شاعرات «إنستغرام» و«يوتيوب» يُسقطن الشعر في متاهات الاستهلاك

يتابعهن مئات الألوف من المعجبين

شاعرات «إنستغرام» و«يوتيوب» يُسقطن الشعر في متاهات الاستهلاك
TT

شاعرات «إنستغرام» و«يوتيوب» يُسقطن الشعر في متاهات الاستهلاك

شاعرات «إنستغرام» و«يوتيوب» يُسقطن الشعر في متاهات الاستهلاك

لا يصعد الشعر في العالم الأنغلوفوني إلى صدارة الجدل الثقافي العام أغلب الأحايين إلا للأسباب الخطأ. فهو ظلّ دائماً نموذجاً من صنعة أدبيّة رفيعة تتطلب موهبة مبهرة وامتلاك ذخائر معرفية وثقافية متينة قبل أن تتدفق منها قصائد إنْ سَمَت بروح كاتبها فإنها ما إن تُنشر حتى تعيد تعريف معاني الكلمات كما نوارس تحلّق في فضاء دائرة ضيقة من المتلقين -ذوي حساسية شعرية- حيث تكتمل حياة النص وحركته الإبداعية عن طريق القراءة.
ذلك كلّه تغيّر كما في لحظة سهو وتخلٍّ، إذ تسّرب إلى فضاء الشِّعر بتغاضٍ من أو تآمُر حراس بوابات المؤسسة الثقافيّة البريطانيّة، مجموعة مدّعيات شعر ركبن موجة انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ليقدّمن لجمهور غير مثقف، نَزِق ومتدنِّي الذائقة الأدبيّة نوعاً من ترصيفات متلاحقة للكلمات عن مشاعرهن اللحظيّة يقرأنها حيّة على «يوتيوب» أو ينشرنها على حساباتهن في «إنستغرام» أو «فيسبوك» مع صور ذاتية كثيرة، تبدو منفردة أو بمجموعها أقرب إلى الثرثرة اليوميّة الفارغة التي في نهار عادي لا تكاد تقولها حتى تنساها.
وكما العهد بجمهور الإنترنت حيث تغريدات أو تعليقات أو صور «نجمات» ضحلة من عالم الإعلام أو الغناء أو الموضة أو حتى اللاشيء –كما الكارديشيانيات بطلات تلفزيون الواقع– وهن يستعرضن جزءاً من انحناءات أجسادهن تحظى بمتابعات الملايين -بينما لا يكاد مثقف جاد أن يسعد بأكثر من عشرة أو عشرين تعليقاً أو تنويهاً بمقالة أنفق في كتابتها سحابة أسبوعه!– فإن هذه المجموعة من مدّعيات الشعر صرن يتمتعن بمتابعة مئات الألوف، بل وربما الملايين من المعجبين.
وبالطبع فإن تجّار الكُتب الكبار من أساطين الرأسماليّة المعاصرة كانوا سريعين كعادتهم دوماً في التقاط هذا النمط الاستهلاكي الجديد المتجرئ على قدس أقداس الأدب، فأوحوا إلى قسم من حراس المؤسسة الثقافيّة الأنغلوفونيّة أنْ تبنّوا هؤلاء المدّعيات، وتاجروا بحضورهن الساطع على مواقع التواصل الاجتماعي لبيع تفاهاتهن معلبة في أغلفة دواوين شعريّة مربحة لجمهور مستهلك أوسع بكثير من قاعدة القرّاء التقليديين للشِّعر.
وبالفعل استدعى ناشر مرموق في نيوزلندا إحدى هؤلاء المدّعيات وأقنعها بجمع حطام المعاني التي نشرتها على حسابها في «إنستغرام»، وقدّمها في طبعة أنيقة ملونّة كشعر معاصر تحت عنوان «حليبٌ وعسل». وبالفعل تجاوزت مبيعات هذا «الحليب والعسل» المليون نسخة، وقفز إلى مراتب عليا في قوائم بيع الكتب –وهي مكانة يندر أن يصلها ديوان شعري جاد– محققاً عوائد تجاوزت عدة ملايين من الجنيهات لناشره وصاحبة نصوصه.
