الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

القاهرة تتحدث عن «إحراز هدف»... وخبراء يشيرون إلى «لطمة» للدوحة

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر
TT

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

على مدى الأسبوع الماضي، في مصر، انشغلت مراكز بحثية ومؤسسات اقتصادية بنبأ توقيع شركة مصرية خاصة اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل. وهو نبأ أثار موجة من التساؤلات حول جدوى هذه الاتفاقية، في ظل بدء الإنتاج الفعلي من حقل «ظُهر» الذي يعدّ الأكبر في البحر المتوسط، وأفرز جدلاً ومناقشات انتهت إلى وجود «رابحين وخاسرين من هذه الاتفاقية». ولقد جاء الإعلان عن هذه الصفقة، من جانب مجموعة ديليك للحفر الإسرائيلية، وأشارت إلى أن الشركاء في حقلي الغاز الطبيعي الإسرائيليين «تمار» و«لوثيان» وقعوا اتفاقيات مدتها عشر سنوات لتصدير ما قيمته 15 مليار دولار من الغاز إلى شركة دولفينوس المصرية.
في البدء، امتنعت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن التعليق على تفاصيل الاتفاقية، من منطلق أنها «تخص شركات القطاع الخاص بشأن استيراد أو بيع الغاز الطبيعي». إلا أنها عادت في اليوم الثاني لتقول: إن «استراتيجية تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة يشمل استقبال الغاز من دول عدة في شرق البحر المتوسط، ومنها إسرائيل وقبرص».
يرى خبراء مصريون في قطاع الطاقة، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أن مصر تستهدف من وراء «صفقة استيراد الغاز الإسرائيلي»، إعادة تشغيل محطتين لتسييل الغاز، وتسوية قضايا التحكيم الدولي، وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة. وفي المقابل، قال وزير الطاقة القبرصي جورجيوس لاكوتريبيس، إن «بلاده على وشك بيع الغاز الطبيعي لمحطات الغاز المسال في مصر».
مصر وقبرص وقّعتا اتفاقية مبدئية، أول من أمس، (الخميس)، لمد خط أنابيب يمتد بين البلدين. وتحدث طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية المصري، عقب التوقيع عن «الميزة التنافسية في ضوء وجود تسهيلات التخزين والمنتجات البترولية والبتروكيماوية، وخيارات نقلها شرق وغرب الخليج والبحر المتوسط؛ ما يجذب استثمارات أخرى ولاعبين من دول مجاورة في كل مجالات الصناعة البترولية». ويُذكر أن هذا التقارب المصري القبرصي يأتي وسط اعتراض تركي كبير، ورفض للاتفاقية الثنائية المُوقّعة بين مصر وقبرص اليونانية عام 2013، لترسيم الحدود البحرية.
وحول هذا الموضوع استبقت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية توقيع الاتفاق على مد خط الأنابيب، فذكرت منتصف الأسبوع الماضي، أن إبرام اتفاق بيع الغاز القبرصي خطوة «تعزّز موقع مصر بصفتها مركزاً إقليمياً للطاقة»، وزادت: «قبرص ستزود مصر من إنتاج حقل (أفروديتي) الذي اكتشفته شركة نوبل إنيرجي، ويحتوى على نحو 4.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز».
وراهناً، تجري دراسة خيارات عدة لنقل الغاز إلى مصر، من بينها استخدام «خط أنابيب غاز شرق المتوسط». وفي بيان لمجموعة ديليك الإسرائيلية، إنها وشريكتها نوبل إنيرجي (مقرها تكساس بالولايات المتحدة)، تنويان البدء في مفاوضات مع شركة غاز شرق المتوسط لاستخدام خط الأنابيب.
وتشمل الخيارات الأخرى لتصدير كمية الغاز البالغة 64 مليار متر مكعب، استخدام خط الأنابيب الأردني - الإسرائيلي الجاري بناؤه في إطار اتفاق لتزويد شركة الكهرباء الوطنية الأردنية بالغاز من حقل «لوثيان».

