انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

التقديرات تساوي بين حظوظ «الآذاريين... 8 و14» بالحصول على 43 مقعداً من أصل 128

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال
TT

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

تشكّل الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان امتحاناً فعلياً لمختلف القوى السياسية، التي تخوض هذا الاستحقاق لأول مرة منذ تسع سنوات بعد الاتفاق على قانون جديد يعتمد على النسبية وإن كانت غير الكاملة، بحيث يرى المراقبون أن نتائجها لن تختلف كثيرا عن مفاعيل «الأكثري».
هذا الامتحان يضع مختلف الأفرقاء اللبنانيين أمام تحدٍّ يتمثل بشكل أساسي في معرفة قوّة التمثيل الشعبي بعد التغيرات التي أصابت الواقع اللبناني، وأهمها انفراط عقد الاصطفافات المتمثلة بفريقي «8 آذار» و«14 آذار». وهو ما يجعل كل القوى المعنية تبذل جهوداً مضاعفة؛ تحضيراً للاستحقاق والسعي للحصول على «الثلث المعطل»، وإن كانت النتائج في صورتها العامة، تبدو إلى الآن لصالح «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) بالدرجة الأولى وعلى حساب «تيار المستقبل» بالدرجة الثانية. ويبقى هناك هامش أساسي يرتبط بالتحالفات السياسية التي تتضح خريطتها أكثر في نهاية شهر مارس (آذار) الحالي، ومدى قدرة المعارضة الشيعية والمجتمع المدني على التوحّد رغم الصعوبة السياسية والمادية التي فرضها القانون العتيد.
لا تعوّل الجمعيات المعنية بمراقبة الانتخابات العامة المقررة في لبنان خلال مايو (أيار) المقبل على تغيير نيابي فعلي في البرلمان اللبناني، ما لم تُسجّل نسبة اقتراع مرتفعة من المحتجين والناقمين على كل الطبقة السياسية، بجانب توحّد الأطراف المعارضة والمجتمع المدني.
هذا الواقع جاء نتيجة القانون الجديد، الذي وإن كان يحمل عنوان «النسبية»، فإن مفاعيله ستكون «أكثرية» بالنظر إلى توزيع الدوائر الـ15، إضافة إلى الصوت التفضيلي، وهو ما أشارت إليه بشكل واضح «الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات» (لادي)، معتبرة أن القانون «يشوّه النسبية ويحوّلها إلى نظام أكثري يضعف دينامية التغيير بحدها الأدنى؛ وذلك بسبب اعتماد الدوائر الصغيرة والمتوسطة واعتماد العتبة الانتخابية المرتفعة، إضافة إلى الآلية المعتمدة في احتساب الأصوات، مع إمكانية تشكيل لوائح غير مكتملة».
ولفتت «لادي» إلى أنّ عدد المقاعد في مختلف الدوائر، بموجب القانون، يتراوح بين 5 مقاعد و13 مقعداً، مع «كوتا» (حصص) مذهبيّة ومناطقيّة وفقاً لتوزيع المقاعد في البرلمان الحالي؛ الأمر الذي يضعف كثيراً من مفعول النسبيّة ويحوّلها إلى نظام أكثري مبطّن. إلى ذلك، فإنّ الصوت التفضيلي في القضاء وليس الدائرة الانتخابية «يعيد المنافسة إلى المربع الطائفي المناطقي، كما يزيد من حدّة الزبائنيّة السياسيّة ويرفع حدة الخطاب الطائفي».
كذلك، أشارت «لادي» إلى أنّ العتبة الانتخابية في القانون الانتخابي، التي تختلف من دائرة إلى أخرى، موازية للحاصل الانتخابي وهي مرتفعة جداً (تتراوح بين 7 في المائة و20 في المائة بحسب عدد مقاعد الدائرة). ونبّهت إلى أنّ اعتماد اللوائح غير المكتملة (40 في المائة) من شأنه أن يؤدي إلى دفع الأحزاب المسيطرة في الدائرة الانتخابية إلى تشكيل عدد من اللوائح المختلفة؛ وذلك لإلغاء أي فرصة للمرشحين الآخرين في الفوز في الانتخابات. ثم إن طريقة احتساب الأصوات عبر دمج اللوائح وترتيب المرشحين من خلال عدد الأصوات التفضيلية التي حصلوا عليها تساهم في تحويل الانتخابات إلى معارك فردية بين المرشحين عوضاً عن معركة على البرنامج الانتخابي للّوائح المتنافسة، وتعطي الأولوية للمرشح على حساب لائحته.
ويتوقف المتابعون أيضاً عند الإنفاق الانتخابي المرتفع الذي يفوق الـ200 ألف دولار أميركي للمرشح الواحد، إضافة إلى رسم الترشّح المحدّد بثمانية ملايين ليرة (أكثر من 5 آلاف دولار أميركي)، وهو الأمر الذي يجعل الترشيح مقتصراً على المتموّلين.