خلطة «الحليب والعسل» العجائبية المربحة هذه، أيقظت مشاعر جشع ناشر بريطاني مرموق، فاستدعى بدوره مجموعة من «صاحبات البوح» الإنجليزيّات، واشترى منهن حقوق طبع شخابيطهن اليوميّة ليدفع بها مغلفة كدواوين مطبوعة تباع في كل ركن من أركان الشعر المعاصر داخل مكتبات البلاد الكبرى. وكما «حليب وعسل» باع ديوان «برقوق» -لمدّعية شعر أخرى- عدّة مئات من ألوف النسخ في وقت قصير رغم سعره المرتفع نسبياً –10 جنيهات إسترلينيّة– وهزالة محتواه باتفاق الجميع تقريباً، لتتوالى من بعده «الدواوين» حتى كادت تتحول إلى نهر جارف يغيّر المفهوم المألوف للشِّعر.
لقد نجحت مقامرة تجار الكتب بأيقونات «إنستغرام» و«يوتيوب» نجاحاً مدوياً، وصارت مصنّفات «الشِّعر» ربما لأول مرّة في التاريخ المعروف مصدر ربحٍ وفير تتنافس عليه بيوتات النشر الكبرى، وهو أمر متوقع لا يصح ربما انتقادهم عليه من حيث المبدأ، فهكذا هي شكل الحياة في العالم الرأسمالي، ومن العبث انتظار غير ذلك. لكن المأساة اكتملت بالفعل عندما تبارى صحافيون معروفون في صحف البلاد الكبرى (التليغراف والغارديان والسكوتسمان وغيرها) بالإشادة بعلب الثّرثرة المغلّفة شعراً هذه، مسبغين عليها المديح بوصفها «أصواتاً شعريّة جديدة» و«تجارب مختلفة» و«نصوصاً تتسم بالشفافيّة والمباشرة وانعدام التعقيد»، لتلحق بهم المهرجانات الأدبيّة –وما أكثرها في بريطانيا- والإذاعات والتلفزيونات متسابقة على استضافة تلك «النجمات» اللواتي «غيّرن مزاج استهلاك الشّعر» ليتحدثن عن تجاربهن!
ولعله كان من سوء طالع نجمة «يوتيوب» هولي ماكنش –صاحبة ديوان «البرقوق»– أن اقترحت مجلة «PN» البريطانّية الرصينة وأهم المطبوعات الدوريّة المعنيّة بالشعر في العالم الأنغلوفوني، على الشّاعرة والناقدة الأدبيّة المعروفة ربييكا واتس كتابة مراجعة لـ«برقوقها» المزعوم شعراً. كانت تلك الدّعوة لواتس بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير بشأن ظاهرة الشّعر الملفّق هذا، فرفضت بشدّة أن تمنح «البرقوق» شرف مراجعته على صفحات مجلّة أدبيّة محترمة، وكتبت بدلاً من ذلك مقالة لاذعة في نقد ظاهرة صعود هاويات الشعر الآتيات من الفضاء السايبري، معتبرةً أنهن نقيض للفهم المعرفي، وتجرؤ أثيم على أساسيات صنعة الشعر «بعد وقت كنا نعدّ فيه الشعر تحديداً آخر حصون الأدب في مواجهة خواء وتدني ورثاثة ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي»، وأن إنقاذ الحضارة من البرابرة، ووقف المدّ الشعبوي في السياسة –الترمبيّة وما شابهها- يبدأ من تجرؤ النقد الأدبي على القيام بواجبه في تجريد الغثاء