«البيزنس» والسياسة
المدافعون عن «الصفقة الجديدة» يرون أنها ستحقق لمصر قيمة اقتصادية مضافة، بجانب تشغيل ما تمتلكه البلاد من بنية أساسية جاهزة، تتمثل في خط الغاز الممتد مع إسرائيل. ويشيرون إلى أنه ما كان لهذه الاتفاقية أن تُعقد لولا قانون تحرير الغاز الذي أقره مجلس النواب ويسمح لغير الشركات الحكومية باستيراد الغاز. ويُذكر أنه في 7 أغسطس (آب) الماضي، أقر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قانون تنظيم أنشطة الغاز في البلاد، بعدما صادق عليه مجلس النواب في 5 يوليو (تموز) الماضي. وللعلم، يقدّر خبراء في قطاع البترول احتياطيات الغاز الطبيعي لدول شرق المتوسط – تحديداً، مصر وفلسطين وإسرائيل ولبنان وسوريا وتركيا وقبرص واليونان – بأكثر من 370 تريليون قدم مكعبة من الغاز؛ ما يعد ثاني أكبر احتياطيات عالمياً.
في هذا الشأن، ذهب خبير الطاقة محمد السيد بدوي، إلى ضرورة «فصل البيزنس عن السياسة أولاً»، مضيفاً: «مصر كانت قبل ست سنوات تقريباً تصدّر الغاز إلى إسرائيل من خلال شركة غاز شرق المتوسط، التي كان يمتلكها رجال الأعمال المصري حسين سالم، قبل أن يتوقف لأسباب مالية وقانونية». وتابع الخبير المصري - وهو رئيس لجنة الطاقة والبيئة بجمعية مستثمري القاهرة الجديدة - لـ«الشرق الأوسط»، شارحاً أن «العائد على مصر من وراء هذه الصفقة سيكون كبيراً، ويتمثل مبدئياً في إعادة مصانع تسييل الغاز المُعطلة إلى العمل مرة ثانية... وأن الفائدة الاقتصادية ستشمل المصريين والأجانب المستثمرين في مصانع التسييل، كما ستعُم الفائدة على المستثمرين في الجانب الآخر أيضاً... هذه حسبة تجارية، وإسرائيل تقول إنها ستربح كثيراً من هذه الصفقة».

مكاسب مصر وجيرانها
جدير بالذكر، أن مصر تمتلك بجانب بنية أساسية، محطتين لإسالة الغاز الطبيعي، تطلان على البحر المتوسط: المحطة الأولى في مدينة إدكو بمحافظة البحيرة (شمال غربي الدلتا) تملكها الشركة المصرية للغاز الطبيعي المُسال، وتضم وحدتين للإسالة. ويرجع تدشينهما إلى عام 2000 عندما وافقت الحكومة على تخصيص 390 فداناً للمشروع بنظام المناطق الحرة لمدة 50 سنة. أما المحطة الأخرى فتقع في محافظة دمياط (شمال شرقي الدلتا) وتتبع شركة أونيون فينوسا الإسبانية الإيطالية، وتضم وحدة إسالة واحدة فقط أسست في العام نفسه على بعد 60 كيلومتراً غرب بورسعيد، وخرجت منها أول شاحنة في عام 2003. ولقد تكلف بناء المحطتين، وفقاً لخبراء، 3.2 مليار دولار أميركي، وتقدر قيمتهما الحالية بنحو 16 مليار دولار. ويرى الدكتور جلال عثمان، عضو الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر ستحقق عوائد اقتصادية كبيرة من وراء هذه الاتفاقية، نظير عملية تسييل الغاز»، لكنه قلل من خطورة ذلك على «الأطراف أخرى»؛ إذ قال: «نحن نمتلك محطتين للتسييل، من إجمالي 634 محطة في العالم، وفقاً لتقرير دولي».
خريطة الحقول الغازية البحرية تمتد في شرق المتوسط لتضم 13 حقلاً، موزّعة بين 5 حقول أمام الشواطئ الإسرائيلية، واثنين أمام كل من لبنان وسوريا وفلسطين، وقبرص. يضاف إليها الحقول المصرية، فضلاً عن حقل «ظُهر» المصري الذي يعد أكبر اكتشافات الغاز في مصر والبحر المتوسط. وكانت شركة إيني الإيطالية قد اكتشفت حقل «ظُهر» عام 2015، ويحوي احتياطيات تقدر بثلاثين تريليون قدم مكعبة من الغاز، على مساحة 100 كيلومتر مربع. وحالياً تسعى مصر إلى تسريع الإنتاج من حقول الغاز المكتشفة في الآونة الأخيرة مع تطلعها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول العام المقبل.

