وثيقة روسية تحذِّر من «دولة كردية» وتراجع دمشق عن «التسوية»

أعدها خبراء «منتدى فالداي» المقرب من الكرملين... ومصادر تتحدث عن «تطورات مقلقة» لموسكو في سوريا

مقاتلان من المعارضة السورية شمال حلب امس (رويترز)
مقاتلان من المعارضة السورية شمال حلب امس (رويترز)
TT

وثيقة روسية تحذِّر من «دولة كردية» وتراجع دمشق عن «التسوية»

مقاتلان من المعارضة السورية شمال حلب امس (رويترز)
مقاتلان من المعارضة السورية شمال حلب امس (رويترز)

حذّرت وثيقة روسية، أُعدت كورقة أساسية لـ«منتدى فالداي» المقرب من الكرملين الذي يُعقد في موسكو غداً بمشاركة وزير الخارجية سيرغي لافروف، من أن بعض «النخبة» في دمشق تراهن فقط على «الانتصار العسكري» أكثر من التسوية، إضافة إلى تحذير روسي آخر من أن «نية أميركا البقاء ونشر وحدات خاصة في مناطق الأكراد، ستؤدي إلى تقوية العناصر الناشئة للدولة الكردية التي ستعرقل استعادة الوحدة السورية بموجب القرار الدولي 2254».
في غضون ذلك، كشفت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» عن وجود فجوة كبيرة بين موقفي دمشق وموسكو إزاء تشكيل اللجنة الدستورية. وقالت المصادر أمس: «إن السفير السوري بشار الجعفري أبلغ مجلس الأمن الأسبوع الماضي رفض أي رعاية دولية للجنة وتمسكه بتشكيلها في دمشق ووفق آليات البرلمان السوري، في حين أن الجانب الروسي وزع البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني في سوتشي ونص على أن يشكل المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا اللجنة ويحدد مرجعياتها».
لكن المصادر ذاتها لاحظت أن الجانب الروسي «لم يضغط على دمشق لتنفيذ بيان سوتشي»، ما يعني صعوبة استئناف مفاوضات جنيف في المستقبل المنظور، مشيرة إلى أن الفترة الأخيرة شهدت «سلسلة من التطورات دفعت الكرملين إلى الاعتقاد أن التسوية السياسية في سوريا أصعب مما يعتقد، وأن إمكان تحقيق اختراق قبل الانتخابات الرئاسية الروسية في 18 الشهر المقبل غير ممكن». وقالت إن التطورات شملت: «الهجوم بطائرات درون على قاعدة حميميم، وإطلاق تركيا عملية غضن الزيتون في عفرين، وقصف أميركا لمرتزقة روس قرب دير الزور، والتصعيد الإيراني - الإسرائيلي في سوريا، والصدام مع دمشق حول تنفيذ بيان سوتشي، وبحث أنقرة وواشنطن عن تسوية في منبج لإصلاح العلاقات بينهما».
إلى ذلك، استعرضت الورقة، التي أعدها فايسلي كوزنتوف مدير «مركز الدراسات العربية والإسلامية»، وفيتالي نعومكين رئيس «معهد الدراسات الشرقية في الأكاديمية الروسية للعلوم»، وأرينا زفيوغيلسوكايا الباحثة في «مركز الدراسات العربية والإسلامية»، كوثيقة خلفية لمؤتمر «منتدى فالداي» الذي يبدأ في موسكو غداً، «قواعد اللعبة» في منطقة الشرق الأوسط باعتبار أن عام 2017 شكّل «نقطة انعطاف» في المنطقة، ذلك أنه «مع أن أياً من الصراعات الدامية لم ينتهِ بعد وأن بعضها يتصاعد وسط مخاوف من أن جميع الدول محكومة بالانهيار، فإن بعض التغيير الإيجابي حصل» منه أن «اللاعبين المحليين يبحثون عن حلول سياسية».
وأشارت المقدمة إلى أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط «أثبتت أهمية الدولة باعتبارها المؤسسة الأساسية» التي يمكن إصلاحها، ما يعني ضرورة الحفاظ على ازدواجية «تقوية الدولة وحل النزاعات، أمران هما في صلب الأولويات للاعبين الدوليين في المنطقة»، قبل أن تستعرض 9 اتجاهات في منطقة الشرق الأوسط.
- الخوف كعامل للإصلاح
وأشارت إلى أنه على العكس من المخاوف السابقة، فإن «أياً من الدول لم تُمحَ من الخريطة، ولم تُزل أي دولة بسبب الصراعات» وأنه مع أن بعض الأمور لا تزال جارية وخلقت تحديات للحكومات فإن «الخوف من الصراع والانهيار بات عاملاً رئيسياً في النفسية العامة في الشرق الأوسط سواء في أوساط النخب أو العموم». وتناول العامل الثاني زيادة «دور المجتمع المدني» في الشرق الأوسط. ومع أن «تقوية المجتمع المدني في المنطقة لم يكن متوقعاً كنتيجة لعملية التحول»، فإن عدد الجمعيات تضاعف مرات عدة، إما بسبب تشجيع الحكومات ضمن عملية الإصلاح وإما بسبب تراجع سلطة الدولة، ما دفع الناس كي تقوم بمبادرات لتقوية دورها وتنظيم نفسها، كما هو الحال في مناطق المعارضة في سوريا.
