في الذكرى السابعة لثورة ليبيا... بصيص أمل لاقتصاد ما زال ريعياً

الحكومة تدرس «تعويماً مداراً» للعملة أو قرارات تخص الدعم

في الذكرى السابعة لثورة ليبيا... بصيص أمل لاقتصاد ما زال ريعياً
TT

في الذكرى السابعة لثورة ليبيا... بصيص أمل لاقتصاد ما زال ريعياً

في الذكرى السابعة لثورة ليبيا... بصيص أمل لاقتصاد ما زال ريعياً

تأتي الذكرى السابعة للثورة الليبية، التي أطاحت بمعمر القذافي، فقط، حتى الآن، ببصيص من الأمل لاقتصاد ريعي ما زال يعتمد في أساسياته على إيرادات النفط، مع تحسن الوضع المالي للبلاد، بينما ما زال الاقتصاد الكلي يعاني.
غير أن الوضع المالي للبلاد بدأ يتحسن أخيرا، كلما أحكمت الحكومة يدها على حقول النفط، التي زادت إيراداتها العام الماضي إلى 14 مليار دولار، بزيادة ثلاثة أمثال بما جمعته العام 2016، مما قلل عجز الموازنة إلى النصف تقريبا (إلى 7.85 مليار دولار)، لكن السياسة الاقتصادية التي تنتهجها حكومة البلاد حالياً تقلل فرص التعافي السريع، وتؤجل انفجار فقاعة يقول خبراء اقتصاديون إنها حتمية نتيجة إهدار المليارات في صورة «دعم» لا يذهب لمستحقيه.
وكان الاقتصاد الليبي يعتمد في أساسياته قبل ثورة فبراير (شباط) 2011، على إيرادات النفط، إلا أن تعرض كثير من الحقول للتخريب والتعطيل، أفقد اقتصاد البلاد أهم موارده، لتشهد موازنته العامة عجزاً اتسعت فجوته كلما زادت الاضطرابات التي بلغت الاقتتال الداخلي.
وتُظهر المؤشرات المالية للعام الماضي، زيادة بند الأجور في الموازنة، إلى 20.3 مليار دينار ليبي وذلك من إجمالي الإنفاق الحكومي البالغ 32.7 مليار دينار، وستة مليارات دينار مخصصة للدعم. مما يوضح انخفاض بند الخدمات الحكومية في البلاد، التي تحتاج الكثير لإعادة إعمار ما يخلفه الاقتتال الداخلي من ناحية، ومواجهة تنظيم داعش من ناحية أخرى.
محسن دريجة، الخبير الاقتصادي الليبي، يقول من مقر إقامته في مانشستر (البريطانية) لـ«الشرق الأوسط»: «زاد عدد موظفي القطاع العام إلى أن وصل الأمر إلى أن الدولة توظف أكثر من سبعين في المائة من القوى العاملة... هذا الأمر لن يترك أي أموال للبنية التحتية أو لأي مشاريع إصلاحية واجب تنفيذها بشكل عاجل».
بينما رجل الأعمال الليبي حسني بي يوضح من مقر إقامته في باريس لـ«الشرق الأوسط»: «الوضع المالي جيد (للبلاد)... ولكن الوضع الاقتصادي سيئ وانكماشي». في إشارة إلى الإجراءات الاقتصادية للحكومة التي لا تدعم النمو الاقتصادي.
ولا تزال سلطتان تتنازعان الحكم في ليبيا، حكومة وفاق وطني انبثقت نهاية 2015 من اتفاق رعته الأمم المتحدة ومقرها في طرابلس، وحكومة موازية في الشرق تهيمن عليها قوات المشير خليفة حفتر.
وبين هذين السلطتين، تزداد معاناة المواطنين اليومية في ليبيا، العضو في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، التي تعافى إنتاجها إلى نحو مليون برميل يومياً العام الماضي، لكنه لا يزال دون الكمية التي كانت تضخها قبل فبراير 2011، عند مستوى 1.6 مليون برميل يومياً.
غير أن المؤسسة الوطنية للنفط، تقول إنها تعاني من تأخيرات في تلقي أموال الميزانية (للعام الحالي) من الحكومة، وإن هذا قد يؤدي إلى تدني مستوى الإنتاج.
وقال رئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، مصطفى صنع الله، في بيان صحافي يوم الاثنين، إن «القطاع بأكمله يعاني من هذه المشكلات (التأخير) بسبب تلكؤ وزارة المالية في تسييل الميزانيات للمؤسسة لهذا العام».
وأضاف: «هذا التباطؤ سيكون له عواقب وخيمة على القطاع بأكمله مما سيؤدي إلى تدني مستوى الإنتاج مرة أخرى بنسب كبيرة، إضافة لما له من تأثير سلبي على مشاريع التطوير المقترحة لقطاع النفط». وتتلقى المؤسسة الوطنية للنفط ميزانيتها عن طريق البنك المركزي والحكومة المعترف بها دوليّاً في طرابلس.
وإلى جانب مشكلة تأخر صرف ميزانية قطاع النفط، تبرز من حين لآخر مشكلة أخرى أشد تأثيراً على القطاع وبالأحرى اقتصاد البلاد، ألا وهي المطالب الفئوية من سكان محليين، يقطنون الحي نفسه أو بالقرب من حقل نفط، هو ملك لجميع الليبيين، إلا أنه وتحت زعم التنمية المحلية، يطالب هؤلاء بعقود عمل في تلك الحقول ومرتبات أسهمت في زيادة بند الأجور في ميزانية الدولة.
ويوم الجمعة الماضي، أغلق حقل الفيل النفطي، الذي ينتج 70 ألف برميل يوميا، بعد انسحاب الحراس من الحقل، بعد فشل مفاوضات أجريت الخميس، لإنهاء احتجاج بعض الحراس في الحقل بشأن الأجور ومطالب أخرى. وفقاً لـ«رويترز». وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط، أمس (السبت)، حالة القوة القاهرة في الحقل.

