الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

القاهرة تتحدث عن «إحراز هدف»... وخبراء يشيرون إلى «لطمة» للدوحة

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر
TT

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

الرابحون والخاسرون من اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر

على مدى الأسبوع الماضي، في مصر، انشغلت مراكز بحثية ومؤسسات اقتصادية بنبأ توقيع شركة مصرية خاصة اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل. وهو نبأ أثار موجة من التساؤلات حول جدوى هذه الاتفاقية، في ظل بدء الإنتاج الفعلي من حقل «ظُهر» الذي يعدّ الأكبر في البحر المتوسط، وأفرز جدلاً ومناقشات انتهت إلى وجود «رابحين وخاسرين من هذه الاتفاقية». ولقد جاء الإعلان عن هذه الصفقة، من جانب مجموعة ديليك للحفر الإسرائيلية، وأشارت إلى أن الشركاء في حقلي الغاز الطبيعي الإسرائيليين «تمار» و«لوثيان» وقعوا اتفاقيات مدتها عشر سنوات لتصدير ما قيمته 15 مليار دولار من الغاز إلى شركة دولفينوس المصرية.
في البدء، امتنعت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن التعليق على تفاصيل الاتفاقية، من منطلق أنها «تخص شركات القطاع الخاص بشأن استيراد أو بيع الغاز الطبيعي». إلا أنها عادت في اليوم الثاني لتقول: إن «استراتيجية تحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة يشمل استقبال الغاز من دول عدة في شرق البحر المتوسط، ومنها إسرائيل وقبرص».
يرى خبراء مصريون في قطاع الطاقة، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أن مصر تستهدف من وراء «صفقة استيراد الغاز الإسرائيلي»، إعادة تشغيل محطتين لتسييل الغاز، وتسوية قضايا التحكيم الدولي، وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة. وفي المقابل، قال وزير الطاقة القبرصي جورجيوس لاكوتريبيس، إن «بلاده على وشك بيع الغاز الطبيعي لمحطات الغاز المسال في مصر».
مصر وقبرص وقّعتا اتفاقية مبدئية، أول من أمس، (الخميس)، لمد خط أنابيب يمتد بين البلدين. وتحدث طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية المصري، عقب التوقيع عن «الميزة التنافسية في ضوء وجود تسهيلات التخزين والمنتجات البترولية والبتروكيماوية، وخيارات نقلها شرق وغرب الخليج والبحر المتوسط؛ ما يجذب استثمارات أخرى ولاعبين من دول مجاورة في كل مجالات الصناعة البترولية». ويُذكر أن هذا التقارب المصري القبرصي يأتي وسط اعتراض تركي كبير، ورفض للاتفاقية الثنائية المُوقّعة بين مصر وقبرص اليونانية عام 2013، لترسيم الحدود البحرية.
وحول هذا الموضوع استبقت وكالة «بلومبيرغ» الأميركية توقيع الاتفاق على مد خط الأنابيب، فذكرت منتصف الأسبوع الماضي، أن إبرام اتفاق بيع الغاز القبرصي خطوة «تعزّز موقع مصر بصفتها مركزاً إقليمياً للطاقة»، وزادت: «قبرص ستزود مصر من إنتاج حقل (أفروديتي) الذي اكتشفته شركة نوبل إنيرجي، ويحتوى على نحو 4.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز».
وراهناً، تجري دراسة خيارات عدة لنقل الغاز إلى مصر، من بينها استخدام «خط أنابيب غاز شرق المتوسط». وفي بيان لمجموعة ديليك الإسرائيلية، إنها وشريكتها نوبل إنيرجي (مقرها تكساس بالولايات المتحدة)، تنويان البدء في مفاوضات مع شركة غاز شرق المتوسط لاستخدام خط الأنابيب.
وتشمل الخيارات الأخرى لتصدير كمية الغاز البالغة 64 مليار متر مكعب، استخدام خط الأنابيب الأردني - الإسرائيلي الجاري بناؤه في إطار اتفاق لتزويد شركة الكهرباء الوطنية الأردنية بالغاز من حقل «لوثيان».

