يوميات الود والخصام (2): تفاصيل عفو القذافي عن «الإخوان» والمعارضين لحكمه

زعماء «اللجان الثورية» لم يرحبوا بالمصالحة مع الليبراليين أو الإسلاميين لكن معمر كان قد قرر فتح صفحة جديدة

بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
TT

يوميات الود والخصام (2): تفاصيل عفو القذافي عن «الإخوان» والمعارضين لحكمه

بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)

لوقت طويل ساد اعتقاد بأن الحرس القديم في نظام معمر القذافي ينحصر في الرجال الذين عضدوا حكمه، والذين كانوا يتخوفون من إجراء أي تغييرات في السياسة الليبية داخلياً وخارجياً. لكن تبين الآن أن هذا لم يكن صحيحاً على وجه الدقة.
في الحلقة الثانية من التحقيقات المستندة إلى وثائق واعترافات تنشر للمرة الأولى، تسلط «الشرق الأوسط» الضوء على الطريقة التي بدأ بها فتح الباب لعودة المعارضين الليبيين من الخارج، وتفاصيل العفو عن جماعة «الإخوان» وباقي زعماء وأعضاء الجماعات الأخرى.
يقول أحد أقرب رجالات سيف الإسلام إن العملية بدأت على يد رجل المخابرات الخارجية أبو زيد دوردة عام 2004، حين كان يشغل موقع مندوب ليبيا في الأمم المتحدة. وعزز هذه المعلومات أيضاً المسؤول السابق في «مؤسسة القذافي» الأهلية صالح عبد السلام، وزعماء قبليون، وقادة أمنيون، أشاروا إلى محاولات سابقة، سواء للعفو عن معارضين، أو لاستعادة «المجاهدين» الليبيين من أفغانستان بعد أن بدأت ليبيا عملية في الخفاء، شارك فيها صديق سيف الإسلام بنفسه لاستعادة قادة «الجماعة الليبية المقاتلة» من أفغانستان في عهد حكومة «طالبان».
تعود تفاصيل هذه العملية، التي لم تكن معروفة من قبل، إلى عام 2001، وقد كشف صديق سيف الإسلام الذي كان في الوفد المفاوض، أن طرابلس حاولت عقد صفقة لم تكتمل مع المُلا عمر، زعيم «طالبان»، تقضي بتسلم القادة والأعضاء الليبيين في «المقاتلة» الموجودين في أفغانستان. وكان من بينهم عبد الحكيم بلحاج، وسامي الساعدي، وخالد الشريف، وذلك مقابل وعود باعتراف ليبيا بحكم حركة طالبان، وضخ استثمارات لحكومتها، وحسن معاملة القادة الليبيين الذين ستسلمهم الحركة لطرابلس، لكن الحرب الأميركية على أفغانستان في تلك السنة أوقفت المشروع.
في تلك السنوات سادت أفغانستان عدة اضطرابات، تمثلت في اجتياح قوات الاتحاد السوفياتي للبلاد نهاية 1979، وكنتيجة لذلك انطلقت من جبال أفغانستان انتفاضة مسلحة، وتوافد ألوف المقاتلين من المنطقة العربية لطرد الروس من أفغانستان. لكن بعد خروج القوات الروسية عام 1989 أصبحت معظم الدول العربية تخشى من عودة هؤلاء إلى بلادهم، لأنهم أصبحوا أكثر تطرفاً وقدرةً على القتال. وكان بين هؤلاء من انخرط في جماعة تأسست في أفغانستان تحت اسم «الجماعة الليبية المقاتلة»، استعداداً لشن حرب ضد نظام القذافي، وكان من أبرز قادتها بلحاج.
يقول الصديق المقرب من سيف الإسلام عن هذه الفترة، التي عرفت بداية تفاوض الوفد الليبي مع المسؤولين في حكومة «طالبان»، «ذهبنا إلى قندهار للقاء المُلا عمر... استقبلنا أولاً وكيل أحمد متوكل، وزير الخارجية في حكومة (طالبان)، والمُلا عبد الجليل نائب وزير الخارجية... ثم استقبلنا الملا عمر. طلبنا منه أن يسلم لنا قيادات وأعضاء (الجماعة الليبية المقاتلة) الموجودة في أفغانستان، مقابل أن تنظر ليبيا في الاعتراف بنظام (طالبان)، وأن تساعدهم في تنفيذ مشروعات، منها مد طريق بين جلال أباد وكابل».
