في الذكرى السابعة لثورة ليبيا... بصيص أمل لاقتصاد ما زال ريعياً

الحكومة تدرس «تعويماً مداراً» للعملة أو قرارات تخص الدعم

في الذكرى السابعة لثورة ليبيا... بصيص أمل لاقتصاد ما زال ريعياً
TT

في الذكرى السابعة لثورة ليبيا... بصيص أمل لاقتصاد ما زال ريعياً

في الذكرى السابعة لثورة ليبيا... بصيص أمل لاقتصاد ما زال ريعياً

تأتي الذكرى السابعة للثورة الليبية، التي أطاحت بمعمر القذافي، فقط، حتى الآن، ببصيص من الأمل لاقتصاد ريعي ما زال يعتمد في أساسياته على إيرادات النفط، مع تحسن الوضع المالي للبلاد، بينما ما زال الاقتصاد الكلي يعاني.
غير أن الوضع المالي للبلاد بدأ يتحسن أخيرا، كلما أحكمت الحكومة يدها على حقول النفط، التي زادت إيراداتها العام الماضي إلى 14 مليار دولار، بزيادة ثلاثة أمثال بما جمعته العام 2016، مما قلل عجز الموازنة إلى النصف تقريبا (إلى 7.85 مليار دولار)، لكن السياسة الاقتصادية التي تنتهجها حكومة البلاد حالياً تقلل فرص التعافي السريع، وتؤجل انفجار فقاعة يقول خبراء اقتصاديون إنها حتمية نتيجة إهدار المليارات في صورة «دعم» لا يذهب لمستحقيه.
وكان الاقتصاد الليبي يعتمد في أساسياته قبل ثورة فبراير (شباط) 2011، على إيرادات النفط، إلا أن تعرض كثير من الحقول للتخريب والتعطيل، أفقد اقتصاد البلاد أهم موارده، لتشهد موازنته العامة عجزاً اتسعت فجوته كلما زادت الاضطرابات التي بلغت الاقتتال الداخلي.
وتُظهر المؤشرات المالية للعام الماضي، زيادة بند الأجور في الموازنة، إلى 20.3 مليار دينار ليبي وذلك من إجمالي الإنفاق الحكومي البالغ 32.7 مليار دينار، وستة مليارات دينار مخصصة للدعم. مما يوضح انخفاض بند الخدمات الحكومية في البلاد، التي تحتاج الكثير لإعادة إعمار ما يخلفه الاقتتال الداخلي من ناحية، ومواجهة تنظيم داعش من ناحية أخرى.
محسن دريجة، الخبير الاقتصادي الليبي، يقول من مقر إقامته في مانشستر (البريطانية) لـ«الشرق الأوسط»: «زاد عدد موظفي القطاع العام إلى أن وصل الأمر إلى أن الدولة توظف أكثر من سبعين في المائة من القوى العاملة... هذا الأمر لن يترك أي أموال للبنية التحتية أو لأي مشاريع إصلاحية واجب تنفيذها بشكل عاجل».
بينما رجل الأعمال الليبي حسني بي يوضح من مقر إقامته في باريس لـ«الشرق الأوسط»: «الوضع المالي جيد (للبلاد)... ولكن الوضع الاقتصادي سيئ وانكماشي». في إشارة إلى الإجراءات الاقتصادية للحكومة التي لا تدعم النمو الاقتصادي.
ولا تزال سلطتان تتنازعان الحكم في ليبيا، حكومة وفاق وطني انبثقت نهاية 2015 من اتفاق رعته الأمم المتحدة ومقرها في طرابلس، وحكومة موازية في الشرق تهيمن عليها قوات المشير خليفة حفتر.
وبين هذين السلطتين، تزداد معاناة المواطنين اليومية في ليبيا، العضو في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، التي تعافى إنتاجها إلى نحو مليون برميل يومياً العام الماضي، لكنه لا يزال دون الكمية التي كانت تضخها قبل فبراير 2011، عند مستوى 1.6 مليون برميل يومياً.
غير أن المؤسسة الوطنية للنفط، تقول إنها تعاني من تأخيرات في تلقي أموال الميزانية (للعام الحالي) من الحكومة، وإن هذا قد يؤدي إلى تدني مستوى الإنتاج.
وقال رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، مصطفى صنع الله، في بيان صحافي يوم الاثنين، إن «القطاع بأكمله يعاني من هذه المشكلات (التأخير) بسبب تلكؤ وزارة المالية في تسييل الميزانيات للمؤسسة لهذا العام».
وأضاف: «هذا التباطؤ سيكون له عواقب وخيمة على القطاع بأكمله مما سيؤدي إلى تدني مستوى الإنتاج مرة أخرى بنسب كبيرة، إضافة لما له من تأثير سلبي على مشاريع التطوير المقترحة لقطاع النفط». وتتلقى المؤسسة الوطنية للنفط ميزانيتها عن طريق البنك المركزي والحكومة المعترف بها دوليّاً في طرابلس.
وإلى جانب مشكلة تأخر صرف ميزانية قطاع النفط، تبرز من حين لآخر مشكلة أخرى أشد تأثيراً على القطاع وبالأحرى اقتصاد البلاد، ألا وهي المطالب الفئوية من سكان محليين، يقطنون الحي نفسه أو بالقرب من حقل نفط، هو ملك لجميع الليبيين، إلا أنه وتحت زعم التنمية المحلية، يطالب هؤلاء بعقود عمل في تلك الحقول ومرتبات أسهمت في زيادة بند الأجور في ميزانية الدولة.
ويوم الجمعة الماضي، أغلق حقل الفيل النفطي، الذي ينتج 70 ألف برميل يوميا، بعد انسحاب الحراس من الحقل، بعد فشل مفاوضات أجريت الخميس، لإنهاء احتجاج بعض الحراس في الحقل بشأن الأجور ومطالب أخرى. وفقاً لـ«رويترز». وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، أمس (السبت)، حالة القوة القاهرة في الحقل.

