فن بيع الثلج... بين الرياضة والهواية

يحتاج إلى لياقة بدنية وبنى تحتية

فن بيع الثلج... بين الرياضة والهواية
TT

فن بيع الثلج... بين الرياضة والهواية

فن بيع الثلج... بين الرياضة والهواية

التزلج من الهوايات المتنامية في البلدان العربية. فعدا عن لبنان وبعض البلدان التي تُغطيها الثلوج شتاء، كانت فكرة ممارسة التزلج على الجليد، كهواية أو رياضة، إما لا تخطر على البال أو تقتصر على النخبة. لكن بعد أن انفتح العالم على مصراعيه أمام الكل بفضل انتشار وسائل السفر الاقتصادي والفنادق السياحية، أصبحت هذه الهواية ديمقراطية تحتضن كل من يريد خوضها.
وبينما لا تزال بعض المنتجعات حكرا على النخبة مثل غاشتاد وآسبن وسانت موريس وميجيف وغيرها، فإن منتجعات أخرى فتحت الأبواب أمام جيل جديد ممن يعشقون ممارسة هذه الرياضة نظرا لفوائدها الكثيرة، وأيضا لمن يعشقون التباهي والتقاط صور «السيلفي» في أعالي الجبال وهم في حلة بألوان زاهية.
في كل الأحوال تحتاج هذه الهواية إلى لياقة بدنية عالية وتدريب لائق قبل الانطلاق إلى قمم الجبال. فرغم أن فوائدها لا تُحصى فإن مخاطرها أيضا كثيرة لمن لا يتقنونها، لهذا ينصح الخبراء بالتدريب قبل السفر في مراكز مغلقة للتعرف على بعض المبادئ الأساسية. ولأن معظم بلدان أوروبا وأميركا الشمالية تتمتع بحلبات ومسارات تلبي كل الأذواق والمتطلبات، وهو ما قد يسبب الحيرة للبعض، لخصنا في هذا الملف بعضا من أهم المراكز والمنتجعات التي تستحق الزيارة:

التزلج في النمسا... صناعة ومتعة

رغم شهرة النمسا كموطن للرياضة والسياحة الشتوية فإن النمساويين لا يدعون أنهم أول من عرف رياضة التزلج على الجليد. لكنهم في المقابل يفتخرون بأن ابن بلدهم، ماتياس زادارسكي، كان أول من استخدم الفولاذ المقاوم للصدأ في الزحافات الجليدية، وحصل في عام 1896 على براءة اختراعه، ليُصبح مؤسس تقنية التزلج في جبال الألب. بالإضافة لما حبته لها الطبيعة من جبال يُقدر عددها بـ300 قمة جبلية تغطيها الثلوج على مدار العام، ويصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 3150 مترا، مثل قمة غروسقلوكنر بارتفاع 3798 مترا، فإن النمسا تشتهر بمدارس وأكاديميات كثيرة في هذا الخصوص. وتعتبر الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) حتى أبريل (نيسان) موسمها المفضل. في شهر فبراير (شباط) مثلا تمنح المدارس عطلة تعرف بعطلة «التزلج» تسعى فيها حتى الأسر عادية الإمكانيات لتنظيم رحلات تستغل فيها تساقط الثلوج. لكن هذه الأنشطة لا تقتصر على السكان المحليين فحسب، بل تشمل أيضا عائلات ملكية أوروبية من بريطانيا وهولندا تحديدا، ورياضيين محترفين نظرا لما توفره من تسهيلات وفرص هائلة لممارسة رياضاتهم الشتوية المفضلة. ففي أحيان أخرى وعندما لا تكفي الثلوج الطبيعية لخلق حلبة صالحة فإن السلطات تُغذيها بثلوج صناعية حتى تكتمل المُتعة. ويعتمد نجاح الموسم على نسبة تساقط الثلوج، فإن انخفضت كان الموسم فاترا وإن زادت عن الحد، أمست خطرا. ففي الحالة الأخيرة قد تصحبها أمطار ورياح تسبب انهيارات ثلجية تتحسب لها أجهزة متخصصة وتتابعها بدقة متناهية حتى تُخطر المتزلجين محافظة على سلامتهم من جهة وسُمعتها من جهة ثانية. وعموما تتوفر أخبار الطقس وتفاصيله من ساعة إلى أخرى في كثير من المواقع الإلكترونية لكل منتجع مع تصوير حي ومباشر، كما أن هناك تطبيقات يمكن تنزيلها بالهواتف الذكية بهذا الخصوص.
وللنمسا بنية تحتية متينة تساعد على الوصول إلى مواقعها والانتقال من منطقة لأخرى بسهولة وسلاسة، فضلا عن توفر إمكانية شراء أو تأجير المعدات والملابس بما في ذلك الأحذية، فالملابس المناسبة شرط أساسي من شروط الاستمتاع بالتزلج. لهذا تُوفر معظم الفنادق بمنتجعات تزلج هذه المعدات التي تراعي الأناقة وعناصر السلامة في الوقت ذاته.