تعويم مدار للدينار
قالت مصادر في ليبيا، إن «الحكومة تدرس بجدية تحريك سعر الدينار، لكن ليس تحريراً كاملاً.. تغيير سعر الصرف فقط». وأكدت المصادر أنه لم يتم الاتفاق حتى الآن على الموعد المناسب، لكن «كلما تزداد الفجوة السعرية بين السعر الرسمي والموازي في السوق السوداء.. تزيد فرص التطبيق».
وكان البنك المركزي قال في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إنه اتفق مع الحكومة في طرابلس على إصلاحات تخص العملة والإنفاق لكن لم يتضح بعد خطة التنفيذ والموعد المحدد.
غير أن مصادر مقربة من الحكومة الليبية، فضلّت عدم ذكر اسمها، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن «عام 2018 سيكون فاصلاً بالنسبة للعملة... لدينا خيارات عدة: تغيير سعر الصرف أو تحسينه عبر إجراءات تخص الدعم»، لكنه أشار إلى أهمية استقرار الوضع الأمني والسياسي في البلاد.
وعن التأخر في اتخاذ قرار تحريك أسعار الدينار، رغم الحديث عنه منذ منتصف عام 2016، قال: «عدم استقرار الوضع يصعّب من اتخاذ أي قرار جوهري مثل تحريك أسعار العملة أو رفع الدعم... ووارد جداً تجاهل كل الدراسات (الخاصة بالعملة) حتى استقرار الوضع».
وتغيير سعر الصرف يأتي بعد إعادة تقييم لسعر العملة في ضوء معطيات الناتج المحلي الإجمالي، والسعر الرسمي للدينار حالياً 1.3 للدولار، في حين تصل العملة الأميركية في السوق السوداء إلى تسعة دنانير للدولار الواحد.
يقول بي: «الوضع النقدي منهار، البنوك تفتقد السيولة». ويضيف: «سعر الدينار العادل حالياً يعادل، في حالة التعويم المدار، 2.5 دينار للدولار الواحد في حال تم تغيير سياسة الدعم، أما في حالة استمروا (الحكومة) في إهدار الدعم بالسياسات الحالية سيبلغ 3.5 دينار للدولار».
نعمان البوري الخبير الاقتصادي الليبي أكد لـ«الشرق الأوسط» من مقر إقامته في سويسرا إن «هم (الحكومة) يتكلمون علي تغيير سعر الصرف وليس تعويم».
من جانبه يقول دريجة، إن «أسعار السلع حالياً تعكس سعر صرف يتراوح بين 3 و4.5 دينار للدولار، ولهذا لا صحة لكلام من يرفض تعديل سعر الصرف بحجة أن الأسعار سترتفع».
وأضاف: «ضرورة تعديل سعر الصرف، يخدم ثلاثة أهداف، الأول: معالجة العجز في الميزانية والدين العام، الثاني: توفير السيولة وإعادتها للمصارف، والثالث: الحد من استنزاف العملة الصعبة بسبب الإفراط في طباعة النقد ونمو الودائع تحت الطلب بسبب الإفراط في الإنفاق الذي كان أساس الخلل».
ويضيف دريجة: «هذه العوامل (انتشار السوق السوداء وتراجع إنتاج النفط) تجعل من إعادة النظر في سعر الصرف وتوحيد سعر الصرف لإنهاء السوق السوداء أمراً غاية في الأهمية وخطوة أساسية لإصلاح الاقتصاد بالإضافة إلى إعادة النظر في سياسات إنفاق الدولة وحجم القطاع العام».
وأوضح أن «انتظار تعافى أسعار النفط والإبقاء على سعر الصرف (الحالي) ودعم الوقود، ليس حلاً. لا سيما أن أسعار النفط أصبحت في يد منتجي النفط الصخري أكثر منها في يد منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)».
وأسهم طبع الأموال في ليبيا، لتغطية فجوة السيولة، في زيادة معدل التضخم، بيد أن مشكلة العملة التي تفاقمت في عام 2016، مع شح السيولة في المصارف، طبع على أثرها مصرف البيضاء عملة في روسيا، اعتبرتها حكومة الوفاق مزورة، لكن حاجة المواطنين للنقد جعلها مقبولة في البيع والشراء، مما زاد من ارتفاع سعر العملة الصعبة مع زيادة الكميات المطبوعة في شرق وغرب البلاد.