«الثنائي الشيعي»... المستفيد
يؤكّد محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، أن القانون الانتخابي بصيغته الجديدة - التي وإن كانت نسبية فهي موزّعة على الدوائر - يأتي لمصلحة «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) بالدرجة الأولى و«القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» بالدرجة الثانية، بينما تنعكس سلباً على «تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي».
وفي حين يشدّد شمس الدين على أن الكلمة الفصل بنسبة كبيرة هي للتحالفات التي يفترض أن تُحسَم نهائياً خلال الشهر الحالي، فهو يرجّح أن عدد المقاعد التي سيحصل عليها الثنائي الشيعي ستصل إلى 33 مقعداً حداً أدنى. وانطلاقاً من تقسيم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية وحصر الصوت التفضيلي الواحد بالقضاء، يرجّح وصول 58 نائباً مسيحياً من أصل 64 بأصوات مقترعين مسيحيين.
في هذه الأثناء، رئيس الحكومة سعد الحريري رفض القول إن القانون الجديد سيقلّص حجم كتلة تيار «المستقبل»، وصرح بأن «البعض يعتقد أنه عبر قانون الانتخاب الجديد سيتمكن في مكان ما من أن يصغّر أو يقلّل من أهمية (تيار المستقبل)، لكن ليس هناك سوى صناديق الاقتراع التي يمكنها أن تثبت ذلك». على أي حال، وفق التوقعات قد يخسر «المستقبل»، الذي تضم كتلته اليوم 38 نائباً، ما لا يقل عن 12 مقعداً موزّعة على دوائر بيروت الثانية وطرابلس والبقاع الغربي وراشيا وصيدا. وتمثل الأولى والثانية أبرز المعارك الانتخابية أيضاً بالنسبة إلى «المستقبل». في المقابل، يخوض «الثنائي الشيعي» المعركة مرتاحاً لوضعه في معظم الدوائر، ربما باستثناء بعلبك – الهرمل، حيث قد يخسر فيها بين مقعد أو مقعدين؛ وهو الأمر الذي قد ينسحب على دائرة حاصبيا – مرجعيون - النبطية.

