الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

سيجعل الكثير من مناطق العالم غير قابلة للسكن

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية
TT

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

الاحتباس الحراري يهدد حياة البشرية

يتوقع العلماء أن الاحتباس الحراري سيجعل الكثير من مناطق العالم غير قابلة للسكن، لكن توجد بعض الطرق التي تساعد في الحدّ من تأثيره.

أستراليا تفور

في أستراليا مثلاً كان الصيف الماضي حارقاً، حتى وفقاً للمعايير المحلية، واعتبر شهر يناير (كانون الثاني) 2017 الشهر الأكثر حراً في مدينتي سيدني وبريزبان، وشهدت مساحات واسعة في الجنوب الشرقي ارتفاعاً هائلاً في درجات الحرارة، تجاوز في أحيان كثيرة الأربعين درجة مئوية لأسابيع كاملة. وأدى الطلب المتزايد على الكهرباء في جنوب البلاد إلى انقطاع التيار؛ مما تسبب في حرمان 90000 منزل من التكييف الهوائي، وجعلها أسيرة القيظ والظلمة. كما اشتعلت الحرائق في 87 غابة على امتداد مقاطعة نيوساوث ويلز، فارتفعت درجات الحرارة وتسببت في وفاة الماشية التي تعيش في الحقول.
هذا النوع من موجات الحرّ ليس حالة عابرة، بل هو اتجاه جديد شهد على ارتفاع درجة الحرارة في العاصمة الأسترالية إلى ما فوق 47 درجة مئوية حديثاً، وهو الأعلى في هذه المدينة منذ 79 عاماً. ومن المتوقع أن تعيش سيدني وملبورن موجات حرٍّ شديدة أخرى تصل فيها درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية بحلول عام 2040.
تقول سارة بيركنز كيرك باتريك، من مركز الأبحاث المتخصصة في الاحتباس الحراري في جامعة نيوساوث ويلز في سيدني: «نظراً لما سنعيشه بعد 40 أو 50 عاماً من اليوم، يمكن القول إن الصيف الماضي كان طبيعياً جداً؛ فأستراليا لم تصل إلى الأسوأ بعد».
ولكن الأستراليين ليسوا وحدهم؛ لأن غالبية سكان العالم لم تأخذ «التسخين» الناتج من الاحتباس الحراري على محمل الجدّ. عندما يعيش الناس في مكان معتدل المناخ، فإنهم لن ينزعجوا أبداً من ارتفاع طفيف بدرجات الحرارة يسهّل عليهم تنظيم المزيد من النزهات في الطبيعة، وإمضاء فترات من السكينة في الحديقة بعد الظهر. لكن هذا الترحيب ليس منطقياً؛ لأن موجات الحرّ قد تكون قاتلة حتى في أيامنا هذه، ومع تفاقم الاحتباس الحراري، سترتفع نسبة الوفيات.
إن تركيبة الجسد البشري غير مهيأة للتعامل مع درجات الحرارة المتوقعة خلال موجات التسخين في محيط الأرض، أي أن الكثير من المناطق قد تصبح غير صالحة للسكن. لحسن الحظّ، توجد بعض الأمور التي يمكننا القيام بها لتعويد أجسادنا ومحيطنا البيئي أكثر على العالم الحارّ.