وجاء الاتجاه الثالث تحت عنوان «اللاعبون الإقليميون يحددون الأجندة». وأشارت الورقة إلى أنه في الحرب الباردة كانت الكلمة لأميركا والاتحاد السوفياتي، لكن في الوقت الراهن مع أن الدور الأبرز هو لروسيا وأميركا رغم الصعوبات بينهما، «لا بد لهما أن تأخذا بالاعتبار الوقائع الجديدة التي خلقت بسبب قوة اللاعبين الإقليميين. صحيح أن الدول الكبرى لديها قدرة أكبر» لكن هناك محدودية للتأثير والفرض على المحليين والإقليميين سواء كان هؤلاء اللاعبون تابعين لدول أو غير ذلك، في إشارة إلى الميليشيات.
- نهاية «داعش» كعامل موحد
قالت الورقة إن هزيمة «داعش» في العراق وسوريا كانت عامل توحيد بين اللاعبين، وإن التنظيم خسر معظم الأراضي التي يسيطر عليها «لكن الأسباب الحقيقية للإرهاب لم تُزل خصوصاً في العراق»، قبل أن تشير إلى بدء ظهور اختلاف أولويات بين القوى الكبرى والإقليمية التي أسهمت في هزيمة «داعش». ومهّد هذا للانتقال إلى الاتجاه الخامس المتعلق بظهور بـ«هشاشة في التحالفات» بسبب أن كل دولة باتت تعطي الأولوية لمصالحها المباشرة على حساب مصالح الحلف التي هي فيه. وكانت الورقة تشير إلى التوتر بين تركيا وأميركا العضوتين في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) بسبب دعم واشنطن للأكراد مقابل تعاون أميركي - روسي أو روسي - تركي.
وخصصت فقرة عن سوريا باعتبار أن «الحل السياسي في سوريا بات أولوية عاجلة». وعلى عكس المعلن من أن إدارة دونالد ترمب أوقفت برنامج دعم «الجيش السوري الحر»، فإن الورقة قالت إن «واشنطن زادت الدعم للمعارضة السورية» من دون تقديم دليل على ذلك. لكن الأهم أنها أشارت إلى أن «زيادة العلاقة بين أميركا والقوات الكردية، وأن نية أميركا البقاء ونشر وحدات خاصة في مناطق الأكراد، ستؤدي إلى تقوية العناصر الناشئة للدولة الكردية التي ستعرقل استعادة الوحدة السورية بموجب القرار الدولي 2254». كما لاحظت اتجاه اللاعبين الخارجيين للانتقال من التركيز على البعد العسكري إلى «التسوية السياسية» مع ملاحظة أن «بعض النخبة في الحكومة السورية لديهم آمال أكبر في الانتصار العسكري أكثر من نتائج حل بموجب المفاوضات».
وتناولت الورقة أيضا 3 اتجاهات أخرى في الشرق الأوسط تتعلق بأن «لاعبين ضعفاء يعرقلون السلام في ليبيا»، إضافة إلى وضع اليمن. وكان لافتاً أن الورقة اعتبرت أن «المشكلة الفلسطينية عادت إلى المائدة» الدولية والإقليمية.
- ليس عسكرياً فقط
وخلصت إلى أن «الوجود العسكري الروسي في الشرق الأوسط مهم لكنه ليس الأداة الوحيدة لدى الكرملين لصنع سياسة في المنطقة». وقللت من القول: إن «المحتوى العسكري في السياسة الروسية، قد يدفع اللاعبين الإقليميين والدوليين إلى احترام روسيا الساعية إلى منافسة دول كبرى أخرى في المنطقة»، لكن أشارت إلى أن التجربة أثبتت أنه «ليست هناك دولة قادرة وحدها على الوصول إلى حلول دائمة في الشرق الأوسط».
ومن المقرر أن تبدأ أعمال «منتدى فالداي» غداً، بجلسة يديرها نعومكين عن دور روسيا في الشرق الأوسط بمشاركة لافروف، ونظيره الإيراني جواد ظريف، والمستشارة الرئاسية السورية بثينة شعبان، ووزير الخارجية المصري الأسبق نبيل فهمي، للإجابة عن تساؤلات تتعلق بالوضع الراهن في المنطقة ومصالح روسيا، باعتبار أن «المحتوى الرئيسي للأجندة الإقليمية، وأن أفعال روسيا في سوريا، هي جزء من آليات تقوم بها روسيا في المنطقة وتسهم في الوصول إلى تسوية».
ويضم برنامج المنتدى جلسة عن سوريا بمشاركة شخصيات بينهم رمزي عز الدين رمزي نائب المبعوث الدولي إلى سوريا، للإجابة عن أسئلة، هي: «ما آليات المجتمع الدولي لتسريع الحل السياسية؟ كيف ترى الدول الفاعلة دورها في الإعمار؟ كيف يمكن تسهيل عودة اللاجئين؟ ما دور اللاعبين الخارجيين في الحفاظ على استقرار الدولة السورية ما بعد الحرب؟».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.