جرحى واعتقالات بالجملة خلال مظاهرات في غزة والضفة الغربية

تزامناً مع التصعيد في مشاريع التهويد ونهب الأراضي وهدم بيوت الفلسطينيين

فلسطينيون يحملون شاباً أصيب خلال المواجهات التي عرفتها مدينة خان يونس أمس بعد صلاة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحملون شاباً أصيب خلال المواجهات التي عرفتها مدينة خان يونس أمس بعد صلاة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

جرحى واعتقالات بالجملة خلال مظاهرات في غزة والضفة الغربية

فلسطينيون يحملون شاباً أصيب خلال المواجهات التي عرفتها مدينة خان يونس أمس بعد صلاة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحملون شاباً أصيب خلال المواجهات التي عرفتها مدينة خان يونس أمس بعد صلاة الجمعة (أ.ف.ب)

للأسبوع الثالث عشر على التوالي، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أمس، قمع مسيرات الغضب السلمية للمواطنين الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، مستخدمة مختلف أساليب القمع والبطش والعنف، بما في ذلك إطلاق الرصاص الحي والرصاص المطاطي. وهو ما خلف إصابة العشرات واعتقال 17 مواطناً.
ونظم الفلسطينيون مظاهرات ومسيرات سلمية، بعد صلاة الجمعة، احتجاجاً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وما نجم عنه من تصعيد في مشاريع التهويد الاحتلالية، وتوسيع الاستيطان ونهب الأراضي، وهدم البيوت، والتخطيط لضم مناطق المستوطنات لإسرائيل.
ففي القدس، أدى العشرات من أهالي حي العيسوية صلاة الجمعة عند مدخل القرية الرئيسي، احتجاجاً على سياسة العقاب الجماعي في القرية، حيث أغلقت قوات الشرطة الطريق الرئيسية بالسواتر الحديدية ووجدت بكثافة في محيط الصلاة، كما قامت بتصوير كل المصلين. وقالت لجان ومؤسسات والقوى الوطنية والإسلامية في العيسوية، إن الفعاليات متواصلة حتى تتوقف سياسة العقاب الجماعي ضد السكان، لافتة إلى أن سلطات الاحتلال صعدت منذ بدء الفعاليات في الحي من سياسة الاعتقالات والإبعاد والاقتحامات، إضافة إلى توزيع الإخطارات العشوائية على المنازل السكنية والمنشآت التجارية، موضحة أن قوات الاحتلال قامت قبل يومين باعتقال الأسير المحرر حمزة درباس مجدداً دون سبب، وذلك في محاولة للضغط على الأهالي.
وفي بلعين غرب رام الله، أصيب 3 مواطنين، فيما أصيب العشرات بالاختناق، إلى جانب اعتقال أحد المتضامنين الأجانب خلال قمع قوات الاحتلال الإسرائيلي لمسيرة سلمية، انطلقت عقب صلاة الجمعة، بعد أن دعت إليها اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان، بمناسبة الذكرى 13 لانطلاق المقاومة الشعبية في القرية.
وأطلقت قوات الاحتلال قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع باتجاه المشاركين عند اقترابهم من بوابة الجدار العنصري المقام على أراضي القرية، ما أدى إلى إصابة 3 مواطنين بجروح، بينهم المصور الصحافي عصام الريماوي، الذي يعمل في وكالة الأنباء التركية «الأناضول»، إضافة إلى إصابة العشرات بالاختناق.
وقبيل بدء المسيرة، عرضت اللجنة الشعبية في القرية مجموعة صور التقطت خلال الـ13 عاماً الماضية، إضافة إلى مجسم كبير يحمل الرقم 13، في إشارة إلى عمر المقاومة الشعبية في بلعين، مرفوعاً على شاحنة زينت بالقنابل الصوتية والغازية، التي أطلقها الاحتلال تجاه المواطنين خلال قمعه مسيرات القرية الأسبوعية. وجابت المسيرة التي شارك فيها العشرات من أهالي بلعين، إلى جانب عدد من المتضامنين الأجانب، شوارع القرية، ورفعوا خلالها العلم الفلسطيني، وصور القتلى الذين استشهدوا خلال دفاعهم عن قريتهم، وصور الأسرى. لكن ما إن وصل المشاركون إلى بوابة الجدار المقام على أراضي القرية، حتى سارعت قوات الاحتلال إلى إطلاق وابل من الغاز المسيل للدموع، كما اعتدت بالضرب المبرح على المتضامنين الأجانب قبل أن تعتقل أحدهم.