موجات حرّ قاتلة

يعي الجميع أن الاحتباس الحراري الناتج من غازات الدفيئة بات منتشراً، ولو مع بعض الاستثناءات القليلة، وأن عواقبه تكون وخيمة أحياناً، ومن المستغرب أننا تأخرنا حتى اليوم لنفهم أنه قد يتسبب في موتنا. هذا الإغفال في رؤية الحقائق غير ناجم عن نقص الشواهد: ففي الولايات المتحدة الأميركية، فاق عدد الوفيات بسبب الحرّ الشديد بين عامي 1978 و2003 عدد الوفيات الناتج من الهزات الأرضية والبراكين والفيضانات والأعاصير مجتمعة. وحسب بعض التقديرات، سببت موجة الحرّ التي تمركزت في فرنسا عام 2003 في مقتل 70000 شخص، كما أدّت موجة أخرى ضربت موسكو عام 2010 إلى وفاة 10000 شخص.
في أكتوبر (تشرين الأول)، نشرت مجلّة «لانسيت» تقريراً يتضمن دراسة أجرتها 26 مؤسسة عالمية بالتعاون مع البنك الدولي، خلصت إلى أننا نواجه «وضعاً طارئاً عالمياً يلوح في الأفق». وتبعت هذه الدراسة دراسة أخرى ركزت بحثها على موضوع «الحرارة القاتلة»، بيّنت أن 30 في المائة من الناس حول العالم يمرّون بفترة ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستوى مميت خلال عشرين يوماً سنوياً. وقال فريق بحثي بقيادة كاميلو مورا من جامعة هاواي في مانوا في يونيو (حزيران): إن هذه النسبة ستقارب الـ75 في المائة بحلول عام 2100 في حال لم نبذل الجهود المطلوبة للحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة.
إنّ العامل المهمّ هنا ليس درجة حرارة الهواء، بل الحرارة التي يشعر بها الناس. فقد يستطيع الإنسان الاستمرار على قيد الحياة لفترة قصيرة في حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، ما دام أن جسده يتعرّق بشكل صحّي. لكن المشكلة هي الرطوبة. يقول غراهام بيتز، من جامعة كورتن غرب أستراليا: «إن الطريقة الوحيدة للتخلّص من الحرّ أثناء التعرّق هي تبخّر هذا العرق. لكن عندما تصل نسبة الرطوبة إلى 90 في المائة، يصبح الهواء مشبعاً بالكامل؛ مما يؤدي إلى سيلان العرق، وبالتالي يستمر الشعور بالحرّ».
يمكن قياس تأثير الحرّ والرطوبة مجتمعين، أو ما يعرف بدرجة الحرارة المحسوسة، عبر استخدام «ميزان للتعرق»، يُلفّ بقطعة قماش رطبة.
عندما يسجّل الهواء 35 درجة مئوية، أي ما يعادل درجة حرارة الجو 35 مئوية، ونسبة 100 في المائة للرطوبة - أو 40 درجة مئوية للحرارة و75 في المائة معدل الرطوبة، هذا يعني أن فرصة الإنسان في الاستمرار على قيد الحياة باتت مهددة. وعندما تصبح هذه الدرجات والمعدلات أعلى، لن يستطيع حتى أكثر الأشخاص صحة أن يعيش لأكثر من ستّ ساعات. لم تصل أي منطقة على وجه الأرض إلى هذا الوضع بعد، رغم أن منطقة بندر ماهشهر في إيران اقتربت من هذه المعدلات والدرجات في يوليو (تموز) 2015، بـ46 درجة مئوية و50 في المائة معدلاً للرطوبة، أي أن الأمر مسألة وقت ليس إلا.

معدلات مرتفعة

يقول ستيفن شيروود، عالم متخصص بالغلاف الجوي من جامعة نيوساوث ويلز: إن درجات الحرارة ومعدلات الرطوبة كلتيهما تشهد ارتفاعاً. يتركز الخطر الأكبر في المناطق التي تعاني عادة من ارتفاع في معدلات الرطوبة كالأمازون ووديان السند، وغيرهما من الدول الاستوائية. ويرى شيروود أن بعض المناطق لن تحتاج إلى أكثر من ست أو سبع درجات حرارة إضافية فقط لتصبح غير قابلة للسكن، محذّراً من أن الدرجات والمعدلات سترتفع بشكل كبير في بعض المناطق خلال 100 أو 200 عام في حال لم نعمل على خفض الاحتباس الحراري.
يمكن القول حتى إن هذه التقديرات متفائلة بعض الشيء. فقد أظهرت دراسة نشرت عام 2017 أن أجزاء من الهند وباكستان وبنغلادش قد تشهد ارتفاعاً في معدلات حرارة الهواء إلى ما فوق 35 درجة مئوية مع نهاية هذا القرن. يبلغ عدد سكان هذه المنطقة 1.5 مليار شخص، أي ما يعادل خُمس سكان العالم، غالبيتهم من الفقراء ومعرّضون بشكل خطير إلى اللهيب المميت. كما سيواجه المزارعون الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رزقهم خسائر متفاوتة في محاصيلهم؛ لأن إنتاج القمح والأرز والذرة، التي تشكّل مجتمعة مع الصويا نحو ثلثي السعرات الحرارية التي يستهلكها الناس، قد تشهد انخفاضاً بين 3 في المائة و7 في المائة مع كلّ درجة حرارة إضافية. ويؤثر ارتفاع درجات الحرارة أيضاً على إنتاجية العمال في المناطق الريفية، فقد تبيّن أنه ومنذ عام 2000، أدّى الاحتباس الحراري إلى تراجع أعداد القوى العاملة في الهند بشكل ملحوظ، بنحو 418000 عامل، بحسب تقرير مجلة «لانسيت».
من ناحية أخرى، يمكن لدرجات الحرارة التي لا تزال دون المعدلات الكارثية أيضاً أن تساهم في تجريد بعض المناطق من أهليتها للسكن، وقبل مدة طويلة من نهاية القرن. إذ تعتبر الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية في الولايات المتحدة تجاوز درجة حرارة الهواء لـ31 درجة مئوية «خطراً شديداً»؛ لأن الجسم البشري يولّد حرارته الخاصة.