ويضيف صديق سيف مستعرضاً أجواء المفاوضات مع الملا عمر: «كان لقاءً غريباً... فعندما جاء الملا جلس على ما يشبه المصطبة المرتفعة عن الأرض، ولم يتحدث كثيراً. وأكثر من كان يتحدث هو المُلا عبد الجليل... وبعد ذلك قال زعيم (طالبان): (خلاص سننظر في طلبكم هذا). ثم استطرد المُلا عمر، وتحدث عن المقاتلين الليبيين في أفغانستان قائلاً: (هم ضيوف عندنا، لكن أنتم أيضا تهموننا، ولذلك لا نريد أن يتسببوا لكم في مشاكل)».
وبحسب الصديق المقرب من سيف الإسلام، فقد «جرى الاتفاق في ختام تلك المفاوضات مع (طالبان) على تشكيل لجان، وطلب المُلا عمر ضمانات بألا يتم التعرض لأي من الليبيين في (الجماعة المقاتلة)، بعد أن يعودوا إلى ليبيا. وقد كانت الدولة الليبية بشكل عام هي من أطلق هذه المبادرة. وأنا كنت طرفاً في المفاوضات من خلال المؤسسة التي يرأسها سيف الإسلام».
وعن أسباب توقف هذه الصفقة يضيف صديق سيف موضحاً: «كان يُفترض أن نعود مرة أخرى لأفغانستان لاستكمال المباحثات، لكن وقعت أحداث سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة، وما جاء بعدها من تطورات»، حيث بدأت الحرب الأميركية ضد حكومة «طالبان». ورغم ذلك فقد عاد صديق سيف الإسلام إلى أفغانستان بعد اندلاع الحرب بنحو أسبوعين، وبدأ يشرف على قوافل إغاثة عن طريق «مؤسسة القذافي» إلى قندهار، وجلال أباد، وكابل، لمساعدة الشعب الأفغاني.
توالت الأحداث بعد ذلك، وأصبحت حكومة طالبان أثراً بعد عين، ثم اختفى معها المقاتلون الليبيون إلى أن ظهروا بقوة على الساحة في أحداث الربيع العربي. وفي ظل هذه التطورات المتسارعة كانت مجموعة فصائل أفغانية قد أسست «تحالف الشمال»، ودخلت في خلافات مع حركة طالبان المدعومة من الأفغان العرب، عقب خروج الروس من البلاد. وحين تم اغتيال أحمد شاه مسعود بكاميرا تصوير ملغومة، في التاسع من سبتمبر 2001 اتهم تحالفُه «المجاهدين العرب» باغتياله، وانسحبت القافلة الليبية بعد تسليم المساعدات لطرف في الهلال الأحمر. لكن بعد سقوط نظام «طالبان»، عاد الليبيون مرة ثالثة إلى هناك لأن «سيف الإسلام كان قد أطلق وقتها مبادرة لإعادة العائلات العربية التي تقطعت بها السبل أثناء الحرب في أفغانستان... وبالفعل فقد عدنا بمجموعتين... نحو 120 عائلة، ما بين ليبيين وأردنيين، وغيرهم»، حسب اعترافات المقرب من نجل القذافي.
كنتيجة لهذه الأحداث أصبحت أجهزة المخابرات الغربية تطارد زعماء الأفغان العرب، وترسل من تعتقله منهم إلى التحقيق والاحتجاز في المعتقلات، ومنها معتقل غوانتنامو الشهير، والدخول في صفقات لتسليم بعضهم إلى دولهم. وكان من بين هؤلاء، مرة أخرى، أمراء حرب ليبيون تم الزج بهم في السجون نفسها، التي سبقهم إليها متهمون ومحكومون في قضايا تخص الإسلاميين المتطرفين، وكان من أشهر هذه السجون سجن «أبو سليم»، سيئ السمعة في طرابلس.
وحسب مراقبين، فإنه لا يمكن تصنيف «الجماعة المقاتلة الليبية» إلا كتنظيم جاء في وقت متأخر لاستهداف نظام الحكم الليبي، مقارنة بالخصوم التاريخيين، الذي فروا من البلاد في وقت مبكر من السبعينات والثمانينات، مثل جماعة الإخوان، وجماعات يسارية وقومية وبعثية، وغيرها، كان معظمها مشتتاً في الخارج. لكن منذ عام 1988 بدأ نظام القذافي محاولات لنزع فتيل الخلافات مع معارضيه. وبهذا الخصوص يقول كاتم أسرار سيف الإسلام «في تلك السنة أفرج القائد (القذافي) عن السجناء الذين تآمروا ضده، والذين حاولوا قتله، ومزق قوائم الممنوعين من السفر، وفتح الأبواب... كانت هذه البداية».