من فرصة ارتداء ثوب الشِّعر. وسخرت واتس بشدّة من صاحبة «البرقوق» ناقلة منه مقاطع ضعيفة تثير الغثيان، لكنّها وجهت سهام نقد أشد إلى الشاعر دون باترسون، محرر كتب الشعر لدى دار «بيكادور للنشر»، الذي سمح بنشر ذلك «البرقوق»، معتبرة أنّه بسلوكه يناقض تماماً التحذير الذي أطلقه في محاضرته عن «مستقبل مظلم للشعر»، والتي ألقاها قبل عقد تقريباً عند تسلمه جائزة «إليوت للشعر»، محذراً من هبوط مستوى الأعمال الجديدة، وخطورة ذلك على روح البشريّة في عصر قادم.
ولم تكد تلك المقالة ترى النور (عدد أغسطس (آب) الماضي – والمقالة متوفرة للتحميل على موقع المجلّة)، حتى انفجر نقاش متسع غير مسبوق في الأوساط الثقافيّة والأدبيّة، قسم المعنيين بالشِّعر إلى فسطاطين متقابلين لا منطقة وسطاً بينهما: مجموعة من القلقين على حال الشعر الذين كتبوا رسائل كثيرة للمجلّة، ونشروا مقالات، بالصحف وتعليقات في غرف الدردشة الأدبيّة على الإنترنت أيدوا فيها ما ذهبت إليه الشاعرة واتس، معتبرين أن النقد الأدبي تحرّك أخيراً لوقف ظاهرة سقوط الشّعر في متاهات الاستهلاكيّة التي يروّج لها بعض كتاب الصفحات الثقافيّة لمصلحة التجار. وفي مواجهة هؤلاء كانت الأعلى صوتاً ربما هولي ماكنش التي اعتبرت عبر نص سوقي على حسابها في «إنستغرام» أن «استخدام التعابير الجذلة في مقالة ربييكا لا مانع منه، كل الأمر هو محاولة القول بأنني غبيّة، وشعري سيئ، وأن على (بيكادور) ألا تتورط بنشر مثل هذه القمامة، لكن هي لم تقل ذلك بوضوح وغلّفت غيظها مني بتعابير منمقة!». وبخبث أكثر تبعها باترسون –محرر «بيكادور»– الذي وإن اعترف بضحالة شِعر ماكنش مقارنةً بالشعر الكلاسيكي، لكنّه قال إن قوانين واتس في الاعتراف بالشِّعر ليست مقدّسة، وإن شعراء مبرزين في الثقافة البريطانيّة مثل تي سي إليوت، وآردن وغيرهما، إنما بدأوا تجاربهم الشعريّة من تحدّي المدارس الأدبيّة التقليديّة في أزمانهم. وهو لم ينكر موقفه الذي أطلقه خلال محاضرة تسلمه جائزة «إليوت»، لكنّه قال إنه غيّر رأيه بعد مشاهدته كيف استعادت ماكنش ورفيقاتها تقاليد الشعر المحكيّ وكسبت للشعر جمهوراً أوسع بكثير من الجمهور العادي، غامزاً قناة واتس بأن دعا المولى لها بالاستفادة من الشعبيّة التي كسبتها بعد مقالتها الانتقاديّة لماكنش لبيع نسخ أخرى من دواوينها هي!
الجَدَل ما زال مستمراً بالطبع، وقلّما تجد مجلّة أو ملحقاً ثقافياً يصدر في بريطانيا هذه الأيام دون مقالة أو أكثر في تأييد واتس أو مهاجمتها. لكن لا شيء سيغيّر بالطبع من حقيقة أن هذا الهراء الذي يُنشر تحت غطاء الشعر اليوم هو أشبه «بموت للقارئ، وصعود للمستهلك»، يأتي على حساب الثقافة الرّفيعة لمصلحة مجموعة قليلة من قططٍ سِمان تعدّ أرباحها وتشكر المولى على حسن حظّها.