مدن ساخنة

غالباً ما تكون موجات الحرّ أكثر قوة في المدن، حيث يمتص الإسفلت والأسقف الداكنة المزيد من أشعة الشمس ويؤدي إلى ظهور تأثير «جزيرة الحرّ». لكن نادراً ما يأخذ مخططو المدن هذا الأمر بعين الاعتبار، وحتى في المناطق التي تعرف بارتفاع درجات الحرارة فيها مثل ملبورن وأبوظبي. في المقابل، توجد بعض الأمور البسيطة التي يمكنهم أن يقوموا بها. وقد نقلت مجلة «نيو ساينتست» عن بيركنز كيرك باتريك إننا نحتاج إلى تصاميم أفضل لمنازلنا، وهذه نقطة البداية. كما عبّرت عن رغبتها في رؤية المزيد من الأسقف البيضاء التي تعكس أشعة الشمس، مع قدرة أكبر على العزل وتزجيج مضاعف، حتى تكون منازلنا ملجأً لنا في حالات الحرّ الشديد، حتى ولو كانت خالية من التكييف الهوائي. وتحتاج المدن أيضاً إلى المزيد من المساحات الخضراء المظلّلة للمساعدة في الحدّ من تأثير جزر الحرّ.
تكفّل نهج جديد انطلق في مدينة نيويورك بتنفيذ برنامج إعادة تخضير مساحات كبيرة في مانهاتن خلال السنوات القليلة الماضية؛ وبعد موجة الحرّ التي ضربت أستراليا في الصيف الماضي، تمت مناقشة اقتراح تخصيص مساحات كبيرة مكيّفة يلجأ الناس إليها في الأجواء اللاهبة.
تحمل هذه الإجراءات فوائد إضافية أيضاً، ففي البلدان النامية، حيث تنتشر موارد الطاقة الملوثة بكثرة، لا شكّ في أنّ ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى انقطاع في التيارات الكهربائية، وبخاصة أن أفضل الدول تعاني عجزاً في سدّ الطلب المتزايد على الطاقة خلال موجات الحرّ. هذا بالإضافة إلى أن الحرّ يسبب مشكلات في توصيل الكهرباء؛ لأنه يؤدي إلى تمدّد وتدلّي الأسلاك. إن تصميم المنازل بشكل أفضل وتأمين مساحات خضراء وملاجئ مشتركة للعامة سيساهم في تخفيف الضغط عن الشبكات الكهربائية التي تعاني الأمرّين في التأقلم مع موجات الحرّ، وسيؤدي أيضاً إلى انخفاض انبعاثات غازات الدفيئة.
هذا الأمر مهم جداً؛ فوفقاً لما ورد في اتفاق باريس للمناخ عام 2016، ومع ارتفاع درجات الحرارة بين درجة ونصف درجة ودرجتين، سيصبح فصل الصيف عبارة عن موجة حرّ طويلة في بعض المناطق الأسترالية بحلول عام 2100. وكشفت بيركنز كيرك باتريك، عن أن بعض المناطق الاستوائية قد تمرّ بموجات حرّ جزئية، وأن الأوضاع ستكون أسوأ بكثير في حال لم يصار إلى الحدّ من ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة. وترى بيركينز أن تأثيرات مدمّرة في طريقها إلينا إن لم تتمّ السيطرة على التغيّر المناخي الناتج من هذه الانبعاثات في أقرب وقت ممكن.



الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
TT

الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض

في مارس (آذار) عام 2026 نشر فريق بحثي دولي دراسة حديثة في مجلة «Drug Discovery Today» حول مجال علمي ناشئ يُعرف باسم «علم تحليل أنفاس الإنسان» (Breathomics)، وهو علم يعتمد على تحليل المركبات الكيميائية الموجودة في هواء الزفير للكشف المبكر عن الأمراض.

بدايات علم جديد

وأوضح الباحث ميتالي ساهو، من المعهد الهندي للتكنولوجيا في خراجبور (IIT Kharagpur) في الهند، مع فريقه البحثي، أن هواء الزفير يحمل مئات المركبات العضوية المتطايرة التي تعكس ما يجري من العمليات البيولوجية داخل الجسم. وتشير الدراسة إلى أن تحليل هذه المركبات باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح باباً جديداً للتشخيص الطبي غير الجراحي، إذ تستطيع الخوارزميات تحليل أنماط هذه الجزيئات بدقة، والتعرّف على إشارات مرضية مبكرة قبل ظهور الأعراض السريرية.