نحو «الثلث المعطل»
من جهة ثانية، يبدو واضحاً سعي الطرفين السياسيين الأساسيين اللذين كانا يمثلان ما عُرف بفريقي «14 آذار» و«8 آذار» للحصول على «الثلث المعطِّل»، وهذا رغم كل التغيرات التي طرأت على هذه الاصطفافات، انطلاقاً من أن الفُرقة السياسية التي ظهرت في السنوات الأخيرة لا بد أن تتوّحد في القضايا الاستراتيجية، بحيث يكون «الثلث المعطِّل» السلاح الذي يواجه به كل طرف الطرف الآخر.
ومما لا شك فيه أن حصول أي فريق على «الثلث» - أي 43 نائباً من أصل 128 - يضمن التحكّم بمسار عمل مجلس النواب، وبخاصة في القضايا المهمة التي تحتاج إلى نصاب وأكثرية الثلثين، وأبرزها الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ومع تأكيد مسؤول الإعلام والتواصل في «حزب القوات اللبنانية» شارل جبور «بأن ما يُطلق عليه وصف الفريق السيادي قادر على الحصول على نحو 50 مقعداً»، يشكّك المحلّل السياسي الشيعي قاسم قصير في حتمية نتائج الانتخابات، بينما يساوي شمس الدين بحظوظ الفريقين بالحصول على «الثلث المعطل». وفي حين يؤكد جبور أن «الثنائي الشيعي» وحلفاءه لا يمكن أن يحصلوا على أكثر من 40 مقعداً يرى شمس الدين، أن مقاعد «الثنائي الشيعي» المضمونة تقدر بـ33، وقد تصل مع الحلفاء إلى 43، مع الأخذ بعين الاعتبار التحالفات النهائية، بينما قد يصل رصيد «فريق 14 آذار» إلى هذا العدد إذا توسّعت دائرة التحالفات وشملت الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وحزب الكتائب اللبنانية.
في مناطق «الثنائي الشيعي»، يرى قصير في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن المعركة ستأخذ طابعاً جدياً، والنتائج ترتبط بقدرة المعارضة على التوّحد، وبالتالي مواجهة «حزب الله» وحركة أمل. ويضيف «ستكون معارك حقيقية ومرتبطة بشكل أساسي بتوحيد صفوف المعارضة الشيعية، وهي على مستويين: الأول يرتبط بالحاصل الانتخابي الذي يتطلب تجميع قوى لتأهل اللائحة إلى المرحلة الثانية، والمستوى الآخر يرتبط بحصول المرشح على أعلى نسبة من الأصوات في الصوت التفضيلي، وهذا يتطلب اختيار شخصيات لها ثقل شعبي».
ورغم الحديث عن وجود تململ شيعي في قاعدة «حزب الله» وحركة أمل تجاه الأسماء التي اعتمد ترشيحها، يقول شمس الدين: «هذه الحالة تنتهي بمجرد خطاب واحد... وهو ما انعكس بشكل واضح في كلام أمين عام (حزب الله) حسن نصر الله، عندما دعاهم إلى محاسبة الحزب وليس النواب»، مؤكداً أن «الاقتراع هو لصالح الحزب وليس للمرشحين، كما أن الدليل على ارتياح الثنائي هو ترشيحه حزبيين وليس مناصرين».

تموضع «عوني» وسطي
خارج الاصطفافات السياسية يأتي «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) على رأس ما يمكن اعتباره اليوم الفريق الثالث؛ نظراً إلى قربه السياسي من «حزب الله» من جهة ومن «تيار المستقبل» (أخيراً) و«القوات اللبنانية» من جهة أخرى.
الافتراق الانتخابي لـ«التيار» - الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون - مع «حزب الله» بات محسوماً بعدما أعلن «الثنائي الشيعي» توحيد صفوفهما في كل الدوائر، وبالتالي، استحالة وجود تحالف ثلاثي مع «التيار»، الخصم اللدود لحركة أمل.
من هنا يميّز كل من جبور وقصير بين موقع «التيار» العوني داخلياً وخارجياً. إذ يضع جبور «التيار» ضمن الفريق الوسطي إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي وعدد من الشخصيات التي تقترب في مواقفها مما يسميه «الفريق السيادي»، كرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، بينما يعتبر قصير «تيار» عون «بيضة القبان» لقربه في السياسة الداخلية من «المستقبل»، وفي السياسة الخارجية من «الثنائي الشيعي».
جبور يقول: «لا نتوهّم في احتساب (الوطني الحر) إلى جانب فريقنا، لكن بالتأكيد لا نرى أنه في صف الثنائي الشيعي. وخير دليل على ذلك المواقف الأخيرة لوزير الخارجية جبران باسيل، وكذلك مقاربة رئيس الجمهورية لموضوع النزاع الحدودي البحري الذي كان مخالفاً لموقفي (حزب الله) وحركة أمل في إصراره على اللجوء إلى التحكيم الدولي». ويوضح «تمايز (الوطني الحر) المحسوب على رئيس الجمهورية ينطلق من أسباب داخلية وخارجية، الأول منعاً للتصادم بين الأفرقاء، والثاني أن أي انحياز باتجاه فريق (8 آذار)، سيضع الرئاسة في مرمى المواقف الدولية».
وفي ضفة الفريق الثالث أيضاً، يرى شمس الدين أن «على المجتمع المدني كي يتمكن من الفوز بعدد من النواب في هذه الانتخابات، أن يتّحد، وأن يحوّل أصوات اقتراع الناس المحتجّة في الكلام إلى أصوات في صناديق الاقتراع. وهو إذا بقي مشتتاً ستكون مهمته صعبة في الانتخابات وسيخسر أمل الناس بقدرته على إحداث التغيير المطلوب»، مشيرا في الوقت عينه إلى الصعوبة المتمثلة في الإنفاق الانتخابي التي أتت على قياس الأثرياء والمتموّلين.

