يوميات الود والخصام (2): تفاصيل عفو القذافي عن «الإخوان» والمعارضين لحكمه

زعماء «اللجان الثورية» لم يرحبوا بالمصالحة مع الليبراليين أو الإسلاميين لكن معمر كان قد قرر فتح صفحة جديدة

بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
TT

يوميات الود والخصام (2): تفاصيل عفو القذافي عن «الإخوان» والمعارضين لحكمه

بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)
بوزيد دوردة رئيس المخابرات الليبي السابق في قفص المحاكمة بطرابلس في 2012 وينسب له فتحه باب المصالحة مع المعارضين (صورة أرشيفية)

لوقت طويل ساد اعتقاد بأن الحرس القديم في نظام معمر القذافي ينحصر في الرجال الذين عضدوا حكمه، والذين كانوا يتخوفون من إجراء أي تغييرات في السياسة الليبية داخلياً وخارجياً. لكن تبين الآن أن هذا لم يكن صحيحاً على وجه الدقة.
في الحلقة الثانية من التحقيقات المستندة إلى وثائق واعترافات تنشر للمرة الأولى، تسلط «الشرق الأوسط» الضوء على الطريقة التي بدأ بها فتح الباب لعودة المعارضين الليبيين من الخارج، وتفاصيل العفو عن جماعة «الإخوان» وباقي زعماء وأعضاء الجماعات الأخرى.
يقول أحد أقرب رجالات سيف الإسلام إن العملية بدأت على يد رجل المخابرات الخارجية أبو زيد دوردة عام 2004، حين كان يشغل موقع مندوب ليبيا في الأمم المتحدة. وعزز هذه المعلومات أيضاً المسؤول السابق في «مؤسسة القذافي» الأهلية صالح عبد السلام، وزعماء قبليون، وقادة أمنيون، أشاروا إلى محاولات سابقة، سواء للعفو عن معارضين، أو لاستعادة «المجاهدين» الليبيين من أفغانستان بعد أن بدأت ليبيا عملية في الخفاء، شارك فيها صديق سيف الإسلام بنفسه لاستعادة قادة «الجماعة الليبية المقاتلة» من أفغانستان في عهد حكومة «طالبان».
تعود تفاصيل هذه العملية، التي لم تكن معروفة من قبل، إلى عام 2001، وقد كشف صديق سيف الإسلام الذي كان في الوفد المفاوض، أن طرابلس حاولت عقد صفقة لم تكتمل مع المُلا عمر، زعيم «طالبان»، تقضي بتسلم القادة والأعضاء الليبيين في «المقاتلة» الموجودين في أفغانستان. وكان من بينهم عبد الحكيم بلحاج، وسامي الساعدي، وخالد الشريف، وذلك مقابل وعود باعتراف ليبيا بحكم حركة طالبان، وضخ استثمارات لحكومتها، وحسن معاملة القادة الليبيين الذين ستسلمهم الحركة لطرابلس، لكن الحرب الأميركية على أفغانستان في تلك السنة أوقفت المشروع.
في تلك السنوات سادت أفغانستان عدة اضطرابات، تمثلت في اجتياح قوات الاتحاد السوفياتي للبلاد نهاية 1979، وكنتيجة لذلك انطلقت من جبال أفغانستان انتفاضة مسلحة، وتوافد ألوف المقاتلين من المنطقة العربية لطرد الروس من أفغانستان. لكن بعد خروج القوات الروسية عام 1989 أصبحت معظم الدول العربية تخشى من عودة هؤلاء إلى بلادهم، لأنهم أصبحوا أكثر تطرفاً وقدرةً على القتال. وكان بين هؤلاء من انخرط في جماعة تأسست في أفغانستان تحت اسم «الجماعة الليبية المقاتلة»، استعداداً لشن حرب ضد نظام القذافي، وكان من أبرز قادتها بلحاج.
يقول الصديق المقرب من سيف الإسلام عن هذه الفترة، التي عرفت بداية تفاوض الوفد الليبي مع المسؤولين في حكومة «طالبان»، «ذهبنا إلى قندهار للقاء المُلا عمر... استقبلنا أولاً وكيل أحمد متوكل، وزير الخارجية في حكومة (طالبان)، والمُلا عبد الجليل نائب وزير الخارجية... ثم استقبلنا الملا عمر. طلبنا منه أن يسلم لنا قيادات وأعضاء (الجماعة الليبية المقاتلة) الموجودة في أفغانستان، مقابل أن تنظر ليبيا في الاعتراف بنظام (طالبان)، وأن تساعدهم في تنفيذ مشروعات، منها مد طريق بين جلال أباد وكابل».