أما المرحلة الثانية من فتح باب التفاهم مع الإسلاميين فقد جرت منذ نحو 14 سنة بأسلوبين مختلفين: أسلوب أمني صرف، وأسلوب آخر له طابع مدني جاء فيما بعد، حيث كانت الأجهزة الأمنية في حاجة إلى جسم يكون في الواجهة، وقد تمثل هذا الجسم في «مؤسسة القذافي». وقد بدأ هذا الموضوع بوزيد دوردة (مسجون حالياً في طرابلس)، حين كان مندوباً لليبيا في الأمم المتحدة عام 2004، حسب تصريحات صديق سيف الإسلام.
ويؤكد هذه الواقعة أيضاً صالح عبد السلام، المدير التنفيذي السابق لـ«مؤسسة القذافي»، بقوله «كان الأستاذ دوردة يحظى باحترام الليبيين، فكلفته الدولة آنذاك بالتواصل مع الموجودين بالخارج، ونجح في الوصول إلى نتائج جيدة، أدت لعودة ليبيين كثيرين إلى ليبيا. لم يكن هناك تركيز على جماعة الإخوان فقط، ولكن على الليبيين عموماً ممن كانت لديهم مشاكل سياسية، وكان من بينهم إخوان مسلمون وغيرهم».
ومن جانبه يضيف صديق سيف الإسلام موضحاً: «بدأ الأمر بلقاءات مع قيادات مختلفة في الخارج، منهم علي بوزعكوك، وناصر المانع، وعلي الريشي وأحمد القصير. وقد بدأ الأستاذ دوردة في تقديم تسهيلات لهؤلاء من أجل أن يعودوا، وأن يتم تيسير ذلك في إطار مصالحة مجتمعية... وسار الأمر هكذا». تولى دوردة بعد ذلك موقع رئيس جهاز الأمن الخارجي (المخابرات)، ليقف جنباً إلى جنب مع القادة الأمنيين الكبار في الدولة الليبية، مثل السنوسي، الذي كان رئيساً للمخابرات العسكرية، والتهامي خالد، الذي كان وقتها رئيساً لجهاز الأمن الداخلي. وانطلاقاً من عام 2005 وما بعده، كانت الظروف في منطقة الشرق الأوسط تبدو شديدة التعقيد، خصوصاً مع الضغط الأميركي للإصلاح الديمقراطي، وتخوف زعماء في المنطقة من الدعم الغربي لجماعات المعارضة، وعلى رأسها جماعة الإخوان.
في تلك الفترات ظهر بزغ نجم كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية السمراء، حيث اقترن اسمها مع ما كان يسمى بسياسة واشنطن المعتمدة على «الفوضى الخلاقة». وعلى هذا الأساس اتسم سلوك جماعات المعارضة في الشرق الأوسط بالجرأة. وفي المقابل كانت هناك ثقة كبيرة فيما يقوم به رجال القذافي الأمنيون المشار إليهم، رغم تحفظ زعماء من «اللجان الثورية». كما بدأت الدولة إجراء مراجعات مع الإسلاميين في السجون.
عن هذه المرحلة يقول عبد السلام «كان هناك تحفظ بالطبع لدى البعض من قيادات (اللجان الثورية)، وحتى بعض الأجهزة الأمنية... وكان بعض القادة يتحفظون على موضوع المراجعات».
لكن على كل حال بدأ حوار واسع في هذا الاتجاه، بإشراف دوردة، وعبد الله السنوسي قائد جهاز المخابرات العسكرية والتهامي. وأسفر ذلك عن تشكيل «لجنة أمنية» تولت التواصل مع المحتجزين في السجون الليبية، بمن في ذلك أمراء الحرب الأفغانية، الذين تسلمتهم ليبيا من الخارج. لكن كاد تنظيم القاعدة أن يفسد هذه المبادرة، حين أعلن من مركزه في أفغانستان، رفضه للمراجعات التي يقوم بها الإسلاميون في السجون الليبية. وبهذا الخصوص يقول عبد السلام «في ذلك الوقت من أواخر عام 2007، أعلن بعض قادة (الجماعة الليبية) في أفغانستان، مع أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، أن الجماعة جزء من هذا التنظيم، وقد شكل هذا الأمر ضغطاً على الموجودين في السجن في ليبيا».
