واشنطن تضع سوريا في خانة كوريا الشمالية... وتضيف إليهما إيران

الخلاف الأميركي ـ التركي يطفو إلى السطح في ميونيخ

متظاهرون ضد قمة الأمن في ميونيخ أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد قمة الأمن في ميونيخ أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تضع سوريا في خانة كوريا الشمالية... وتضيف إليهما إيران

متظاهرون ضد قمة الأمن في ميونيخ أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد قمة الأمن في ميونيخ أمس (أ.ف.ب)

طغى الملف السوري على اليوم الثاني من مناقشات مؤتمر الأمن في ميونيخ، ولفتت دعوة مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي هربرت ماكماستر، إلى محاسبة رئيس النظام السوري بشار الأسد. وهدد المسؤول الأميركي الرئيس السوري بشار الأسد بمزيد من الضربات الانتقامية، ردا على استخدام أسلحة كيماوية في الحرب بسوريا. وقال مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي: «الصور تظهر بوضوح تام أن الأسد يواصل استخدام أسلحة كيماوية»، مضيفا أنه حان الوقت لجميع الدول أن تحمل حكومة الأسد وداعميه مسؤولية ذلك. وأعاد ماكماستر إلى الأذهان تنفيذ الولايات المتحدة هجوما بصواريخ موجهة على قاعدة جوية سورية في أبريل (نيسان) عام 2017، ردا على استخدام أسلحة كيماوية في سوريا. ولم يذكر ماكماستر ما إذا كانت الولايات المتحدة تخطط بالتحديد لهجوم انتقامي جديد. وكانت واشنطن قد قصفت مطار الشعيرات العسكري، بعد أشهر قليلة على وصول دونالد ترمب إلى الرئاسة الأميركية، ردا على هجوم كيماوي لقوات الأسد على خان شيخون.
ووضع ماكماستر سوريا في الخانة نفسها مع كوريا الشمالية لناحية الدول التي تستخدم أسلحة ممنوعة، وأضاف إليها إيران وقال: «كوريا الشمالية وسوريا ليستا الوحيدتين اللتين تستخدمان الأسلحة الممنوعة، هناك إيران أيضا، والآن حان الوقت لمواجهة رغبات إيران بزعزعة المنطقة وتطوير صواريخ». واتهم ماك ماكماستر إيران «بتأجيج الصراعات في المنطقة» عبر الحرس الثوري الإيراني وشبكة وكلائها. ودعا إلى فرض عقوبات على الحرس الثوري ووقف التعامل مع الشركات التابعة له والمتصلة به، ودعا إلى الضغط أيضا على إيران لكي تلتزم احترام حقوق الإنسان.
ولم يتطرق ماكماستر إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي كان قد هدد ترمب بالانسحاب منه، وهو يقدم مراجعة فيه كل 3 أشهر، كان آخرها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي. حينها أعلن ترمب أن واشنطن ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي مع إيران، ولكنه دعا شركاءه الأوروبيين إلى العمل مع بلاده بإدخال تعديلات عليه، لدفع طهران بوقف أعمالها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط.
ويبدو أن الأوروبيين بدأوا يأخذون على محمل الجد تهديدات ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي سيؤدي إلى انهياره بالكامل. وكان لافتا في هذا الإطار كلام وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل الذي رغم أنه دافع عن الاتفاق النووي ودعا الأميركيين إلى الالتزام به، دعا إلى تطوير «استراتيجية مشتركة مع واشنطن لمواجهة تأثير السياسة الإيرانية التي تزعزع استقرار المنطقة وتدفعها للتراجع». وأضاف: «لهذا نحتاج إلى العمل على تسويات سياسية دائمة في سوريا واليمن، لأنها الطريقة الوحيدة لمواجهة محاولات إيران فرض هيمنتها في المنطقة».
