الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

سيجعل الكثير من مناطق العالم غير قابلة للسكن

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية
TT

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

يتوقع العلماء أن الاحتباس الحراري سيجعل الكثير من مناطق العالم غير قابلة للسكن، لكن توجد بعض الطرق التي تساعد في الحدّ من تأثيره.

أستراليا تفور

في أستراليا مثلاً كان الصيف الماضي حارقاً، حتى وفقاً للمعايير المحلية، واعتبر شهر يناير (كانون الثاني) 2017 الشهر الأكثر حراً في مدينتي سيدني وبريزبان، وشهدت مساحات واسعة في الجنوب الشرقي ارتفاعاً هائلاً في درجات الحرارة، تجاوز في أحيان كثيرة الأربعين درجة مئوية لأسابيع كاملة. وأدى الطلب المتزايد على الكهرباء في جنوب البلاد إلى انقطاع التيار؛ مما تسبب في حرمان 90000 منزل من التكييف الهوائي، وجعلها أسيرة القيظ والظلمة. كما اشتعلت الحرائق في 87 غابة على امتداد مقاطعة نيوساوث ويلز، فارتفعت درجات الحرارة وتسببت في وفاة الماشية التي تعيش في الحقول.
هذا النوع من موجات الحرّ ليس حالة عابرة، بل هو اتجاه جديد شهد على ارتفاع درجة الحرارة في العاصمة الأسترالية إلى ما فوق 47 درجة مئوية حديثاً، وهو الأعلى في هذه المدينة منذ 79 عاماً. ومن المتوقع أن تعيش سيدني وملبورن موجات حرٍّ شديدة أخرى تصل فيها درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية بحلول عام 2040.
تقول سارة بيركنز كيرك باتريك، من مركز الأبحاث المتخصصة في الاحتباس الحراري في جامعة نيوساوث ويلز في سيدني: «نظراً لما سنعيشه بعد 40 أو 50 عاماً من اليوم، يمكن القول إن الصيف الماضي كان طبيعياً جداً؛ فأستراليا لم تصل إلى الأسوأ بعد».
ولكن الأستراليين ليسوا وحدهم؛ لأن غالبية سكان العالم لم تأخذ «التسخين» الناتج من الاحتباس الحراري على محمل الجدّ. عندما يعيش الناس في مكان معتدل المناخ، فإنهم لن ينزعجوا أبداً من ارتفاع طفيف بدرجات الحرارة يسهّل عليهم تنظيم المزيد من النزهات في الطبيعة، وإمضاء فترات من السكينة في الحديقة بعد الظهر. لكن هذا الترحيب ليس منطقياً؛ لأن موجات الحرّ قد تكون قاتلة حتى في أيامنا هذه، ومع تفاقم الاحتباس الحراري، سترتفع نسبة الوفيات.
إن تركيبة الجسد البشري غير مهيأة للتعامل مع درجات الحرارة المتوقعة خلال موجات التسخين في محيط الأرض، أي أن الكثير من المناطق قد تصبح غير صالحة للسكن. لحسن الحظّ، توجد بعض الأمور التي يمكننا القيام بها لتعويد أجسادنا ومحيطنا البيئي أكثر على العالم الحارّ.