وأضاف أن «بيان تنظيم القاعدة المشار إليه، ساهم بشكل غير مباشر في جدية المراجعات، لأن قادة (الجماعة المقاتلة) وجدوا أنفسهم في وضع حرج أمام إعلان القاعدة». وكان الموجودون على الطاولة «قادة الجماعة الليبية» و«ممثلو الأجهزة الأمنية»، و«مؤسسة القذافي»، فقط.
لكن على أي أساس دخلت «مؤسسة القذافي» في هذه القضية الشائكة؟ كجواب على هذا السؤال يقول كاثم أسرار سيف الإسلام القذافي «كانت الأجهزة الأمنية وقتها في حاجة إلى جسم ضامن لكي يعمل على هذا الموضوع. و(مؤسسة القذافي) قامت بهذا، وكان يتولى هذه العملية الأخ صالح عبد السلام، المدير التنفيذي للمؤسسة في الوقت ذلك».
من جهته، يوضح عبد السلام نفسه أن مشروع المصالحة، الذي بدأه دوردة من خارج البلاد، تم نقله فيما بعد إلى داخل أسوار السجون في ليبيا. و«حتى ذلك الوقت لم تكن لـ(مؤسسة القذافي) أي علاقة بهذا الموضوع. وبعد عدة جولات بين الأجهزة الأمنية (السجان)، والمساجين، كان هناك شعور بفقدان الثقة بين الطرفين على الطاولة، فأعيد النظر في القضية، وبدأ التفكير في إيجاد مؤسسة ليست لها علاقة بالمؤسسة الأمنية لكي تتولى الإشراف على المراجعات. وعلى هذا الأساس تم التواصل مع مؤسسة القذافي ومع المهندس سيف الإسلام».
ووفقاً لعبد السلام، لم يكن قادة «الجماعة المقاتلة» في السجون يرحبون في البداية بأي دور لجماعة الإخوان، رغم أنه توجد صورة شهيرة للاحتفال بطي صفحة الماضي بين الإسلاميين والدولة، يظهر فيها سيف الإسلام مع كل من القيادي في إخوان ليبيا علي الصلابي، وبلحاج (مدرجان الآن على قائمة الشخصيات الإرهابية المرتبطة بقطر). وقد شارك هذان الرجلان عام 2011 في الانتفاضة المسلحة التي أطاحت بحكم القذافي.
يقول شاهد من النظام السابق «لم يكن لـ(الإخوان) أي دور في ليبيا حينذاك. ولم يكن لهم أي وجود في مفاصل الدولة. كما أن قيادات (الجماعة الليبية المقاتلة)، التي تصدرت المشهد بعد 2011، كقادة لما يسمى بالثورة، كنا قد أعدنا اعتقالهم أثناء الأحداث. هذا اعتراف أعلن عنه للمرة الأولى: لقد أدخلنا الشريف والساعدي السجن مجدداً ولم يشاركا في أحداث فبراير (شباط).
أما بلحاج فكان قد تمكن من الهرب إلى أن جاءت به قناة (الجزيرة) في سيارة إسعاف، وأدخلته لتصويره في باب العزيزية (مقر حكم القذافي) بطرابلس في 20 أغسطس (آب) كبطل مزعوم». ويضيف عبد السلام موضحاً: «لم يأت الصلابي منذ بداية المراجعات في 2007، ولم يكن على الإطلاق عموداً فقرياً فيها... وحين ظهر انتقلتُ أنا وهو إلى قادة الجماعة المقاتلة (في السجن)، فرفضوا أن يكون على طاولة المراجعات. ومكثنا في حوار حول هذه القضية لمدة ثلاثة أيام، وفي النهاية وافق قادة الجماعة المقاتلة على مضض على وجوده، واقتصر دوره على أنه كان من فترة إلى أخرى، يجلب للجماعة المقاتلة ما تحتاجه من كتب تساعدهم في الدراسات التصحيحية».
وعلى الجانب الآخر استمر قلق «الحرس القديم (بعض زعماء اللجان الثورية)»؛ حيث كانت لديهم شكوك في إجراءات «اللجنة الأمنية» تلك، سواء بالتصالح مع الليبراليين، أو الإسلاميين. لكن القذافي كان قد قرر، على ما يبدو، أن يمضي في طريق جديدة، حتى لو كان ذلك قد جاء بعد فوات الأوان.

