انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

التقديرات تساوي بين حظوظ «الآذاريين... 8 و14» بالحصول على 43 مقعداً من أصل 128

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال
TT

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

انتخابات لبنان: سباق نحو «الثلث المعطل» والقوة لأصحاب المال

تشكّل الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان امتحاناً فعلياً لمختلف القوى السياسية، التي تخوض هذا الاستحقاق لأول مرة منذ تسع سنوات بعد الاتفاق على قانون جديد يعتمد على النسبية وإن كانت غير الكاملة، بحيث يرى المراقبون أن نتائجها لن تختلف كثيرا عن مفاعيل «الأكثري».
هذا الامتحان يضع مختلف الأفرقاء اللبنانيين أمام تحدٍّ يتمثل بشكل أساسي في معرفة قوّة التمثيل الشعبي بعد التغيرات التي أصابت الواقع اللبناني، وأهمها انفراط عقد الاصطفافات المتمثلة بفريقي «8 آذار» و«14 آذار». وهو ما يجعل كل القوى المعنية تبذل جهوداً مضاعفة؛ تحضيراً للاستحقاق والسعي للحصول على «الثلث المعطل»، وإن كانت النتائج في صورتها العامة، تبدو إلى الآن لصالح «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) بالدرجة الأولى وعلى حساب «تيار المستقبل» بالدرجة الثانية. ويبقى هناك هامش أساسي يرتبط بالتحالفات السياسية التي تتضح خريطتها أكثر في نهاية شهر مارس (آذار) الحالي، ومدى قدرة المعارضة الشيعية والمجتمع المدني على التوحّد رغم الصعوبة السياسية والمادية التي فرضها القانون العتيد.
لا تعوّل الجمعيات المعنية بمراقبة الانتخابات العامة المقررة في لبنان خلال مايو (أيار) المقبل على تغيير نيابي فعلي في البرلمان اللبناني، ما لم تُسجّل نسبة اقتراع مرتفعة من المحتجين والناقمين على كل الطبقة السياسية، بجانب توحّد الأطراف المعارضة والمجتمع المدني.
هذا الواقع جاء نتيجة القانون الجديد، الذي وإن كان يحمل عنوان «النسبية»، فإن مفاعيله ستكون «أكثرية» بالنظر إلى توزيع الدوائر الـ15، إضافة إلى الصوت التفضيلي، وهو ما أشارت إليه بشكل واضح «الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات» (لادي)، معتبرة أن القانون «يشوّه النسبية ويحوّلها إلى نظام أكثري يضعف دينامية التغيير بحدها الأدنى؛ وذلك بسبب اعتماد الدوائر الصغيرة والمتوسطة واعتماد العتبة الانتخابية المرتفعة، إضافة إلى الآلية المعتمدة في احتساب الأصوات، مع إمكانية تشكيل لوائح غير مكتملة».
ولفتت «لادي» إلى أنّ عدد المقاعد في مختلف الدوائر، بموجب القانون، يتراوح بين 5 مقاعد و13 مقعداً، مع «كوتا» (حصص) مذهبيّة ومناطقيّة وفقاً لتوزيع المقاعد في البرلمان الحالي؛ الأمر الذي يضعف كثيراً من مفعول النسبيّة ويحوّلها إلى نظام أكثري مبطّن. إلى ذلك، فإنّ الصوت التفضيلي في القضاء وليس الدائرة الانتخابية «يعيد المنافسة إلى المربع الطائفي المناطقي، كما يزيد من حدّة الزبائنيّة السياسيّة ويرفع حدة الخطاب الطائفي».
كذلك، أشارت «لادي» إلى أنّ العتبة الانتخابية في القانون الانتخابي، التي تختلف من دائرة إلى أخرى، موازية للحاصل الانتخابي وهي مرتفعة جداً (تتراوح بين 7 في المائة و20 في المائة بحسب عدد مقاعد الدائرة). ونبّهت إلى أنّ اعتماد اللوائح غير المكتملة (40 في المائة) من شأنه أن يؤدي إلى دفع الأحزاب المسيطرة في الدائرة الانتخابية إلى تشكيل عدد من اللوائح المختلفة؛ وذلك لإلغاء أي فرصة للمرشحين الآخرين في الفوز في الانتخابات. ثم إن طريقة احتساب الأصوات عبر دمج اللوائح وترتيب المرشحين من خلال عدد الأصوات التفضيلية التي حصلوا عليها تساهم في تحويل الانتخابات إلى معارك فردية بين المرشحين عوضاً عن معركة على البرنامج الانتخابي للّوائح المتنافسة، وتعطي الأولوية للمرشح على حساب لائحته.
ويتوقف المتابعون أيضاً عند الإنفاق الانتخابي المرتفع الذي يفوق الـ200 ألف دولار أميركي للمرشح الواحد، إضافة إلى رسم الترشّح المحدّد بثمانية ملايين ليرة (أكثر من 5 آلاف دولار أميركي)، وهو الأمر الذي يجعل الترشيح مقتصراً على المتموّلين.