مؤشرات مالية متباينة
تراجع عجز الموازنة في ليبيا لعام 2017 إلى نحو 10.6 مليار دينار ليبي (7.85 مليار دولار) انخفاضاً من 20.3 مليار دينار في العام السابق عليه، وبلغت إيرادات النفط نحو 14 مليار دولار مقارنة بـ4.8 مليار دولار في 2016. لكن معدل التضخم يبلغ نحو 30 في المائة (قبل تغيير سعر الصرف المتوقَّع) مع تراجع العملة المحلية في السوق السوداء إلى نحو تسعة دنانير للدولار.
كما انخفضت احتياطيات النقد الأجنبي إلى نحو 67.5 مليار دولار بالمقارنة مع 123.5 مليار دولار في عام 2012، وفقاً لتقديرات البنك الدولي. يوضح حسني بي أن الوضع المالي للبلاد «جيد»، نتيجة أن «احتياطيات البلاد تكفي واردات جميع احتياجاتها، وحتى دون تصدير نفط ما يعادل 4.6 سنوات... والصندوق السيادي تتعدى قيمته 70 مليار دولار، ويمكنها بأسوأ الأحوال مواجهة التزامات 5 سنوات توريدات مضافاً إلى 4.6 من احتياطيات».
ويضيف، فضلاً عن أن إيرادات ليبيا من النفط قد تصل إلى 18 مليار دولار، على أساس سعر البرميل 50 دولاراً بمبيعات مليون برميل يومياً، تمثل هذه الإيرادات 97 في المائة من ميزانية البلاد. موضحاً: «9.5 سنوات دون إيرادات، مقابل (واردات) مصر 6 أشهر وتونس 3 أشهر والأردن 4 ولبنان أسابيع... ليس لها وصف (الوضع المالي) إلا أنها جيدة ولكنها مأساة».
ويقول دريجة إنه «على الرغم من الأموال الطائلة التي أهدرت في استهلاك الواردات دون تطوير الاقتصاد الليبي خلال العقود الماضية، لا يزال الاقتصاد الليبي يملك المقومات اللازمة لنهضة اقتصادية معتبرة تنفع ليبيا ومحيطها الجغرافي، ولا يزال يفتقر للإرادة والإدارة الاقتصادية والسياسية القادرة على تحقيق هذه النهضة».
يعدد رجل الأعمال الليبي حسني بين ما يراه مأساة، في «فارق سعر الصرف وصل إلى 700 في المائة والآن 500 في المائة فارقاً بين السعر الرسمي والموازي ويعتبرونه (الحكومة) تحسناً». ويضيف: «النقد غير متوفر بالمصارف ويتاجر به بفارق 30 في المائة... ودعم المحروقات لا يذهب لمستحقيه».

