تونس... ومخاطر جديدة أمام «الاستثناء الديمقراطي»

بعد وضعها في القوائم السوداء الدولية

في الإطار: الشاذلي العياري
في الإطار: الشاذلي العياري
TT

تونس... ومخاطر جديدة أمام «الاستثناء الديمقراطي»

في الإطار: الشاذلي العياري
في الإطار: الشاذلي العياري

دخلت تونس منذ بضعة أسابيع نفقاً سياسياً جديداً بعد صدور تصنيفين لها في مؤسسات أوروبية يتهمان سلطاتها بإخلالات ونقائص أدت إلى تصنيفها من الملاذات الآمنة للتهريب، ثم ضمن «القائمة السوداء» المتعلقة بمخاطر غسل الأموال وتبييض الإرهاب. وجاءت هذه التطوّرات بينما تبدو تونس مهددة بمزيد من التصنيفات السلبية من قِبل مؤسسات أوروبية ودولية، منها ما يتعلق بالشفافية والحكم الرشيد.
وفي حين أجمع الساسة التونسيون على اتهام المؤسسات المالية والسياسية الأوروبية بالانحياز ضد بلدهم رغم جهوده في دعم الإصلاحات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية، فجّرت هذه التصنيفات أزمة داخل النخب الحاكمة والمعارضة التونسية... وفيما بينها وبين جمهور مواقع التواصل الاجتماعي؛ ما يهدد بتوسيع الهوة بين الشباب والرأي العام الشعبي من جهة والسلطات من جهة ثانية.
فهل تؤدي هذه الزوبعة السياسية - الإعلامية الجديدة إلى انهيار «النموذج التونسي» و«الاستثناء الديمقراطي» في منطقة تمزّقها الحروب وأنهكتها الصراعات الهامشية والأزمات؟... أم ينجح زعماء الحزبين الكبيرين المشاركين في الحكم منذ انتخابات 2014 – أي «نداء تونس» و«حركة النهضة» – في احتواء الموقف و«الفضائح الجديدة» ووضع حد للأزمة الذي تسببت في إقالة محافظ البنك المركزي وإحالة بعض مسؤوليه إلى القضاء؟

التصريحات التي صدرت عن مسؤولين في الحكومة التونسية، بينهم وزير الخارجية خميس الجهيناوي، والناطق الرسمي في الحكومة إياد الدهماني، حمّلت المسؤولية في التهم المالية الموجهة أوروبياً إلى تونس إلى محافظ البنك المركزي الشاذلي العياري. وكان العياري قد أقيل بطلب من رئيسي الجمهورية والحكومة بصفته رئيس اللجنة التونسية للتحاليل المالية المكلفة متابعة علاقات تونس بمؤسسات النقد والاقتصاد العالمية. إلا أن بعض معارضي الحكومة ومسؤولين في مؤسسة البنك المركزي رفضوا بقوة هذه الاتهامات أول الأمر في وسائل الإعلام وخلال جلسة استماع في البرلمان.
وحمّل محافظ البنك المركزي، المثير للجدل، المسؤولية إلى الحكومة التي قال إنه وجّه إليها منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أكثر من 50 مراسلة تحذرها من مثل هذه التصنيفات في حال التأخر في إنجاز بعض الإصلاحات، بينها تعديلات سريعة في عدد من القوانين وعرضها على البرلمان للمصادقة.