صورة للوجه تحدد مدى استجابة الأشخاص للعلاج من السرطان

معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
TT

صورة للوجه تحدد مدى استجابة الأشخاص للعلاج من السرطان

معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)
معدل شيخوخة الوجه يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان (بكسباي)

أظهرت دراسة جديدة، أجراها فريق من الباحثين في مستشفى ماساتشوستس العام في بريغهام بالولايات المتحدة، أن معدل شيخوخة الوجه، الذي يستخدم الصور لقياس التغيرات في العمر البيولوجي بمرور الوقت، يمكن أن يكون مؤشراً حيوياً غير جراحي لتوقّع مدى استجابة الأشخاص لعلاج السرطان.

ويستخدم الباحثون، الذين نشروا نتائج دراستهم في دورية «نيتشر كومينيكيشينز»، أداة مطوَّرة يُطلق عليها «فيس إيج» (FaceAge)، وهي أداة ذكاء اصطناعي قادرة على تقدير العمر البيولوجي للشخص من صورة واحدة.

وأفادت نتائجهم بأن تقدير العمر البيولوجي من صور متعددة ملتقطة على مدار فترة زمنية يمكن أن يوفر معلومات أدق حول مدى استجابة المريض.

حلَّلت الدراسة الجديدة صورتين لكل مريض من بين 2279 مريضاً بالسرطان، التقطتا في أوقات مختلفة خلال فترة العلاج. ووجد الباحثون أن ارتفاع معدل شيخوخة الوجه (FAR) يرتبط ارتباطاً وثيقاً بانخفاض احتمالية النجاة.

قال الدكتور ريموند ماك، طبيب الأورام الإشعاعي في معهد ماساتشوستس العام بريغهام للسرطان والمؤلف المشارك الرئيسي للدراسة، إن «استخلاص معدل شيخوخة الوجه من صور الوجه الروتينية المتعددة يتيح تتبُّع صحة الفرد بشكل شبه فوري».

وأضاف، في بيان، الثلاثاء: «تشير دراستنا إلى أن قياس (فيس إيج) بمرور الوقت قد يُحسِّن تخطيط العلاج الشخصي، ويُعزّز تقديم المشورة للمرضى، ويُساعد في تحديد وتيرة وكثافة المتابعة في مجال الأورام».

و«فيس إيج» هي أداة ذكاء اصطناعي تستخدم تقنيات التعلم العميق لتحديد العمر البيولوجي من صورة وجه الشخص. وفي دراسة نُشرت عام 2025، وجد الباحثون أن مرضى السرطان يُرجَّح أن يظهروا أكبر من عمرهم الزمني بنحو 5 سنوات وفقاً لهذا المقياس، وأن التقديرات الأكبر سناً ترتبط بنتائج بقاء أسوأ بعد علاج السرطان.

في الدراسة الجديدة، سعى الباحثون إلى معرفة المعلومات التي يمكن أن يوفرها برنامج «فيس إيج» عند تطبيقه على صور متعددة للشخص نفسه، التقطت على فترات زمنية مختلفة. وفحصوا صوراً لوجوه مجموعة من المرضى المصابين بأنواع مختلفة من السرطان، الذين تلقوا دورتين على الأقل من العلاج الإشعاعي في مستشفى بريغهام والنساء بين عامي 2012 و2023.

وأشارت نتائج متوسط معدل شيخوخة الوجه إلى أن وجوه المرضى تجاوزت شيخوختهم الزمنية بنسبة 40 في المائة. وارتبط ارتفاع هذا المعدل، أو ما يُعرف بـ«تسارع الشيخوخة» بانخفاض معدل البقاء على قيد الحياة.

وكان المؤشر أكثر قدرة على التنبؤ بنتائج البقاء على قيد الحياة بثبات على مدى فترات زمنية أطول مقارنة بالتقنيات والوسائل الأخرى المتاحة حالياً؛ حيث أظهرت النتائج أن المرضى الذين كان تقدير «فيس إيج» لديهم أكبر من عمرهم الزمني بعشر سنوات أو أكثر، كانت معدلات بقائهم على قيد الحياة أسوأ بشكل ملحوظ، بينما كانت النتائج أفضل لدى المرضى الذين كان تقدير «فيس إيج» لديهم أكبر من عمرهم الزمني بخمس سنوات أو أقل.

يقول الدكتور هوغو آيرتس، مدير برنامج الذكاء الاصطناعي في الطب في مستشفى ماساتشوستس العام بريغهام، والمشارك في تأليف الدراسة: «يوفّر تتبّع المؤشر الجديد بمرور الوقت من خلال صور بسيطة مؤشراً حيوياً غير جراحي وفعالاً من حيث التكلفة، ولديه القدرة على إطلاع الأفراد على حالتهم الصحية».