«البيزنس» والسياسة
المدافعون عن «الصفقة الجديدة» يرون أنها ستحقق لمصر قيمة اقتصادية مضافة، بجانب تشغيل ما تمتلكه البلاد من بنية أساسية جاهزة، تتمثل في خط الغاز الممتد مع إسرائيل. ويشيرون إلى أنه ما كان لهذه الاتفاقية أن تُعقد لولا قانون تحرير الغاز الذي أقره مجلس النواب ويسمح لغير الشركات الحكومية باستيراد الغاز. ويُذكر أنه في 7 أغسطس (آب) الماضي، أقر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قانون تنظيم أنشطة الغاز في البلاد، بعدما صادق عليه مجلس النواب في 5 يوليو (تموز) الماضي. وللعلم، يقدّر خبراء في قطاع البترول احتياطيات الغاز الطبيعي لدول شرق المتوسط – تحديداً، مصر وفلسطين وإسرائيل ولبنان وسوريا وتركيا وقبرص واليونان – بأكثر من 370 تريليون قدم مكعبة من الغاز؛ ما يعد ثاني أكبر احتياطيات عالمياً.
في هذا الشأن، ذهب خبير الطاقة محمد السيد بدوي، إلى ضرورة «فصل البيزنس عن السياسة أولاً»، مضيفاً: «مصر كانت قبل ست سنوات تقريباً تصدّر الغاز إلى إسرائيل من خلال شركة غاز شرق المتوسط، التي كان يمتلكها رجال الأعمال المصري حسين سالم، قبل أن يتوقف لأسباب مالية وقانونية». وتابع الخبير المصري - وهو رئيس لجنة الطاقة والبيئة بجمعية مستثمري القاهرة الجديدة - لـ«الشرق الأوسط»، شارحاً أن «العائد على مصر من وراء هذه الصفقة سيكون كبيراً، ويتمثل مبدئياً في إعادة مصانع تسييل الغاز المُعطلة إلى العمل مرة ثانية... وأن الفائدة الاقتصادية ستشمل المصريين والأجانب المستثمرين في مصانع التسييل، كما ستعُم الفائدة على المستثمرين في الجانب الآخر أيضاً... هذه حسبة تجارية، وإسرائيل تقول إنها ستربح كثيراً من هذه الصفقة».

مكاسب مصر وجيرانها
جدير بالذكر، أن مصر تمتلك بجانب بنية أساسية، محطتين لإسالة الغاز الطبيعي، تطلان على البحر المتوسط: المحطة الأولى في مدينة إدكو بمحافظة البحيرة (شمال غربي الدلتا) تملكها الشركة المصرية للغاز الطبيعي المُسال، وتضم وحدتين للإسالة. ويرجع تدشينهما إلى عام 2000 عندما وافقت الحكومة على تخصيص 390 فداناً للمشروع بنظام المناطق الحرة لمدة 50 سنة. أما المحطة الأخرى فتقع في محافظة دمياط (شمال شرقي الدلتا) وتتبع شركة أونيون فينوسا الإسبانية الإيطالية، وتضم وحدة إسالة واحدة فقط أسست في العام نفسه على بعد 60 كيلومتراً غرب بورسعيد، وخرجت منها أول شاحنة في عام 2003. ولقد تكلف بناء المحطتين، وفقاً لخبراء، 3.2 مليار دولار أميركي، وتقدر قيمتهما الحالية بنحو 16 مليار دولار. ويرى الدكتور جلال عثمان، عضو الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر ستحقق عوائد اقتصادية كبيرة من وراء هذه الاتفاقية، نظير عملية تسييل الغاز»، لكنه قلل من خطورة ذلك على «الأطراف أخرى»؛ إذ قال: «نحن نمتلك محطتين للتسييل، من إجمالي 634 محطة في العالم، وفقاً لتقرير دولي».
خريطة الحقول الغازية البحرية تمتد في شرق المتوسط لتضم 13 حقلاً، موزّعة بين 5 حقول أمام الشواطئ الإسرائيلية، واثنين أمام كل من لبنان وسوريا وفلسطين، وقبرص. يضاف إليها الحقول المصرية، فضلاً عن حقل «ظُهر» المصري الذي يعد أكبر اكتشافات الغاز في مصر والبحر المتوسط. وكانت شركة إيني الإيطالية قد اكتشفت حقل «ظُهر» عام 2015، ويحوي احتياطيات تقدر بثلاثين تريليون قدم مكعبة من الغاز، على مساحة 100 كيلومتر مربع. وحالياً تسعى مصر إلى تسريع الإنتاج من حقول الغاز المكتشفة في الآونة الأخيرة مع تطلعها إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول العام المقبل.