مركز إقليمي للطاقة
ومع تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي حول أن مصر «أصبحت مركزاً إقليمياً للطاقة»، قال جورج عياد، الخبير في قطاع البترول: «هذه استراتيجية بدأت منذ سنوات، والآن البلاد تجني ثمار الحلم الذي سعت إلى تحقيقه». وأضاف عياد في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إنه «من الصعب الآن على إسرائيل واليونان وقبرص بناء محطات لتسييل الغاز أسوة بمصر؛ لأنها أصبحت مكلفة جداً»، ولفت إلى أن الغاز لا يجري تخزينه مثل البترول الخام: «بل إمّا أن يُضخ في أنابيب لطرف آخر أو يصار إلى تسييله». واستطرد «إسرائيل لا يمكنها ذلك في الوقت الحالي، فضلاً عن أن الخط الذي كانت تنوي تدشينه باتجاه قبرص وتركيا توقف، وهو ما كانت الأخيرة تعقد عليه آمالاً كبيرة».
ولفت عياد إلى أن «حجم الصفقة المقدّر بـ15 مليار دولار في 10 سنوات، سيتيح لمصر الحصول على ما يقرب من ملياري دولار سنوياً مقابل التسييل»، كما أنها «ستساعدها على ربط الغاز القبرصي اليوناني بمحطات الإسالة لتصديره إلى أوروبا». وأشار عياد إلى أن «لبنان سيبدأ في حفر آبار النفط اعتماداً على أنه سيتمكن من إعادة تسييله في مصر... وغزة أيضاً لديها بئر غازية، وهذه الاتفاقية ستدفعها للحفر مدفوعة بفرص تسييله». وانتهي عياد إلى القول: إن مصر «اشترطت قبل الموافقة على هذه الصفقة، أن يكون سعر المليون وحدة حرارية لا يزيد على 4 دولارات، بجانب التنازل عن قضايا التحكيم الدولي».
وأمام تسارع التساؤلات، بحثاً عن أسباب الدوافع وراء هذه الاتفاقية، التي وصفها الجانب الإسرائيلي بـ«التاريخية» واعتبرتها أطراف خارجية بأنها «أهم صفقات التصدير بين الجانبين منذ وقّعا معاهدة السلام التاريخية في عام 1979»، قال السيسي: «مصر تهدف من وراء هذه الاتفاقية، جذب الغاز الخام المكتشف في كل من قبرص وإسرائيل ولبنان ودول المنطقة الأخرى، ومعالجته في منشآتها قبل إعادة تصديره أو استغلاله في الصناعات المصرية... ونتيح للشركات أنها تستورد الغاز وتشتغل عليه ونحن كدولة يبقى التسهيلات التي عندنا والمنشآت التي عندنا نأخذ في مقابلها». وتابع الرئيس: «عندنا تسهيلات ولدينا منشآت للتعامل مع الغاز... الحقيقة غير موجودة في دول كثيرة في منطقة المتوسط أو على الأقل الدول التي نتكلم عنها».
في السياق ذاته، نقلت وكالة «بلومبيرغ» عن ريكاردو فابياني، الخبير في شؤون شمال أفريقيا بمجموعة «أوراسيا»، قوله: «هذه هي اللحظة التي يتحقق فيها أخيراً كل الحديث عن تحوّل مصر إلى مركز إقليمي للغاز». وهذا بينما تمسّك الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، بحق بلاده عن التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية القبرصية، كما هو مخطط له رغم معارضة تركيا والقبارصة الأتراك ذلك.
في هذا الجانب، تدّعي تركيا أن الاتفاقية الثنائية التي وقعتها مصر وقبرص اليونانية عام 2013، لترسيم الحدود البحرية «تنتهك القانون وتغفل حقوق أنقرة والأتراك القبارصة». وأرجع المحلل التركي يوسف كاتب أوغلو سبب الرفض إلى أن الاتفاق عقد بشكل ثنائي بعيداً عن بلاده، وحقوقها وحقوق الأتراك القبارصة. وأضاف كاتب أوغلو - وفقاً لتقارير إعلامية: إن لدى تركيا سواحل مطلة على شرق المتوسط، وهي صاحبة السيادة عليها وفق القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بعد عام 1923، كما لديها اتفاقيات مع بريطانيا (التي كانت تسيطر على قبرص) عام 1953.
من جهة ثانية، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) عن اندرو نيف، المحلّل لدى «آي إتش إس ماركيت» قوله إنه «لا يعتقد أن تركيا تريد إثارة مواجهة، لكنه في الوقت نفسه لا يستبعد ذلك نهائياً»، ثم قوله: إنه «إذا توغلت إحدى سفن التنقيب بعيداً في إحدى المناطق البحرية المتنازع عليها فربما تلجأ تركيا مجدداً إلى، دبلوماسية البوارج الحربية، دفاعاً عن مصالحها».