ويضيف صديق سيف مستعرضاً أجواء المفاوضات مع الملا عمر: «كان لقاءً غريباً... فعندما جاء الملا جلس على ما يشبه المصطبة المرتفعة عن الأرض، ولم يتحدث كثيراً. وأكثر من كان يتحدث هو المُلا عبد الجليل... وبعد ذلك قال زعيم (طالبان): (خلاص سننظر في طلبكم هذا). ثم استطرد المُلا عمر، وتحدث عن المقاتلين الليبيين في أفغانستان قائلاً: (هم ضيوف عندنا، لكن أنتم أيضا تهموننا، ولذلك لا نريد أن يتسببوا لكم في مشاكل)».
وبحسب الصديق المقرب من سيف الإسلام، فقد «جرى الاتفاق في ختام تلك المفاوضات مع (طالبان) على تشكيل لجان، وطلب المُلا عمر ضمانات بألا يتم التعرض لأي من الليبيين في (الجماعة المقاتلة)، بعد أن يعودوا إلى ليبيا. وقد كانت الدولة الليبية بشكل عام هي من أطلق هذه المبادرة. وأنا كنت طرفاً في المفاوضات من خلال المؤسسة التي يرأسها سيف الإسلام».
وعن أسباب توقف هذه الصفقة يضيف صديق سيف موضحاً: «كان يُفترض أن نعود مرة أخرى لأفغانستان لاستكمال المباحثات، لكن وقعت أحداث سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة، وما جاء بعدها من تطورات»، حيث بدأت الحرب الأميركية ضد حكومة «طالبان». ورغم ذلك فقد عاد صديق سيف الإسلام إلى أفغانستان بعد اندلاع الحرب بنحو أسبوعين، وبدأ يشرف على قوافل إغاثة عن طريق «مؤسسة القذافي» إلى قندهار، وجلال أباد، وكابل، لمساعدة الشعب الأفغاني.
توالت الأحداث بعد ذلك، وأصبحت حكومة طالبان أثراً بعد عين، ثم اختفى معها المقاتلون الليبيون إلى أن ظهروا بقوة على الساحة في أحداث الربيع العربي. وفي ظل هذه التطورات المتسارعة كانت مجموعة فصائل أفغانية قد أسست «تحالف الشمال»، ودخلت في خلافات مع حركة طالبان المدعومة من الأفغان العرب، عقب خروج الروس من البلاد. وحين تم اغتيال أحمد شاه مسعود بكاميرا تصوير ملغومة، في التاسع من سبتمبر 2001 اتهم تحالفُه «المجاهدين العرب» باغتياله، وانسحبت القافلة الليبية بعد تسليم المساعدات لطرف في الهلال الأحمر. لكن بعد سقوط نظام «طالبان»، عاد الليبيون مرة ثالثة إلى هناك لأن «سيف الإسلام كان قد أطلق وقتها مبادرة لإعادة العائلات العربية التي تقطعت بها السبل أثناء الحرب في أفغانستان... وبالفعل فقد عدنا بمجموعتين... نحو 120 عائلة، ما بين ليبيين وأردنيين، وغيرهم»، حسب اعترافات المقرب من نجل القذافي.
كنتيجة لهذه الأحداث أصبحت أجهزة المخابرات الغربية تطارد زعماء الأفغان العرب، وترسل من تعتقله منهم إلى التحقيق والاحتجاز في المعتقلات، ومنها معتقل غوانتنامو الشهير، والدخول في صفقات لتسليم بعضهم إلى دولهم. وكان من بين هؤلاء، مرة أخرى، أمراء حرب ليبيون تم الزج بهم في السجون نفسها، التي سبقهم إليها متهمون ومحكومون في قضايا تخص الإسلاميين المتطرفين، وكان من أشهر هذه السجون سجن «أبو سليم»، سيئ السمعة في طرابلس.
وحسب مراقبين، فإنه لا يمكن تصنيف «الجماعة المقاتلة الليبية» إلا كتنظيم جاء في وقت متأخر لاستهداف نظام الحكم الليبي، مقارنة بالخصوم التاريخيين، الذي فروا من البلاد في وقت مبكر من السبعينات والثمانينات، مثل جماعة الإخوان، وجماعات يسارية وقومية وبعثية، وغيرها، كان معظمها مشتتاً في الخارج. لكن منذ عام 1988 بدأ نظام القذافي محاولات لنزع فتيل الخلافات مع معارضيه. وبهذا الخصوص يقول كاتم أسرار سيف الإسلام «في تلك السنة أفرج القائد (القذافي) عن السجناء الذين تآمروا ضده، والذين حاولوا قتله، ومزق قوائم الممنوعين من السفر، وفتح الأبواب... كانت هذه البداية».
