انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

التقديرات تساوي بين حظوظ «الآذاريين... 8 و14» بالحصول على 43 مقعداً من أصل 128

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال
TT

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

تشكّل الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان امتحاناً فعلياً لمختلف القوى السياسية، التي تخوض هذا الاستحقاق لأول مرة منذ تسع سنوات بعد الاتفاق على قانون جديد يعتمد على النسبية وإن كانت غير الكاملة، بحيث يرى المراقبون أن نتائجها لن تختلف كثيرا عن مفاعيل «الأكثري».
هذا الامتحان يضع مختلف الأفرقاء اللبنانيين أمام تحدٍّ يتمثل بشكل أساسي في معرفة قوّة التمثيل الشعبي بعد التغيرات التي أصابت الواقع اللبناني، وأهمها انفراط عقد الاصطفافات المتمثلة بفريقي «8 آذار» و«14 آذار». وهو ما يجعل كل القوى المعنية تبذل جهوداً مضاعفة؛ تحضيراً للاستحقاق والسعي للحصول على «الثلث المعطل»، وإن كانت النتائج في صورتها العامة، تبدو إلى الآن لصالح «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) بالدرجة الأولى وعلى حساب «تيار المستقبل» بالدرجة الثانية. ويبقى هناك هامش أساسي يرتبط بالتحالفات السياسية التي تتضح خريطتها أكثر في نهاية شهر مارس (آذار) الحالي، ومدى قدرة المعارضة الشيعية والمجتمع المدني على التوحّد رغم الصعوبة السياسية والمادية التي فرضها القانون العتيد.
لا تعوّل الجمعيات المعنية بمراقبة الانتخابات العامة المقررة في لبنان خلال مايو (أيار) المقبل على تغيير نيابي فعلي في البرلمان اللبناني، ما لم تُسجّل نسبة اقتراع مرتفعة من المحتجين والناقمين على كل الطبقة السياسية، بجانب توحّد الأطراف المعارضة والمجتمع المدني.
هذا الواقع جاء نتيجة القانون الجديد، الذي وإن كان يحمل عنوان «النسبية»، فإن مفاعيله ستكون «أكثرية» بالنظر إلى توزيع الدوائر الـ15، إضافة إلى الصوت التفضيلي، وهو ما أشارت إليه بشكل واضح «الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات» (لادي)، معتبرة أن القانون «يشوّه النسبية ويحوّلها إلى نظام أكثري يضعف دينامية التغيير بحدها الأدنى؛ وذلك بسبب اعتماد الدوائر الصغيرة والمتوسطة واعتماد العتبة الانتخابية المرتفعة، إضافة إلى الآلية المعتمدة في احتساب الأصوات، مع إمكانية تشكيل لوائح غير مكتملة».
ولفتت «لادي» إلى أنّ عدد المقاعد في مختلف الدوائر، بموجب القانون، يتراوح بين 5 مقاعد و13 مقعداً، مع «كوتا» (حصص) مذهبيّة ومناطقيّة وفقاً لتوزيع المقاعد في البرلمان الحالي؛ الأمر الذي يضعف كثيراً من مفعول النسبيّة ويحوّلها إلى نظام أكثري مبطّن. إلى ذلك، فإنّ الصوت التفضيلي في القضاء وليس الدائرة الانتخابية «يعيد المنافسة إلى المربع الطائفي المناطقي، كما يزيد من حدّة الزبائنيّة السياسيّة ويرفع حدة الخطاب الطائفي».
كذلك، أشارت «لادي» إلى أنّ العتبة الانتخابية في القانون الانتخابي، التي تختلف من دائرة إلى أخرى، موازية للحاصل الانتخابي وهي مرتفعة جداً (تتراوح بين 7 في المائة و20 في المائة بحسب عدد مقاعد الدائرة). ونبّهت إلى أنّ اعتماد اللوائح غير المكتملة (40 في المائة) من شأنه أن يؤدي إلى دفع الأحزاب المسيطرة في الدائرة الانتخابية إلى تشكيل عدد من اللوائح المختلفة؛ وذلك لإلغاء أي فرصة للمرشحين الآخرين في الفوز في الانتخابات. ثم إن طريقة احتساب الأصوات عبر دمج اللوائح وترتيب المرشحين من خلال عدد الأصوات التفضيلية التي حصلوا عليها تساهم في تحويل الانتخابات إلى معارك فردية بين المرشحين عوضاً عن معركة على البرنامج الانتخابي للّوائح المتنافسة، وتعطي الأولوية للمرشح على حساب لائحته.
ويتوقف المتابعون أيضاً عند الإنفاق الانتخابي المرتفع الذي يفوق الـ200 ألف دولار أميركي للمرشح الواحد، إضافة إلى رسم الترشّح المحدّد بثمانية ملايين ليرة (أكثر من 5 آلاف دولار أميركي)، وهو الأمر الذي يجعل الترشيح مقتصراً على المتموّلين.