* يوميات الود والخصام (1): سيف الإسلام... الأمل المتبقي لتوحيد أنصار نظام القذافي


السودان ينفي التدخل في شؤون إثيوبيا... ومُسيرة تستهدف مبنى تلفزيون تيغراي

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
TT

السودان ينفي التدخل في شؤون إثيوبيا... ومُسيرة تستهدف مبنى تلفزيون تيغراي

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)

اتهم قائد الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا، أمس الأحد، إريتريا والسودان بدعم متمرّدي تيغراي؛ الإقليم الشمالي في إثيوبيا الذي أعلنت سلطاته أنها تخوض «حرباً شاملة» ضد الحكومة الفيدرالية.

ورفضت القوات المسلّحة السودانية اتهامات جولا، ووصفتها بأنها «لا أساس لها من الصحة». وقالت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، في بيان، مساء الأحد، إن لديها «معلومات ووقائع» بشأن استمرار ما وصفته بدعم وإسناد «قوات الدعم السريع» من الأراضي الإثيوبية، مشيرة إلى التدريب والإمداد واستخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية؛ بينها تشغيل طائرات مُسيرة استراتيجية وانتحارية.

https://www.facebook.com/sudanese.armed.forces/videos/في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة85-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة87-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة82في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة82في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAA-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةADفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9في المائةD8في المائةA8في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA3في المائةD8في المائةADفي المائةD8في المائةAF-في المائةD9في المائةA2في المائةD9في المائةA7-في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA8/1792025802120885/?locale=ar_AR

وأكد الجيش السوداني التزامه بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، مشدداً على أنه لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكنه، في الوقت نفسه، «لن يسمح بالمساس بسيادته أو أمنه الوطني».

ودعا الجيش السوداني الجانب الإثيوبي إلى تحري الدقة والمسؤولية، والاحتكام إلى الحوار والقنوات الرسمية، بما يحفظ أمن واستقرار البلدين والمنطقة، مؤكداً أن القوات المسلحة السودانية ستظل يقِظة في حماية حدود الوطن وسيادته، وقادرة على التصدي لكل ما يهدد أمنه واستقراره.

ويحيي تجدُّد الأعمال العدائية، منذ أشهر بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير شعب تيغراي»، المخاوف من اندلاع حرب جديدة في إثيوبيا، بعد أقل من أربع سنوات على توقيع اتفاق سلام أنهى الحرب التي احتدمت بين عاميْ 2020 و2022 وأسفرت عن مقتل 600 ألف شخص على الأقلّ، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي.