أهم مناطق التزلج النمساوية

تتنافس الأقاليم النمساوية على ما يمكن وصفه بسياحة «بيع الثلج» لا سيما في أقاليم مرتفعة مثل تيرول وسالزبورغ وكرنثيا وفورالبورغ لما تتمتع به من جبال شاهقة.
بعضها يعتبر من المنتجعات بالغة الفخامة، مثل منطقة «Kitzbuhel» بإقليم سالزبورغ التي تتميز بمنحدر يعتبر الأصعب في العالم. ومن جبالها كيتزبوهيل هورن بارتفاع 1996 متراً و«هانينكامرينين» بارتفاع 1712. تتميز كيتزبول على سبيل المثال بقدرات هائلة لاستيعاب السياح، بأكثر من 10 آلاف مقر سكن و56 مرفقاً للكابلات و168 كيلومترا منحدر و40 كيلومترا مسار تزلج، فضلا عن وفرة أماكن الترفيه للشباب ممن يعشقون السهر والعطلات الصاخبة.
كذلك تعتبر منطقة الباخ «Alpbach» من أجمل المناطق بإقليم تيرول بارتفاع 2128 مترا ولشدة الانحدار لا تتجاوز الرحلة من الوادي لأعلى الجبل أكثر من 15 دقيقة، خصوصا وأنها تتوفر على 46 مصعداً و4 مناطق للرياضة والانطلاق لكل منها مغرياته.

فيينا وسمرنيغ

البشرى للمبتدئين أو غير القادرين على القمم الشاهقة، أن منطقة سمرينغ التي تقع على بعد 100 كيلومتر من العاصمة فيينا بارتفاع 336 مترا، لا تبخل على زوارها من عشاق الثلوج ببرامج غنية. واحد منها أنها تُغطي بدءا من نوفمبر إلى آخر شهر مارس (آذار) ساحة مجلسها البلدي بجليد صناعي في حلقة دائرية غير مسقوفة بطول 8 آلاف متر لتمكينهم من التزلج.
وفي حال نعمت فيينا بشتاء قارس، فإن نهر الدانوب يتجمد، الأمر الذي يتيح لمن يشاء السير والتزلج والرقص على سطحه على شرط أن تسمح السلطات بذلك. السبب أنه عندما لا يكون متجمدا بعمق مناسب، يتهشم جليده بسرعة مما يعرض المتزلج أو السائر فوقه للخطر.

أناقة شتوية

تتطلب السياحة شتاء وللاستمتاع بالثلوج حرصاً بالغاً في اختيار الملابس المناسبة التي تحمي من البرد والمطر والرياح، سيما الأحذية المتينة المبطنة ذات الأرضية المصنوعة أساسا للسير فوق الثلوج أو الجليد. فهي تتميز بما يشبه المسامير حتى لا تسبب الانزلاق والسقوط.
من الإكسسوارات المهمة أيضا النظارات الشمسية للوقاية من أشعة الشمس فوق البنفسجية التي تزيد كلما زاد الارتفاع، فضلا عن الكريمات المرطبة للبشرة حتى لا تتشقق من شدة البرد، ويشمل الأمر هنا الرجال والنساء على حد سواء، لأن للضرورة أحكاماً.

