واشنطن تضع سوريا في خانة كوريا الشمالية... وتضيف إليهما إيران

الخلاف الأميركي ـ التركي يطفو إلى السطح في ميونيخ

متظاهرون ضد قمة الأمن في ميونيخ أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد قمة الأمن في ميونيخ أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تضع سوريا في خانة كوريا الشمالية... وتضيف إليهما إيران

متظاهرون ضد قمة الأمن في ميونيخ أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون ضد قمة الأمن في ميونيخ أمس (أ.ف.ب)

طغى الملف السوري على اليوم الثاني من مناقشات مؤتمر الأمن في ميونيخ، ولفتت دعوة مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي هربرت ماكماستر، إلى محاسبة رئيس النظام السوري بشار الأسد. وهدد المسؤول الأميركي الرئيس السوري بشار الأسد بمزيد من الضربات الانتقامية، ردا على استخدام أسلحة كيماوية في الحرب بسوريا. وقال مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي: «الصور تظهر بوضوح تام أن الأسد يواصل استخدام أسلحة كيماوية»، مضيفا أنه حان الوقت لجميع الدول أن تحمل حكومة الأسد وداعميه مسؤولية ذلك. وأعاد ماكماستر إلى الأذهان تنفيذ الولايات المتحدة هجوما بصواريخ موجهة على قاعدة جوية سورية في أبريل (نيسان) عام 2017، ردا على استخدام أسلحة كيماوية في سوريا. ولم يذكر ماكماستر ما إذا كانت الولايات المتحدة تخطط بالتحديد لهجوم انتقامي جديد. وكانت واشنطن قد قصفت مطار الشعيرات العسكري، بعد أشهر قليلة على وصول دونالد ترمب إلى الرئاسة الأميركية، ردا على هجوم كيماوي لقوات الأسد على خان شيخون.
ووضع ماكماستر سوريا في الخانة نفسها مع كوريا الشمالية لناحية الدول التي تستخدم أسلحة ممنوعة، وأضاف إليها إيران وقال: «كوريا الشمالية وسوريا ليستا الوحيدتين اللتين تستخدمان الأسلحة الممنوعة، هناك إيران أيضا، والآن حان الوقت لمواجهة رغبات إيران بزعزعة المنطقة وتطوير صواريخ». واتهم ماك ماكماستر إيران «بتأجيج الصراعات في المنطقة» عبر الحرس الثوري الإيراني وشبكة وكلائها. ودعا إلى فرض عقوبات على الحرس الثوري ووقف التعامل مع الشركات التابعة له والمتصلة به، ودعا إلى الضغط أيضا على إيران لكي تلتزم احترام حقوق الإنسان.
ولم يتطرق ماكماستر إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي كان قد هدد ترمب بالانسحاب منه، وهو يقدم مراجعة فيه كل 3 أشهر، كان آخرها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي. حينها أعلن ترمب أن واشنطن ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي مع إيران، ولكنه دعا شركاءه الأوروبيين إلى العمل مع بلاده بإدخال تعديلات عليه، لدفع طهران بوقف أعمالها المزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط.
ويبدو أن الأوروبيين بدأوا يأخذون على محمل الجد تهديدات ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي سيؤدي إلى انهياره بالكامل. وكان لافتا في هذا الإطار كلام وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل الذي رغم أنه دافع عن الاتفاق النووي ودعا الأميركيين إلى الالتزام به، دعا إلى تطوير «استراتيجية مشتركة مع واشنطن لمواجهة تأثير السياسة الإيرانية التي تزعزع استقرار المنطقة وتدفعها للتراجع». وأضاف: «لهذا نحتاج إلى العمل على تسويات سياسية دائمة في سوريا واليمن، لأنها الطريقة الوحيدة لمواجهة محاولات إيران فرض هيمنتها في المنطقة».
وألمانيا من أشد الداعمين للاتفاق النووي الإيراني، ولطالما رفضت بحث عقوبات جديدة على إيران متعلقة بتدخلاتها في المنطقة. إلا أن كلام غابرييل قد يكون الرسالة الأقوى من برلين حتى اليوم التي تظهر استعداد أوروبا على اتخاذ خطوات جديدة لمواجهة محاولات توسع إيران في الشرق الأوسط.
غابرييل تحدث أيضا عن «تصعيد خطير في الصراع في سوريا»، ومحاولات روسيا لأن تفرض نفسها عسكريا، محذرا من العودة إلى أجواء الحرب الباردة. ودعا الوزير الذي قد تكون هذه المناسبة الأخيرة التي يمثل فيها بلاده وزيرا للخارجية، إلى مقاربة جديدة مع روسيا. ودعا موسكو من جهتها إلى النظر إلى أوروبا «شريكا» وليس ندا.
كما أعرب غابرييل عن قلقه إزاء غياب الثقة في الحكومة الأميركية. وقال: «لم نعد متأكدين مما إذا كان لا يزال بإمكاننا التعرف على أميركا. هل هي الأفعال أم الأقوال أم التغريدات التي يجب أن نقيم بها أميركا؟». وذكر غابرييل أن الصين وروسيا تشككان في النظام الليبرالي الغربي، مضيفا أنه يتعين على الولايات المتحدة لذلك أن يكون لديها اهتمام بشراكة وثيقة مع أوروبا، وقال: «لا ينبغي لأحد أن يحاول تقسيم أوروبا، لا روسيا ولا الصين، ولا الولايات المتحدة أيضا».