كيف سينفق جوردان بارديلا على الأميرة ماريا كارولينا؟

بين الكتب والسياسة جوردان بارديلا يوقّع مسار صعوده بثقة وتركيز (أ.ف.ب)
بين الكتب والسياسة جوردان بارديلا يوقّع مسار صعوده بثقة وتركيز (أ.ف.ب)
TT

كيف سينفق جوردان بارديلا على الأميرة ماريا كارولينا؟

بين الكتب والسياسة جوردان بارديلا يوقّع مسار صعوده بثقة وتركيز (أ.ف.ب)
بين الكتب والسياسة جوردان بارديلا يوقّع مسار صعوده بثقة وتركيز (أ.ف.ب)

بسرعة قطار كهربائي، اقتحم جوردان بارديلا الحياة السياسية في فرنسا، وتسلّق المراتب الحزبية ليصبح قاب قوسين من دخول «الإليزيه». وفي حال واصل الحظ وقوفه إلى جانبه، فمن المتوقع أن يكون الأوفر حظاً في الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى العام المقبل. وإلى جانب تقدّمه في استطلاعات الرأي، انشغل الفرنسيون مؤخراً بعلاقته الجديدة مع الأميرة ماريا كارولينا، سليلة أسرة بوربون سيسيل، التي بات يظهر معها رسمياً في أكثر من مناسبة.

الأميرة ماريا كارولينا تحضر عرض أزياء في أسبوع الموضة بميلانو (غيتي)

كيف اجتمع ابن الأسرة المتواضعة، المولود في حي بسيط للمهاجرين شمال باريس، مع سليلة الحسب والنسب التي رأت النور في القصور، وجاءت إلى الدنيا وفي فمها ملعقة من ذهب وألماس؟ تشير سيرة بارديلا إلى أنه دخل معترك السياسة في سن الـ16. وُلد لأسرة مهاجرة من إيطاليا، وانفصل والداه وهو لم يتجاوز عامه الثاني. ومثل كثير من أبناء الأسر المفككة، تنقّل بين شقة والدته في مساكن ذوي الدخل المحدود، وقضاء عطلات نهاية الأسبوع في بيت والده.

كان طموحه بلا حدود، لكنه فشل في اختبار القبول في معهد العلوم السياسية المرموق في باريس، وهو إلى جانب المدرسة الوطنية للإدارة، مصنع تخريج الوزراء وسياسيي الصف الأول. لذلك اكتفى بدراسة الجغرافيا، ولم يُكمل تعليمه العالي.

شقّ طريقه مبكراً إلى حزب «التجمع الوطني»، وهو الاسم الجديد لحزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف، الذي أسسه جان ماري لوبان. وعندما انتقلت الزعامة إلى ابنته مارين لوبان، سعت إلى تغيير اسم الحزب في خطوة هدفت إلى تخفيف صورة التطرف المرتبطة بإرث والدها.

جوردان بارديلا صعود خاطف نحو «الإليزيه» (إ.ب.أ)

بعد فترة وجيزة من انضمامه إلى الحزب، لفت بارديلا الأنظار بنشاطه، وجاءته الفرصة عام 2018 حين تصدّر قائمة الحزب في الانتخابات الأوروبية، فصار نائباً في البرلمان الأوروبي وهو في الـ23 من عمره. وبعد 4 سنوات، انتُخب رئيساً للحزب بالوكالة. وهو لم يتنافس مع أي كان بل كان غريمه هو لوي أليو، الشريك السابق لحياة رئيسة الحزب مارين لوبان، وذراعها اليمنى، الذي عاش معها تحت سقف واحد طيلة 10 سنوات. وقد بلغ من شعبية بارديلا أنه حاز نسبة 85 في المائة من أصوات أعضاء الحزب في الانتخابات الداخلية.

لم يكن لطموح الشاب حدودٌ، وساعده مظهره على التنقل بين قلوب الفتيات. ارتبط بعلاقة حب مع كيلي بيتيه، رفيقته في الحزب، ومن بعدها كيردوين شاتيون، التي كانت والدتها مساعدة لجان ماري لوبان. ويبدو أن قلبه كان يتقدم وفقاً لطموحه. ففي 2020 ارتبط بحبية ثالثة هي نلوين أوليفييه، ابنة ماري، الشقيقة الكبرى لمارين لوبان. لكن السياسي الشاب كان حريصاً على التأكيد على أنه لم يستفد من علاقته بها لكي يتقرب من خالتها. وبعد سنتين من العيش المشترك مع حفيدة المؤسس التاريخي للحزب، افترق الحبيبان. لكي يبدأ بارديلا علاقة جديدة مع ماريا كارولينا دو بوربون، في خبر جاء مفاجئاً للوسطين الإعلامي والسياسي. وكتب أحد المعلقين أن الملوك خرجوا من القصور بعد الثورة الفرنسية وقد يعودون إلى «الإليزيه» من باب المصاهرة.

