المرأة والعباقرة... سالومي نموذجاً

قد تساعدهم على التفتح أو تدمرهم

TT

المرأة والعباقرة... سالومي نموذجاً

كان اللقاء الأول بين نيتشه وسالومي قد ترتب ترتيباً من قِبل صديق نيتشه الفيلسوف بول ري وسيدة ألمانية تهتم بالثقافة والمثقفين من الخارج - أي بشكل سطحي، لكن مفيد - هي (مالفيلدا فون ميزنبوغ). ومن كثرة ما كتب له بول ري عن هذه الشابة الساحرة القادمة من البلاد السلافية رد عليه نيتشه بالرسالة التالية:
«سلم لي على هذه الروسية السلافية إذا كان للسلام من معنى! لا ريب في أني أطمع بهذا النوع من النساء. نعم، سوف أكرس نفسي قريباً للبحث عن فرائس كهذه!.. فأنا في أمس الحاجة إلى ذلك من أجل إنجاز الأعمال التي أنوي كتابتها خلال السنوات العشر القادمات. أما الزواج فمسألة أخرى... كل ما أستطيع قوله في هذا المجال هو اتخاذ قرار بالزواج لمدة سنتين فقط (أي زواج مؤقت، أو محطة استراحة). لاحظوا هذه الغطرسة الفارغة: لكأن هذه الروسية الحسناء ذات النظرات الغامضة والابتسامة القاتلة لم تكن تنتظر إلا مجرد صدور قرار عن نيتشه لكي تتزوجه!
سوف نلاحظ فيما بعد أنها هي التي سوف «تفترسه» وليس العكس. سوف نرى أنه سيعض أصابعه ندماً عليها بعد أن رفضته بشكل قاطع، وكان حبها قد تسرب إلى قلبه كالسم الزعاف دون أن يشعر، أو حتى وهو يشعر... هذا لا يعنى بالطبع أنها لم تعجب به ولم تعرف قيمته. فمنذ اللقاء الأول أحست بغرابته، وعرفت أنه شخص غير عادي. فهو أولاً قد تلبك وأخذ يبحث في جيبه عن شيء ما، وراح يقوم بحركات غير طبيعية ولم يعد يعرف ما ذا يقول. فصدرت عنه هذه العبارة العبثية والمضحكة في آن معاً: «من أي كوكب سقطنا لكي نلتقي؟» هذه هي طريقة نيتشه في المغازلة!
بعدئذٍ راحت تستمع إليه بكل إصغاء وتتعرف على فلسفته وتمشي معه في الوديان والجبال، وكان مشّاءً كبيراً. وعرفت الفرق الكبير بينه وبين صديقه بول ري. لكن قلبها مال لهذا الأخير على الرغم من كل شيء. بهذا المعنى يمكن القول إن الرجال العاديين بل، وحتى التافهين من أمثالنا أفضل للنساء من الرجال العباقرة.
وذلك لأن العبقري مهووس بشيء واحد فقط: هو عبقريته أو رسالته التي هي أعز عليه من روحه. وبالتالي؛ فالمرأة بالنسبة له عبارة عن أداة لا غاية بحد ذاتها. ثم كانت القطيعة والنميمة والحسد، وتدخل الناس والوشاة، وكل ما يتلو الحب الكبير من سقوط كبير. وراح يهجوها هجاءً مقذعاً لا يليق بفيلسوف كبير. وكره الجنس اللطيف كله من خلالها أو بسببها. وراح يشتم المرأة في المطلق بشكل ظالم وغير مقبول على الإطلاق. ماذا نستطيع أن نفعل لك يا سيد نيتشه إذا لم تكن هناك امرأة واحدة على وجه الأرض تريدك أو تقبل بك؟
لكن، أليس هناك من سبب آخر لابتعادها عن نيتشه: أقصد لرفضها له؟ ألا يمكننا الاعتقاد أنها خافت منه بعد أن انكشفت لها أعماقه العدمية أو دهاليز روحه الداخلية؟ عندئذ راحت لو أندريا سالومي تكتشف عالماً رهيباً مخيفاً لا يكاد يتحمله البشر فانسحبت طالبة النجاة والأمان. وتركت نيتشه يبحر في عُباب الفكر والظلام وحيداً...