«الثنائي الشيعي»... المستفيد
يؤكّد محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، أن القانون الانتخابي بصيغته الجديدة - التي وإن كانت نسبية فهي موزّعة على الدوائر - يأتي لمصلحة «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) بالدرجة الأولى و«القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» بالدرجة الثانية، بينما تنعكس سلباً على «تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي».
وفي حين يشدّد شمس الدين على أن الكلمة الفصل بنسبة كبيرة هي للتحالفات التي يفترض أن تُحسَم نهائياً خلال الشهر الحالي، فهو يرجّح أن عدد المقاعد التي سيحصل عليها الثنائي الشيعي ستصل إلى 33 مقعداً حداً أدنى. وانطلاقاً من تقسيم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية وحصر الصوت التفضيلي الواحد بالقضاء، يرجّح وصول 58 نائباً مسيحياً من أصل 64 بأصوات مقترعين مسيحيين.
في هذه الأثناء، رئيس الحكومة سعد الحريري رفض القول إن القانون الجديد سيقلّص حجم كتلة تيار «المستقبل»، وصرح بأن «البعض يعتقد أنه عبر قانون الانتخاب الجديد سيتمكن في مكان ما من أن يصغّر أو يقلّل من أهمية (تيار المستقبل)، لكن ليس هناك سوى صناديق الاقتراع التي يمكنها أن تثبت ذلك». على أي حال، وفق التوقعات قد يخسر «المستقبل»، الذي تضم كتلته اليوم 38 نائباً، ما لا يقل عن 12 مقعداً موزّعة على دوائر بيروت الثانية وطرابلس والبقاع الغربي وراشيا وصيدا. وتمثل الأولى والثانية أبرز المعارك الانتخابية أيضاً بالنسبة إلى «المستقبل». في المقابل، يخوض «الثنائي الشيعي» المعركة مرتاحاً لوضعه في معظم الدوائر، ربما باستثناء بعلبك – الهرمل، حيث قد يخسر فيها بين مقعد أو مقعدين؛ وهو الأمر الذي قد ينسحب على دائرة حاصبيا – مرجعيون - النبطية.