مركز إقليمي للطاقة
ومع تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي حول أن مصر «أصبحت مركزاً إقليمياً للطاقة»، قال جورج عياد، الخبير في قطاع البترول: «هذه استراتيجية بدأت منذ سنوات، والآن البلاد تجني ثمار الحلم الذي سعت إلى تحقيقه». وأضاف عياد في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إنه «من الصعب الآن على إسرائيل واليونان وقبرص بناء محطات لتسييل الغاز أسوة بمصر؛ لأنها أصبحت مكلفة جداً»، ولفت إلى أن الغاز لا يجري تخزينه مثل البترول الخام: «بل إمّا أن يُضخ في أنابيب لطرف آخر أو يصار إلى تسييله». واستطرد «إسرائيل لا يمكنها ذلك في الوقت الحالي، فضلاً عن أن الخط الذي كانت تنوي تدشينه باتجاه قبرص وتركيا توقف، وهو ما كانت الأخيرة تعقد عليه آمالاً كبيرة».
ولفت عياد إلى أن «حجم الصفقة المقدّر بـ15 مليار دولار في 10 سنوات، سيتيح لمصر الحصول على ما يقرب من ملياري دولار سنوياً مقابل التسييل»، كما أنها «ستساعدها على ربط الغاز القبرصي اليوناني بمحطات الإسالة لتصديره إلى أوروبا». وأشار عياد إلى أن «لبنان سيبدأ في حفر آبار النفط اعتماداً على أنه سيتمكن من إعادة تسييله في مصر... وغزة أيضاً لديها بئر غازية، وهذه الاتفاقية ستدفعها للحفر مدفوعة بفرص تسييله». وانتهي عياد إلى القول: إن مصر «اشترطت قبل الموافقة على هذه الصفقة، أن يكون سعر المليون وحدة حرارية لا يزيد على 4 دولارات، بجانب التنازل عن قضايا التحكيم الدولي».
وأمام تسارع التساؤلات، بحثاً عن أسباب الدوافع وراء هذه الاتفاقية، التي وصفها الجانب الإسرائيلي بـ«التاريخية» واعتبرتها أطراف خارجية بأنها «أهم صفقات التصدير بين الجانبين منذ وقّعا معاهدة السلام التاريخية في عام 1979»، قال السيسي: «مصر تهدف من وراء هذه الاتفاقية، جذب الغاز الخام المكتشف في كل من قبرص وإسرائيل ولبنان ودول المنطقة الأخرى، ومعالجته في منشآتها قبل إعادة تصديره أو استغلاله في الصناعات المصرية... ونتيح للشركات أنها تستورد الغاز وتشتغل عليه ونحن كدولة يبقى التسهيلات التي عندنا والمنشآت التي عندنا نأخذ في مقابلها». وتابع الرئيس: «عندنا تسهيلات ولدينا منشآت للتعامل مع الغاز... الحقيقة غير موجودة في دول كثيرة في منطقة المتوسط أو على الأقل الدول التي نتكلم عنها».
في السياق ذاته، نقلت وكالة «بلومبيرغ» عن ريكاردو فابياني، الخبير في شؤون شمال أفريقيا بمجموعة «أوراسيا»، قوله: «هذه هي اللحظة التي يتحقق فيها أخيراً كل الحديث عن تحوّل مصر إلى مركز إقليمي للغاز». وهذا بينما تمسّك الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، بحق بلاده عن التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية القبرصية، كما هو مخطط له رغم معارضة تركيا والقبارصة الأتراك ذلك.
في هذا الجانب، تدّعي تركيا أن الاتفاقية الثنائية التي وقعتها مصر وقبرص اليونانية عام 2013، لترسيم الحدود البحرية «تنتهك القانون وتغفل حقوق أنقرة والأتراك القبارصة». وأرجع المحلل التركي يوسف كاتب أوغلو سبب الرفض إلى أن الاتفاق عقد بشكل ثنائي بعيداً عن بلاده، وحقوقها وحقوق الأتراك القبارصة. وأضاف كاتب أوغلو - وفقاً لتقارير إعلامية: إن لدى تركيا سواحل مطلة على شرق المتوسط، وهي صاحبة السيادة عليها وفق القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة بعد عام 1923، كما لديها اتفاقيات مع بريطانيا (التي كانت تسيطر على قبرص) عام 1953.
من جهة ثانية، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) عن اندرو نيف، المحلّل لدى «آي إتش إس ماركيت» قوله إنه «لا يعتقد أن تركيا تريد إثارة مواجهة، لكنه في الوقت نفسه لا يستبعد ذلك نهائياً»، ثم قوله: إنه «إذا توغلت إحدى سفن التنقيب بعيداً في إحدى المناطق البحرية المتنازع عليها فربما تلجأ تركيا مجدداً إلى، دبلوماسية البوارج الحربية، دفاعاً عن مصالحها».