الأنف الإلكتروني يحلل رائحة النفس

> من الرازي إلى الطب الرقمي. قبل أكثر من ألف عام أدرك الطبيب العربي الكبير أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أهمية الحواس في التشخيص الطبي. ففي كتابه الشهير «الحاوي في الطب» أشار إلى أن رائحة نفس المريض قد تحمل دلائل مهمة على طبيعة المرض، وأن الطبيب اليقظ يستطيع أن يستشف من هذه الإشارات الحسية ما يعجز عنه الفحص الظاهري أحياناً. ولم يكن هذا الفهم بعيداً عن تقاليد الطب القديم في حضارات أخرى؛ ففي الفلسفة الصينية القديمة دعا كونفوشيوس إلى ضرورة قراءة الإشارات الدقيقة التي يرسلها الجسد، وهو مبدأ تبنّاه الطب الصيني التقليدي لاحقاً حين اعتبر التنفس ورائحة الجسد نافذة لفهم التوازن الداخلي للصحة. واليوم يعود هذا المفهوم القديم في صورة علمية جديدة، لكن هذه المرة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل الجزيئات الدقيقة في هواء الزفير، ليصبح ما كان حدساً طبياً في الماضي مجالاً متقدماً من مجالات الطب الرقمي الحديث.

> بصمة كيميائية في كل نفس. عندما يتنفس الإنسان يخرج مع هواء الزفير أكثر من ثلاثمائة مركب كيميائي متطاير، تُعرف علمياً باسم المركبات العضوية المتطايرة (Volatile Organic Compounds). وهذه الجزيئات الدقيقة هي نواتج طبيعية لعمليات التمثيل الغذائي التي تجري داخل خلايا الجسم، ولذلك تعكس بصورة غير مباشرة ما يحدث في الأنسجة، والأعضاء المختلفة.

ويعتقد العلماء اليوم أن أمراضاً كثيرة تترك بصمة كيميائية مميزة في هذه المركبات، بحيث يمكن قراءة إشارات المرض من خلال تحليل تركيبة الهواء الخارج من الرئتين. ولهذا يسعى الباحثون في مراكز الطب الرقمي حول العالم إلى تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التعرف على هذه الأنماط الكيميائية المعقدة، أملاً في تحويل نفس الإنسان إلى وسيلة تشخيصية دقيقة قادرة على كشف الأمراض في مراحلها المبكرة.

الذكاء الاصطناعي يقرأ أنفاس الإنسان

مهمات «الأنف الإلكتروني»

> الأنف الإلكتروني. لتطبيق هذه الفكرة عملياً طوّر العلماء أجهزة تُعرف باسم «الأنف الإلكتروني» (Electronic Nose)، وهي أنظمة استشعار متقدمة تحتوي على مستشعرات كيميائية دقيقة قادرة على التقاط المركبات المتطايرة الموجودة في الهواء، وتحليلها. وتعمل هذه الأجهزة على تحويل الإشارات الكيميائية إلى بيانات رقمية، ثم يتولى الذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات، واكتشاف الأنماط المرتبطة بأمراض محددة.

وفي دراسة علمية نُشرت في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» (Scientific Reports) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، تمكّن الباحث ديباك أيير من المعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي (IIT Bombay) في الهند مع فريقه البحثي من تطوير نظام يعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية لتحليل مركبات هواء الزفير، وقد أظهر هذا النظام قدرة ملحوظة على التمييز بين الأنماط الكيميائية المرتبطة بحالات مرضية مختلفة.

> اكتشاف الأمراض قبل ظهور الأعراض. من أكثر الجوانب إثارة في هذا المجال هو القدرة المحتملة على اكتشاف المرض قبل ظهور الأعراض السريرية. فقد أظهرت دراسات حديثة أن تحليل المركبات الكيميائية في هواء الزفير يمكن أن يساعد في الكشف المبكر عن أمراض متعددة، من بينها سرطان الرئة، ومرض السكري، وأمراض الكبد، وبعض الالتهابات الرئوية. وتشير الأبحاث إلى أن التغيرات البيوكيميائية المرتبطة بهذه الأمراض تنعكس في تركيبة المركبات العضوية المتطايرة التي يطلقها الجسم مع كل نفس.

وفي دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ليستر في المملكة المتحدة بالتعاون مع المعهد الوطني البريطاني للبحوث الصحية، نجح العلماء في استخدام خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning) لتحليل أنماط هذه المركبات في هواء الزفير، وتشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن (Chronic Obstructive Pulmonary Disease – COPD) بدقة واعدة. ويشير هذا التقدم إلى أن تحليل النفس قد يتحول في المستقبل القريب إلى أداة تشخيصية مبكرة، وقادرة على كشف المرض في مراحله الأولى قبل أن يبدأ المريض بالشعور بالأعراض.