اللقاء الثاني مع ريلكه
دائماً اللقاء الأول له معنى على الرغم من هشاشته، وأنه يتم «بالغلط» أو عن طريق الصدفة المحضة في معظم الأحيان. وكثيراً ما ننساه فيما بعد في زحمة الحياة والعلاقة، ثم لا نعود لكي نتذكره إلا بعد أن تحصل القطيعة المُرّة وتنتهي القصة فنتساءل: كيف حصل ذلك الحب يا ترى؟ وعندئذ نحاول استعادته، ونجد أن له طعماً خاصاً: طعم الحامض - الحلو، أو حتى المر - الحلو، طعم الندم والحرمان...
كان اللقاء الأول بين لو أندريا سالومي وريلكه قد حصل في ميونيخ بتاريخ 12 مايو (أيار) 1897 بواسطة الروائي والصديق المشترك جاكوب واسرمان. وكان كافياً لكي تنقدح شرارة الحب: تلك الشرارة الخالدة التي تخترق العصور والأزمان دون أن تتغير، ودون أن يبليها الزمن. الزمن قادر على إبلاء كل شيء ما عدا شرارة الحب. والحب هو الشيء الوحيد القادر على إيقاف الزمن. الحب هو المنافس الأكبر للموت والزمن. الحب هو الموت بعينه.
وقالت: لقد دخل حياتي كالضرورة، وزارني الحب بكل هدوء وطمأنينة... زارني دون أي تحدٍ أو إحساس بالذنب. زارني كما لو أننا نكتشف شيئاً مباركاً يكتمل بفضله العالم. هذا عن حبها هي، أما عنه هو فحدّث ولا حرج... فقد كان جارفاً، مشتعلاً... ينبغي ألا ننسى هنا الفرق الأساسي بين علاقتها مع نيتشه وعلاقتها بريلكه. فهي عندما تعرفت على فيلسوف الألمان كان عمرها لا يزيد على العشرين عاماً، وكان نيتشه قد شارف الأربعين وأنجز قسماً كبيراً من أعماله، وتهيأ للانعطافة الكبرى التي ستقوده إلى كتابه الحاسم، «هكذا تكلم زرادشت». بمعنى أنها كانت تلميذة صغيرة في محراب فيلسوف كبير يعرف ما يريد وما لا يريد، فيلسوف تشكل وتبلور ونضج.
أما علاقتها بريلكه فكانت مختلفة تماماً. فهي كانت قد اقتربت من الأربعين، في حين أنه لم يكن قد تجاوز العشرين. الأمور معكوسة إذن. ولم يكن قد نشر شيئاً يذكر حتى ذلك الوقت، ولم يكن معروفاً بعد. بل لم يكن أحد يتوقع أنه سيصبح أحد كبار شعراء العصر. لقد التقاها والعمر في أوله، والعبقرية لا تزال نائمة تنتظر فقط شرارة الاحتكاك بالمرأة العشيقة، بالمرأة الصديقة، لكي تنقدح وتشتعل كالحريق... وفي اليوم التالي للقائها لم يستطع البقاء في البيت فراح يتجول كالمجنون في شوارع ميونيخ، ويمر على كل البيوت ما عدا بيتها، وهو يتوقع أن يلقاها صدفة على منعطف شارع ما، أو في منتصف الطريق، أو في إحدى الساحات والزوايا...
وراح يكتب لها الرسائل التي تفوق الشعر:
«في يوم ما، وبعد سنوات طويلة، سوف
تعرفين ماذا كنتِ بالنسبة لي.
كنتِ نبع الجبال للعطشان
آه يا نبعي الصافي!
أي عرفان بالجميل نحوك! لم أعد أتمنى رؤية الأزهار والسماء
والشمس إلا فيك... من خلالك..»...
هذا هو الحب، أو قل جنون الحب: في أوله أحلى من العسل، وفي آخره أمرّ من الحنظل. (بين قوسين للدلالة على مدى خطورة هذه المرأة وكيف أنها كانت تفتك بالرجال فتكاً ذريعاً دعوني أروي لكم النادرة التالية: في أحد الأيام كنت أقلب صفحات كتاب فرنسي قديم، وفجأة وقعت على صورتها وهي تحتل الصفحة كاملة. فوقعت في حبها على الفور، وبالضربة القاضية! صدقوا أو لا تصدقوا، أنتم أحرار... وعندئذ قلت بيني وبين نفسي: الآن فهمت لماذا جننت نيتشه. فإذا كانت الصورة قد دوختني فما بالكم بالحقيقة؟).
لكن جنون ريلكه كان أحياناً أكثر مما يحتمل أو يطاق. كان توتره الداخلي يتفاقم ويتعاظم لكي يتحول في بعض اللحظات إلى مشكلة حقيقية بالنسبة للو أندريا سالومي. وقد حاولت مساعدته عندما عرضته على الأطباء النفسانيين لكي يكتشفوا علته وسر قلقه القاتل، لكن عبثاً... فالعلة كانت غائصة في الأعماق، بل وفي أعماق الأعماق. وربما اقتنعت سالومي في نهاية المطاف بأنه من الأفضل ألا تُكتشف علته؛ لأنها إذا ما اكتشفت زال سر عبقريته! كان ريلكه من صنف المبدعين الكبار الذين تنطبق عليهم كلمته الشهيرة:
«عجبت لمن يرى بمثل هذا الوضوح دون أن يجد مخرجاً!»