وسيطر متمرّدو الجبهة، الأربعاء، على مطار عاصمة الإقليم، ميكيلي، ومطارين آخرين، وتوغّلوا في إقليميْ عفر وأمهرة المجاوريْن، بعدما أعلنوا أنهم يخوضون «حرباً دفاعية» ضدّ حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال مصدر إنساني إن مُقاتلي «جبهة تحرير شعب تيغراي» سيطروا، أمس الأحد، على بلدة إريبتي في إقليم عفر، قرب الحدود مع الإقليم، مضيفاً أنهم يتقدّمون حالياً نحو بلدة أفديرا الواقعة على بُعد نحو 100 كيلومتر إلى الشرق.

وقدّر المصدر عدد النازحين في إقليم عفر بنحو 150 ألف شخص، مؤكداً صعوبة تحديد رقم دقيق. ويهدف الهجوم على عفر إلى قطع خطوط الإمداد الآتية من جيبوتي، التي تُشكّل مصدر غالبية الواردات الدولية إلى إثيوبيا، ومن بينها شحنات الوقود.

من جهته، صرّح برهانو جولا، عبر قناة الجيش على «يوتيوب»، قائلاً: «(إنّنا) نقاتل قوات منظمة ومتحالفة لخدمة مصالح قوى خارجية»، مضيفاً: «لا تستطيع شابيّا (إريتريا) ولا جبهة تحرير شعب تيغراي تحقيق أيّ شيء بمفردهما، حتى لو تحالفتا، ما لم تتلقّيا دعماً وإسناداً وإمدادات من السودان ومصر وقوى خارجية أخرى».

ونفت مصر التدخل في اضطرابات إثيوبيا، وقال مصدر مصري مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُلمِّح إليه إثيوبيا «ادعاءات لا تستحق الرد، والقاهرة غير معنية بهذه المهاترات». ودعا السلطات الإثيوبية إلى «معالجة أزماتها ومشكلاتها الداخلية بنفسها، بدلاً من محاولة تعليق فشلها الداخلي على الخارج».

استهداف التلفزيون العام

أعلنت سبع مجموعات معارِضة للحكومة الفيدرالية من أقاليم عدة؛ من بينها «جبهة تحرير شعب تيغراي» وميليشيات «فانو» الأمهرية و«جيش تحرير أورومو»، تشكيل تحالف من أجل «إطاحة» حكومة أديس أبابا.

وتوعّد هذا التحالف بأنه سيردّ بـ«هجمات مضادة واسعة النطاق» على هجمات القوات الفيدرالية.

وأُصيب مبنى تلفزيون تيغراي في العاصمة ميكيلي بمُسيّرة، صباح الأحد، وفق ما أفاد «وكالة الصحافة الفرنسية» مراسلون في القناة الناطقة باسم سلطات تيغراي.

وقال أحد المراسلين: «سمعنا انفجاراً قويّاً ناجماً عن غارة بمسيّرة في مكان آخر وغادرنا المبنى. وبُعَيد مغادرتنا، أُصيب مبنى التلفزيون». وأوقفت القناة، التي تُوظّف أكثر من 400 صحافي، بثّها المباشر، وفق مراسل آخر، في حين أظهرت صورٌ التقطها مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» واجهة المبنى متضرّرة.

كانت السلطات الفيدرالية الإثيوبية قد أعلنت، الاثنين الماضي، تعليقَ عمل «تيغراي تي في» ومنع وسائل الإعلام من نقل أخبارها، في حين لم يصدر أيّ تعليق عن إدارة القناة.

حصار ومخاوف من تجدّد الحرب

ومنذ الجمعة الماضي، تشهد مناطق في شمال إثيوبيا انقطاعاً في شبكتَي الهاتف والإنترنت، ما صعّب متابعة التطورات الميدانية.