انقسامات... وجدل
إلا أن انقسام البرلمان والطبقة السياسية بين مناصر لمحافظ البنك المركزي ومطالب بمحاكمته مع عدد من مساعديه عقّد الأزمة السياسية وعزز قوة الزوبعة الإعلامية ومسلسل تبادل الاتهامات. إذ تدخلت زعامات الحزبين الحاكمين «النداء» و«النهضة» وأقنعت العياري بالاستقالة، كما أقنعت رئيس الحكومة يوسف الشاهد باستقباله؛ لضمان وقف الزوبعة بما يحفظ ماء وجه كل الأفرقاء.
هذا، وبعدما كان الشاذلي العياري متهماً بالتسبب في تصنيف تونس ضمن قوائم سوداء دولية كثيرة - من بينها قائمة المدن التي تسمح بتبييض الأموال وتوفير غطاء للتهريب والإرهاب – فإنه مع خروجه من الباب الكبير صارت غالبية الشخصيات السياسية والإعلامية والبرلمانية تنوّه بخصاله وبمسيرته الطويلة على رأس المؤسسات المالية والاقتصادية التونسية والدولية إبان السنوات الستين الماضية. ومن بين المفارقات، أن بعض المتهجّمين على محافظ البنك المركزي وفريقه من بين البرلمانيين والسياسيين انقلبوا إلى مدافعين عنه بشراسة، ولوّحوا بإسقاط اقتراح رئيسي الجمهورية والحكومة بإقالته خلال الجلسة العامة للبرلمان.

محاكمة للدولة
في أي حال، مشاورات الكواليس بين قيادات الائتلاف الحاكم أدت إلى احتواء الأزمة في اللحظات الأخيرة، وإلى إلغاء الجلسة العامة للبرلمان التي كانت ستؤدي إلى محاكمة علنية للدولة بكل مؤسساتها التنفيذية والبرلمانية. أضف إلى ذلك، مزيداً من الحملات داخل البرلمان وفي وسائل الإعلام للمطالبة بالكشف عن مصادر تمويل أكثر من 200 حزب تونسي ونحو 20 ألف جمعية غير حكومية، أوردت بعض التقارير أن شبهات تحوم حول علاقتها ببعض العواصم الأجنبية والأطراف المتهمة بالتهريب والإرهاب، بما فيها أطراف ليبية وعربية.
الإعلامي والجامعي والوزير السابق الطيب اليوسفي، اعتبر أن تونس تعيش منذ مدة تحت تأثير أطراف سياسية وإعلامية «تغافلت عن واجب التحفظ واحترام هيبة الدولة، وأصبحت تنشر بعض أسرار الدولة والملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية على قارعة الطريق».
من جهة ثانية، انتقد محسن مرزوق، الوزير السابق ورئيس حزب «مشروع تونس» المعارض، ما وصفه بـ«المراهقة السياسية التي دفعت بعض السياسيين إلى افتعال ملفات وفضائح سياسية ومالية بهدف التأثير في مجريات الانتخابات البلدية والمحلية، المقرّرة لشهر مايو (أيار) المقبل، وقائمة المرشحين إلى الانتخابات الرئاسية المقرّرة في نهاية العام المقبل».
وللعلم، كانت بعض تلك الملفات قد أقحمت – ضمن ملفات الفساد المالي والسياسي وتبييض الأموال – أسماء رجال أعمال وسياسيين بارزين في الحكم والمعارضة، بينهم الوزير السابق محسن مرزوق ومستشارون في قصر رئاسة الجمهورية ووزراء في حكومات سابقة. واعتبر عدد من المراقبين والمعلقين، بينهم الإعلامي والأكاديمي منذر بالضيافي، أن «السباق نحو قصر رئاسة الجمهورية في قرطاج في انتخابات العام المقبل، قد يكون العامل الرئيسي وراء تفجير جهات تونسية وأجنبية سلسلة من الفضائح السياسية والاقتصادية والمالية، بهدف تبرير إقصاء مرشحين افتراضيين كثيرين للرئاسة، بينهم رئيس الحكومة الشاهد والمعارض والوزير السابق مرزوق، بالإضافة إلى رئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي ورئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي.