اللقاء الثالث مع فرويد
أما اللقاء الثالث والأخير الذي أتيح للو أندريا سالومي أن تحظي به في حياتها العامرة بلقاء العبقريات، فكان مع مؤسس التحليل النفسي: سيغموند فرويد. لكنه كان لقاءً خاصاً ومختلفاً جداً عن اللقاءين السابقين اللذين طبعا حياتها بطابعهما. فعندما التقته كان عمرها قد تجاوز الخمسين وفرويد نفسه تجاوز الستين بكثير، وحقق اكتشافاته الأساسية في مجال التحليل النفسي. باختصار، كانت علاقة ناضجة قائمة على التفاهم والمعرفة وخالية من «المصالح الجنسية» التي كثيراً ما تعكر صفو العلاقة بين الرجل والمرأة. أو قل كانت علاقة تشبه «الصداقة الغرامية» عن بعد لأنها قائمة على تبادل الرسائل أساساً ما عدا بعض اللقاءات العابرة. صحيح أن فرويد كان «مريضاً» أيضاً كنيتشه وريلكه وبقية المبدعين الكبار. لكنه استطاع أن يتجاوز مرضه بعد مشقة هائلة، وبعد أن بلغ الثانية والأربعين من العمر، وذلك عندما أضيئت له طفولته ودهاليز حياته الداخلية في لمعة واحدة. فانحلت عقدته النفسية التي لاحقته طيلة كل تلك السنين. وبناءً على ذلك راح يبلور التحليل النفسي علماً عقلانياً لدراسة كل ما هو لا عقلاني مظلم في حياتنا ومتمركز في منطقة «اللاوعي». لقد استطاع فرويد أن يتجاوز ذاته ويرتفع فوق نفسه: بمعنى أنه اتخذ من ذاته وشخصيته وعقده النفسية حقل تجارب بغية تشكيل علم جديد مفيد جداً للآخرين والأجيال المقبلة. وهذا ما أعجبت به لو أندريا سالومي أيما إعجاب.
وما انفكت سالومي تثني على طريقة فرويد في توظيف العقلانية من أجل الكشف عن كل ما هو جامح ولا عقلاني فينا. وقد طبقت منهجيته على نيتشه ومعرفتها الشخصية به لكي تكشف عن لا عقلانيته، أو عن دهاليز شخصيته الداخلية التي حيرتها، بل وأرعبتها عندما كانت لا تزال شابة صغيرة.
ونتج من ذلك كتابها المهم عنه: «فريدريك نيتشه عبر أعماله ومؤلفاته». ففي حين أن نيتشه كان قد اخترق كل حدود العقلانية في فكره ووصل إلى التخوم الأخرى وقلب كلياً في جهة الجنون، وفي حين أن ريلكه لم يكن يهتم بالحدود الفاصلة بين العقل والجنون إلا من أجل إنكارها أو محوها، استطاع فرويد أن يبقى عقلانياً متزناً. وكانت تبحث عن هذا النوع من الرجال العباقرة الذين استطاعوا الإبحار ضد العواصف والأنواء قبل التوصل إلى الشاطئ الآخر بعد جهد جهيد.