«الثنائي الشيعي»... المستفيد
يؤكّد محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، أن القانون الانتخابي بصيغته الجديدة - التي وإن كانت نسبية فهي موزّعة على الدوائر - يأتي لمصلحة «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) بالدرجة الأولى و«القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» بالدرجة الثانية، بينما تنعكس سلباً على «تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي».
وفي حين يشدّد شمس الدين على أن الكلمة الفصل بنسبة كبيرة هي للتحالفات التي يفترض أن تُحسَم نهائياً خلال الشهر الحالي، فهو يرجّح أن عدد المقاعد التي سيحصل عليها الثنائي الشيعي ستصل إلى 33 مقعداً حداً أدنى. وانطلاقاً من تقسيم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية وحصر الصوت التفضيلي الواحد بالقضاء، يرجّح وصول 58 نائباً مسيحياً من أصل 64 بأصوات مقترعين مسيحيين.
في هذه الأثناء، رئيس الحكومة سعد الحريري رفض القول إن القانون الجديد سيقلّص حجم كتلة تيار «المستقبل»، وصرح بأن «البعض يعتقد أنه عبر قانون الانتخاب الجديد سيتمكن في مكان ما من أن يصغّر أو يقلّل من أهمية (تيار المستقبل)، لكن ليس هناك سوى صناديق الاقتراع التي يمكنها أن تثبت ذلك». على أي حال، وفق التوقعات قد يخسر «المستقبل»، الذي تضم كتلته اليوم 38 نائباً، ما لا يقل عن 12 مقعداً موزّعة على دوائر بيروت الثانية وطرابلس والبقاع الغربي وراشيا وصيدا. وتمثل الأولى والثانية أبرز المعارك الانتخابية أيضاً بالنسبة إلى «المستقبل». في المقابل، يخوض «الثنائي الشيعي» المعركة مرتاحاً لوضعه في معظم الدوائر، ربما باستثناء بعلبك – الهرمل، حيث قد يخسر فيها بين مقعد أو مقعدين؛ وهو الأمر الذي قد ينسحب على دائرة حاصبيا – مرجعيون - النبطية.