موجات حرّ قاتلة

يعي الجميع أن الاحتباس الحراري الناتج من غازات الدفيئة بات منتشراً، ولو مع بعض الاستثناءات القليلة، وأن عواقبه تكون وخيمة أحياناً، ومن المستغرب أننا تأخرنا حتى اليوم لنفهم أنه قد يتسبب في موتنا. هذا الإغفال في رؤية الحقائق غير ناجم عن نقص الشواهد: ففي الولايات المتحدة الأميركية، فاق عدد الوفيات بسبب الحرّ الشديد بين عامي 1978 و2003 عدد الوفيات الناتج من الهزات الأرضية والبراكين والفيضانات والأعاصير مجتمعة. وحسب بعض التقديرات، سببت موجة الحرّ التي تمركزت في فرنسا عام 2003 في مقتل 70000 شخص، كما أدّت موجة أخرى ضربت موسكو عام 2010 إلى وفاة 10000 شخص.
في أكتوبر (تشرين الأول)، نشرت مجلّة «لانسيت» تقريراً يتضمن دراسة أجرتها 26 مؤسسة عالمية بالتعاون مع البنك الدولي، خلصت إلى أننا نواجه «وضعاً طارئاً عالمياً يلوح في الأفق». وتبعت هذه الدراسة دراسة أخرى ركزت بحثها على موضوع «الحرارة القاتلة»، بيّنت أن 30 في المائة من الناس حول العالم يمرّون بفترة ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستوى مميت خلال عشرين يوماً سنوياً. وقال فريق بحثي بقيادة كاميلو مورا من جامعة هاواي في مانوا في يونيو (حزيران): إن هذه النسبة ستقارب الـ75 في المائة بحلول عام 2100 في حال لم نبذل الجهود المطلوبة للحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة.
إنّ العامل المهمّ هنا ليس درجة حرارة الهواء، بل الحرارة التي يشعر بها الناس. فقد يستطيع الإنسان الاستمرار على قيد الحياة لفترة قصيرة في حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، ما دام أن جسده يتعرّق بشكل صحّي. لكن المشكلة هي الرطوبة. يقول غراهام بيتز، من جامعة كورتن غرب أستراليا: «إن الطريقة الوحيدة للتخلّص من الحرّ أثناء التعرّق هي تبخّر هذا العرق. لكن عندما تصل نسبة الرطوبة إلى 90 في المائة، يصبح الهواء مشبعاً بالكامل؛ مما يؤدي إلى سيلان العرق، وبالتالي يستمر الشعور بالحرّ».
يمكن قياس تأثير الحرّ والرطوبة مجتمعين، أو ما يعرف بدرجة الحرارة المحسوسة، عبر استخدام «ميزان للتعرق»، يُلفّ بقطعة قماش رطبة.
عندما يسجّل الهواء 35 درجة مئوية، أي ما يعادل درجة حرارة الجو 35 مئوية، ونسبة 100 في المائة للرطوبة - أو 40 درجة مئوية للحرارة و75 في المائة معدل الرطوبة، هذا يعني أن فرصة الإنسان في الاستمرار على قيد الحياة باتت مهددة. وعندما تصبح هذه الدرجات والمعدلات أعلى، لن يستطيع حتى أكثر الأشخاص صحة أن يعيش لأكثر من ستّ ساعات. لم تصل أي منطقة على وجه الأرض إلى هذا الوضع بعد، رغم أن منطقة بندر ماهشهر في إيران اقتربت من هذه المعدلات والدرجات في يوليو (تموز) 2015، بـ46 درجة مئوية و50 في المائة معدلاً للرطوبة، أي أن الأمر مسألة وقت ليس إلا.