لدى كل إنسان بصمة كيميائية في كل نفس إذ يخرج مع هواء الزفير أكثر من 300 مركب كيميائي متطاير

نافذة جديدة على صحة الإنسان

لا يقتصر تحليل هواء الزفير على أمراض الرئة فحسب، بل يمكن أن يعكس الحالة الصحية العامة للجسم. فالميكروبات التي تعيش في الفم والجهاز الهضمي تنتج مركبات كيميائية دقيقة تنتقل إلى هواء الزفير، وقد تكشف هذه الجزيئات تغيرات في عمليات التمثيل الغذائي، أو في نشاط الجهاز المناعي. ولهذا يرى الباحثون أن النفس البشري قد يحمل معلومات بيولوجية أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً.

وفي هذا السياق يشير باحثون في المعهد التقني الفيدرالي في زيوريخ في سويسرا (ETH Zurich) إلى أن تحليل أنماط المركبات الكيميائية في النفس، باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار الدقيقة، قد يسمح برصد مؤشرات حيوية متعددة في وقت واحد. ولذلك يعتقد بعض العلماء أن رائحة الفم قد تتحول في المستقبل إلى مؤشر بيولوجي شامل يعكس الحالة الصحية للإنسان، ويقدم للطبيب نافذة جديدة لفهم ما يحدث داخل الجسم دون الحاجة إلى إجراءات تشخيصية معقدة.

وفي ميدان طبّ المستقبل. قد يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة، فيطلب منه الطبيب ببساطة أن يتنفس في جهاز صغير لبضع ثوانٍ. وخلال لحظات تقوم خوارزمية من الذكاء الاصطناعي بتحليل الهواء الخارج من رئتيه، لتقدم للطبيب تقريراً دقيقاً عن حالته الصحية، وربما تكشف إشارات مبكرة لأمراض لم تظهر أعراضها بعد. عندها قد يتحول نَفَس الإنسان نفسه إلى أداة تشخيصية لا تقل أهمية عن الأشعة، والتحاليل المخبرية.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل تحول في فلسفة التشخيص الطبي. فبعد قرون اعتمد فيها الطب على ما يراه الطبيب، أو يشعر به المريض، أصبح العلم قادراً على قراءة اللغة الكيميائية الخفية التي يكتبها الجسم في كل نفس. ومع تقدم أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي قد يصبح تحليل الزفير واحداً من أبسط وأكثر أدوات الطب دقة في الكشف المبكر عن الأمراض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة الصور الطبية، والبيانات الجينية، والملفات السريرية المعقدة، بدأ اليوم يتعلم قراءة شيء أكثر بساطة... وأكثر إنسانية: أنفاسنا. وربما يحمل كل نفس في المستقبل رسالة طبية صامتة، لا يسمعها إلا العلم.


تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين
TT

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

انضم ديفيد سنكلير، الأستاذ بجامعة هارفارد والداعي المتحمس إلى إطالة العمر، إلى النقاش عبر منصة «إكس» ليؤكد بشدة على أن: «للشيخوخة تفسيراً بسيطاً نسبياً، ويبدو أن من الممكن دفعها بالاتجاه المعاكس... ستنطلق التجارب السريرية قريباً».

علاج لعكس الشيخوخة

وكان سنكلير يقصد توظيف «إي آر-100» «ER-100». وهو الاسم الرمزي لعلاج طورته شركة «لايف بايوساينسز» ـ شركة ناشئة صغيرة في بوسطن، شارك سنكلير في تأسيسها. وأكد أنها حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية للمضي قدماً في أول محاولة موجهة لعكس الشيخوخة على متطوعين بشريين.

> «إعادة برمجة الخلايا». وتعتزم الشركة كذلك تجربة علاج أمراض العيون باستخدام مفهوم تجديد جذري يُسمى «إعادة البرمجة» reprogramming، الذي اجتذب حديثاً استثمارات بمئات الملايين من الدولارات وبدعم من شركات تكنولوجية كبرى.

بوجه عام، يعتمد الأسلوب الجديد المقترح على إعادة الخلايا إلى حالة صحية أفضل عبر إعادة ضبط «الضوابط اللاجينية» (المؤثرة على الجينات) epigenetic - مفاتيح تشغيل الجينات التي تحدد ما يجري تفعيله وما يجري تعطيله.

في هذا الصدد، أوضح كارل بفليغر، مستثمر يدعم شركة ناشئة بريطانية أصغر حجماً تُدعى «شيفت بايوساينسز»: «إعادة البرمجة أشبه بالذكاء الاصطناعي في عالم الأحياء».

وتتميز إعادة البرمجة بقوة كبيرة لدرجة قد تثير بعض المخاطر، حتى إنها قد تُسبب السرطان في حيوانات المختبر. ومع ذلك، نجحت النسخة التي تُطورها شركة «لايف بايوساينسز» من هذه التكنولوجيا، في اجتياز اختبارات السلامة الأولية على الحيوانات.