تعويم مدار للدينار
قالت مصادر في ليبيا، إن «الحكومة تدرس بجدية تحريك سعر الدينار، لكن ليس تحريراً كاملاً.. تغيير سعر الصرف فقط». وأكدت المصادر أنه لم يتم الاتفاق حتى الآن على الموعد المناسب، لكن «كلما تزداد الفجوة السعرية بين السعر الرسمي والموازي في السوق السوداء.. تزيد فرص التطبيق».
وكان البنك المركزي قال في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إنه اتفق مع الحكومة في طرابلس على إصلاحات تخص العملة والإنفاق لكن لم يتضح بعد خطة التنفيذ والموعد المحدد.
غير أن مصادر مقربة من الحكومة الليبية، فضلّت عدم ذكر اسمها، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «عام 2018 سيكون فاصلاً بالنسبة للعملة... لدينا خيارات عدة: تغيير سعر الصرف أو تحسينه عبر إجراءات تخص الدعم»، لكنه أشار إلى أهمية استقرار الوضع الأمني والسياسي في البلاد.
وعن التأخر في اتخاذ قرار تحريك أسعار الدينار، رغم الحديث عنه منذ منتصف عام 2016، قال: «عدم استقرار الوضع يصعّب من اتخاذ أي قرار جوهري مثل تحريك أسعار العملة أو رفع الدعم... ووارد جداً تجاهل كل الدراسات (الخاصة بالعملة) حتى استقرار الوضع».
وتغيير سعر الصرف يأتي بعد إعادة تقييم لسعر العملة في ضوء معطيات الناتج المحلي الإجمالي، والسعر الرسمي للدينار حالياً 1.3 للدولار، في حين تصل العملة الأميركية في السوق السوداء إلى تسعة دنانير للدولار الواحد.
يقول بي: «الوضع النقدي منهار، البنوك تفتقد السيولة». ويضيف: «سعر الدينار العادل حالياً يعادل، في حالة التعويم المدار، 2.5 دينار للدولار الواحد في حال تم تغيير سياسة الدعم، أما في حالة استمروا (الحكومة) في إهدار الدعم بالسياسات الحالية سيبلغ 3.5 دينار للدولار».
نعمان البوري الخبير الاقتصادي الليبي أكد لـ«الشرق الأوسط» من مقر إقامته في سويسرا إن «هم (الحكومة) يتكلمون علي تغيير سعر الصرف وليس تعويم».
من جانبه يقول دريجة، إن «أسعار السلع حالياً تعكس سعر صرف يتراوح بين 3 و4.5 دينار للدولار، ولهذا لا صحة لكلام من يرفض تعديل سعر الصرف بحجة أن الأسعار سترتفع».
وأضاف: «ضرورة تعديل سعر الصرف، يخدم ثلاثة أهداف، الأول: معالجة العجز في الميزانية والدين العام، الثاني: توفير السيولة وإعادتها للمصارف، والثالث: الحد من استنزاف العملة الصعبة بسبب الإفراط في طباعة النقد ونمو الودائع تحت الطلب بسبب الإفراط في الإنفاق الذي كان أساس الخلل».
ويضيف دريجة: «هذه العوامل (انتشار السوق السوداء وتراجع إنتاج النفط) تجعل من إعادة النظر في سعر الصرف وتوحيد سعر الصرف لإنهاء السوق السوداء أمراً غاية في الأهمية وخطوة أساسية لإصلاح الاقتصاد بالإضافة إلى إعادة النظر في سياسات إنفاق الدولة وحجم القطاع العام».
وأوضح أن «انتظار تعافى أسعار النفط والإبقاء على سعر الصرف (الحالي) ودعم الوقود، ليس حلاً. لا سيما أن أسعار النفط أصبحت في يد منتجي النفط الصخري أكثر منها في يد منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)».
وأسهم طبع الأموال في ليبيا، لتغطية فجوة السيولة، في زيادة معدل التضخم، بيد أن مشكلة العملة التي تفاقمت في عام 2016، مع شح السيولة في المصارف، طبع على أثرها مصرف البيضاء عملة في روسيا، اعتبرتها حكومة الوفاق مزورة، لكن حاجة المواطنين للنقد جعلها مقبولة في البيع والشراء، مما زاد من ارتفاع سعر العملة الصعبة مع زيادة الكميات المطبوعة في شرق وغرب البلاد.