باب مفتوح للإنفاق
يشرح علي سليم، الباحث في «الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات»، في حديث لـ«الشرق الأوسط» الثغرات الأساسية في القانون الجديد حول الإنفاق الانتخابي، موضحاً «لقد حدد القانون سقفاً ثابتاً لكل مرشح هو 150 مليون ليرة لبنانية (نحو مائة ألف دولار أميركي)، إضافة إلى 150 مليون أخرى لكل مرشّح في اللائحة... أي ما مجموعه 300 مليون ليرة للمرشح الواحد، إضافة إلى سقف متحرك يرتبط بعدد الناخبين في كل دائرة على حدة، وهو ما حدّد بخمسة آلاف ليرة (نحو ثلاثة دولارات) عن كل مرشّح». من هنا، يصف سليم المبالغ التي يمكن لكل طامح إلى النيابة أن يصرفها في حملته بـ«الخيالية»، بجانب طبعاً المبلغ المطلوب من كل مرشّح أن يدفعه عند تقديمه الترشيح وهو 8 ملايين ليرة (أكثر من خمسة آلاف دولار)؛ وهو الأمر الذي يؤثر على تكافؤ الفرص ويقلّص من حظوظ المجموعات الصغيرة والمرشحين غير المدعومين مادياً وسياسياً وحزبياً.
وفي حين يلفت سليم إلى ما يصفه بـ«الثغرات في سياق مراقبة الإنفاق الانتخابي»، فإنه يشير إلى أن الجمعيات تواجه صعوبة في التواصل مع «هيئة الإشراف على الانتخابات». ويقول: «طلبنا من الهيئة عقد جلسة حوار حول آلية الإنفاق، لكننا لم نتلق تجاوبا». ويتابع: «المشكلة ليست فقط في السقف الانتخابي المرتفع، إنما أيضاً في غياب أو غموض آلية المراقبة الواضحة، أيضاً».
في المقابل، يردّ القاضي نديم عبد الملك، رئيس هيئة الإشراف على الانتخابات، على هذه التساؤلات، مشدداً على «انفتاح الهيئة على أي تواصل ومناقشات مع الجمعيات المعنية في هذا الإطار». ويقول لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «نحن نتلقى يومياً أسئلة عبر موقعنا الإلكتروني، ونرد عليها بشكل دائم، شرط أن تكون موجهة من أصحاب الصفة». وحول عملية المراقبة، يوضح القاضي عبد الملك «وضعنا تصوراً شاملاً لهذه المهمة التي بدأ العمل عليها أشخاص مدرّبون، ويرتكز عملهم في المرحلة الأولى على مراقبة الإعلام والإعلان الانتخابي، ومن المفترض أن تبدأ التقارير بالصدور تباعاً». ويلفت إلى أن الحملات الفعلية تبدأ في الظهور بشكل أكبر في الأسابيع المقبلة.
هذا، وكانت الهيئة قد أوضحت بعض الأمور المتعلقة بحسابات المرشحين، بحيث يجب على كل مرشح ولائحة فتح حساب في مصرف عامل في لبنان يسمى «حساب الحملة الانتخابية». ولا يخضع «حساب الحملة الانتخابية» للسرية المصرفية، ويعتبر المرشح واللائحة متنازلين حُكماً عن السرية المصرفية لهذا الحساب بمجرد فتحه. ويجب أن تسلّم جميع المساهمات ودفع جميع النفقات الانتخابية عن طريق هذا الحساب حصراَ، وذلك خلال كامل فترة الحملة الانتخابية. كما لا يجوز قبض أو دفع أي مبلغ يفوق المليون ليرة إلا بموجب شك.
وأشارت الهيئة، إلى أنه عند تعذّر فتح حساب مصرفي، وتحريكه لأي مرشح أو لائحة لأسباب خارجة عن إرادة أي منهما، تودَع الأموال المخصصة للحملة الانتخابية للمرشح أو اللائحة في «صندوق عام» ينشأ لدى وزارة المالية، يحل محل الحساب المصرفي في كل مندرجاته. وللعلم، فإن الاقتراح الأخير، كان مخرجاً للعوائق المتعلقة بحسابات «حزب الله» المصرفية نتيجة العقوبات المفروضة عليه.
وهنا، يشدّد سليم على أن ثمة «صعوبة في المراقبة في غياب أمور أساسية من شأنها أن تفلت الإنفاق المالي من عقاله. من هذه الأمور ما يتعلق بحسابات المرشحين؛ إذ يفرض على المرشح أن ينشئ حساباً خاصاً خارج السرية المصرفية، بينما تبقى كل الحسابات المسجلة بأسماء أقربائه في منأى عن المراقبة. وهو ما قد يفتح الباب أمام صرف الأموال للحملات الانتخابية.