نحو «الثلث المعطل»
من جهة ثانية، يبدو واضحاً سعي الطرفين السياسيين الأساسيين اللذين كانا يمثلان ما عُرف بفريقي «14 آذار» و«8 آذار» للحصول على «الثلث المعطِّل»، وهذا رغم كل التغيرات التي طرأت على هذه الاصطفافات، انطلاقاً من أن الفُرقة السياسية التي ظهرت في السنوات الأخيرة لا بد أن تتوّحد في القضايا الاستراتيجية، بحيث يكون «الثلث المعطِّل» السلاح الذي يواجه به كل طرف الطرف الآخر.
ومما لا شك فيه أن حصول أي فريق على «الثلث» - أي 43 نائباً من أصل 128 - يضمن التحكّم بمسار عمل مجلس النواب، وبخاصة في القضايا المهمة التي تحتاج إلى نصاب وأكثرية الثلثين، وأبرزها الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ومع تأكيد مسؤول الإعلام والتواصل في «حزب القوات اللبنانية» شارل جبور «بأن ما يُطلق عليه وصف الفريق السيادي قادر على الحصول على نحو 50 مقعداً»، يشكّك المحلّل السياسي الشيعي قاسم قصير في حتمية نتائج الانتخابات، بينما يساوي شمس الدين بحظوظ الفريقين بالحصول على «الثلث المعطل». وفي حين يؤكد جبور أن «الثنائي الشيعي» وحلفاءه لا يمكن أن يحصلوا على أكثر من 40 مقعداً يرى شمس الدين، أن مقاعد «الثنائي الشيعي» المضمونة تقدر بـ33، وقد تصل مع الحلفاء إلى 43، مع الأخذ بعين الاعتبار التحالفات النهائية، بينما قد يصل رصيد «فريق 14 آذار» إلى هذا العدد إذا توسّعت دائرة التحالفات وشملت الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي وحزب الكتائب اللبنانية.
في مناطق «الثنائي الشيعي»، يرى قصير في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن المعركة ستأخذ طابعاً جدياً، والنتائج ترتبط بقدرة المعارضة على التوّحد، وبالتالي مواجهة «حزب الله» وحركة أمل. ويضيف «ستكون معارك حقيقية ومرتبطة بشكل أساسي بتوحيد صفوف المعارضة الشيعية، وهي على مستويين: الأول يرتبط بالحاصل الانتخابي الذي يتطلب تجميع قوى لتأهل اللائحة إلى المرحلة الثانية، والمستوى الآخر يرتبط بحصول المرشح على أعلى نسبة من الأصوات في الصوت التفضيلي، وهذا يتطلب اختيار شخصيات لها ثقل شعبي».
ورغم الحديث عن وجود تململ شيعي في قاعدة «حزب الله» وحركة أمل تجاه الأسماء التي اعتمد ترشيحها، يقول شمس الدين: «هذه الحالة تنتهي بمجرد خطاب واحد... وهو ما انعكس بشكل واضح في كلام أمين عام (حزب الله) حسن نصر الله، عندما دعاهم إلى محاسبة الحزب وليس النواب»، مؤكداً أن «الاقتراع هو لصالح الحزب وليس للمرشحين، كما أن الدليل على ارتياح الثنائي هو ترشيحه حزبيين وليس مناصرين».

تموضع «عوني» وسطي
خارج الاصطفافات السياسية يأتي «التيار الوطني الحر» (التيار العوني) على رأس ما يمكن اعتباره اليوم الفريق الثالث؛ نظراً إلى قربه السياسي من «حزب الله» من جهة ومن «تيار المستقبل» (أخيراً) و«القوات اللبنانية» من جهة أخرى.
الافتراق الانتخابي لـ«التيار» - الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون - مع «حزب الله» بات محسوماً بعدما أعلن «الثنائي الشيعي» توحيد صفوفهما في كل الدوائر، وبالتالي، استحالة وجود تحالف ثلاثي مع «التيار»، الخصم اللدود لحركة أمل.
من هنا يميّز كل من جبور وقصير بين موقع «التيار» العوني داخلياً وخارجياً. إذ يضع جبور «التيار» ضمن الفريق الوسطي إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي وعدد من الشخصيات التي تقترب في مواقفها مما يسميه «الفريق السيادي»، كرئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، بينما يعتبر قصير «تيار» عون «بيضة القبان» لقربه في السياسة الداخلية من «المستقبل»، وفي السياسة الخارجية من «الثنائي الشيعي».
جبور يقول: «لا نتوهّم في احتساب (الوطني الحر) إلى جانب فريقنا، لكن بالتأكيد لا نرى أنه في صف الثنائي الشيعي. وخير دليل على ذلك المواقف الأخيرة لوزير الخارجية جبران باسيل، وكذلك مقاربة رئيس الجمهورية لموضوع النزاع الحدودي البحري الذي كان مخالفاً لموقفي (حزب الله) وحركة أمل في إصراره على اللجوء إلى التحكيم الدولي». ويوضح «تمايز (الوطني الحر) المحسوب على رئيس الجمهورية ينطلق من أسباب داخلية وخارجية، الأول منعاً للتصادم بين الأفرقاء، والثاني أن أي انحياز باتجاه فريق (8 آذار)، سيضع الرئاسة في مرمى المواقف الدولية».
وفي ضفة الفريق الثالث أيضاً، يرى شمس الدين أن «على المجتمع المدني كي يتمكن من الفوز بعدد من النواب في هذه الانتخابات، أن يتّحد، وأن يحوّل أصوات اقتراع الناس المحتجّة في الكلام إلى أصوات في صناديق الاقتراع. وهو إذا بقي مشتتاً ستكون مهمته صعبة في الانتخابات وسيخسر أمل الناس بقدرته على إحداث التغيير المطلوب»، مشيرا في الوقت عينه إلى الصعوبة المتمثلة في الإنفاق الانتخابي التي أتت على قياس الأثرياء والمتموّلين.