مؤشرات مالية متباينة
تراجع عجز الموازنة في ليبيا لعام 2017 إلى نحو 10.6 مليار دينار ليبي (7.85 مليار دولار) انخفاضاً من 20.3 مليار دينار في العام السابق عليه، وبلغت إيرادات النفط نحو 14 مليار دولار مقارنة بـ4.8 مليار دولار في 2016. لكن معدل التضخم يبلغ نحو 30 في المائة (قبل تغيير سعر الصرف المتوقَّع) مع تراجع العملة المحلية في السوق السوداء إلى نحو تسعة دنانير للدولار.
كما انخفضت احتياطيات النقد الأجنبي إلى نحو 67.5 مليار دولار بالمقارنة مع 123.5 مليار دولار في عام 2012، وفقاً لتقديرات البنك الدولي. يوضح حسني بي أن الوضع المالي للبلاد «جيد»، نتيجة أن «احتياطيات البلاد تكفي واردات جميع احتياجاتها، وحتى دون تصدير نفط ما يعادل 4.6 سنوات... والصندوق السيادي تتعدى قيمته 70 مليار دولار، ويمكنها بأسوأ الأحوال مواجهة التزامات 5 سنوات توريدات مضافاً إلى 4.6 من احتياطيات».
ويضيف، فضلاً عن أن إيرادات ليبيا من النفط قد تصل إلى 18 مليار دولار، على أساس سعر البرميل 50 دولاراً بمبيعات مليون برميل يومياً، تمثل هذه الإيرادات 97 في المائة من ميزانية البلاد. موضحاً: «9.5 سنوات دون إيرادات، مقابل (واردات) مصر 6 أشهر وتونس 3 أشهر والأردن 4 ولبنان أسابيع... ليس لها وصف (الوضع المالي) إلا أنها جيدة ولكنها مأساة».
ويقول دريجة إنه «على الرغم من الأموال الطائلة التي أهدرت في استهلاك الواردات دون تطوير الاقتصاد الليبي خلال العقود الماضية، لا يزال الاقتصاد الليبي يملك المقومات اللازمة لنهضة اقتصادية معتبرة تنفع ليبيا ومحيطها الجغرافي، ولا يزال يفتقر للإرادة والإدارة الاقتصادية والسياسية القادرة على تحقيق هذه النهضة».
يعدد رجل الأعمال الليبي حسني بين ما يراه مأساة، في «فارق سعر الصرف وصل إلى 700 في المائة والآن 500 في المائة فارقاً بين السعر الرسمي والموازي ويعتبرونه (الحكومة) تحسناً». ويضيف: «النقد غير متوفر بالمصارف ويتاجر به بفارق 30 في المائة... ودعم المحروقات لا يذهب لمستحقيه».

مصر ليبيا المركزي
المصرف المركزي الليبي منقسم منذ عدة سنوات بين مقره في طرابلس وفرع منافس تابع لحكومة يقع مقرها في شرق ليبيا، مما يزيد الوضع النقدي والمالي تعقيدا في البلاد، وقال البنك المركزي في طرابلس في 5 يناير (كانون الثاني) الماضي، إن بياناته لا تتضمن 22 مليار دينار من إنفاق يعتبره «غير مصرح به من قبل البنك المركزي في الشرق». ويشكك خبراء اقتصاديون في دقة الأرقام المعلنة، وإلى أي مدى تعكس الوضع الاقتصادي في البلاد، نتيجة التضارب في المصالح وتعدد السلطات.
وأعلن المصرف (في طرابلس) يوم الأربعاء الماضي، رفع اسم ليبيا من قائمة الدول الخاضعة للمتابعة، وقال على موقعه الإلكتروني، «إنجاز كبير تحقق في يوم 20/ 02/ 2018 بصدور قرار فريق متابعة التعاون الدولي ICRG التابع لمجموعة العمل المالي FATF بعد أن كانت ليبيا قد أدرجت ضمن قائمة الدول الخاضعة للمُتابعة فيما يتعلق بمدى قدرتها على تطبيق معايير والتزامات مكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب».
وفي 5 فبراير الحالي، قال المصرف على موقعه، إنه «يتابع باهتمام النتائج الإيجابية لحالة الاستقرار النقدي والتحسن المتزايد في القوة الشرائية للدينار الليبي الذي انعكس إيجابيّاً على معدلات أسعار السلع والخدمات». في إشارة إلى ارتفاع سعر الدينار في السوق السوداء أمام الدولار.
ورغم جهود مصرف ليبيا المركزي، الذي يحصّل إيرادات النفط، عيّن مجلس النواب يناير الماضي، محافظاً آخر للمصرف يقع مقره في شرق البلاد، إلا أن صلاحياته تقل كثيراً عما يمتلكه «مصرف طرابلس».



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.