وذكرت منظمة «نت بلوكس»، عبر منصة «إكس»، أن «بيانات الشبكة تشير إلى انقطاع في خدمة الإنترنت على مستوى إقليمي في شمال إثيوبيا، يتزامن مع تقارير تفيد بحدوث انقطاع في الاتصالات بإقليم تيغراي».

ويخشى سكان الإقليم تكرار سيناريو انقطاع الاتصالات والحصار الذي فرضته الحكومة الفيدرالية على تيغراي، خلال الحرب الأخيرة، حين قطعت الكهرباء والخِدمات المصرفية، وتوقفت معظم المساعدات الإنسانية عن الوصول إلى الإقليم.

وعلى الرغم من أن الحكومة الإثيوبية تتمتّع بتفوق عسكري واضح، فضلاً عن دعم دول خارجية، لكن النزاع قد يستدرج إريتريا المجاورة إلى ساحة المواجهة إلى جانب المتمردين، في ظل مخاوفها من سعي إثيوبيا، الدولة الحبيسة، إلى الحصول بالقوّة على مَنفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة في عام 1991 وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء في 2018، مما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن اتفاق بريتوريا للسلام أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، لكن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنّت الحكومة الاتحادية، منذ ذلك الحين، غارات على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.

واتهمت منظمات حقوقية جبهة تحرير شعب تيغراي بإطلاق حملات تجنيد قسري، خلال العام الحالي، استعداداً لاستئناف القتال.


ضربات جوية وبرية تستنزف الحوثيين في تعز

الدخان يتصاعد قرب مبانٍ في تعز بعد ضربة استهدفت هدفاً حوثياً (رويترز)
الدخان يتصاعد قرب مبانٍ في تعز بعد ضربة استهدفت هدفاً حوثياً (رويترز)
TT

ضربات جوية وبرية تستنزف الحوثيين في تعز

الدخان يتصاعد قرب مبانٍ في تعز بعد ضربة استهدفت هدفاً حوثياً (رويترز)
الدخان يتصاعد قرب مبانٍ في تعز بعد ضربة استهدفت هدفاً حوثياً (رويترز)

دخلت جبهات تعز في جنوب غرب اليمن مرحلة جديدة من القتال المكثف مع انتقال الضربات الحكومية من خطوط التماس إلى عمق التحركات العسكرية الحوثية، واستهداف تعزيزات ومواقع ومخازن أسلحة في مناطق متفرقة من المحافظة، بالتزامن مع مواجهات ميدانية ومحاولات تسلل أحبطتها القوات الحكومية.وشنت مقاتلات حربية غارات على مواقع وتجمعات حوثية في الحوبان ومفرق ماوية والذكرة والأكبوش وحيفان، إضافة إلى رتل إمداد في شارع الستين شمال مدينة تعز وتعزيزات في الوازعية غرباً، في حين شاركت الطائرات المسيّرة والمدفعية في استهداف آليات وتجمعات على عدد من المحاور.

وأعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل في الأحطوب بجبل حبشي، وقصف آلية حوثية في الكدحة وتجمعات في الأقروض. في حين استمرت المواجهات حول جبل نُمان وكهبوب والعلَقمة وراسن، من دون تسجيل تحول رئيسي في خريطة السيطرة.

وتزامن ذلك مع تصاعد مؤشرات الخسائر الحوثية؛ إذ أفادت بيانات رصد يمنية بتشييع 422 من عناصر الجماعة خلال الشهر الحالي، بينهم قيادات وضباط، مع صعوبة تأكيد اعتبار الرقم حصيلة نهائية.


جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)
وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)
TT

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)
وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

وتقع جيبوتي بشرق أفريقيا على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، وتحدها إريتريا من الشمال، وإثيوبيا من الغرب والجنوب، والصومال من الجنوب الشرقي، بينما تطل شرقاً على البحر الأحمر وخليج عدن؛ وعلى الجانب المقابل عبر البحر الأحمر يقع اليمن الذي تبعد سواحله عنها نحو 20 كيلومتراً.