معدلات مرتفعة

يقول ستيفن شيروود، عالم متخصص بالغلاف الجوي من جامعة نيوساوث ويلز: إن درجات الحرارة ومعدلات الرطوبة كلتيهما تشهد ارتفاعاً. يتركز الخطر الأكبر في المناطق التي تعاني عادة من ارتفاع في معدلات الرطوبة كالأمازون ووديان السند، وغيرهما من الدول الاستوائية. ويرى شيروود أن بعض المناطق لن تحتاج إلى أكثر من ست أو سبع درجات حرارة إضافية فقط لتصبح غير قابلة للسكن، محذّراً من أن الدرجات والمعدلات سترتفع بشكل كبير في بعض المناطق خلال 100 أو 200 عام في حال لم نعمل على خفض الاحتباس الحراري.
يمكن القول حتى إن هذه التقديرات متفائلة بعض الشيء. فقد أظهرت دراسة نشرت عام 2017 أن أجزاء من الهند وباكستان وبنغلادش قد تشهد ارتفاعاً في معدلات حرارة الهواء إلى ما فوق 35 درجة مئوية مع نهاية هذا القرن. يبلغ عدد سكان هذه المنطقة 1.5 مليار شخص، أي ما يعادل خُمس سكان العالم، غالبيتهم من الفقراء ومعرّضون بشكل خطير إلى اللهيب المميت. كما سيواجه المزارعون الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رزقهم خسائر متفاوتة في محاصيلهم؛ لأن إنتاج القمح والأرز والذرة، التي تشكّل مجتمعة مع الصويا نحو ثلثي السعرات الحرارية التي يستهلكها الناس، قد تشهد انخفاضاً بين 3 في المائة و7 في المائة مع كلّ درجة حرارة إضافية. ويؤثر ارتفاع درجات الحرارة أيضاً على إنتاجية العمال في المناطق الريفية، فقد تبيّن أنه ومنذ عام 2000، أدّى الاحتباس الحراري إلى تراجع أعداد القوى العاملة في الهند بشكل ملحوظ، بنحو 418000 عامل، بحسب تقرير مجلة «لانسيت».
من ناحية أخرى، يمكن لدرجات الحرارة التي لا تزال دون المعدلات الكارثية أيضاً أن تساهم في تجريد بعض المناطق من أهليتها للسكن، وقبل مدة طويلة من نهاية القرن. إذ تعتبر الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية في الولايات المتحدة تجاوز درجة حرارة الهواء لـ31 درجة مئوية «خطراً شديداً»؛ لأن الجسم البشري يولّد حرارته الخاصة.

مدن ساخنة

غالباً ما تكون موجات الحرّ أكثر قوة في المدن، حيث يمتص الإسفلت والأسقف الداكنة المزيد من أشعة الشمس ويؤدي إلى ظهور تأثير «جزيرة الحرّ». لكن نادراً ما يأخذ مخططو المدن هذا الأمر بعين الاعتبار، وحتى في المناطق التي تعرف بارتفاع درجات الحرارة فيها مثل ملبورن وأبوظبي. في المقابل، توجد بعض الأمور البسيطة التي يمكنهم أن يقوموا بها. وقد نقلت مجلة «نيو ساينتست» عن بيركنز كيرك باتريك إننا نحتاج إلى تصاميم أفضل لمنازلنا، وهذه نقطة البداية. كما عبّرت عن رغبتها في رؤية المزيد من الأسقف البيضاء التي تعكس أشعة الشمس، مع قدرة أكبر على العزل وتزجيج مضاعف، حتى تكون منازلنا ملجأً لنا في حالات الحرّ الشديد، حتى ولو كانت خالية من التكييف الهوائي. وتحتاج المدن أيضاً إلى المزيد من المساحات الخضراء المظلّلة للمساعدة في الحدّ من تأثير جزر الحرّ.
تكفّل نهج جديد انطلق في مدينة نيويورك بتنفيذ برنامج إعادة تخضير مساحات كبيرة في مانهاتن خلال السنوات القليلة الماضية؛ وبعد موجة الحرّ التي ضربت أستراليا في الصيف الماضي، تمت مناقشة اقتراح تخصيص مساحات كبيرة مكيّفة يلجأ الناس إليها في الأجواء اللاهبة.
تحمل هذه الإجراءات فوائد إضافية أيضاً، ففي البلدان النامية، حيث تنتشر موارد الطاقة الملوثة بكثرة، لا شكّ في أنّ ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى انقطاع في التيارات الكهربائية، وبخاصة أن أفضل الدول تعاني عجزاً في سدّ الطلب المتزايد على الطاقة خلال موجات الحرّ. هذا بالإضافة إلى أن الحرّ يسبب مشكلات في توصيل الكهرباء؛ لأنه يؤدي إلى تمدّد وتدلّي الأسلاك. إن تصميم المنازل بشكل أفضل وتأمين مساحات خضراء وملاجئ مشتركة للعامة سيساهم في تخفيف الضغط عن الشبكات الكهربائية التي تعاني الأمرّين في التأقلم مع موجات الحرّ، وسيؤدي أيضاً إلى انخفاض انبعاثات غازات الدفيئة.
هذا الأمر مهم جداً؛ فوفقاً لما ورد في اتفاق باريس للمناخ عام 2016، ومع ارتفاع درجات الحرارة بين درجة ونصف درجة ودرجتين، سيصبح فصل الصيف عبارة عن موجة حرّ طويلة في بعض المناطق الأسترالية بحلول عام 2100. وكشفت بيركنز كيرك باتريك، عن أن بعض المناطق الاستوائية قد تمرّ بموجات حرّ جزئية، وأن الأوضاع ستكون أسوأ بكثير في حال لم يصار إلى الحدّ من ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة. وترى بيركينز أن تأثيرات مدمّرة في طريقها إلينا إن لم تتمّ السيطرة على التغيّر المناخي الناتج من هذه الانبعاثات في أقرب وقت ممكن.



ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي
TT

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

ليلى إبراهيم من «غوغل ديب مايند» تُساعد العالم على الاستعداد للذكاء الاصطناعي

تشغل ليلى إبراهيم في «غوغل ديب مايند» منصباً لم يكن موجوداً من قبل: رئيسة قسم الاستعداد للذكاء الاصطناعي، حيث تُركز على كيفية إعداد العالم للتطور السريع للذكاء الاصطناعي. وهي تُساعد الحكومات على التفكير في السياسات، وتُعزز فهم الجمهور للذكاء الاصطناعي، وتعمل على ضمان استخدام «جوجل» للذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

وتقول ليلى إبراهيم، التي شغلت سابقاً منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في «ديب مايند» لمدة ثماني سنوات تقريباً: «أتمنى لو كان المزيد من الناس يُجرون هذا النوع من الحوارات، لأنني أعتقد أن لدينا القدرة على التأثير في كيفية تشكيل هذا المجال».

تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي

يتضمن جزء من العمل تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي. تقول: «إن كنت لا تستخدمه، فلن تُتاح لك الفرصة لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي تشعر فيها بالراحة عند استخدامه أو عدم استخدامه، أو كيفية تطوير الأمور».

وتتساءل: «كيف يمكننا أن نُساعد المعلمين على الشعور بالراحة عند التعامل مع البرمجة وإنشاء أدوات لفصولهم الدراسية؟»، و«كيف نتعاون مع صانعي السياسات لفهم الذكاء الاصطناعي؟».

تمارين ميدانية في سنغافورة

وفي وقت سابق من هذا العام، قاد فريقها تمريناً تمثيلياً مع مسؤولين في سنغافورة، لمساعدتهم على دراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعيد تشكيل اكتشاف الأمراض، وما قد يعنيه ذلك لإصلاح نظام الرعاية الصحية أو الحاجة إلى مؤسسات علمية جديدة. في هذا التمرين، المشابه لأعمال الشركة في أماكن أخرى.

وقد اقترح المسؤولون بعض السياسات، ثم درسوا كيف يمكن أن يتغير المشهد بعد عامين، ما قد يُحفز تغييرات إضافية في السياسات. كما يعمل فريقها مع الحكومات لتقييم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي الفاعل على الوظائف، وأين قد تكون هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المهارات.

وتقول: «نحن نعرف إلى أين تتجه التكنولوجيا، لذا يمكننا التعامل مع هذه المحادثات بطريقة أكثر تعاوناً، مدركين أن التكنولوجيا لم تصل بعد، ولكن ما الذي نحتاج إلى فعله للاستعداد لما هو قادم؟

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران
TT

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

الذكاء الاصطناعي: إسرائيل وظفت تقنية تحديد الأهداف في غزة... وأميركا استخدمت «نظام كلود» في فنزويلا وإيران

تُفكّر إليزابيث مينور منذ سنوات في مخاطر الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الأسلحة ذاتية التشغيل. ومينور هي رئيسة قسم السياسات في «أوقفوا الروبوتات القاتلة»، وهو تحالف تأسس عام 2012 لضمان احتفاظ البشر بالسيطرة على التكنولوجيا في أوقات الحرب. وقد نما هذا التحالف ليُمثّل أكثر من 300 منظمة في أكثر من 70 دولة، بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية، كما كتبت ريبيكا هايلويل(*).