«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
TT

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)
جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا» اليوم الأحد، بعد أن حصد ست جوائز، من بينها جائزة أفضل فيلم وجائزة أفضل مخرج لبول توماس أندرسون.

وتفوق الفيلم على منافسه الفيلم البريطاني «هامنت» الأكثر شعبية داخل البلاد، وفيلم الإثارة «سينرز» (الخطاة) الذي يحمل رقما قياسيا في عدد الترشيحات لجوائز الأوسكار، في الفئتين الرئيسيتين للحفل الذي حضره الأمير وليام والأميرة كيت كضيفي شرف.

وقال أندرسون «اقتبسنا عبارة من نينا سيمون في فيلمنا، وتقول: 'أعرف ما هي الحرية، هي انعدام الخوف'». وتابع «لذا فلنستمر في صناعة الأشياء دون خوف، إنها فكرة رائعة».

وفاز أندرسون بجائزة أفضل سيناريو مقتبس، بينما تفوق شون بن على زميله في البطولة بينيشيو ديل تورو، من بين آخرين، ليفوز بجائزة أفضل ممثل مساعد. وفاز الفيلم، الذي نال استحسان النقاد، بجائزتي أفضل تصوير سينمائي وأفضل مونتاج، ليحصد ست جوائز في المجمل.

وفاز فيلم «سينرز»، الذي حصل على 16 ترشيحا لجوائز الأوسكار، بجائزة أفضل سيناريو أصلي للكاتب والمخرج رايان كوجلر وجائزة أفضل ممثلة مساعدة لوونمي موساكو وجائزة أفضل موسيقى تصويرية أصلية.

مفاجأة في فئة أفضل ممثل

جاءت المفاجأة الأكبر بفوز روبرت أرامايو بجائزة أفضل ممثل عن أدائه المتميز لشخصية جون ديفيدسون، الناشط في مجال التوعية بمتلازمة توريت، في فيلم «آي سووير» (أقسم)، متفوقا على تيموثي شالاميه وليوناردو دي كابريو ومايكل بي جوردان وإيثان هوك وجيسي بليمونز.

وتسلم أرامايو الجائزة، وهي الثانية له في الحفل بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل صاعد، وهو يبكي وقال «لا أصدق ذلك على الإطلاق». وعند سؤاله قبل الحفل عما سيكون شعوره إذا فاز قال «بصراحة، لم أفكر بعد في الأمر ، أشعر فقط أنني محظوظ جدا لوجود اسمي ضمن هذه القائمة».

وفازت جيسي باكلي، التي كانت المرشحة الأوفر حظا، بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت»، المقتبس عن رواية ماغي أوفاريل، ومالذين إخراج كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار. وفاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم بريطاني، لكنه لم يفز بالجائزتين الرئيسيتين، ومنها جائزة أفضل فيلم، إذ كان يعتقد أن كونه فيلما بريطانيا سيكون عاملا مؤثرا في فوزه.

ومثل حفل توزيع الجوائز، الذي قدمه آلان كومينج، أول ظهور رسمي مشترك للأمير وليام وكيت ميدلتون منذ اعتقال عم الأمير وليام، آندرو ماونتبتن-وندسور، يوم الخميس. وقدم الأمير وليام، الذي يشغل منصب رئيس الأكاديمية، جائزة زمالة بافتا إلى دونا لانغلي رئيسة استوديوهات «إن.بي.سي يونيفرسال».


مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: اكتشاف مقابر صخرية في أسوان تعود إلى الدولة القديمة

مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)
مجموعة من الحلي المكتشفة في قبة الهواء بأسوان (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، الأحد، اكتشاف مجموعة من المقابر الصخرية التي تعود إلى عصر الدولة القديمة (2181-2686 قبل الميلاد)، خلال موسم حفائر البعثة الأثرية المصرية للمجلس الأعلى للآثار بمنطقة «قبة الهواء» في محافظة أسوان (جنوب مصر).

أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، في بيانٍ صحافي، أهمية هذا الكشف، مشيراً إلى أنه يعزز قيمة موقع قبة الهواء ويسهم في فهم طبيعة المكان.