ووسط هذا المحيط المضطرب، يعتقد خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن جيبوتي ستواجه ضغوطاً متزايدة من حيث التكلفة والاستقرار، ما لم يستجب المجتمع الدولي لمناشداتها، متوقعاً أن تلعب دور وساطة بحكم علاقاتها المتوازنة مع دول الجوار.

مناشدة دولية

وكشف وزير خارجية جيبوتي، عبد القادر عمر، أن آلاف الفارين تدفقوا إلى بلاده جراء العنف في اليمن؛ ما يفرض ضغوطاً كبيرة على المجتمعات المضيفة في منطقة أوبوك، وكذلك على القدرة الاستيعابية لمخيم اللاجئين المعروف باسم مركزي، ووصل العدد، وفق تقديرات الأمم المتحدة، إلى 10 آلاف شخص.

وقال عمر في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مساء السبت، إن جيبوتي لا تستطيع وحدها تلبية الاحتياجات المتزايدة من المأوى والغذاء والخدمات الأساسية، داعياً المجتمع الدولي إلى تكثيف دعمه كي يتسنى لحكومة بلاده الاستجابة على نحو ملائم لهذا التدفق.

يمنية تنشر ملابس في مخيم للنازحين بعدما اجتاح الحوثيون قريتها (أ.ف.ب)

والفرار من اليمن، الذي يشهد مواجهات مسلحة متصاعدة منذ أسابيع، ليس وحده التحدي البارز أمام جيبوتي، فهناك أيضاً عودة الصراع في الجارة إثيوبيا مع استيلاء «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنها هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة.

ويرجح المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن تبقى جيبوتي تحت ضغط اضطرابات دول الجوار خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع استمرار الحرب في اليمن، وتزايد التوترات في إثيوبيا، وذلك بحكم موقعها الجغرافي الحساس واتصالها المباشر بالبحر الأحمر وباب المندب.

عبء إنساني وأمني

وتتعامل جيبوتي مع تدفق الفارين بوصفه عبئاً إنسانياً وأمنياً متزايداً، في وقت تظل فيه قدراتها الاقتصادية والبنية التحتية محدودة مقارنة بحجم المخاطر المحيطة بها.

ويقول عيسى إن أهمية موقع جيبوتي الاستراتيجي لا تعني بالضرورة حصولها تلقائياً على مستوى الدعم الذي تحتاجه لمواجهة التداعيات الإنسانية والاقتصادية والأمنية للأزمات الإقليمية. وحذر من أن استمرار تلك الضغوط لمدة طويلة قد يرفع تكلفة الاستقرار، خصوصاً إذا تزايدت أعداد الفارين، واتسع الصراع في إثيوبيا، وارتفعت تكاليف الخدمات والإيواء، واتسعت تداعيات اضطراب التجارة والملاحة في البحر الأحمر.

ورجح أنه حال بدء الدعم الدولي والإقليمي بمستوى يتناسب مع حجم هذه التحديات، فإن جيبوتي سيكون لديها قدرة أكبر على المحافظة على استقرارها والاستمرار في أداء دورها المحوري في أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الوساطة واردة

ووسط تلك الأزمات المحيطة بها، دعت جيبوتي في بيان للخارجية نقلته وكالة الأنباء الرسمية، الأحد، إلى خفض التصعيد في إثيوبيا، وتسوية النزاعات من خلال الحوار.

ويعتقد عيسى أن جيبوتي يمكن أن تتجه إلى توسيع حضورها الدبلوماسي عبر لعب دور الوسيط أو الميسّر في بعض أزمات الإقليم، خاصة أنها تمتلك خبرة في التواصل مع أطراف متعددة، وتتمتع بعلاقات متوازنة نسبياً مع قوى إقليمية ودولية مختلفة.

وبحسب عيسى، يبدو الملف اليمني أكثر قابلية لهذا التحرك، بينما يظل الملف الإثيوبي أكثر حساسية؛ ما يدفع جيبوتي إلى تبنّي مقاربة تدريجية تقوم على التشاور وبناء الثقة؛ ما يقلل من أزماتها الداخلية.