التحكيم الدولي
من ناحية أخرى، أدى توقف تصدير الغاز إلى إسرائيل في أعقاب «ثورة 25 يناير 2011، لاتجاه أطراف دولية وإسرائيلية، إلى التحكيم الدولي، وطعنت مصر على حكم أصدرته غرفة التجارة الدولية عام 2015 يقضي بدفع تعويض قدره 1.7 مليار دولار؛ ما دفع وزير البترول المصري طارق الملا، إلى القول قبيل الإعلان عن الصفقة «يتعين تسوية الخلافات المعلقة مع إسرائيل من أجل إنجاز الاتفاق». وحدد الملا، في مناسبات عدة، شروطاً قبل استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل. كما سبق له التأكيد على ذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما قال: إن «أهم الشروط قبل استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل، هو تسوية قضايا التحكيم الدولي المرفوعة ضد مصر، ومراعاة أبعاد الأمن القومي، وأن يحقق الاستيراد قيمة مضافة للاقتصاد».
وحول هذا الأمر، رأى الدكتور إبراهيم أحمد، الرئيس الأسبق لقسم القانون الدولي بجامعة عين شمس، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الصفقة لا يمكن أن تكون قد تمت بعيداً عن نتائج التحكيم الدولي... ولا بد أنه قد حدثت تسوية بشأن الغرامات، أو اتخذ موقف بشأن الأحكام واجبة النفاذ، أو التي لا تزال محل نزاع». وأضاف الأكاديمي المصري: «لن يكون هناك استئناف للمعاملات المتعلقة بالغاز بين البلدين إلا بعد تسوية أحكام التحكيم الدولي، سواءً بسداد جزئي للغرامات، أو بإعفاء من السداد مقابل استيراد الغاز من إسرائيل مجدداً». وانتهي إلى أن «الحكومات تتعامل في مثل هذه الصفقات بشكل غير مباشر من خلال شركات؛ لأنهم يرون أن هذا هو الشكل الأنسب في الوقت الحالي».

كلام شريف إسماعيل
وفي أول حديث مصري رسمي حول قضايا التحكيم الدولي، قال رئيس الوزراء شريف إسماعيل، في مؤتمر صحافي أول من أمس، (الخميس): إن قضايا التحكيم التي تواجهها الحكومة المصرية مع الجانب الإسرائيلي تنقسم لقضيتين: الأولى مع شركة كهرباء إسرائيل، وتم التوصل لحلٍ لها جارٍ تنفيذه، والأخرى، مع شركة «إي إم جي» التي كانت تستورد الغاز المصري، ولا يزال النزاع مطروحاً. وأوضح رئيس الوزراء أن «استقبال الغاز الإسرائيلي في مصر عبر خطوط هذه الشركة يعد جزءاً من حل قضاياها مع مصر». وللتذكير، كانت مصر قد صدّرت الغاز إلى إسرائيل أثناء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلا أن الاتفاق انهار عام 2012 عقب هجمات متكرّرة شنّها متشدّدون على خط الأنابيب في شبه جزيرة سيناء، فلجأت إسرائيل إلى التحكيم الدولي.