مصر ليبيا المركزي
المصرف المركزي الليبي منقسم منذ عدة سنوات بين مقره في طرابلس وفرع منافس تابع لحكومة يقع مقرها في شرق ليبيا، مما يزيد الوضع النقدي والمالي تعقيدا في البلاد، وقال البنك المركزي في طرابلس في 5 يناير (كانون الثاني) الماضي، إن بياناته لا تتضمن 22 مليار دينار من إنفاق يعتبره «غير مصرح به من قبل البنك المركزي في الشرق». ويشكك خبراء اقتصاديون في دقة الأرقام المعلنة، وإلى أي مدى تعكس الوضع الاقتصادي في البلاد، نتيجة التضارب في المصالح وتعدد السلطات.
وأعلن المصرف (في طرابلس) يوم الأربعاء الماضي، رفع اسم ليبيا من قائمة الدول الخاضعة للمتابعة، وقال على موقعه الإلكتروني، «إنجاز كبير تحقق في يوم 20/ 02/ 2018 بصدور قرار فريق متابعة التعاون الدولي ICRG التابع لمجموعة العمل المالي FATF بعد أن كانت ليبيا قد أدرجت ضمن قائمة الدول الخاضعة للمُتابعة فيما يتعلق بمدى قدرتها على تطبيق معايير والتزامات مكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب».
وفي 5 فبراير الحالي، قال المصرف على موقعه، إنه «يتابع باهتمام النتائج الإيجابية لحالة الاستقرار النقدي والتحسن المتزايد في القوة الشرائية للدينار الليبي الذي انعكس إيجابيّاً على معدلات أسعار السلع والخدمات». في إشارة إلى ارتفاع سعر الدينار في السوق السوداء أمام الدولار.
ورغم جهود مصرف ليبيا المركزي، الذي يحصّل إيرادات النفط، عيّن مجلس النواب يناير الماضي، محافظاً آخر للمصرف يقع مقره في شرق البلاد، إلا أن صلاحياته تقل كثيراً عما يمتلكه «مصرف طرابلس».



تضخم منطقة اليورو يقفز إلى 2.5 % بفعل صدمة أسعار الطاقة

أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)
أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)
TT

تضخم منطقة اليورو يقفز إلى 2.5 % بفعل صدمة أسعار الطاقة

أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)
أرفف مليئة بالفاكهة داخل سوبر ماركت في برلين (رويترز)

تجاوز التضخم في منطقة اليورو هذا الشهر هدف «البنك المركزي الأوروبي» البالغ اثنين في المائة؛ نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز؛ مما زاد من تعقيد معضلة السياسة النقدية. وفي حين تعوق أسعار الطاقة المرتفعة النمو الاقتصادي، فإنها تُنذر أيضاً بخطر دوامة تضخمية متفاقمة.

وتضاعفت أسعار النفط تقريباً بفعل الحرب الإيرانية، ويبحث «البنك المركزي الأوروبي» حالياً رفع أسعار الفائدة لاحتواء تأثير هذه الارتفاعات على أسعار السلع والخدمات الأخرى. وارتفع التضخم الإجمالي في الدول الـ21 المشتركة في العملة الأوروبية الموحدة إلى 2.5 في المائة خلال مارس (آذار) 2026، مقارنة بـ1.9 في المائة خلال فبراير (شباط) الذي سبقه. وهذا أقل قليلاً من توقعات الاقتصاديين البالغة 2.6 في المائة باستطلاع أجرته «رويترز»، مع زيادة تكاليف الطاقة بنسبة 4.9 في المائة.