اتهامات لمنظومة الحكم
في السياق نفسه، وبينما يعتز فيه قياديون من الائتلاف الحاكم بقيادة حزبي «النداء» و«النهضة» بنجاح زعمائهم في احتواء الأزمة التي أعقبت تصنيف تونس في القوائم السوداء، سارع خصومهم ومعارضوهم، مثل عدنان منصر، الأمين العام لحزب «الحراك» المعارض والوزير سابقاً، باتهام «كل المشاركين في منظومة الحكم الحالية بتحمّل جانب مسؤولية التدهور الذي وصلت إليه صورة تونس في المحافل الدولية، وبينها مؤسسات الاتحاد الأوروبي».
بل ذهب الرئيس السابق المنصف المرزوقي، أحد المرشحين الافتراضيين للانتخابات المقبلة، إلى أبعد من ذلك. إذ اتهم الدكتور المرزوقي قيادات بعض وجوه الحكم الحالي في تونس بلعب دور «العصابات السياسية»، التي قال عنها إنها «تتصرف اليوم في شؤون البلاد من موقع العملاء والوكلاء لقوى أجنبية واستعمارية». وطالب المرزوقي القضاء بأن يتحرّك «لحماية التجربة الديمقراطية التونسية، وبحماية الدولة نفسها».
أيضاً، اعتبر الرئيس السابق وزعيم حزب «تونس الإرادة» المعارض «أن الوضع الاقتصادي في تونس اليوم يؤكد أنها أصبحت تحت الوصاية الخارجية للمؤسسات المالية الأجنبية المانحة». وفسّر المرزوقي هذا التدهور الخطير في صورة تونس في المحافل الدولية والأوروبية «بسوء التصرف والغلطات الإدارية، وتلطيخ سمعة البلاد من قبل منظومة حاكمة أثبتت عجزها عن تسيير البلاد». ومن ثم، ربط الرئيس التونسي السابق أزمات تونس الحالية في علاقاتها بالمؤسسات المالية والاقتصادية الأوروبية والدولية الأخطر «بعجز سلطاتها عن ضمان الحد الأدنى لشعبها، بما في ذلك، ما يتعلق بالأمن الغذائي والطاقة والمياه».

أجندات دولية وإقليمية؟
على صعيد آخر، تكشف ردات فعل شباب «فيسبوك» وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تعليقات مئات المثقفين والسياسيين فيها، قناعة متزايدة في تونس حول وجود «أجندات» إقليمية ودولية سياسية متصلة بعمليات تصنيف تونس من قبل «لوبيات» وهيئات أوروبية ضمن الدول المتهمة بتبييض الأموال والفساد والتهرب الضريبي.
ولا يستبعد بعض البرلمانيين والسياسيين اليساريين والقوميين، وأيضاً شخصيات مقربة من حزبي «النهضة» و«النداء» المشاركين في الحكم، وجود ضغوط من ساسة إيطاليين وبرلمانيين أوروبيين يمينيين على تونس. ويرى هؤلاء أن الغاية من هذه الضغوط معاقبة تونس على مواقفها الرسمية وشبه الرسمية المساندة للسلطة الفلسطينية إزاء موضوع نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وكذلك المواقف التونسية الداعمة للحركات المناهضة للتعامل مع إسرائيل إلى درجة عرض مشروع قانون على البرلمان يمنع التطبيع.
كذلك، لم يستبعد بعض أعضاء البرلمان، مثل الوزير السابق للصحة عبد اللطيف المكي، أن يكون الهدف من الرسالة السياسية الموجهة للسلطات التونسية من وراء مسلسل إدراجها ضمن «القوائم السوداء» الضغط عليها «لإخراج الوزراء التابعين لحركة النهضة الإسلامية من الائتلاف الحاكم».