> علاج الغلوكوما. ورغم ذلك، لا تزال هذه التكنولوجيا شديدة التعقيد. مبدئياً، ستسعى الشركة لتجريب العلاج على نحو اثني عشر مريضاً مصاباً بالغلوكوما ـ حالة مرضية يتسبب فيها ارتفاع ضغط العين في تلف العصب البصري. وبحسب وصف الدراسة الذي نُشر للمرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول)، سيجري حقن فيروسات (آمنة) تحمل ثلاثة جينات قوية لإعادة البرمجة في عين واحدة لكل مريض.

ولضمان عدم تجاوز العملية الحد المسموح به، ستخضع جينات إعادة البرمجة لسيطرة مفتاح جيني خاص، يتولى تفعيلها فقط في أثناء تناول المرضى جرعة منخفضة من المضاد الحيوي دوكسيسايكلين. ومن المقرر مبدئياً، أن يتناول المتطوعون المضاد الحيوي لمدة قرابة شهرين، مع خضوع آثاره للمراقبة.

وصرّح مسؤولون تنفيذيون بالشركة على مدى أشهر بأن التجربة قد تبدأ هذا العام، وفي بعض الأحيان وصفوها بأنها بداية عهد جديد في مجال جهود مكافحة الشيخوخة. ونقلت مجلة جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين عن مايكل رينجل، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «لايف بيوساينسز»: «إنها خطوة بالغة الأهمية لنا كقطاع. ستكون هذه المرة الأولى في تاريخ البشرية، على امتداد آلاف السنين، التي نبحث فيها عن شيء يُجدّد الخلايا... لذا ترقبوا المزيد».

تحويل الخلية إلى خلية جذعية

> إدخال جينات إلى الخلية. في مجملها، تعتمد هذه التكنولوجيا على اكتشاف حاز على جائزة نوبل، قبل عشرين عاماً، مفاده أن إدخال بضعة جينات فعّالة إلى الخلية يُعيدها إلى خلية جذعية، تماماً مثل تلك الموجودة في الجنين في مراحله المبكرة، والتي تتطور إلى أنواع الخلايا المتخصصة المختلفة. وتُعرف هذه الجينات بـ«عوامل ياماناكا» Yamanaka factors، وقد جرى تشبيهها بزر «إعادة ضبط المصنع» للخلايا.

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من خطورة؛ فعند تنشيطها داخل حيوان حي، قد تُسبب ظهور أورام، الأمر الذي دفع العلماء إلى فكرة جديدة أطلق عليها إعادة البرمجة «الجزئية» أو «المؤقتة». وتدور الفكرة على الحد من التعرض لهذه الجينات القوية - أو استخدام مجموعة فرعية منها فقط - على أمل جعل الخلايا تتصرف كخلايا أصغر سناً، دون فقدانها الذاكرة تماماً بخصوص دورها في الجسم.

> برمجة جزئية لإعادة البصر. عام 2020، ادعى سنكلير أن إعادة البرمجة الجزئية هذه قادرة على استعادة البصر لدى الفئران بعد تلف أعصابها البصرية، مشيراً إلى أن هناك أدلة على نمو هذه الأعصاب من جديد. يذكر أن تقريره جرى نشره على غلاف مجلة «نيتشر» المرموقة تحت عنوان «إعادة عقارب الساعة إلى الوراء».

لا يتفق جميع العلماء على أن إعادة البرمجة تُعد فعلاً عكساً للشيخوخة. ومع ذلك، يصر سنكلير على رأيه، مؤكداً على نظرية مفادها أن الفقدان التدريجي للمعلومات الجينية الصحيحة في خلايانا، السبب الرئيس للشيخوخة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن إعادة البرمجة ليست أول حلٍّ لإطالة العمر يروج له سنكلير، مؤلف الكتب الأكثر مبيعاً، الذي يتقاضى أجوراً باهظة مقابل محاضراته في هذا المجال. وقد سبق وأن روّج لفوائد جزيئات تُسمى السيرتوينات sirtuins، بالإضافة إلى الريسفيراترول resveratrol ـ جزيء موجود في النبيذ الأحمر ـ في إطالة العمر.

غير أن بعض النقاد يرون أنه يبالغ كثيراً في تقدير التقدم العلمي. وبلغ ذلك ذروته في مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» عام 2024 وصفه أحدهم بـ«خبير عكس مسار الشيخوخة»، الذي «لم تُحقق شركاته النجاح المنشود».

وناقشت الشركة إمكانية إعادة برمجة أعضاء أخرى، بما في ذلك الدماغ. من جهته، يؤمن مايكل رينجل، مثل سينكلير، بإمكانية تحقيق تجديد كامل للجسم في المستقبل، لكن في الوقت الراهن، من الأفضل اعتبار الدراسة بمثابة إثبات لمفهوم ما، بينما لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق حلم الشباب الأبدي. في هذا السياق، قال المستثمر بفليغر: «الجانب المتفائل للأمر أن هذا البحث سيحل مشكلة العمى لدى بعض الأشخاص، ويحفز العمل في مجالات أخرى».