وألمانيا من أشد الداعمين للاتفاق النووي الإيراني، ولطالما رفضت بحث عقوبات جديدة على إيران متعلقة بتدخلاتها في المنطقة. إلا أن كلام غابرييل قد يكون الرسالة الأقوى من برلين حتى اليوم التي تظهر استعداد أوروبا على اتخاذ خطوات جديدة لمواجهة محاولات توسع إيران في الشرق الأوسط.
غابرييل تحدث أيضا عن «تصعيد خطير في الصراع في سوريا»، ومحاولات روسيا لأن تفرض نفسها عسكريا، محذرا من العودة إلى أجواء الحرب الباردة. ودعا الوزير الذي قد تكون هذه المناسبة الأخيرة التي يمثل فيها بلاده وزيرا للخارجية، إلى مقاربة جديدة مع روسيا. ودعا موسكو من جهتها إلى النظر إلى أوروبا «شريكا» وليس ندا.
كما أعرب غابرييل عن قلقه إزاء غياب الثقة في الحكومة الأميركية. وقال: «لم نعد متأكدين مما إذا كان لا يزال بإمكاننا التعرف على أميركا. هل هي الأفعال أم الأقوال أم التغريدات التي يجب أن نقيم بها أميركا؟». وذكر غابرييل أن الصين وروسيا تشككان في النظام الليبرالي الغربي، مضيفا أنه يتعين على الولايات المتحدة لذلك أن يكون لديها اهتمام بشراكة وثيقة مع أوروبا، وقال: «لا ينبغي لأحد أن يحاول تقسيم أوروبا، لا روسيا ولا الصين، ولا الولايات المتحدة أيضا».
روسيا التي مثلها وزير خارجيتها سيرغي لافروف، اختارت الرد برفض تصويرها على أنها «قوة سلبية». وقال لافروف الذي تحدث بعد غابرييل: «عندما يتحدثون في الغرب عن تأثير روسيا المتزايد يتحدثون عن ذلك بمعنى سلبي، وهذا مذكور أيضا في التقرير المحضر من المؤتمر هنا»، مضيفا أن هذا الأمر مرفوض بالنسبة لموسكو. وعوضا عن أن يتحدث الوزير الروسي عن المسبب الرئيسي للحذر الأوروبي والأميركي من بلاده، أي الحرب في سوريا، اختار أن يوجه الأنظار إلى أوكرانيا. وفي معرض تبريره للعملية العسكرية الروسية هناك، تحدث لافروف عن استمرار وجود «النازيين»، ما أربك الحضور الألماني. وطالب أحدهم بالتعقيب على هذا الكلام، وسؤال لافروف عما قصد، فرد قائلا إن أوكرانيا مليئة «بالنازيين الجدد» الذين يريدون منع «الأقليات من استخدام لغتهم ويريدون إسكات ما لا يناسبهم».
ووصف لافروف مرة جديدة الاتهامات الأميركية لروسيا بالتدخل في الانتخابات، التي وجهها الادعاء العام إلى 13 شخصية روسية و3 منظمات، بأنها «اتهامات من نسج الخيال».
وبالإضافة إلى الملفين السوري والإيراني، أخذت المخاوف على مستقبل الناتو حيزا مهما من النقاش كذلك. وسيطر الخلاف الأميركي - التركي في سوريا على الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الذي كرر بأن بلاده تحارب الإرهاب في سوريا وعمليتها في عفرين هي جزء من ذلك. وقال: «أنقرة أوفت بالتزاماتها للناتو وقاتلت (داعش) بشكل فعال. ونحن الآن نقاتل الإرهابيين في عفرين، وهذا جزء من التزامنا». واعتبر يلدريم أن دعم الأميركيين وحدات الحماية الكردية غير مفهوم بالنسبة لتركيا، وقال: «نحن نحمي الحدود الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، بينما عضو آخر في الناتو يعمل مع منظمة إرهابية، وهذا صعب فهمه بالنسبة لنا». وعوضا عن أن يخفف المخاوف المتزايدة من احتمال وقوع اشتباك مباشر في سوريا مع الأميركيين، قال: «إذا قررت أي دولة أن تنخرط بحرب معنا فنحن سنرد بالطبع». وأشار إلى عملية الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، مضيفا أنها كانت السبب في «تصعيد تركيا لحربها ضد الإرهاب».