... أين الحقيقة؟
في أي حال، أثار قرار إدراج تونس من قبل البرلمان الأوروبي – بالذات – على القائمة السوداء لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، جدلاً واسعاً بين صناع القرار في تونس، ورافقته اتهامات وتحميل المسؤوليات في كل الاتجاهات. لكن – كما سبقت الإشارة عند التطرق للشاذلي العياري – الجهة الأبرز التي طالتها الاتهامات هي اللجنة التونسية للتحاليل المالية بالبنك المركزي التونسي التي يرأسها محافظ البنك المركزي. وتعد هذه اللجنة الجهة المسؤولة عن رصد العمليات والمعاملات المشبوهة مالياً، والتصريح بها، وتلقي التصاريح حول العمليات والمعاملات المشبوهة وتحليلها والإعلام بمآلها، وهذا علاوة على المساعدة على وضع البرامج التي تهدف إلى منع التصرفات المالية غير المشروعة وإلى التصدي لتمويل الإرهاب وغسل الأموال.
وفي الوقت الذي اعتبرت غالبية تعليقات الخبراء الإعلاميين والاقتصاديين إدراج اسم تونس لأول مرة ضمن القوائم سوداء «منعرجاً خطيراً جداً»، قلل خبراء ماليون آخرون من خطورته. بل إن محفوظ الباروني، الرئيس السابق لعدد من البنوك العربية والإسلامية في تونس، اعتبر أن مثل هذا التصنيف «قد يفيد تونس لأنه خطوة ستحث البرلمان والحكومة على التعجيل بإصدار القوانين والتشريعات التي تؤكد انخراط تونس في منظومة الشفافية المالية الدولية».
وفي الاتجاه ذاته، اعتبر لطفي حشيشة، الكاتب العام للجنة التونسية للتحاليل المالية، أن تصنيف تونس ضمن قائمة الدول «العالية المخاطر» في مجال تبييض الأموال وتمويل الإرهاب «لن يؤثر على صورتها الاقتصادية والمالية والسياسية في الخارج». وأوضح حشيشة قائلاً: «إن البرلمان الأوروبي ليس الجهة التي وضعت تونس ضمن هذه القائمة، بل مجموعة العمل المالي (GAFI)». وأوضح، من ثم: «إن القرار ينص على ضرورة اتخاذ البنوك والمؤسسات المالية في دول الاتحاد الأوروبي العناية المشدّدة تجاه المتعاملين من هذه الدول المصنّفة في القائمة لا أكثر ولا أقل». واختتم كلامه، بالإشارة إلى «أن العناية المشدّدة تعني إيقاف أي عملية مشبوهة، وهذه خطوة إيجابية يمكن أن تستفيد منها تونس».

قوائم سوداء جديدة
في المقابل، يعتقد الوزير ناجي جلول، رئيس معهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية، أن «من أخطر ما يتهدد تونس والاستثناء الديمقراطي العربي الناجح فيها إدراجها ضمن قوائم سوداء جديدة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، وهو ما يمكن أن يزيد من هشاشة الأوضاع في البلاد ويؤثر سلباً على مسار الانتقال الديمقراطي داخلها». وأورد الوزير جلول، أن مؤسسة الدراسات الاستراتيجية التابعة لرئاسة الجمهورية تعمل حالياً على تجنب تصنيف تونس في قائمة سوداء ثالثة أخطر من الأولى والثانية، وهي قلقة من أن التصنيف سيُقرّ فعلاً ما لم يتخذ قرار في هذا الخصوص قبل 25 مايو المقبل بالمصادقة على «قانون الحريات الفردية». وأوضح جلول أيضاً أن هذا التصنيف «أخطر من تصنيف تونس في قائمة سوداء للدول التي يجري فيها غسل الأموال». وأكد أنه سيُقرّ فعلاً إذا لم تتحرك الحكومة والبرلمان في ظرف أسابيع قليلة «للقيام بخطوة استباقية، واستكمال المصادقة على هذا القانون، وغيره من النصوص التشريعية التي تتماشى وتعهدات تونس في المحافل الأوروبية والدولية بالارتقاء إلى مستوى الدول الأكثر شفافية في العالم».