نحو «الثلث المعطل»
من جهة ثانية، يبدو واضحاً سعي الطرفين السياسيين الأساسيين اللذين كانا يمثلان ما عُرف بفريقي «14 آذار» و«8 آذار» للحصول على «الثلث المعطِّل»، وهذا رغم كل التغيرات التي طرأت على هذه الاصطفافات، انطلاقاً من أن الفُرقة السياسية التي ظهرت في السنوات الأخيرة لا بد أن تتوّحد في القضايا الاستراتيجية، بحيث يكون «الثلث المعطِّل» السلاح الذي يواجه به كل طرف الطرف الآخر.
ومما لا شك فيه أن حصول أي فريق على «الثلث» - أي 43 نائباً من أصل 128 - يضمن التحكّم بمسار عمل مجلس النواب، وبخاصة في القضايا المهمة التي تحتاج إلى نصاب وأكثرية الثلثين، وأبرزها الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ومع تأكيد مسؤول الإعلام والتواصل في «حزب القوات اللبنانية» شارل جبور «بأن ما يُطلق عليه وصف الفريق السيادي قادر على الحصول على نحو 50 مقعداً»، يشكّك المحلّل السياسي الشيعي قاسم قصير في حتمية نتائج الانتخابات، بينما يساوي شمس الدين بحظوظ الفريقين بالحصول على «الثلث المعطل». وفي حين يؤكد جبور أن «الثنائي الشيعي» وحلفاءه لا يمكن أن يحصلوا على أكثر من 40 مقعداً يرى شمس الدين، أن مقاعد «الثنائي الشيعي» المضمونة تقدر بـ33، وقد تصل مع الحلفاء إلى 43، مع الأخذ بعين الاعتبار التحالفات النهائية، بينما قد يصل رصيد «فريق 14 آذار» إلى هذا العدد إذا توسّعت دائرة التحالفات وشملت الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وحزب الكتائب اللبنانية.
في مناطق «الثنائي الشيعي»، يرى قصير في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن المعركة ستأخذ طابعاً جدياً، والنتائج ترتبط بقدرة المعارضة على التوّحد، وبالتالي مواجهة «حزب الله» وحركة أمل. ويضيف «ستكون معارك حقيقية ومرتبطة بشكل أساسي بتوحيد صفوف المعارضة الشيعية، وهي على مستويين: الأول يرتبط بالحاصل الانتخابي الذي يتطلب تجميع قوى لتأهل اللائحة إلى المرحلة الثانية، والمستوى الآخر يرتبط بحصول المرشح على أعلى نسبة من الأصوات في الصوت التفضيلي، وهذا يتطلب اختيار شخصيات لها ثقل شعبي».
ورغم الحديث عن وجود تململ شيعي في قاعدة «حزب الله» وحركة أمل تجاه الأسماء التي اعتمد ترشيحها، يقول شمس الدين: «هذه الحالة تنتهي بمجرد خطاب واحد... وهو ما انعكس بشكل واضح في كلام أمين عام (حزب الله) حسن نصر الله، عندما دعاهم إلى محاسبة الحزب وليس النواب»، مؤكداً أن «الاقتراع هو لصالح الحزب وليس للمرشحين، كما أن الدليل على ارتياح الثنائي هو ترشيحه حزبيين وليس مناصرين».

تموضع «عوني» وسطي
خارج الاصطفافات السياسية يأتي «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) على رأس ما يمكن اعتباره اليوم الفريق الثالث؛ نظراً إلى قربه السياسي من «حزب الله» من جهة ومن «تيار المستقبل» (أخيراً) و«القوات اللبنانية» من جهة أخرى.
الافتراق الانتخابي لـ«التيار» - الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون - مع «حزب الله» بات محسوماً بعدما أعلن «الثنائي الشيعي» توحيد صفوفهما في كل الدوائر، وبالتالي، استحالة وجود تحالف ثلاثي مع «التيار»، الخصم اللدود لحركة أمل.
من هنا يميّز كل من جبور وقصير بين موقع «التيار» العوني داخلياً وخارجياً. إذ يضع جبور «التيار» ضمن الفريق الوسطي إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي وعدد من الشخصيات التي تقترب في مواقفها مما يسميه «الفريق السيادي»، كرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، بينما يعتبر قصير «تيار» عون «بيضة القبان» لقربه في السياسة الداخلية من «المستقبل»، وفي السياسة الخارجية من «الثنائي الشيعي».
جبور يقول: «لا نتوهّم في احتساب (الوطني الحر) إلى جانب فريقنا، لكن بالتأكيد لا نرى أنه في صف الثنائي الشيعي. وخير دليل على ذلك المواقف الأخيرة لوزير الخارجية جبران باسيل، وكذلك مقاربة رئيس الجمهورية لموضوع النزاع الحدودي البحري الذي كان مخالفاً لموقفي (حزب الله) وحركة أمل في إصراره على اللجوء إلى التحكيم الدولي». ويوضح «تمايز (الوطني الحر) المحسوب على رئيس الجمهورية ينطلق من أسباب داخلية وخارجية، الأول منعاً للتصادم بين الأفرقاء، والثاني أن أي انحياز باتجاه فريق (8 آذار)، سيضع الرئاسة في مرمى المواقف الدولية».
وفي ضفة الفريق الثالث أيضاً، يرى شمس الدين أن «على المجتمع المدني كي يتمكن من الفوز بعدد من النواب في هذه الانتخابات، أن يتّحد، وأن يحوّل أصوات اقتراع الناس المحتجّة في الكلام إلى أصوات في صناديق الاقتراع. وهو إذا بقي مشتتاً ستكون مهمته صعبة في الانتخابات وسيخسر أمل الناس بقدرته على إحداث التغيير المطلوب»، مشيرا في الوقت عينه إلى الصعوبة المتمثلة في الإنفاق الانتخابي التي أتت على قياس الأثرياء والمتموّلين.