خرق أطر القانون الدولي

تُوضّح مينور قائلةً: «هذا أمرٌ يُهمّ العالم أجمع، لذا يجب أن يكون هناك تفاوض في إطار القانون الدولي. لا يزال القانون الدولي مُهماً، حتى وإن كان مُعرّضاً للهجمات في الوقت الراهن، وله قيودٌ تُحدّد كيفية رسم حدود ما هو مُتاح في العالم».

تسعى مينور ومنظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» إلى استخدام القانون الدولي بوصفه أداةً في مكافحة انتشار أسلحة الذكاء الاصطناعي. ويتضمن جزء كبير من عملها حضور اجتماعات في الأمم المتحدة، في كل من نيويورك وجنيف. وتسعى المنظمة إلى إبرام معاهدة دولية يمكن لجميع الدول التوقيع عليها للحد من استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل، على غرار اتفاقيات نزع السلاح والحد من التسلح التي أبرمها المجتمع الدولي بالفعل.

استخدام إسرائيل وأميركا للذكاء الاصطناعي

وقد ازداد عمل منظمة «أوقفوا الروبوتات القاتلة» أهميةً مع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في ساحات المعارك. وتشير مينور إلى بعض الأمثلة من النزاعات الأخيرة، بما في ذلك استخدام إسرائيل لتقنية تحديد الأهداف خلال الحرب على غزة، واستناد الولايات المتحدة إلى نظام «كلود» في عمليتها للقبض على نيكولاس مادورو وفي الحرب على إيران.

وتوضح مينور قائلةً: «خلال العقد الماضي فقط، شهدنا تسارعاً هائلاً في محاولات تطوير هذه الأدوات ودمجها في استخدامها في ساحات المعارك». لقد رأينا دولاً أكثر تُعلن أن هذا النوع من الحرب «الثورية» مرغوب فيه وضروري، بدلاً من اعتباره أمراً خطيراً لا ترغب أبداً في خوضه.

* مجلة «فاست كومباني».


«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
TT

«طائرات روبوتية مسيّرة قاتلة»... سجلت أولى الضحايا

الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة
الحروب الحديثة بنظم قتالية هجينة

أفاد مسؤول رفيع المستوى في قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية لمجلة «نيو ساينتست» بأن اختباراً أُجري قبل عامين على طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل، مُصممة لتدمير أي شيء في منطقة محددة، أسفر عن وقوع إصابات مؤكدة.

مسيرات روبوتية قاتلة

شمل الاختبار الذي أُجري لمرة واحدة، 10 طائرات مسيّرة من طراز «تيرميناتور Terminator» (المُدمر) تعمل بالذكاء الاصطناعي على خط المواجهة في الحرب الأوكرانية. وقُتل جنود روس، كما كتب ماثيو سباركس (*). ويقول ألكسندر كوخانوفسكي، المشرف على تصنيع الطائرات المسيّرة: «لقد جربنا ذلك. إنه اختبار، ولم نُطبّقه على نطاق أوسع».

وقد أُجري الاختبار قبل عامين، وشمل طائرات مسيّرة رباعية المراوح مُبرمجة للطيران باتجاه خط المواجهة، وقطع مسافة تتراوح بين 3 و5 كيلومترات خلال نحو 10 دقائق، ثم تفعيل «وضع تيرميناتور»، حيث يقوم نموذج الذكاء الاصطناعي بالبحث عن الأهداف واعتراضها.