التحكيم الدولي
من ناحية أخرى، أدى توقف تصدير الغاز إلى إسرائيل في أعقاب «ثورة 25 يناير 2011، لاتجاه أطراف دولية وإسرائيلية، إلى التحكيم الدولي، وطعنت مصر على حكم أصدرته غرفة التجارة الدولية عام 2015 يقضي بدفع تعويض قدره 1.7 مليار دولار؛ ما دفع وزير البترول المصري طارق الملا، إلى القول قبيل الإعلان عن الصفقة «يتعين تسوية الخلافات المعلقة مع إسرائيل من أجل إنجاز الاتفاق». وحدد الملا، في مناسبات عدة، شروطاً قبل استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل. كما سبق له التأكيد على ذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما قال: إن «أهم الشروط قبل استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل، هو تسوية قضايا التحكيم الدولي المرفوعة ضد مصر، ومراعاة أبعاد الأمن القومي، وأن يحقق الاستيراد قيمة مضافة للاقتصاد».
وحول هذا الأمر، رأى الدكتور إبراهيم أحمد، الرئيس الأسبق لقسم القانون الدولي بجامعة عين شمس، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الصفقة لا يمكن أن تكون قد تمت بعيداً عن نتائج التحكيم الدولي... ولا بد أنه قد حدثت تسوية بشأن الغرامات، أو اتخذ موقف بشأن الأحكام واجبة النفاذ، أو التي لا تزال محل نزاع». وأضاف الأكاديمي المصري: «لن يكون هناك استئناف للمعاملات المتعلقة بالغاز بين البلدين إلا بعد تسوية أحكام التحكيم الدولي، سواءً بسداد جزئي للغرامات، أو بإعفاء من السداد مقابل استيراد الغاز من إسرائيل مجدداً». وانتهي إلى أن «الحكومات تتعامل في مثل هذه الصفقات بشكل غير مباشر من خلال شركات؛ لأنهم يرون أن هذا هو الشكل الأنسب في الوقت الحالي».

كلام شريف إسماعيل
وفي أول حديث مصري رسمي حول قضايا التحكيم الدولي، قال رئيس الوزراء شريف إسماعيل، في مؤتمر صحافي أول من أمس، (الخميس): إن قضايا التحكيم التي تواجهها الحكومة المصرية مع الجانب الإسرائيلي تنقسم لقضيتين: الأولى مع شركة كهرباء إسرائيل، وتم التوصل لحلٍ لها جارٍ تنفيذه، والأخرى، مع شركة «إي إم جي» التي كانت تستورد الغاز المصري، ولا يزال النزاع مطروحاً. وأوضح رئيس الوزراء أن «استقبال الغاز الإسرائيلي في مصر عبر خطوط هذه الشركة يعد جزءاً من حل قضاياها مع مصر». وللتذكير، كانت مصر قد صدّرت الغاز إلى إسرائيل أثناء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلا أن الاتفاق انهار عام 2012 عقب هجمات متكرّرة شنّها متشدّدون على خط الأنابيب في شبه جزيرة سيناء، فلجأت إسرائيل إلى التحكيم الدولي.