في المقابل، تراجع مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، إلى 2.3 في المائة مقارنة بـ2.4 في المائة خلال الشهر السابق، وفق بيانات «يوروستات» الصادرة يوم الثلاثاء.

هل يرفع «البنك» أسعار الفائدة أم يتجاهل الوضع؟

تشير النظرية الاقتصادية الأساسية إلى أن البنوك المركزية ينبغي أن تتجاهل الصدمات السعرية العابرة الناتجة عن اضطرابات الإمداد، لا سيما أن السياسة النقدية تعمل بتأخيرات زمنية طويلة.

لكن الارتفاع السريع في أسعار الطاقة قد يتفاقم إذا بدأت الشركات تمرير التكاليف إلى أسعار البيع، وبدأ العمال المطالبة بزيادة أجورهم لتعويض تآكل دخلهم المتاح. كما قد يبدأ الجمهور التشكيك في عزيمة «البنك المركزي الأوروبي» إذا بدا متردداً؛ مما يعزز الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة حتى في حال حدوث موجات تضخم «كبيرة لكنها مؤقتة»، كما صرحت رئيسة «البنك المركزي الأوروبي»، كريستين لاغارد، الأسبوع الماضي.

وتتوقع الأسواق المالية الآن 3 زيادات في أسعار الفائدة خلال العام، على أن تكون الأولى في أبريل (نيسان) أو يونيو (حزيران). وأشار بعض صناع السياسات، مثل رئيس «البنك المركزي الألماني» المؤثر، يواكيم ناغل، إلى أن رفع سعر الفائدة في أبريل خيار مطروح، فيما حذر آخرون، بمن فيهم عضو مجلس إدارة «البنك المركزي الأوروبي»، إيزابيل شنابل، من التسرع في اتخاذ أي قرار.

إلا إن جميع صناع السياسات يتفقون على ضرورة تحرك «البنك المركزي» إذا بدأت أسعار الطاقة توليد موجة ثانية من ضغوط الأسعار، خصوصاً بعد أن تجاوز التضخم المحلي اثنين في المائة سنوات عدة.

وانخفض تضخم الخدمات، وهو البند الأكبر في سلة أسعار المستهلك والمؤشر الرئيسي للتضخم المحلي، إلى 3.2 في المائة خلال مارس من 3.4 في المائة في الشهر السابق.

ويُعزى جزء من الأزمة الحالية إلى تأخر «البنك المركزي الأوروبي» في التعاطي مع التضخم خلال 2021 - 2022 حين جادل لفترة طويلة بأن الارتفاع مؤقت وسيزول، ولم يبدأ رفع أسعار الفائدة إلا بعد أن بلغ نمو الأسعار 8 في المائة، مما اضطره إلى الدخول في أشد دورة تشديد نقدي في تاريخه.

لكن الوضع الراهن مختلف تماماً عن 2022؛ إذ ترتفع أسعار الفائدة بالفعل، والسياسات المالية أكبر تشدداً، وسوق العمل تشهد تراجعاً مستمراً منذ أشهر، دون وجود طلب مكبوت نتيجة إجراءات الإغلاق خلال الجائحة.

ومن المقرر أن يعقد «البنك المركزي الأوروبي» اجتماعه المقبل في 30 أبريل 2026.


السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)
سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)
TT

السعوديات يقدن استقرار البطالة بنهاية 2025

سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)
سعوديات يمارسن أعمالهن في سوق العمل السعودية (واس)

في مشهد يعكس التحولات العميقة التي تشهدها سوق العمل في المملكة، برزت السعوديات بوصفهن عاملاً رئيساً في استقرار معدلات البطالة بنهاية عام 2025، مدفوعات بارتفاع مستويات المشاركة الاقتصادية، وتنامي الفرص الوظيفية في عدد من القطاعات الحيوية، حيث شهد معدل مشاركة السعوديات في القوى العاملة ارتفاعاً بمقدار 0.8 نقطة مئوية ليصل إلى 34.5 في المائة خلال الربع الأخير من العام الماضي.