الإعلان والإعلام
وعلى صعيد الإعلام والإعلان الانتخابي، الذي بدأت حملاته تظهر وإن بشكل محدود، بات من الواضح مدى الإنفاق المالي في هذا الإطار. وهنا يميّز سليم بين الإعلام والإعلان، موضحاً «الإعلام هو الأخبار المتعلقة بالمرشحين وتغطية نشاطاتهم. ويفترض بكل وسيلة إعلامية أن تكون عادلة في معاملة جميع المرشحين... وهو جانب لا يتقيد به عدد كبير من الوسائل الإعلامية. أما الإعلان فهو الذي يرتبط بالمقابلات والترويج للمرشح»، ويلفت سليم في هذا المجال إلى أن وسائل الإعلام «تقدم رزماً من العروض للمرشحين، وهي تفوق الـ250 ألف دولار، وتتضمن مقابلات وتقارير خاصة في نشرات الأخبار وقت الذروة. وهذه أيضاً ستكون صعبة المنال بالنسبة إلى مرشحي المجتمع المدني على سبيل المثال أو المرشحين المستقلين». وهنا يشير سليم إلى إمكانية عقد «اتفاقات سرية» بين المرشحين ووسائل الإعلام؛ ما يجعلها خارج إمكانية المراقبة.
وتجدر الإشارة في هذا الإطار، أن هناك نقطة إيجابية لصالح من لا يملك المال من المرشحين، متعلقة بإمكانية الظهور على تلفزيون لبنان الرسمي، وهذا ما أكد عليه أخيراً وزير الإعلام ملحم رياشي. ومع أن علي سليم أشاد بهذه الخطوة، فإنه يشير إلى أن المشكلة تكمن في قدرة التلفزيون الرسمي المحدودة بالوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.