الخاسرون من الصفقة
على صعيد ثانٍ، الرئيس السيسي لمح إلى أن مصر اقتنصت الفرصة من دول أخرى في المنطقة كانت تريد أن تصبح المركز الإقليمي للطاقة - في إشارة، على ما يبدو، إلى تركيا التي انتقدت في الآونة الأخيرة اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص - وأن القاهرة «أحرزت هدفاً كبيراً جداً» في استيراد الغاز من إسرائيل. وتشير وزارة البترول المصرية، إلى «وجود دول عدة في المنطقة تسعى للقيام بهذا الدور المحوري بصفتها مركزاً إقليمياً للطاقة، وأن مصر لديها كل المقومات للقيام بهذا الدور الاستراتيجي في المنطقة»، قبل أن تنوه إلى أن الاتفاق الذي عُقد بين شركات قطاع خاص لاستيراد الغاز من إسرائيل واستقباله، سيخضع للقوانين المُنظمة. ولفتت الوزارة إلى أن «قانون تنظيم سوق الغاز الجديد يسمح للشركات بشراء الغاز واستيراده وإعادة بيعه سواء في السوق المحلية أو إعادة تصديره من خلال محطات الإسالة».
جورج عياد، الخبير في قطاع البترول، اعتبر أن توقيع هذه الاتفاقية «أضر بقطر وتركيا»، وقال: إن الأخيرة «لا بد أنها ستلجأ لاستيراد الغاز المُسال من شركة دولفينوس المصرية»، أما قطر، فرأى أنها «ستفقد جانباً من السوق الأوروبية» رغم ما تمتلكه من محطات تسييل عملاقة. ودلل الخبير المصري على حديثه قائلاً: «تركيا ستضطر إلى شراء الغاز من مصر مستقبلاً، كما أن أوروبا ستفعل الشيء نفسه؛ نظراً للتكلفة الاقتصادية المتمثلة في السعر الأرخص، بجانب سهولة النقل... فرنسا وإسبانيا ستتجهان أيضاً للأسباب نفسها».
وبما يخص قطر، قال عياد إنها «ربما تخسر جزءاً كبيراً يقدر 70 في المائة من السوق الأوروبية، وفي هذه الحالة لن يتبق أمامها غير أميركيا اللاتينية. هذه الاتفاقية وجهت لطمة شديدة إلى أنقرة والدوحة معاً»، مذكراً بأن السلطات التركية «تحاول استفزاز قبرص بكل السبل لوقف تنقيبها عن الغاز. و(الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان يريد السيطرة الأبدية على الثروات القبرصية، وبالتالي، فإن تحالف مصر مع قبرص واليونان أصابه بالفزع والخوف من المستقبل».

اتفاقيات تركية إسرائيلية
لكن، في الاتجاه المعاكس، لفت حديث عياد إلى اتفاقيات سابقة وقعها وزير الطاقة التركي بيرات البيرق، مع نظيره الإسرائيلي يوفال شتاينتس، على هامش مؤتمر الطاقة العالمي الذي انعقد في إسطنبول خلال يوليو الماضي: «لتسريع الإجراءات لدفع اتفاق مد أنبوب غاز طبيعي إسرائيلي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا». وأعقب ذلك إعلان نائبة القنصل العام الإسرائيلي في أنقرة، شاير بأن تسيون، أن «إسرائيل وتركيا ستوقعان اتفاقية للغاز الطبيعي قبل نهاية عام 2017». وتسعي إسرائيل إلى تطوير إنتاج الغاز من حقليها بعدما اكتشفتهما عامي 2009 و2010. وبدأ استغلال حقل «تمار» عام 2013، ويبلغ حجم احتياطه 238 مليار متر مكعب، وهو أحد أكبر حقول الغاز الواعدة التي اكتشفت في السنوات الأخيرة قبالة ساحل إسرائيل. ومن المقرّر أن يبدأ استغلال حقل «لوثيان» أيضاً عام 2019 عندما يبدأ احتياطي حقل «تمار» الذي يبعد مسافة 130 كيلومتراً عن شاطئ حيفا في الانحسار، وكانت إسرائيل وقعت في سبتمبر (أيلول) 2016 عقدا قيمته 10 مليارات دولار لتوريد الغاز من «لوثيان» إلى الأردن.
ختاماً، كانت إسرائيل مستورداً للغاز الطبيعي حتى سنوات قليلة مضت، وكانت تعتمد على مصر عبر خط الأنابيب الذي يمر بقلب سيناء. في حين بلغ حجم إنتاج الغاز في مصر، خلال العام الماضي، نحو 5.1 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، ارتفاعاً من 4.45 مليار قدم مكعبة في 2016، وفقاً لبيانات وزارة البترول المصرية.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».