ويؤكد هذا الدور المتصاعد نجاح برامج التمكين والإصلاحات المرتبطة بـ«رؤية 2030»، التي أسهمت في تعزيز حضور المرأة السعودية في سوق العمل، ليس فقط من حيث الأعداد، بل من حيث التأثير في تحقيق التوازن والاستدامة داخل منظومة التوظيف، بما يدعم استقرار المؤشرات الاقتصادية ويعزز من كفاءة السوق على المدى الطويل.

وحسب المؤشرات الحديثة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، الثلاثاء، أنهت سوق العمل السعودية عام 2025 بأداء قوي يعكس عمق التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة، حيث أظهرت نتائج الربع الرابع استمرار التحسن في مؤشرات التوظيف، وتراجع معدلات البطالة، إلى جانب ارتفاع مستويات المشاركة الاقتصادية، في دلالة واضحة على نجاح برامج التمكين والإصلاحات الهيكلية المرتبطة بـ«رؤية 2030».

القوى العاملة

وبناءً على تقديرات مسح القوى العاملة؛ بلغ معدل البطالة الإجمالي (للسعوديين وغير السعوديين) 3.5 في المائة خلال الربع الرابع من العام الماضي، مسجلاً بذلك ارتفاعاً بمقدار 0.1 نقطة، مقارنة بالفصل الثالث من العام نفسه، واستقراراً سنوياً عند 3.5 نقطة مئوية، قياساً بالربع الأخير من 2024.

وبلغ معدل المشاركة في القوى العاملة الإجمالي (للسعوديين وغير السعوديين) 67.4 في المائة، بارتفاع مقداره 0.5 نقطة مئوية، مقارنة بالربع الثالث من العام السابق، مسجلاً بذلك ارتفاعاً سنوياً بمقدار 1 نقطة مئوية، قياساً بالفصل الأخير من العام ما قبل الماضي.

ووفق مسح القوى العاملة، وصل معدل للسعوديين 7.2 في المائة في الربع الرابع من العام الماضي، بانخفاض مقداره 0.3 نقطة مئوية بالربع الثالث من العام نفسه، وبارتفاع سنوي 0.2 قياساً بالفترة المماثلة من 2024.

وأظهرت النتائج ارتفاع معدل المشتغلين السعوديين إلى السكان بمقدار 0.6 نقطة مئوية قياساً بالربع الثالث، ليبلغ 45.9 في المائة. كما أظهرت انخفاضاً سنوياً بمقدار 1.6 نقطة مئوية.

وارتفع معدل مشاركة السعوديين في القوى العاملة خلال الربع الأخير من 2025 بمقدار 0.5 نقطة مئوية، قياساً بالربع الثالث من العام نفسه، ليبلغ 49.5 في المائة، في حين اظهر انخفاضاً 1.6 نقطة مئوية بالقياس مع الفترة المماثلة من 2024.

مشاركة السعوديات

وكشفت مؤشرات سوق العمل للربع الرابع من العام الماضي، عن ارتفاع في معدل مشاركة السعوديات في القوى العاملة بمقدار 0.8 نقطة مئوية ليصل إلى 34.5 في المائة، وكذلك ارتفاع معدل المشتغلات السعوديات إلى السكان بمقدار 1.3 نقطة مئوية ليبلغ 31 في المائة.

وانخفض معدل البطالة للسعوديات 1.8 نقطة مئوية ليصل إلى 10.3 في المائة، وذلك مقارنةً بالربع الثالث من العام السابق.

وفيما يتعلق بالذكور السعوديين، فقد ارتفع معدل مشاركتهم في القوى العاملة بمقدار 0.4 نقطة مئوية ليبلغ 64.7 في المائة، في حين استقر معدل المشتغلين إلى السكان عند 61.1 في المائة، وارتفاع معدل البطالة 5.6 في المائة، قياساً بالربع الثالث من 2025.


صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض
صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض
TT

صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بالسعودية ينمو 90 % نهاية 2025

صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض
صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض

نما صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية بنحو 90 في المائة خلال الربع الأخير من 2025، في وقت تمضي فيه المملكة قدماً في تحسين بيئة الاستثمار وتكثيف الإصلاحات.