علاج مبتكر

يعتمد العلاج الذي ابتكرته الشركة على آلية «تبديل المضادات الحيوية» antibiotic switching، التي تُستخدم في الغالب على حيوانات المختبر، لكنها لم تُجرَّب على البشر من قبل. ونظراً لأن عملية التبديل هذه تنفذ بمكونات جينية مأخوذة من بكتيريا الإشريكية القولونية وفيروس الهربس، فمن المحتمل أن يُسبب هذا رد فعل مناعي لدى البشر، بحسب ما يعتقد العلماء.

وقد يكون اختيار شركة «لايف بيوساينسز» لعوامل إعادة البرمجة - ثلاثة عوامل تُعرف اختصاراً بـOSK - محفوفاً بالمخاطر؛ فمن المتوقع أن تُفعِّل هذه العوامل مئات الجينات الأخرى، وفي بعض الحالات، قد يؤدي هذا المزيج إلى عودة الخلايا إلى حالة بدائية للغاية، تُشبه حالة الخلايا الجذعية.

وأفادت شركات أخرى تُجري أبحاثاً حول إعادة البرمجة، إن تركيزها ينصب على البحث في الجينات التي يجب الاستعانة بها، بهدف تحقيق عكس مسار الزمن دون وقوع آثار جانبية غير مرغوب فيها. وأعلنت شركة «نيو ليميت»، التي تُجري بحثاً مكثفاً عن هذه الجينات، أنها لن تكون جاهزة لإجراء دراسة على البشر قبل عامين. أما شركة «شيفت»، فقد بدأت التجارب على الحيوانات حديثاً.

وقال دانيال آيفز، الرئيس التنفيذي لشركة «شيفت»، في إشارة إلى «لايف بيوساينسز»: «هل عواملهم أفضل طريقة لتجديد شباب العين؟ لا نعتقد ذلك. أعتقد أنهم يعملون بما هو متاح لديهم. ومع ذلك، أعتقد أنهم في وضع متقدم للغاية عن أي شركة أخرى في مجال التجارب على البشر. لقد وجدوا طريقة فعّالة في العين، تشكل نظاماً متكاملاً ومُحكماً. وحتى لو لم تنجح التجربة، يبقى هناك خيار آخر».


اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
TT

اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة

في تطور علمي مهم، كشفت دراستان منفصلتان النقاب عن أسرار متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة، وهو اضطراب وراثي يصيب النسيج الضام ويؤثر على ما بين 1 و3 في المائة من سكان العالم، أي نحو 80 مليون شخص. وتكشف النتائج عن أن المتلازمة ليست مجرد اضطراب في الكولاجين كما كان يُعتقد سابقاً، بل تشمل جهاز المناعة والميتوكوندريا.

لغز طبي عمره عقود

يظل معظم المصابين بمتلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة Ehlers-Danlos syndrome (hEDS) دون تشخيص. ويعاني المرضى في المتوسط 22 عاماً قبل الحصول على التشخيص الصحيح بسبب نقص الوعي الطبي وغياب اختبار جيني قاطع.

أما سريرياً، فتتميز المتلازمة بمرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة وسهولة الكدمات وبطء التئام الجروح وندبات رقيقة. ويعاني 99 في المائة من المرضى ألماً مزمناً، و84 في المائة اضطرابات هضمية، و71 في المائة خللاً في وظائف الجهاز العصبي الذاتي. ومن المضاعفات المثيرة للقلق بشكل خاص والتي لم تحظَ بالاعتراف الكافي حدوث كسور نتيجة هشاشة العظام في مرحلة الطفولة؛ ما قد يؤدي إلى عواقب اجتماعية وقانونية خطيرة عند الخطأ في تشخيصها على أنها حالات اعتداء.

دراسة بوسطن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن 3 مسارات جينية

وفي دراسة نشرتها مجلة Genes في 8 فبراير (شباط) 2026 استخدم باحثون بقيادة الدكتور مايكل هوليك من برنامج الأبحاث السريرية لمتلازمة إهلرز- دانلوس قسم الغدد الصماء والسكري والتغذية وإدارة الوزن كلية الطب جامعة بوسطن الولايات المتحدة الأميركية تقنيات التعلم الآلي لتحليل الحمض النووي (DNA) لـ116 شخصاً من 43 عائلة، بينهم 86 مريضاً و30 من الأصحاء.