في الفترة الأخيرة، عمل بارديلا على تحسين صورته العامة؛ فاهتم بلياقته البدنية، وحرص على أناقة مظهره، مع بدلات داكنة وربطات عنق منتقاة بعناية، وتسريحة شعر مستوحاة من جاك شيراك في شبابه. ومع ذلك، تبقى حظوظه مرتبطة بما سيقرره القضاء بشأن أهلية مارين لوبان للترشح، إذ قد يفتح انسحابها الطريق أمامه.

ماريا كارولينا وشقيقتها ووالديها خلال نصف نهائي بطولة مونتي كارلو ماسترز في موناكو (غيتي)

أمّا على الصعيد العائلي، فتفيد تسريبات إعلامية بأن والدي الأميرة ماريا كارولينا؛ كاميلا وشارل دو بوربون سيسيل، يشعران بالقلق على مستقبل ابنتهما. ويعود ذلك إلى حياتها السابقة المستقرة والبعيدة عن الأضواء السياسية، وخشيتهما من صدمة تعرضها الفائق للأضواء ومن ملاحقة المصورين، الأمر الذي لا بد أن يتعزز في حال خاض رفيقها الحملة الانتخابية للرئاسة، العام المقبل.

تبلغ ماريا كارولينا 22 عاماً، وهي تحمل لقب دوقة كالابريا وباليرمو. نشأت في أجواء من الرفاه، ينحني لها الناس في اجتماعات الأوساط النبيلة وأعراس النخبة، تمد يدها للتقبيل بكل رفعة ولم تعتد مواجهة انتقادات الرأي العام، خصوصاً من الخصوم من أقصى اليسار. كما يبرز تفاوت المستوى المعيشي، إذ يعتمد بارديلا أساساً على راتبه بوصفه نائباً في البرلمان الأوروبي، الذي يبلغ نحو 8 آلاف يورو شهرياً، مع نفقات وظيفية تبلغ 5 آلاف يورو وميزانية سنوية قدرها 28 ألف يورو يدفعها مرتبات للمساعدين الذين يختارهم. هل يكفي المرتب الشهري لفستان سهرة بتوقيع دار شهيرة للأزياء؟

لهذا فإن والديها اللذين شكلا لها ولشقيقتها سياجاً حامياً طيلة سنوات طفولتها وصباها، لا يتخيلان رؤية ابنتهما وهي ترافق شريك حياتها في جولاته واجتماعاته الانتخابية وتتحمل معه سهام المنافسين. هذا مع العلم، أن والدتها كانت قد شاركت في برنامج تلفزيوني قبل سنوات، قالت فيه إنها تدرك أن العالم قد تغير، لذلك فإنها تترك لابنتيها حرية اختيار زوج المستقبل.

وجهٌ صاعد بثقة... بارديلا يقترب من قلب السلطة في فرنسا (أ.ف.ب)

جرت العادة، في المعارك السياسية، أن يتبادل الخصوم ضربات فوق الحزام وتحته. وهو ما لا طاقة للأميرة الشابة على تحمله. فقد واجهت شريكات الرؤساء الثلاثة السابقين شائعات من كل الأنواع. ولم تحتمل سيسيليا، زوجة الرئيس ساركوزي، مثلاً، ضغط الحياة السياسية فهجرت قصر الرئاسة ومضت لتقترن بشريك من خارج المعمعة الإعلامية. أما فاليري تريلفيلر، شريكة الرئيس فرنسوا هولاند، فقد خرجت شبه مطرودة من «الإليزيه» بعد الفضيحة المدوية التي كانت الصحافة سبباً فيها، لعلاقة الرئيس مع الممثلة جولي غاييه وتسلله من القصر، ليلاً، للذهاب إلى عشيقته والمبيت لديها. ولم يكن الأمر بأفضل مع بريجيت، زوجة الرئيس الحالي ماكرون، فقد تعرضت لأطنان من السخرية والتشهير بسبب فارق السن بينها وبين زوجها الذي كانت معلمته في المدرسة الثانوية. وبلغ الأمر تشويه سمعتها والادعاء بأنها رجل تحوّل إلى امرأة، وهو ما جعلها تطارد أصحاب الشائعات أمام القضاء.