وأضاف أن المقابر المكتشفة تعود إلى عصر الدولة القديمة، وقد أُعيد استخدامها خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى، مما يدل على الأهمية المستمرة للموقع عبر العصور المختلفة.

ووصف عالم الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، الكشف بأنه إضافة علمية مهمة إلى سجل الاكتشافات الأثرية في جنوب مصر. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الاكتشاف يؤكد من جديد أن المنطقة لم تكن مجرد جبانة محلية، بل شكَّلت فضاءً جنائزياً رئيسياً ارتبط بالنخبة الإدارية والحكام المحليين عبر عصور متعددة.

وأضاف أن المقابر الصخرية المكتشفة، التي يعود تاريخها الأصلي إلى عصر الدولة القديمة، تعكس ازدهار أسوان آنذاك بوصفها بوابة مصر الجنوبية ومركزاً استراتيجياً للتجارة والتواصل مع أفريقيا. كما أشار إلى أن إعادة استخدام هذه المقابر خلال عصر الانتقال الأول والدولة الوسطى يعكس استمرارية القداسة والأهمية الرمزية للموقع، رغم التحولات السياسية والاجتماعية العميقة.

الاكتشاف يعود إلى الدولة القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وتُعد جبانة «قبة الهواء» أحد المزارات الأثرية المهمة في أسوان. وفي منتصف عام 2022، بدأت وزارة السياحة والآثار مشروعاً لترميم مقابر جديدة في «قبة الهواء» وفتحها للزيارة للمرة الأولى منذ اكتشافها. وتُظهر النقوش على جدران بعض مقابر الجبانة الدور الذي اضطلع به كبار الموظفين والنبلاء في تلك الفترة، من حملات استكشافية وتجارية وعسكرية، وفقاً لموقع وزارة السياحة والآثار.

ومن جانبه، قال رئيس قطاع الآثار المصرية في المجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، إن البعثة عثرت على غرفتي دفن تضمان نحو 160 إناءً فخارياً متنوع الأحجام والأشكال، تعود إلى عصر الدولة القديمة، مشيراً إلى أن أغلبها في حالة جيدة من الحفظ وتحمل كتابات باللغة الهيراطيقية. وأوضح أن الدراسات الأولية تشير إلى أنها كانت تُستخدم لتخزين السوائل والحبوب.

قلائد وتمائم من عصور مختلفة وجدت في قبة الهواء (وزارة السياحة والآثار)

وفي الفناء الخارجي للمقابر، عثرت البعثة على مجموعة من الحُلي شملت مرايا من البرونز، ومكاحل من الألبستر، وعقوداً من الخرز بألوان وأشكال متنوعة، إضافة إلى تمائم مختلفة تعود إلى عصر الدولة الوسطى.

وتعمل البعثة الأثرية حالياً على توثيق وتسجيل ما اكتُشف، كما تواصل أعمالها في موقع «قبة الهواء»، أملاً في الكشف عن المزيد من المقابر واللقى الأثرية. ويضم الموقع مجموعة من المقابر التي تعود إلى حقب زمنية مختلفة، تمتد من بداية عصر الدولة القديمة حتى العصرين اليوناني والروماني.

أوانٍ فخارية وجدت عليها كتابات هيراطيقية (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح عبد البصير أن هذا الكشف يفتح آفاقاً واسعة للدراسة، لا سيما فيما يتعلق بالاقتصاد المحلي وأنماط التخزين والإمداد الجنائزي، مشيراً إلى أن الكتابات الهيراطيقية قد تزوّد الباحثين بأسماء أشخاص أو إشارات إدارية ودينية، ما يعمّق فهم البنية الاجتماعية في أسوان خلال عصر الدولة القديمة. وأضاف أن الكشف يؤكد أن أسوان لم تكن هامشاً جغرافياً، بل مركزاً حضارياً نابضاً بالحياة، تتقاطع فيه الطرق التجارية والثقافية، وتتشكّل فيه هوية مصر الجنوبية عبر العصور.

وكانت وزارة السياحة والآثار المصرية قد أعلنت، في منتصف العام الماضي، اكتشاف 3 مقابر أثرية منحوتة في الصخر بجبانة «قبة الهواء»، ووصفت الكشف بأنه إضافة علمية مهمة، كونه يُلقي الضوء على فترة انتقالية حرجة بين نهاية الدولة القديمة وبداية عصر الانتقال الأول.