باب مفتوح للإنفاق
يشرح علي سليم، الباحث في «الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات»، في حديث لـ«الشرق الأوسط» الثغرات الأساسية في القانون الجديد حول الإنفاق الانتخابي، موضحاً «لقد حدد القانون سقفاً ثابتاً لكل مرشح هو 150 مليون ليرة لبنانية (نحو مائة ألف دولار أميركي)، إضافة إلى 150 مليون أخرى لكل مرشّح في اللائحة... أي ما مجموعه 300 مليون ليرة للمرشح الواحد، إضافة إلى سقف متحرك يرتبط بعدد الناخبين في كل دائرة على حدة، وهو ما حدّد بخمسة آلاف ليرة (نحو ثلاثة دولارات) عن كل مرشّح». من هنا، يصف سليم المبالغ التي يمكن لكل طامح إلى النيابة أن يصرفها في حملته بـ«الخيالية»، بجانب طبعاً المبلغ المطلوب من كل مرشّح أن يدفعه عند تقديمه الترشيح وهو 8 ملايين ليرة (أكثر من خمسة آلاف دولار)؛ وهو الأمر الذي يؤثر على تكافؤ الفرص ويقلّص من حظوظ المجموعات الصغيرة والمرشحين غير المدعومين مادياً وسياسياً وحزبياً.
وفي حين يلفت سليم إلى ما يصفه بـ«الثغرات في سياق مراقبة الإنفاق الانتخابي»، فإنه يشير إلى أن الجمعيات تواجه صعوبة في التواصل مع «هيئة الإشراف على الانتخابات». ويقول: «طلبنا من الهيئة عقد جلسة حوار حول آلية الإنفاق، لكننا لم نتلق تجاوبا». ويتابع: «المشكلة ليست فقط في السقف الانتخابي المرتفع، إنما أيضاً في غياب أو غموض آلية المراقبة الواضحة، أيضاً».
في المقابل، يردّ القاضي نديم عبد الملك، رئيس هيئة الإشراف على الانتخابات، على هذه التساؤلات، مشدداً على «انفتاح الهيئة على أي تواصل ومناقشات مع الجمعيات المعنية في هذا الإطار». ويقول لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «نحن نتلقى يومياً أسئلة عبر موقعنا الإلكتروني، ونرد عليها بشكل دائم، شرط أن تكون موجهة من أصحاب الصفة». وحول عملية المراقبة، يوضح القاضي عبد الملك «وضعنا تصوراً شاملاً لهذه المهمة التي بدأ العمل عليها أشخاص مدرّبون، ويرتكز عملهم في المرحلة الأولى على مراقبة الإعلام والإعلان الانتخابي، ومن المفترض أن تبدأ التقارير بالصدور تباعاً». ويلفت إلى أن الحملات الفعلية تبدأ في الظهور بشكل أكبر في الأسابيع المقبلة.
هذا، وكانت الهيئة قد أوضحت بعض الأمور المتعلقة بحسابات المرشحين، بحيث يجب على كل مرشح ولائحة فتح حساب في مصرف عامل في لبنان يسمى «حساب الحملة الانتخابية». ولا يخضع «حساب الحملة الانتخابية» للسرية المصرفية، ويعتبر المرشح واللائحة متنازلين حُكماً عن السرية المصرفية لهذا الحساب بمجرد فتحه. ويجب أن تسلّم جميع المساهمات ودفع جميع النفقات الانتخابية عن طريق هذا الحساب حصراَ، وذلك خلال كامل فترة الحملة الانتخابية. كما لا يجوز قبض أو دفع أي مبلغ يفوق المليون ليرة إلا بموجب شك.
وأشارت الهيئة، إلى أنه عند تعذّر فتح حساب مصرفي، وتحريكه لأي مرشح أو لائحة لأسباب خارجة عن إرادة أي منهما، تودَع الأموال المخصصة للحملة الانتخابية للمرشح أو اللائحة في «صندوق عام» ينشأ لدى وزارة المالية، يحل محل الحساب المصرفي في كل مندرجاته. وللعلم، فإن الاقتراح الأخير، كان مخرجاً للعوائق المتعلقة بحسابات «حزب الله» المصرفية نتيجة العقوبات المفروضة عليه.
وهنا، يشدّد سليم على أن ثمة «صعوبة في المراقبة في غياب أمور أساسية من شأنها أن تفلت الإنفاق المالي من عقاله. من هذه الأمور ما يتعلق بحسابات المرشحين؛ إذ يفرض على المرشح أن ينشئ حساباً خاصاً خارج السرية المصرفية، بينما تبقى كل الحسابات المسجلة بأسماء أقربائه في منأى عن المراقبة. وهو ما قد يفتح الباب أمام صرف الأموال للحملات الانتخابية.