هل تنتهي حكاية السياسي الآتي من ضواحي المهاجرين وصديقته الدوقة المرفهة، مثلما انتهت علاقاته السابقة؟ أم يكون الجمهور المتشوق للقضايا المثيرة على موعد مع مرشح رئاسي يتأبط ذراع أميرة؟


حضور الشخصية القبطية في الروايات المصرية يجدد سؤال «الهوية»

لقاء يتوقف عند تساؤلات كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» (الشرق الأوسط)
لقاء يتوقف عند تساؤلات كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» (الشرق الأوسط)
TT

حضور الشخصية القبطية في الروايات المصرية يجدد سؤال «الهوية»

لقاء يتوقف عند تساؤلات كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» (الشرق الأوسط)
لقاء يتوقف عند تساؤلات كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» (الشرق الأوسط)

مهّد سؤال «هل هناك دين للأدب؟» أفقاً متّسعاً للتأمل في الشخصية المصرية وانعكاساتها، خلال ندوة مناقشة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، الأستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، حيث بدت مسعد خلال كلمتها أكثر ميلاً إلى تجاوز تعبير «الآخر» عند الحديث عن اختلاف الدين، مفضّلةً استخدام تعبير «معرفة بعضنا البعض»، بوصفه مدخلاً أدقّ لفهم ما يعكسه الأدب من علاقات داخل نسيج اجتماعيّ وثقافيّ مشترك، لا في إطار ثنائية «الأنا» و«الآخر».

ورغم ما قد يحمله هذا السؤال من بداهة، فإنه يظلّ سؤالاً شائكاً، يعيد مساءلة ما نظنّه بدهياً حول علاقة الأدب بالهُوية وتمثّلاتها.

لم يخلُ حفل التوقيع والمناقشة الذي شهده مقر دار «العين» للنشر (وسط القاهرة) مساء الثلاثاء، من استعراض لأمثلة وسياقات أدبية متعددة عبر سنوات، أدرجتها مؤلفة الكتاب ضمن عملها الذي اقتربت فيه من دراسة ما يقرب من مائتي عمل أدبي، في إطار مشروع طويل استغرق سنوات، وعزّزته «التغيرات الكبيرة التي أحدثتها (ثورة يناير) في لغة الأدب الذي يتناول الشخصية القبطية»، حيث بات أكثر مكاشفةً وقدرةً على النفاذ إلى مستويات أعمق في النظر إلى القبطي.

وحسب الدكتورة نيفين مسعد «لا يوجد أدب مسلم وآخر قبطي؛ فالأدب يكتبه الجميع وليس له دين، وكانت بوصلتي في هذا الكتاب هي الشخصية القبطية في الأدب لا ديانة الكاتب»، وتوضح أن استخدام تعبير «الشخصية القبطية»، بدلاً من «الشخصية المسيحية» يأتي «تقديراً لخصوصية المسيحي المصري، حيث يشكّل القبط مظلةً لمسيحيي مصر بمختلف طوائفهم».

وتحدثت الكاتبة عن المستويات المختلفة التي وجّهت مسار مشروعها، الذي بدأته عام 1999 بدراسة معمّقة نُشرت في مجلة «وجهات نظر» حول صورة القبطي في الأدب المصري، وهي الدراسة التي آثرت تتبّع تطوّرها لاحقاً عبر ما يمكن وصفه بـ«أدب ما بعد ثورة يناير»، وهو ما قادها إلى رصد جيلٍ جديد من الكتّاب، بدا، حسب تعبيرها، «أكثر ميلاً للبوح والإفصاح».