باب مفتوح للإنفاق
يشرح علي سليم، الباحث في «الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات»، في حديث لـ«الشرق الأوسط» الثغرات الأساسية في القانون الجديد حول الإنفاق الانتخابي، موضحاً «لقد حدد القانون سقفاً ثابتاً لكل مرشح هو 150 مليون ليرة لبنانية (نحو مائة ألف دولار أميركي)، إضافة إلى 150 مليون أخرى لكل مرشّح في اللائحة... أي ما مجموعه 300 مليون ليرة للمرشح الواحد، إضافة إلى سقف متحرك يرتبط بعدد الناخبين في كل دائرة على حدة، وهو ما حدّد بخمسة آلاف ليرة (نحو ثلاثة دولارات) عن كل مرشّح». من هنا، يصف سليم المبالغ التي يمكن لكل طامح إلى النيابة أن يصرفها في حملته بـ«الخيالية»، بجانب طبعاً المبلغ المطلوب من كل مرشّح أن يدفعه عند تقديمه الترشيح وهو 8 ملايين ليرة (أكثر من خمسة آلاف دولار)؛ وهو الأمر الذي يؤثر على تكافؤ الفرص ويقلّص من حظوظ المجموعات الصغيرة والمرشحين غير المدعومين مادياً وسياسياً وحزبياً.
وفي حين يلفت سليم إلى ما يصفه بـ«الثغرات في سياق مراقبة الإنفاق الانتخابي»، فإنه يشير إلى أن الجمعيات تواجه صعوبة في التواصل مع «هيئة الإشراف على الانتخابات». ويقول: «طلبنا من الهيئة عقد جلسة حوار حول آلية الإنفاق، لكننا لم نتلق تجاوبا». ويتابع: «المشكلة ليست فقط في السقف الانتخابي المرتفع، إنما أيضاً في غياب أو غموض آلية المراقبة الواضحة، أيضاً».
في المقابل، يردّ القاضي نديم عبد الملك، رئيس هيئة الإشراف على الانتخابات، على هذه التساؤلات، مشدداً على «انفتاح الهيئة على أي تواصل ومناقشات مع الجمعيات المعنية في هذا الإطار». ويقول لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «نحن نتلقى يومياً أسئلة عبر موقعنا الإلكتروني، ونرد عليها بشكل دائم، شرط أن تكون موجهة من أصحاب الصفة». وحول عملية المراقبة، يوضح القاضي عبد الملك «وضعنا تصوراً شاملاً لهذه المهمة التي بدأ العمل عليها أشخاص مدرّبون، ويرتكز عملهم في المرحلة الأولى على مراقبة الإعلام والإعلان الانتخابي، ومن المفترض أن تبدأ التقارير بالصدور تباعاً». ويلفت إلى أن الحملات الفعلية تبدأ في الظهور بشكل أكبر في الأسابيع المقبلة.
هذا، وكانت الهيئة قد أوضحت بعض الأمور المتعلقة بحسابات المرشحين، بحيث يجب على كل مرشح ولائحة فتح حساب في مصرف عامل في لبنان يسمى «حساب الحملة الانتخابية». ولا يخضع «حساب الحملة الانتخابية» للسرية المصرفية، ويعتبر المرشح واللائحة متنازلين حُكماً عن السرية المصرفية لهذا الحساب بمجرد فتحه. ويجب أن تسلّم جميع المساهمات ودفع جميع النفقات الانتخابية عن طريق هذا الحساب حصراَ، وذلك خلال كامل فترة الحملة الانتخابية. كما لا يجوز قبض أو دفع أي مبلغ يفوق المليون ليرة إلا بموجب شك.
وأشارت الهيئة، إلى أنه عند تعذّر فتح حساب مصرفي، وتحريكه لأي مرشح أو لائحة لأسباب خارجة عن إرادة أي منهما، تودَع الأموال المخصصة للحملة الانتخابية للمرشح أو اللائحة في «صندوق عام» ينشأ لدى وزارة المالية، يحل محل الحساب المصرفي في كل مندرجاته. وللعلم، فإن الاقتراح الأخير، كان مخرجاً للعوائق المتعلقة بحسابات «حزب الله» المصرفية نتيجة العقوبات المفروضة عليه.
وهنا، يشدّد سليم على أن ثمة «صعوبة في المراقبة في غياب أمور أساسية من شأنها أن تفلت الإنفاق المالي من عقاله. من هذه الأمور ما يتعلق بحسابات المرشحين؛ إذ يفرض على المرشح أن ينشئ حساباً خاصاً خارج السرية المصرفية، بينما تبقى كل الحسابات المسجلة بأسماء أقربائه في منأى عن المراقبة. وهو ما قد يفتح الباب أمام صرف الأموال للحملات الانتخابية.