وبلغ صافي التدفقات نحو 48.4 مليار ريال خلال الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، ليسجل أعلى مستوى فصلي منذ عام 2023، وفق بيانات منشورة على موقع الهيئة العامة للإحصاء يوم الثلاثاء. كما ارتفعت التدفقات بنسبة 82 في المائة على أساس فصلي، وهي الأعلى منذ الربع الأول من 2025.

إصلاحات داعمة

وتستهدف المملكة استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة بنحو 100 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030، مدعومة بحزمة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية لتعزيز جاذبية السوق. وتشمل هذه الإجراءات رفع القيود على ملكية الأجانب في السوق المالية، إلى جانب إقرار نظام جديد لتملك غير السعوديين للعقار.

وأسهم هذا الزخم في تحسن ملحوظ في تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال العام الماضي، إذ بلغت التدفقات الإجمالية نحو 133.2 مليار ريال، مقتربة من المستهدف الحكومي البالغ 140 مليار ريال، فيما سجل صافي التدفقات نحو 109 مليارات ريال.

في هذا السياق، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأرقام المسجلة تعكس تحولاً نوعياً في هيكل الاقتصاد السعودي، حيث لم تعد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مرتبطة بعوامل دورية، بل أصبحت مدفوعة بإصلاحات هيكلية عميقة عززت جاذبية السوق واستقراره».

وأضاف أن «اقتراب التدفقات من المستهدفات الحكومية يعكس مستوى عالياً من الثقة لدى المستثمرين الدوليين، ويدعم فرضية أن المملكة تسير بخطى متسارعة نحو ترسيخ مكانتها بوصفها مركزاً استثمارياً إقليمياً»، مشيراً إلى أن «المناطق الاقتصادية الخاصة والحوافز التنظيمية الجديدة ستلعبان دوراً محورياً في تسريع الوصول إلى مستهدف 2030».

منهجية جديدة

وتعد التدفقات المسجلة في 2025 أول قراءة سنوية تُحتسب وفق آلية جديدة أعلنتها وزارة الاستثمار في سبتمبر (أيلول) 2025، بما يتماشى مع منهجية صندوق النقد الدولي، وهو ما انعكس على مراجعة بيانات 2024، التي أظهرت تسجيل تدفقات بقيمة 119 مليار ريال، بزيادة تقارب 37 في المائة على التقديرات السابقة، مقتربة من المستوى القياسي المسجل في 2021 عند نحو 122 مليار ريال.

ويأتي هذا الأداء في وقت تمضي فيه المملكة نحو مرحلة جديدة من استراتيجية الاستثمار، عقب بلوغ معدل الاستثمار نحو 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، إلى جانب تضاعف الاستثمار الأجنبي المباشر 4 مرات منذ إطلاق «رؤية 2030».

مناطق اقتصادية

وكان مجلس الوزراء قد أقر اللوائح التنظيمية للمناطق الاقتصادية الخاصة، على أن يبدأ تطبيقها في أبريل (نيسان) 2026، في خطوة تستهدف دعم تدفقات الاستثمار الأجنبي وتعزيز البيئة الاستثمارية، وتشمل حوافز ضريبية نوعية وأطراً مرنة لـ«التوطين»، وفق ما ذكره وزير الاستثمار السابق خالد الفالح.

تغييرات مؤسسية

ويشهد القطاع تغيرات مؤسسية، مع تعيين فهد بن عبد الجليل آل سيف وزيراً للاستثمار، خلفاً للفالح الذي عُيّن وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء.

ويأتي آل سيف من صندوق الاستثمارات العامة، حيث شغل مناصب قيادية في مجالات التمويل الاستثماري العالمي واستراتيجية الاستثمار والدراسات الاقتصادية. وكان الفالح قد تولى قيادة وزارة الاستثمار منذ إنشائها في 2020، واستمر في منصبه حتى فبراير (شباط) 2026، وشهدت فترة قيادته تحقيق عدد من مستهدفات الاستثمار ضمن «رؤية 2030» قبل موعدها.