ومن جانبه، أكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، في البيان، أن هذه الاكتشافات الأثرية تسهم في تعزيز جاذبية منتج السياحة الثقافية لدى محبي الحضارة المصرية القديمة حول العالم، بما يعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية الدولية.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه أحد ركائز الدخل القومي، وتسعى إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.


الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

الأوبرا المصرية تحتفي بطقوس رمضان عبر برنامج فني حافل

جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)
جانب من عرض الليلة الكبيرة في العام الماضي (الشرق الأوسط)

تحتفي دار الأوبرا المصرية بطقوس شهر رمضان من خلال برنامج حافل يتضمن حفلات موسيقية وسهرات لفرق فنية من الدول العربية والإسلامية، إلى جانب حفلات للإنشاد الديني وعروض فرقة الحضرة. وينطلق البرنامج يوم الخميس 26 فبراير (شباط) الحالي، ويستمر حتى الاثنين 9 مارس (آذار) المقبل، على المسرح الصغير والمسرح المكشوف، فضلاً عن مسارح الجمهورية ومعهد الموسيقى العربية.

كما أعلنت وزارة الثقافة المصرية إطلاق النسخة العاشرة من برنامج الاحتفالات الرمضانية «هل هلالك»، الذي يُقام في ساحة الهناجر بدار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير حتى 13 مارس، تزامناً مع ذكرى العاشر من رمضان، التي شهدت نصر السادس من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

ويتضمن برنامج العام الحالي حفلات متنوعة بمشاركة نجوم الطرب والغناء، من بينهم ماهر محمود ومدّاح الرسول محمد الكحلاوي، على أن يختتم المنشد محمود التهامي فعاليات «هل هلالك» يوم الجمعة 23 رمضان، الموافق 13 مارس.

«هل هلالك» يصل محطته العاشرة (الشرق الأوسط)

ومثل كل عام، يشارك البيت الفني للمسرح بأوبريت العرائس الشهير «الليلة الكبيرة»، رائعة الشاعر صلاح جاهين والموسيقار سيد مكاوي، من إنتاج مسرح القاهرة للعرائس، حيث يُعرض الأوبريت يومياً طوال فترة إقامة البرنامج.

كما يشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بعدد من الحفلات التي تقدمها الفرق الفنية التابعة له؛ إذ تقدم الفرقة القومية للفنون الشعبية حفلتها يوم الأحد 1 مارس، وتحيي فرقة أنغام الشباب حفلتها يوم الأربعاء 4 مارس، فيما تتغنى شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء 11 مارس، ويختتم البيت حفلاته ضمن البرنامج بحفل فرقة رضا للفنون الشعبية يوم الخميس 12 مارس.

واحتفالاً بـ«يوم الشهيد»، يقدم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية حفلاً فنياً للفرقة الموسيقية التابعة له، يتغنى خلاله نجوم الفرقة بأشهر الأغاني الوطنية التي قدّمها كبار نجوم الطرب في مصر، وذلك يوم 9 مارس.

جانب من عروض برنامج «هل هلالك» في السنوات الماضية (الشرق الأوسط)

وكانت وزارة الثقافة قد أعلنت في وقت سابق برنامجاً للاحتفالات الرمضانية عبر مختلف قطاعاتها، لا سيما الهيئة العامة لقصور الثقافة، وصندوق التنمية الثقافية، والهيئة العامة للكتاب، وقطاع المسرح، والمجلس الأعلى للثقافة، وغيرها من الهيئات. وتضمنت الفعاليات حفلات متنوعة بطابع تراثي وديني وشعبي، إذ تُقام معظمها في بيوت تراثية مثل بيت السحيمي، وبيت الهراوي، وقبة الغوري، وقصر الأمير طاز، وغيرها من المواقع التراثية.

كما أعلن البيت الفني للمسرح تقديم العرض المسرحي الشعبي «يا أهل الأمانة» على المسرح القومي لمدة أسبوعين خلال شهر رمضان، وهو عرض يستند إلى أشعار فؤاد حداد، ويقدم تجربة فنية تمزج بين التراث الشعبي والوجدان المصري الأصيل.