الأجانب؛ مما أضاف للتحذيرات التي نقلتها وسائل إعلام رسمية بشأن احتمال نشوب حرب.
ويقول التشريع، الذي يتعين أن يوقّع عليه الرئيس دونالد ترمب كي يصبح قانوناً، إنه يتعين تبني سياسة تسمح للمسؤولين من كل المستويات بالسفر إلى تايوان للقاء نظرائهم التايوانيين، وأن تتيح للمسؤولين التايوانيين رفيعي المستوى دخول الولايات المتحدة «في ظل ظروف تتسم بالاحترام» ولقاء المسؤولين الأميركيين. وقالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، هوا شونينغ: إنه على الرغم من أن مشروع القانون ليس ملزماً قانونياً، فإن الصين «تعارضه بشدة وحزم»، كما أنها تقدمت باحتجاجات رسمية لدى واشنطن. ويأتي هذا الخلاف بين الصين وأميركا في ظل تصاعد التوترات التجارية بينهما، حيث يتواجد حالياً كبير المستشارين الصينيين ليو هي في واشنطن لمنع اندلاع حرب تجارية بين الدولتين.
وفي الأمس، بدا يو تشنغ شنغ، الذي يحتل المرتبة الرابعة في تسلسل قيادة الحزب الشيوعي الصيني، ويتولى رئاسة هيئة استشارية مهمة، لكنها شرفية إلى حد كبير في البرلمان الصيني، ودوداً تجاء تايوان، ولم يشر إلى مشروع القانون بصورة مباشرة، كما نقلت عنه «رويترز» في تقريرها من بكين. وقال يو أمام ألفي مشارك في المؤتمر السياسي الاستشاري للشعب الصيني «سنعمق تضامننا وصداقتنا مع رفاقنا في هونغ كونغ ومكاو وتايوان، وكذلك مع الصينيين فيما وراء البحار».
وفي ديسمبر (كانون الأول) أثار تهديد أحد كبار الدبلوماسيين الصينيين بغزو تايوان في اللحظة التي تزور فيها أي سفينة حربية أميركية الجزيرة، حرباً كلامية مع اتهام تايبيه بكين بعدم فهم ما تعنيه الديمقراطية. ولا تربط الولايات المتحدة بعلاقات دبلوماسية بتايوان، لكنها ملزمة قانوناً بمساعدتها على الدفاع عن نفسها، كما أنها المصدر الرئيسي لأسلحتها. وتصف بكين عادة تايوان بأنها أكثر القضايا حساسية وأهمية بينها وبين الولايات المتحدة.
وفي سبتمبر (أيلول) الماضي أجاز الكونغرس الأميركي قانوناً للسنة المالية 2018 يتيح تبادل زيارات سفن القوات البحرية بين تايوان والولايات المتحدة. وقال الدبلوماسي لي كي شين في إحدى المناسبات بالسفارة الصينية في واشنطن، إنه أبلغ المسؤولين الأميركيين بأن الصين ستُفعّل قانون مكافحة الانفصال الذي يسمح لها باستخدام القوة بشأن تايوان إذا كان ذلك ضرورياً؛ لمنع انفصال الجزيرة إذا أرسلت الولايات المتحدة سفناً تابعة لبحريتها إلى تايوان.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن مسؤول أميركي الموافقة على بيع أسلحة أميركية إلى تايوان بقيمة 1.3 مليار دولار، وطلبت بكين من واشنطن وقف أي صفقة أسلحة مع الجزيرة. والولايات المتحدة هي المصدر الرئيسي للأسلحة لتايوان التي تضغط للحصول على أسلحة متقدمة لمواجهة تحديث الصين السريع لجيشها.
وقال لو كانغ، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية للصحافيين: إن الصين أرسلت احتجاجاً رسمياً إلى واشنطن، وحثت الحكومة الأميركية على «احترام التزامها المعلن بمبدأ الصين الواحدة». واحتجت سفارة الصين في واشنطن على الصفقة ووصفتها بأنها «خطوة خاطئة» من شأنها إلحاق الضرر بالعلاقات بين البلدين. وحذرت الصين الولايات المتحدة من أي اتصالات عسكرية مع تايوان، وجاء ذلك قبل زيارتين قصيرتين سيقوم بهما وزير دفاع الجزيرة لواشنطن في طريق ذهابه إلى دول حليفة في أميركا الوسطى وعودته منها.
وكان قد التقى الرئيسان الصيني شي جينبنغ والأميركي دونالد ترمب في أبريل (نيسان)، وبدا أن العلاقات بين البلدين تحسنت، بعدها وصف ترمب العلاقات مع شي بأنها «متميزة». لكن بدأت تظهر مؤشرات على انتهاء «شهر العسل» بينهما مع توجيه ترمب انتقادات للصين التي اتهمها بأنها لا تفعل ما يكفي لدفع كوريا الشمالية على التخلي عن برنامجها النووي، ومع فرض عقوبات أميركية على بنك صيني اتهم بالتعامل مع كوريا الشمالية وتبييض أموال لصالحها.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...