الخاسرون من الصفقة
على صعيد ثانٍ، الرئيس السيسي لمح إلى أن مصر اقتنصت الفرصة من دول أخرى في المنطقة كانت تريد أن تصبح المركز الإقليمي للطاقة - في إشارة، على ما يبدو، إلى تركيا التي انتقدت في الآونة الأخيرة اتفاقية لترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص - وأن القاهرة «أحرزت هدفاً كبيراً جداً» في استيراد الغاز من إسرائيل. وتشير وزارة البترول المصرية، إلى «وجود دول عدة في المنطقة تسعى للقيام بهذا الدور المحوري بصفتها مركزاً إقليمياً للطاقة، وأن مصر لديها كل المقومات للقيام بهذا الدور الاستراتيجي في المنطقة»، قبل أن تنوه إلى أن الاتفاق الذي عُقد بين شركات قطاع خاص لاستيراد الغاز من إسرائيل واستقباله، سيخضع للقوانين المُنظمة. ولفتت الوزارة إلى أن «قانون تنظيم سوق الغاز الجديد يسمح للشركات بشراء الغاز واستيراده وإعادة بيعه سواء في السوق المحلية أو إعادة تصديره من خلال محطات الإسالة».
جورج عياد، الخبير في قطاع البترول، اعتبر أن توقيع هذه الاتفاقية «أضر بقطر وتركيا»، وقال: إن الأخيرة «لا بد أنها ستلجأ لاستيراد الغاز المُسال من شركة دولفينوس المصرية»، أما قطر، فرأى أنها «ستفقد جانباً من السوق الأوروبية» رغم ما تمتلكه من محطات تسييل عملاقة. ودلل الخبير المصري على حديثه قائلاً: «تركيا ستضطر إلى شراء الغاز من مصر مستقبلاً، كما أن أوروبا ستفعل الشيء نفسه؛ نظراً للتكلفة الاقتصادية المتمثلة في السعر الأرخص، بجانب سهولة النقل... فرنسا وإسبانيا ستتجهان أيضاً للأسباب نفسها».
وبما يخص قطر، قال عياد إنها «ربما تخسر جزءاً كبيراً يقدر 70 في المائة من السوق الأوروبية، وفي هذه الحالة لن يتبق أمامها غير أميركيا اللاتينية. هذه الاتفاقية وجهت لطمة شديدة إلى أنقرة والدوحة معاً»، مذكراً بأن السلطات التركية «تحاول استفزاز قبرص بكل السبل لوقف تنقيبها عن الغاز. و(الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان يريد السيطرة الأبدية على الثروات القبرصية، وبالتالي، فإن تحالف مصر مع قبرص واليونان أصابه بالفزع والخوف من المستقبل».

اتفاقيات تركية إسرائيلية
لكن، في الاتجاه المعاكس، لفت حديث عياد إلى اتفاقيات سابقة وقعها وزير الطاقة التركي بيرات البيرق، مع نظيره الإسرائيلي يوفال شتاينتس، على هامش مؤتمر الطاقة العالمي الذي انعقد في إسطنبول خلال يوليو الماضي: «لتسريع الإجراءات لدفع اتفاق مد أنبوب غاز طبيعي إسرائيلي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا». وأعقب ذلك إعلان نائبة القنصل العام الإسرائيلي في أنقرة، شاير بأن تسيون، أن «إسرائيل وتركيا ستوقعان اتفاقية للغاز الطبيعي قبل نهاية عام 2017». وتسعي إسرائيل إلى تطوير إنتاج الغاز من حقليها بعدما اكتشفتهما عامي 2009 و2010. وبدأ استغلال حقل «تمار» عام 2013، ويبلغ حجم احتياطه 238 مليار متر مكعب، وهو أحد أكبر حقول الغاز الواعدة التي اكتشفت في السنوات الأخيرة قبالة ساحل إسرائيل. ومن المقرّر أن يبدأ استغلال حقل «لوثيان» أيضاً عام 2019 عندما يبدأ احتياطي حقل «تمار» الذي يبعد مسافة 130 كيلومتراً عن شاطئ حيفا في الانحسار، وكانت إسرائيل وقعت في سبتمبر (أيلول) 2016 عقدا قيمته 10 مليارات دولار لتوريد الغاز من «لوثيان» إلى الأردن.
ختاماً، كانت إسرائيل مستورداً للغاز الطبيعي حتى سنوات قليلة مضت، وكانت تعتمد على مصر عبر خط الأنابيب الذي يمر بقلب سيناء. في حين بلغ حجم إنتاج الغاز في مصر، خلال العام الماضي، نحو 5.1 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً، ارتفاعاً من 4.45 مليار قدم مكعبة في 2016، وفقاً لبيانات وزارة البترول المصرية.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.