المستقبل؟
كيف يمكن لتونس أن تخرج مجدداً من عنق الزجاجة؟ وأن تتجنب مزيداً من التصنيفات السلبية التي من شأنها إرباك أوضاعها السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية؟
الإعلامي والدبلوماسي السابق عبد الحفيظ الهرقام يعتبر أنه «بدلاً من التباكي وجلد الذّات، أو محاولة تحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك، لا مناص من أن تعكف الحكومة بجديّة على معالجة كلّ الإخلالات التي أدّت إلى هذا الوضع». ويوضح أن ذلك يتحقق «من خلال تطوير الحوكمة الاقتصادية، وتسريع نسق الإصلاحات، وتفكيك مواطن الوهن في المنظومات النقدية والجبائية والتشريعية لإعادة صياغتها على أساس التناسق والنّجاعة، بعيداً عن الحلول الترقيعية. وعندما يؤمل فعلياً بأن تستعيد البلاد مكانتها الفاعلة وصورتها النّاصعة على الصّعيد الخارجي وتعزّز مقوِمات سيادتها».
سؤال آخر مطروح... هو: هل ينجح مجدداً خيار مواجهة الإملاءات الخارجية عبر إصلاح الذّات وسدّ الثغرات الداخلية؟
لا شك أن النقد الذاتي الذي يمكن أن يقوم به صناع القرار داخل قصرَي رئاسة الجمهورية والحكومة، وتحت قبة البرلمان في قصر باردو، ثم داخل كواليس الزعامات السياسية والنقابية، قد يكون المدخل الرئيسي لإنقاذ مسار الانتقال الديمقراطي والإصلاحات السياسية والاقتصادية، ومع هذا وتلك، جهود رفع التحديات التي تواجه البلاد داخلية وخارجياً... ومن بينها البطالة والإرهاب والفوضى التي تشهدها ليبيا، الجارة الشرقية لتونس، التي تشهد حرباً مدمرة ومعقدة منذ 7 سنوات.

محافظ البنك المركزي قبل استقالته: أجندات سياسية وراء إدراج تونس ضمن القوائم السوداء
اعتبر محافظ البنك المركزي التونسي الشاذلي العياري خلال جلسة استماع خاصة باللجنة المالية في البرلمان التونسي أن «هناك خلفيات سياسية تقف وراء تصنيف تونس من بين الدول الأكثر عرضة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب». وأشار إلى استنكار نواب البرلمان الأوروبي واستغرابهم من هذا التصنيف الذي وصفوه بـ«التدخل الاعتباطي»، على حد تعبيره.
وأفاد الشاذلي العياري، بأن لديه مراسلات وجهتها اللجنة إلى الحكومة لتحذيرها من تدارك تصنيفات إقليمية محتملة لتونس في مجالات عدة، من بينها تصنيفات لجان مالية دولية، في حين شدد فيه أعضاء اللجنة على أن تونس تمتلك «ترسانة تشريعية» في مجال تبييض الأموال، لكن تنقصها الفاعلية».
كذلك، أوضح محافظ البنك المركزي المستقيل، أنه سبق لتونس أن أُدرجت ضمن قائمة سوداء تشمل 17 ملاذاً ضريبياً يوجد خارج الاتحاد الأوروبي تم اعتمادها يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من قبل 28 وزير مالية أوروبياً خلال اجتماع عقد بالعاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل. ولقد اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي استنتاجاته بشأن قائمة المنظومات التشريعية غير المتعاونة في المجال الضريبي، وظهرت تونس ضمن هذه القائمة الملحقة، للمجلس الأوروبي، الذي اعتبر أن هذه البلدان «تقرّ أنظمة ضريبية تفاضلية سيئة ولم تبد انخراطها لتغييرها أو إبطالها». وأيضاً، جرى إعداد هذه القائمة السوداء باعتماد ثلاثة معايير تتعلق بالشفافية الضريبية والعدالة الجبائية وتطبيق إجراءات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية مقابل إرساء نظام ضريبي «عدائي».
غير أن هذا التصنيف لم يدم طويلاً؛ إذ قرّر مجلس الشؤون الاقتصادية والمالية في الاتحاد الأوروبي المنعقد بتاريخ 23 يناير (كانون الثاني) في بروكسل، سحب تونس من القائمة المذكورة، وأوضح أن قرار السحب هذا، جاء بعد تقديم السلطات التونسية توضيحات وبيانات موثقة أثبتت أن تونس لن تكون ملاذاً ضريبياً بأي حال من الأحوال.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».