الإعلان والإعلام
وعلى صعيد الإعلام والإعلان الانتخابي، الذي بدأت حملاته تظهر وإن بشكل محدود، بات من الواضح مدى الإنفاق المالي في هذا الإطار. وهنا يميّز سليم بين الإعلام والإعلان، موضحاً «الإعلام هو الأخبار المتعلقة بالمرشحين وتغطية نشاطاتهم. ويفترض بكل وسيلة إعلامية أن تكون عادلة في معاملة جميع المرشحين... وهو جانب لا يتقيد به عدد كبير من الوسائل الإعلامية. أما الإعلان فهو الذي يرتبط بالمقابلات والترويج للمرشح»، ويلفت سليم في هذا المجال إلى أن وسائل الإعلام «تقدم رزماً من العروض للمرشحين، وهي تفوق الـ250 ألف دولار، وتتضمن مقابلات وتقارير خاصة في نشرات الأخبار وقت الذروة. وهذه أيضاً ستكون صعبة المنال بالنسبة إلى مرشحي المجتمع المدني على سبيل المثال أو المرشحين المستقلين». وهنا يشير سليم إلى إمكانية عقد «اتفاقات سرية» بين المرشحين ووسائل الإعلام؛ ما يجعلها خارج إمكانية المراقبة.
وتجدر الإشارة في هذا الإطار، أن هناك نقطة إيجابية لصالح من لا يملك المال من المرشحين، متعلقة بإمكانية الظهور على تلفزيون لبنان الرسمي، وهذا ما أكد عليه أخيراً وزير الإعلام ملحم رياشي. ومع أن علي سليم أشاد بهذه الخطوة، فإنه يشير إلى أن المشكلة تكمن في قدرة التلفزيون الرسمي المحدودة بالوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين.



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