الإعلان والإعلام
وعلى صعيد الإعلام والإعلان الانتخابي، الذي بدأت حملاته تظهر وإن بشكل محدود، بات من الواضح مدى الإنفاق المالي في هذا الإطار. وهنا يميّز سليم بين الإعلام والإعلان، موضحاً «الإعلام هو الأخبار المتعلقة بالمرشحين وتغطية نشاطاتهم. ويفترض بكل وسيلة إعلامية أن تكون عادلة في معاملة جميع المرشحين... وهو جانب لا يتقيد به عدد كبير من الوسائل الإعلامية. أما الإعلان فهو الذي يرتبط بالمقابلات والترويج للمرشح»، ويلفت سليم في هذا المجال إلى أن وسائل الإعلام «تقدم رزماً من العروض للمرشحين، وهي تفوق الـ250 ألف دولار، وتتضمن مقابلات وتقارير خاصة في نشرات الأخبار وقت الذروة. وهذه أيضاً ستكون صعبة المنال بالنسبة إلى مرشحي المجتمع المدني على سبيل المثال أو المرشحين المستقلين». وهنا يشير سليم إلى إمكانية عقد «اتفاقات سرية» بين المرشحين ووسائل الإعلام؛ ما يجعلها خارج إمكانية المراقبة.
وتجدر الإشارة في هذا الإطار، أن هناك نقطة إيجابية لصالح من لا يملك المال من المرشحين، متعلقة بإمكانية الظهور على تلفزيون لبنان الرسمي، وهذا ما أكد عليه أخيراً وزير الإعلام ملحم رياشي. ومع أن علي سليم أشاد بهذه الخطوة، فإنه يشير إلى أن المشكلة تكمن في قدرة التلفزيون الرسمي المحدودة بالوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.