د. نيفين مسعد خلال كلمتها في اللقاء (الشرق الأوسط)

وأشارت في هذا السياق إلى عددٍ من النماذج التي تمثل جيلاً جديداً من الكُتاب وتجاربهم الأولى والمبكرة، والتي بدا فيها، حسب تعبيرها «توثيق اللحظة التي يبدأ فيها الإحساس بالتمايز الديني عند القبطي»، ومن بين النماذج التي توقفت عندها رواية «فيكتوريا» للكاتبة كارولين كمال، التي تطرح فيها تجربة فتاة قبطية بقدر واسعٍ من المكاشفة، متوقفةً عند أدق التفاصيل المرتبطة بوضع أقباط مصر خلال الفترة الممتدة من الثمانينات حتى «ثورة يناير 2011»، وكذلك رواية «كنت طفلاً قبطياً في المنيا» للكاتب مينا عادل جيد، التي تطرح تساؤلاً جوهرياً: «لماذا على القبطي أن يُثبت أنه وطني أيضاً؟».

وتعكس كثافة النماذج التي قدمتها نيفين مسعد في كتابها، لا سيما لأجيالٍ جديدة من الكُتّاب، امتداداً مباشراً لما وصفتها بتحولات «أدب ما بعد ثورة يناير»، وهو ما توقف عنده المشاركون في الندوة، ومنهم الكاتبة الروائية المصرية سلوى بكر، التي لفتت في كلمتها إلى الفجوة النقدية التي تُهمّش الكتابات الجديدة، وتُكرّس بشكل أكبر للأسماء الأقدم، كما لفتت لتجربتها في روايتها «البشموري»، الصادرة في التسعينات، التي تتناول ثورة البشموريين (أقباط دلتا النيل) في العصر العباسي، وكانت تلك الرواية من بين أبرز الأعمال التي تناولتها نيفين مسعد في كتابها.

أما الروائي المصري نعيم صبري، الذي كتب مقدمة الكتاب، فلفت إلى أن العمل يطرح أسئلة تدعو إلى تأمل جاد في فكرة تصنيف «شخصية قبطية» وأخرى «مسلمة»، مستفيضاً في استدعاء أمثلة من التاريخ الفني والثقافي المصري لدحض هذا التمييز، مؤكداً، حسب رؤيته، «انتفاء هذا الفصل حين يتعلّق الأمر بالوطنية المصرية».

وتوقّفت نيفين مسعد عند أكثر من نموذج من أعمال نعيم صبري، بدءاً من روايته «شبرا»، وصولاً إلى «صافيني مرة»، التي اختلط فيها الذاتي بالروائي، لا سيما فيما يتصل بتحديات الزواج بين المسلمين والمسيحيين، معتبرةً أن أعماله «شكّلت علامات بارزة في مسارها في أثناء تأليف هذا الكتاب».

في السياق ذاته، أشار الناقد المصري سيد محمود، إلى أن «الجهد البحثي المبذول في الكتاب من أبرز العوامل التي تجعله لافتاً، لا سيما أن الكاتبة لم تكتفِ بقراءة الأعمال الروائية الذي تناولها في البحث، بل سعت إلى قراءة المنجز الأدبي الكامل لكاتبه، للوقوف على سياقه الثقافي والأدبي، إلى جانب إقامتها صلاتٍ بينية بين الأدب والعلوم الاجتماعية واللمحات التاريخية، بما يجعله يتجاوز المقاربة النقدية التقليدية التي غالباً ما تركز على جماليات العمل الفني».

وتعزز الكاتبة مصادرها التي استند إليها بحثها بإدراج قائمة بالكتب والروايات والمجموعات القصصية، إلى جانب مقالاتٍ ومواقع وصفحات قبطية على منصات التواصل الاجتماعي، في نهاية الكتاب الذي يقع في 275 صفحة.

ووقّعت الدكتورة نيفين مسعد نسخاً من كتابها للحضور، مشيرةً إلى أنها باتت مرتبطة بموضوع «الشخصية القبطية» على نحو «يجعل من الصعب أن تمرّ عليها النماذج الأدبية المرتبطة بها فيما بعد دون أن تفكّر في تحليلها»، وهو ما علّقت عليه ناشرة الكتاب الدكتورة فاطمة البودي بقولها إن ذلك «يعود إلى كونه موضوعاً مفتوحاً، وربما يستدعي إضافات جديدة في طبعاتٍ لاحقة من الكتاب».