العرب والثلوج

> ما يثير الانتباه أن الإحصاءات تسجل زيادة مطردة في عدد سياح النمسا شتاء من العرب القادمين من منطقة الخليج، إما للتمتع بمنظر الثلوج كنوع من التغيير، أو لممارسة التزلج كرياضة شتوية آخذة في التوسع والانتشار. وهو ما يؤكده ظهور متزلجين عرب يشاركون في مسابقات عالمية، مثل الإماراتية، زهرة لاري، الملقبة بـ«أميرة الجليد». شابة جامعية محجبة ساعدها على التفوق وجود حلبات تزلج مغلقة بالإمارات العربية المتحدة، وما حظيت به من دعم أسري ورسمي وجدية في التدريب. ونظرا لتزايد سياح الرياضات الشتوية، وسعت النمسا أنشطتها في المنطقة، حيث وفرت على صفحات إلكترونية معلومات شاملة عن شتى أنشطتها والأسعار وأماكن الإقامة وغيرها. وتوجد الآن نحو 3500 وكالة سفر بدول الخليج تتعامل مع مكاتب سياحة نمساوية. فالنمسا لا تدخر جهدا لجذب السياح من كل أنحاء العالم، مستغلة تضاريسها الطبيعية وطقسها المتنوع. ما يُحسب لها أنها لا تتوقف أيضاً عن الاستثمارات والتجديدات في حلباتها وتوسيع أنشطتها وتسهيلات الشتوية تحديدا، بدءا من تقديم دروس بلغات عالمية للمبتدئين أو لتخصيص مدارس لأطفال لا تتجاوز أعمارهم ثلاث سنوات.

سلوفينيا... تغازل منطقة الشرق الأوسط بالثلج

> ما لا يعرفه سوى قلة أن سلوفينيا توفر أثناء فصل الشتاء وتساقط الثلوج قائمة من البرامج السياحية المختارة بعناية لسياح الخليج والشرق الأوسط تحديدا، بما في ذلك مسارات التزلج والإقامة في الفلل الريفية المجهزة تجهيزاً كاملاً بالمعدات الضرورية.
فعندما تغطي الثلوج المروج والحقول والغابات، يتم ترتيب مسارات التزلج في كثير من الأماكن السياحية ومنها هضبة بوكلجوكا الكائنة فيها نادٍ مصمم للتزلج على الجليد يدعى بلانيكا نورديك سينتر. ويستطيع السائح هنا الاستمتاع بنحو 40 كيلومتراً من المسارات الفريدة في كرانجسكا غورا وراتيس ومشاهدة مناظر الجليد على التلال الممتدة على طول الطريق مروراً بوادي تمارا الكائن بين جبال الألب. كما تعتبر جيزرسكو مقصدا شعبيا للمتزلجين، فضلاً عن هضبة بلوك بلاتو التي تمثل مهد التزلج في سلوفينيا. وتوجد أسماء مختلفة مراكز من التزلج مثل كرانجسكا غورا، وروجلا، وبوهورجي، وكوب لوغاتيك وميدفود.


مقالات ذات صلة

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

يوميات الشرق متحف «موسيو ديل غاليون» الجديد المثير للإعجاب في مانيلا (أ.ف.ب)

رحلة عبر الزمن في مانيلا... متحف يعيد إحياء حكايات السفن التي ربطت آسيا بأوروبا

في عالم يعتمد اقتصاده على حركة السفن والبضائع عبر البحار والمحيطات، يحتل البحارة الفلبينيون مكانة بارزة، إذ يشكّلون ما بين 25 و30% من أطقم السفن التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
سفر وسياحة 3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله.

فيفيان حداد (بيروت)
سفر وسياحة ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة،

عادل عبد الرحمن (لندن)
يوميات الشرق تتمتع المدينة بتاريخ عريق يعود إلى أكثر من 2000 عام (غيتي)

ليتشي الإيطالية… «فلورنسا الجنوب» من دون زحام السياح

«أفضل طريقة لاكتشاف ليتشي هي أن تتجول فيها بينما ترفع رأسك إلى الأعلى»... كانت هذه النصيحة الأولى التي تتلقاها بعد وصولك إلى ثاني أكبر مدن إقليم بوليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.