وعلى الجهة الأخرى، حرص يلدريم على تجديد التزام بلاده بالحفاظ على أمن أوروبا، وقال: «في مرحلة ما كان يدخل أوروبا 2500 لاجئ يوميا، اليوم يدخلها فقط 70 يوميا. نحن نبقي اللاجئين في المنطقة، وبالتالي لا يمكن للإرهابيين أن يتخفوا خلف اللاجئين لدخول أوروبا».
أمن أوروبا كان حاضرا بقوة أيضا في النقاشات الصباحية التي تحدثت فيها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. وحرصت ماي على استخدام منبر ميونيخ لتوجيه رسالة للأوروبيين تطمئنهم إلى التزام بريطانيا بأمن أوروبا حتى بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
وقالت: «عندما نترك الاتحاد الأوروبي سنبقى ملتزمين بأمن أوروبا كما في السابق. نحن ملتزمون بالحفاظ على أمن أوروبا من دون شروط». وأضافت: «علينا إيجاد طرق عملية بيننا للتعاون على مواجهة الإرهاب، يجب أن تكون لدينا الإرادة السياسة لكي نحافظ على شراكتنا بعد خروجنا من الاتحاد الأوروبي. ورغم تأكيدها على رغبة بلادها باستمرار التعاون مع الاتحاد الأوروبي، تحدثت ماي عن سعي بريطانيا إلى رسم سياساتها الخارجية «خصوصا فيما يتعلق باللاجئين والعلاقات مع روسيا». وتعتمد بريطانيا سياسة حذرة تجاه استقبال لاجئين من سوريا، ولم تستقبل إلا بضع مئات بعد الموجة الكبيرة التي دخلت أوروبا عام 2015، وانتهى مليون لاجئ سوري بعدها في ألمانيا.
ويعتبر تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي رسالة واضحة لرفض البريطانيين استقبال لاجئين أو مهاجرين حتى من دول أوروبية أخرى، خصوصا دول شرق أوروبا مثل بولندا ورومانيا.
- غابرييل يحذر من حرب عالمية
> ذكر وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل أن العالم يقف على حافة هاوية خطيرة مع مطلع عام 2018، وقال خلال المؤتمر: «القدرة على التنبؤ والثقة صارت سلعا نادرة في السياسة الدولية». وذكر غابرييل أن النزاع السوري يتحرك عقب ستة أعوام دموية باعتباره نزاعا أهليا وبالوكالة، في اتجاه ينذر بـ«خطر شديد بالحرب بالنسبة لشركائنا المقربين»، مضيفا أن السلام الدولي لا يمكنه الآن سوى الحد من «التصعيد الخطير للغاية حول التسلح النووي لكوريا الشمالية»، مشيرا إلى أن التطلع الصيني المتزايد للعب دور قيادي في العالم واستخدام روسيا القوة العسكرية وعودة بروز القومية والحمائية، كل ذلك يشكل مخاطر أخرى على العالم.
- ماي تدعو إلى توقيع اتفاق أمني مع أوروبا
> رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي دعت إلى أهمية التوقيع على اتفاق التعاون الأمني مع الاتحاد الأوروبي بعد بريكست، محذرة من أن الأمر يشكل مسألة حياة أو موت بالنسبة لكثير من المواطنين. ونبهت الأوروبيين من تحبيذ السياسة على التعاون ضد الجريمة والإرهاب، محذرة من أنه في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق أمني في الوقت الذي تنسحب لندن رسميا من التكتل في مارس (آذار) 2019 «ستتوقف» عمليات تسليم الموقوفين السريعة بموجب مذكرات الاعتقال الأوروبية. تأتي تصريحات ماي بعدما حذر رؤساء وكالات استخبارات بريطانية وفرنسية وألمانية في بيان نادر مشترك من أنه يجب الاستمرار في مشاركة المعلومات الاستخباراتية والتعاون حتى بعد مغادرة بريطانيا.



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.