وكشف تحليل 36 ألف متغير جيني نادر عن أن المصابين يحملون عبئاً وراثياً أكبر في ثلاثة مسارات بيولوجية رئيسية، هي: المسار الأول يتعلق بتصنيع الكولاجين، وهو البروتين المسؤول عن منح الأنسجة قوتها ومرونتها. وأي خلل في إنتاج الكولاجين قد يفسر هشاشة المفاصل والجلد لدى المرضى.

أما المسار الثاني، فيرتبط بجينات جهاز المناعة التكيفية؛ ما يشير إلى احتمال وجود دور مناعي في تطور الحالة. ويتعلق المسار الثالث بسلسلة التنفس الميتوكوندرية المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا، وهو ما قد يفسر أعراض التعب والإرهاق الشائعة بين المرضى.

وتدعم هذه النتائج فكرة أن المتلازمة «متعددة الجينات» polygenic، أي أنها ناتجة من تأثير مشترك لجينات عدة وليست طفرة واحدة فقط.

دراسة كارولينا الجنوبية: هل تبدأ المشكلة من جهاز المناعة؟

وفي سلسلة من الدراسات نُشرت في مجلتي iScience في 19 سبتمبر (أيلول) 2025 وImmunoHorizons في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قدم باحثون من جامعة الطب في كارولينا الجنوبية أدلة جديدة تشير إلى أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة قد لا تكون مجرد اضطراب في النسيج الضام connective tissue، بل قد يرتبط أصلها بخلل في الجهاز المناعي.

وقد حلل الفريق بقيادة راسل نوريس، أستاذ الطب التجديدي وبيولوجيا الخلية جامعة ساوث كارولينا الطبية الولايات المتحدة الأميركية الباحث الرئيسي للدراسة، بروتينات الدم لدى 29 امرأة مصابة بالمتلازمة، وكشفوا عن اختلافات ملحوظة في 35 بروتيناً مقارنة بغير المصابات. واللافت أن نحو 80 في المائة من هذه البروتينات ترتبط بوظائف المناعة والالتهاب وتجلط الدم. وكان الكثير منها مرتبطاً بما يُعرف بـ«النظام المتمم» complement system، وهو أحد خطوط الدفاع الأولى والسريعة في مواجهة مسببات الأمراض.

وقد يفسر هذا النشاط المناعي المرتفع سبب معاناة ما يقرب من 70 في المائة من المرضى من متلازمة تنشيط الخلايا البدينة mast cells، وهي حالة تؤدي إلى تفاعلات تحسسية شديدة وأعراض تشبه الحساسية المفرطة.

وفي دراسة أخرى حدد الباحثون متغيراً جينياً في جين يُعرف باسم KLK15 لدى عائلات مصابة بالمتلازمة. وعندما أُدخل هذا المتغير إلى نماذج من الفئران ظهرت عليها مشكلات في النسيج الضام مشابهة لما يحدث لدى البشر، إضافة إلى علامات واضحة على الالتهاب؛ ما يعزز فرضية وجود ارتباط مباشر بين اضطراب المناعة وأعراض الأنسجة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تعيد توجيه فهم المرض. فبدلاً من عدّه اضطراباً يبدأ في النسيج الضام، تشير البيانات إلى احتمال أن يكون الخلل المناعي هو المحرك الأساسي للحالة. ويؤكد الفريق أن هذه النتائج تسهم في سد الفجوة بين ما يصفه المرضى من أعراض متعددة ومعقدة وبين التفسير الطبي التقليدي الذي ركز لسنوات على مرونة الجلد والمفاصل فقط.

آفاق مستقبلية واعدة

وتؤكد الدراستان معاً أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة ليست ناتجة من طفرة في جين واحد، بل هي اضطراب متعدد الجينات تتفاعل فيه متغيرات وراثية متعددة لتُحدث خللاً في الكولاجين والمناعة والطاقة الخلوية معاً.

إن هذا الفهم الجديد يفتح الباب أمام تطوير أول اختبار دم تشخيصي للمتلازمة وتحسين الاستشارات الوراثية وتقييم المخاطر للعائلات المصابة، كما يمهد الطريق لعلاجات مستقبلية موجهة وفقاً للتركيبة الجينية لكل مريض تعالج الأسباب الجذرية للألم وخلل الجهاز العصبي.

ويؤكد الدكتور مايكل هوليك، قائد دراسة بوسطن، أن هذا العمل يقدم نموذجاً لتطبيق الذكاء الاصطناعي في اكتشاف المتغيرات الجينية للأمراض المعقدة؛ ما قد يساعد في حل ألغاز وراثية أخرى استعصت على التفسير.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تترجم هذه الاكتشافات قريباً إلى اختبارات تشخيصية دقيقة وعلاجات فعالة تنهي معاناة الملايين من مرضى هذا الاضطراب الغامض حول العالم.