إبادة شاملة

ويضيف كوخانوفسكي: «نطلقها ببساطة، ونعلم أن كل شيء سيُباد. كل ما يُعثر عليه في هذه المنطقة سيُباد». ويضيف: «لا يوجد أي اتصال بالطائرة المسيّرة على الإطلاق، لا يمكنك رؤية الفيديو، لا شيء... وكل من تراه سيُقتل».

ولعدم وجود أي وسيلة لمعرفة ما رصدته الطائرات المسيّرة الآلية أو ما استهدفته، أُرسلت طائرات مسيّرة يقودها طيارون بشريون إلى المنطقة لاحقاً للتحقق من النتائج يدوياً. ويشير كوخانوفسكي إلى أن الضحايا كانوا «جنديين وشاحنة واحدة». وبينما لا يوجد تسجيل للطائرات المسيّرة الآلية وهي تهاجم هذه الأهداف، فقد استُنتج أنها قتلتهم.

ويقول كوخانوفسكي إنه نُفذ بواسطة وحدة عسكرية، لم يُكشف عن اسمها، بالقرب من مدينتي باخموت وتشاسيف يار، كجزء من هجوم مضاد أوكراني. ولم ترد وزارة الدفاع الأوكرانية على أسئلة حول الاختبار أو الموقف القانوني الحالي بشأن استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

ذكاء اصطناعي مستقل عن البشر

يُعدّ استخدام الذكاء الاصطناعي شائعاً في الجيوش حول العالم، حيث يُساعد في اختيار الأهداف من بين كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية، وأتمتة بعض وظائف الأسلحة، إلا أن العنصر البشري يبقى حاضراً في مرحلة ما. ويُعتبر اعتراف كوخانوفسكي أقوى دليل حتى الآن على وقوع حالة وفاة في معركة نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي وحده.

وفقاً لمصادر في شركات الدفاع فإن الحكومة الأوكرانية تحظر حالياً استخدام الذكاء الاصطناعي في المرحلة النهائية من اعتراض الأهداف، على الرغم من استخدامه في أجزاء كثيرة من العملية بواسطة العديد من الأجهزة حتى تلك المرحلة. ويقول كوخانوفسكي إن الحكومة تُدرك القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي، وأنها تُجري محادثات مع شركات الدفاع حول إمكانية تخفيف القواعد.

وكانت تقارير قد أشارت في عام 2023 إلى أن طائرات هجومية أوكرانية مُسيّرة مُجهزة بالذكاء الاصطناعي كانت تعثر على أهداف وتهاجمها دون مساعدة بشرية، ولكنها كانت تُستخدم ضد مركبات مثل الدبابات، وليس ضد المشاة. ولم يتم تأكيد وقوع أي إصابات بشرية في ذلك الوقت.

مسيَّرة كارغو التركية

دعوات لحظر النظم القاتلة ذاتية التشغيل

رغم عدم وجود حظر دولي رسمي على الأسلحة ذاتية التشغيل القادرة على القتل دون تدخل بشري، فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى فرض حظر، مصرحاً العام الماضي بأنه «لا مكان لأنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل في عالمنا». وأشارت الأمم المتحدة إلى وجود مخاوف من أن تنتهك هذه الأسلحة القوانين الدولية الإنسانية وقوانين حقوق الإنسان، وذلك بإقصاء العنصر البشري عن العمليات العسكرية. كما يُوجد خطر من أن ترتكب الأنظمة ذاتية التشغيل أخطاءً، سواء بمهاجمة جنود من الجانب نفسه أو مدنيين.

وتعمل معظم الجيوش على تطوير أجهزة تُؤتمت جزءاً على الأقل من عملية مهاجمة الأهداف، إذ تمتلك الولايات المتحدة برمجيات تجمع وتحلل كميات هائلة من البيانات المتنوعة، وتختار أهدافاً في ساحة المعركة يمكن استهدافها بطائرات مسيرة. ولكن، نظرياً، يتطلب ذلك تأكيداً بشرياً. وقد وردت مزاعم بأن الولايات المتحدة تُطور أيضاً ما يُسمى بطائرات «حارس المرمى Goalkeeper» المسيرة، وطائرات «ويبلش Whiplash» البحرية المسيرة، القادرة على تحديد أهدافها وتدميرها.