أما المرحلة الثانية من فتح باب التفاهم مع الإسلاميين فقد جرت منذ نحو 14 سنة بأسلوبين مختلفين: أسلوب أمني صرف، وأسلوب آخر له طابع مدني جاء فيما بعد، حيث كانت الأجهزة الأمنية في حاجة إلى جسم يكون في الواجهة، وقد تمثل هذا الجسم في «مؤسسة القذافي». وقد بدأ هذا الموضوع بوزيد دوردة (مسجون حالياً في طرابلس)، حين كان مندوباً لليبيا في الأمم المتحدة عام 2004، حسب تصريحات صديق سيف الإسلام.
ويؤكد هذه الواقعة أيضاً صالح عبد السلام، المدير التنفيذي السابق لـ«مؤسسة القذافي»، بقوله «كان الأستاذ دوردة يحظى باحترام الليبيين، فكلفته الدولة آنذاك بالتواصل مع الموجودين بالخارج، ونجح في الوصول إلى نتائج جيدة، أدت لعودة ليبيين كثيرين إلى ليبيا. لم يكن هناك تركيز على جماعة الإخوان فقط، ولكن على الليبيين عموماً ممن كانت لديهم مشاكل سياسية، وكان من بينهم إخوان مسلمون وغيرهم».
ومن جانبه يضيف صديق سيف الإسلام موضحاً: «بدأ الأمر بلقاءات مع قيادات مختلفة في الخارج، منهم علي بوزعكوك، وناصر المانع، وعلي الريشي وأحمد القصير. وقد بدأ الأستاذ دوردة في تقديم تسهيلات لهؤلاء من أجل أن يعودوا، وأن يتم تيسير ذلك في إطار مصالحة مجتمعية... وسار الأمر هكذا». تولى دوردة بعد ذلك موقع رئيس جهاز الأمن الخارجي (المخابرات)، ليقف جنباً إلى جنب مع القادة الأمنيين الكبار في الدولة الليبية، مثل السنوسي، الذي كان رئيساً للمخابرات العسكرية، والتهامي خالد، الذي كان وقتها رئيساً لجهاز الأمن الداخلي. وانطلاقاً من عام 2005 وما بعده، كانت الظروف في منطقة الشرق الأوسط تبدو شديدة التعقيد، خصوصاً مع الضغط الأميركي للإصلاح الديمقراطي، وتخوف زعماء في المنطقة من الدعم الغربي لجماعات المعارضة، وعلى رأسها جماعة الإخوان.
في تلك الفترات ظهر بزغ نجم كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية السمراء، حيث اقترن اسمها مع ما كان يسمى بسياسة واشنطن المعتمدة على «الفوضى الخلاقة». وعلى هذا الأساس اتسم سلوك جماعات المعارضة في الشرق الأوسط بالجرأة. وفي المقابل كانت هناك ثقة كبيرة فيما يقوم به رجال القذافي الأمنيون المشار إليهم، رغم تحفظ زعماء من «اللجان الثورية». كما بدأت الدولة إجراء مراجعات مع الإسلاميين في السجون.
عن هذه المرحلة يقول عبد السلام «كان هناك تحفظ بالطبع لدى البعض من قيادات (اللجان الثورية)، وحتى بعض الأجهزة الأمنية... وكان بعض القادة يتحفظون على موضوع المراجعات».
لكن على كل حال بدأ حوار واسع في هذا الاتجاه، بإشراف دوردة، وعبد الله السنوسي قائد جهاز المخابرات العسكرية والتهامي. وأسفر ذلك عن تشكيل «لجنة أمنية» تولت التواصل مع المحتجزين في السجون الليبية، بمن في ذلك أمراء الحرب الأفغانية، الذين تسلمتهم ليبيا من الخارج. لكن كاد تنظيم القاعدة أن يفسد هذه المبادرة، حين أعلن من مركزه في أفغانستان، رفضه للمراجعات التي يقوم بها الإسلاميون في السجون الليبية. وبهذا الخصوص يقول عبد السلام «في ذلك الوقت من أواخر عام 2007، أعلن بعض قادة (الجماعة الليبية) في أفغانستان، مع أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، أن الجماعة جزء من هذا التنظيم، وقد شكل هذا الأمر ضغطاً على الموجودين في السجن في ليبيا».