وقال الناشط في المقاومة الشعبية صلاح الخواجا إن «شعبنا يحيي اليوم مرور 13 عاماً على نضال لم يتوقف. ففي كل يوم جمعة يخرج أهالي بلعين للدفاع عن قريتهم، حتى باتت تشكل نموذجاً في المقاومة الشعبية»، مضيفاً أن «كل القرى والبلدات، التي خاضت المقاومة الشعبية أثبتت أنه يمكنها الرد على عدوان الاحتلال، ومعظمها نجحت في استعادة أراضيها التي صادرها الاحتلال، وتم تحريرها، مثل قرى جيوس وبدرس وبلعين». وأوضح الخواجا أن «المقاومة الشعبية في بلعين جاءت للدفاع عن أراضيها التي كان يحاول الاحتلال الاستيلاء عليها لصالح بناء الجدار العنصري، حيث كانت هناك محاولة للاستيلاء على أكثر من 6 آلاف دونم، رغم أن هناك آلاف الدونمات التي تعود ملكيتها لأهالي القرية، تم الاستيلاء عليها قبل بناء هذا الجدار لصالح إقامة مستوطنة كريات سيفر... لكن الكفاح الشعبي وصمود أهالي بلعين، إلى جانب الضغط القانوني، استطاع تحرير 1300 دونم».
من ناحيته، قال الأمين العام للمبادرة الوطنية مصطفى البرغوثي إن «المقاومة الشعبية حققت نجاحات كبيرة، حيث أجبرت الاحتلال على إزاحة مسار الجدار الذي كان سيقضم أراضي القرية، وكذلك في كثير من القرى والبلدات الأخرى»، مشيراً إلى أنها تحتاج مع ذلك لتنظيم أكبر بحيث «تصبح نمط حياة». كما شدد على أن المقاومة الشعبية لا يجب أن تقتصر على المظاهرات والمسيرات، بل يتوجب أيضاً تفعيل حركة مقاطعة إسرائيل وبضائعها، ومحاصرتها من مختلف المجالات، معتبراً أن الأهم هو العمل على تغيير ميزان القوى، وأن السلاح الأنجح يكمن في الكفاح الشعبي والمقاطعة.
وفي كفر قدوم، أصيب عدد من المواطنين بحالات اختناق بعد قمع جيش الاحتلال للمسيرة الأسبوعية المناهضة للاستيطان، وللتنديد بقرارات الإدارة الأميركية الأخيرة المتعلقة بمدينة القدس. وقد أفاد مراد شتيوي، منسق المقاومة الشعبية في كفر قدوم، بأن قوات كبيرة من جنود الاحتلال هاجمت المشاركين في المسيرة بالأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط، وقنابل الغاز، ما أدى إلى إصابة عدد منهم بحالات اختناق، تم التعامل معها ميدانياً في مركز الإسعاف والطوارئ الخاص بالبلدة.
وفي نابلس، اعتقلت قوات الاحتلال مواطنين من مخيم بلاطة شرق المدينة. وأفادت مصادر محلية بأن عدداً من القوات العسكرية الإسرائيلية اقتحمت الجهة الشرقية من مدينة نابلس، واعتقلت المواطن محمد غسان حشاش بعد تفتيش منزله في الحارة الجنوبية من المخيم، والمواطن صلاح عيساوي من داخل المخيم وهو أسير محرر. كما اعتقلت قوات الاحتلال شاباً من مخيم جنين على حاجز عسكري، نصبته على مدخل مدينة رام الله، وصادرت مركبته الخاصة بينما كان متوجهاً لمكان عمله.
وفي غزة، ارتفعت حصيلة الإصابات خلال المواجهة التي اندلعت في مختلف نقاط التماس مع قوات الاحتلال إلى 11 إصابة. وأكد الدكتور أشرف القدرة، الناطق باسم وزارة الصحة، إصابة مواطنين آخرين بجراح متوسطة خلال المواجهات في محيط معبر بيت حانون (ايريز). أما في شرق غزة، فقد أكد القدرة إصابة مواطن بجراح متوسطة في المواجهات التي اندلعت قرب معبر ناحل عوز (كارني) شرق الشجاعية.
أما في شرق جباليا، فقد أكد القدرة إصابة 4 مواطنين بجراح وصفت بالمتوسطة في القدم خلال المواجهات التي عرفتها المنطقة. كما أكد إصابة 3 مواطنين برصاص الاحتلال شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، ووصفت حالة المصابين بالمتوسطة، بالإضافة إلى ذلك، أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي وابلاً من قنابل الغاز باتجاه مجموعة من المتظاهرين في منطقة الفراحين وعبسان الصغيرة شرق خان يونس جنوب قطاع غزة.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.