مسيرات تركية قاتلة

وكان تقرير للأمم المتحدة قد صدر عام 2021، أشار إلى احتمال استخدام طائرة «كارغ -2» Kargu-2 رباعية المراوح، من إنتاج شركة تركية، في هجمات ذاتية على البشر في العام السابق. ولم يُفصّل التقرير مصدر هذه الادعاءات أو ما إذا كان قد سقط قتلى أو جرحى، لكنه رجّح أن حكومة «الوفاق الوطني» الليبية استخدمت هذه الطائرات المسيّرة ضد قوات حفتر المنسحبة.

أنظمة أميركية

وصرح الرائد دانيلو بولوجوخنو، وهو شخصية بارزة في فوج الأنظمة غير المأهولة الحادي والعشرين التابع للفيلق الثالث بالجيش الأوكراني، الذي لم يكن على علم بالتجربة أو مشاركاً فيها، لمجلة «نيو ساينتست» بأن جنوده يستخدمون أنظمة تحكم شبه ذاتية، لكن يبقى هناك عنصر بشري في عملية التحكم.

ويضيف بولوجوخنو: «تستطيع هذه الأنظمة والمنصات المسيّرة تحديد الأهداف وتتبعها تلقائياً، فضلاً عن توجيه نفسها ذاتياً خلال الأمتار الأخيرة من الاقتراب، ما يُسهّل عمل المشغلين. مع ذلك، لا نستخدم أنظمة مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل تقوم باختيار الأهداف ومهاجمتها بشكل مستقل دون أي تدخل بشري».

هل نريد مجتمعاً يقتل الآخرين.. دون تدخل بشري؟

وتقول مارياروزاريا تاديو الباحثة في جامعة أكسفورد، إن القتل باستخدام الذكاء الاصطناعي يسلب كرامة الجندي، ويُعفي المهاجم من المسؤولية، ويجب حظره. وتضيف: «الأمر ليس مجرد مشكلة، بل هو أمر مروع. هل نريد أن نكون مجتمعاً يقتل الآخرين، ويسمح لحكومته بقتل الآخرين، دون تدخل بشري؟».

طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل

يقول كوخانوفسكي إن مشروع «المُدمر» لم يتقدم منذ تجربته، بسبب القوانين الأوكرانية. وهو الآن الرئيس التنفيذي لشركة «أيرو سنتر» لصناعة الطائرات المسيّرة - التي يقول إنها لم تشارك في التجربة لأنها لم تكن قد أُنشئت آنذاك - وهي شركة أوكرانية تعمل على تطوير طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل. صُممت هذه الطائرات لاستهداف مسيرات «شاهد» الروسية الانتحارية القادمة وإسقاطها قبل وصولها إلى مناطق مكتظة بالمدنيين أو بنى تحتية حيوية.

سيتألف نظام «أليتا» التابع للشركة من 16 منصة إطلاق، مُجهزة بـ64 طائرة مسيّرة. سيكون النظام جاهزاً بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وقادراً على رصد الطائرات المسيّرة القادمة، والإقلاع تلقائياً، والتحرك نحو الهدف بسرعة 450 كيلومتراً في الساعة، لإسقاط أي شيء بدءاً من الطائرات المسيّرة الصغيرة وصولاً إلى المروحيات.

لكن القوانين الأوكرانية الحالية تمنع التشغيل الذاتي الكامل، وتُلزم بشرياً بالتحقق من الأهداف في المراحل النهائية للاعتراض. حتى في هذه الحالة، لن تحتاج مجموعة الطائرات المسيّرة الـ 64 بأكملها إلا إلى مُشغّلين بشريين فقط، ما يعني تقليصاً كبيراً في عدد الأفراد.

* مجلة «نيو ساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».