وأضاف أن «بيان تنظيم القاعدة المشار إليه، ساهم بشكل غير مباشر في جدية المراجعات، لأن قادة (الجماعة المقاتلة) وجدوا أنفسهم في وضع حرج أمام إعلان القاعدة». وكان الموجودون على الطاولة «قادة الجماعة الليبية» و«ممثلو الأجهزة الأمنية»، و«مؤسسة القذافي»، فقط.
لكن على أي أساس دخلت «مؤسسة القذافي» في هذه القضية الشائكة؟ كجواب على هذا السؤال يقول كاثم أسرار سيف الإسلام القذافي «كانت الأجهزة الأمنية وقتها في حاجة إلى جسم ضامن لكي يعمل على هذا الموضوع. و(مؤسسة القذافي) قامت بهذا، وكان يتولى هذه العملية الأخ صالح عبد السلام، المدير التنفيذي للمؤسسة في الوقت ذلك».
من جهته، يوضح عبد السلام نفسه أن مشروع المصالحة، الذي بدأه دوردة من خارج البلاد، تم نقله فيما بعد إلى داخل أسوار السجون في ليبيا. و«حتى ذلك الوقت لم تكن لـ(مؤسسة القذافي) أي علاقة بهذا الموضوع. وبعد عدة جولات بين الأجهزة الأمنية (السجان)، والمساجين، كان هناك شعور بفقدان الثقة بين الطرفين على الطاولة، فأعيد النظر في القضية، وبدأ التفكير في إيجاد مؤسسة ليست لها علاقة بالمؤسسة الأمنية لكي تتولى الإشراف على المراجعات. وعلى هذا الأساس تم التواصل مع مؤسسة القذافي ومع المهندس سيف الإسلام».
ووفقاً لعبد السلام، لم يكن قادة «الجماعة المقاتلة» في السجون يرحبون في البداية بأي دور لجماعة الإخوان، رغم أنه توجد صورة شهيرة للاحتفال بطي صفحة الماضي بين الإسلاميين والدولة، يظهر فيها سيف الإسلام مع كل من القيادي في إخوان ليبيا علي الصلابي، وبلحاج (مدرجان الآن على قائمة الشخصيات الإرهابية المرتبطة بقطر). وقد شارك هذان الرجلان عام 2011 في الانتفاضة المسلحة التي أطاحت بحكم القذافي.
يقول شاهد من النظام السابق «لم يكن لـ(الإخوان) أي دور في ليبيا حينذاك. ولم يكن لهم أي وجود في مفاصل الدولة. كما أن قيادات (الجماعة الليبية المقاتلة)، التي تصدرت المشهد بعد 2011، كقادة لما يسمى بالثورة، كنا قد أعدنا اعتقالهم أثناء الأحداث. هذا اعتراف أعلن عنه للمرة الأولى: لقد أدخلنا الشريف والساعدي السجن مجدداً ولم يشاركا في أحداث فبراير (شباط).
أما بلحاج فكان قد تمكن من الهرب إلى أن جاءت به قناة (الجزيرة) في سيارة إسعاف، وأدخلته لتصويره في باب العزيزية (مقر حكم القذافي) بطرابلس في 20 أغسطس (آب) كبطل مزعوم». ويضيف عبد السلام موضحاً: «لم يأت الصلابي منذ بداية المراجعات في 2007، ولم يكن على الإطلاق عموداً فقرياً فيها... وحين ظهر انتقلتُ أنا وهو إلى قادة الجماعة المقاتلة (في السجن)، فرفضوا أن يكون على طاولة المراجعات. ومكثنا في حوار حول هذه القضية لمدة ثلاثة أيام، وفي النهاية وافق قادة الجماعة المقاتلة على مضض على وجوده، واقتصر دوره على أنه كان من فترة إلى أخرى، يجلب للجماعة المقاتلة ما تحتاجه من كتب تساعدهم في الدراسات التصحيحية».
وعلى الجانب الآخر استمر قلق «الحرس القديم (بعض زعماء اللجان الثورية)»؛ حيث كانت لديهم شكوك في إجراءات «اللجنة الأمنية» تلك، سواء بالتصالح مع الليبراليين، أو الإسلاميين. لكن القذافي كان قد قرر، على ما يبدو، أن يمضي في طريق جديدة، حتى لو كان ذلك قد جاء بعد فوات الأوان.

* يوميات الود والخصام (1): سيف الإسلام... الأمل المتبقي لتوحيد أنصار نظام القذافي


التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.