روسيا التي مثلها وزير خارجيتها سيرغي لافروف، اختارت الرد برفض تصويرها على أنها «قوة سلبية». وقال لافروف الذي تحدث بعد غابرييل: «عندما يتحدثون في الغرب عن تأثير روسيا المتزايد يتحدثون عن ذلك بمعنى سلبي، وهذا مذكور أيضا في التقرير المحضر من المؤتمر هنا»، مضيفا أن هذا الأمر مرفوض بالنسبة لموسكو. وعوضا عن أن يتحدث الوزير الروسي عن المسبب الرئيسي للحذر الأوروبي والأميركي من بلاده، أي الحرب في سوريا، اختار أن يوجه الأنظار إلى أوكرانيا. وفي معرض تبريره للعملية العسكرية الروسية هناك، تحدث لافروف عن استمرار وجود «النازيين»، ما أربك الحضور الألماني. وطالب أحدهم بالتعقيب على هذا الكلام، وسؤال لافروف عما قصد، فرد قائلا إن أوكرانيا مليئة «بالنازيين الجدد» الذين يريدون منع «الأقليات من استخدام لغتهم ويريدون إسكات ما لا يناسبهم».
ووصف لافروف مرة جديدة الاتهامات الأميركية لروسيا بالتدخل في الانتخابات، التي وجهها الادعاء العام إلى 13 شخصية روسية و3 منظمات، بأنها «اتهامات من نسج الخيال».
وبالإضافة إلى الملفين السوري والإيراني، أخذت المخاوف على مستقبل الناتو حيزا مهما من النقاش كذلك. وسيطر الخلاف الأميركي - التركي في سوريا على الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم الذي كرر بأن بلاده تحارب الإرهاب في سوريا وعمليتها في عفرين هي جزء من ذلك. وقال: «أنقرة أوفت بالتزاماتها للناتو وقاتلت (داعش) بشكل فعال. ونحن الآن نقاتل الإرهابيين في عفرين، وهذا جزء من التزامنا». واعتبر يلدريم أن دعم الأميركيين وحدات الحماية الكردية غير مفهوم بالنسبة لتركيا، وقال: «نحن نحمي الحدود الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، بينما عضو آخر في الناتو يعمل مع منظمة إرهابية، وهذا صعب فهمه بالنسبة لنا». وعوضا عن أن يخفف المخاوف المتزايدة من احتمال وقوع اشتباك مباشر في سوريا مع الأميركيين، قال: «إذا قررت أي دولة أن تنخرط بحرب معنا فنحن سنرد بالطبع». وأشار إلى عملية الانقلاب الفاشلة في تركيا عام 2016، مضيفا أنها كانت السبب في «تصعيد تركيا لحربها ضد الإرهاب».
وعلى الجهة الأخرى، حرص يلدريم على تجديد التزام بلاده بالحفاظ على أمن أوروبا، وقال: «في مرحلة ما كان يدخل أوروبا 2500 لاجئ يوميا، اليوم يدخلها فقط 70 يوميا. نحن نبقي اللاجئين في المنطقة، وبالتالي لا يمكن للإرهابيين أن يتخفوا خلف اللاجئين لدخول أوروبا».
أمن أوروبا كان حاضرا بقوة أيضا في النقاشات الصباحية التي تحدثت فيها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. وحرصت ماي على استخدام منبر ميونيخ لتوجيه رسالة للأوروبيين تطمئنهم إلى التزام بريطانيا بأمن أوروبا حتى بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
وقالت: «عندما نترك الاتحاد الأوروبي سنبقى ملتزمين بأمن أوروبا كما في السابق. نحن ملتزمون بالحفاظ على أمن أوروبا من دون شروط». وأضافت: «علينا إيجاد طرق عملية بيننا للتعاون على مواجهة الإرهاب، يجب أن تكون لدينا الإرادة السياسة لكي نحافظ على شراكتنا بعد خروجنا من الاتحاد الأوروبي. ورغم تأكيدها على رغبة بلادها باستمرار التعاون مع الاتحاد الأوروبي، تحدثت ماي عن سعي بريطانيا إلى رسم سياساتها الخارجية «خصوصا فيما يتعلق باللاجئين والعلاقات مع روسيا». وتعتمد بريطانيا سياسة حذرة تجاه استقبال لاجئين من سوريا، ولم تستقبل إلا بضع مئات بعد الموجة الكبيرة التي دخلت أوروبا عام 2015، وانتهى مليون لاجئ سوري بعدها في ألمانيا.
ويعتبر تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي رسالة واضحة لرفض البريطانيين استقبال لاجئين أو مهاجرين حتى من دول أوروبية أخرى، خصوصا دول شرق أوروبا مثل بولندا ورومانيا.
- غابرييل يحذر من حرب عالمية
> ذكر وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل أن العالم يقف على حافة هاوية خطيرة مع مطلع عام 2018، وقال خلال المؤتمر: «القدرة على التنبؤ والثقة صارت سلعا نادرة في السياسة الدولية». وذكر غابرييل أن النزاع السوري يتحرك عقب ستة أعوام دموية باعتباره نزاعا أهليا وبالوكالة، في اتجاه ينذر بـ«خطر شديد بالحرب بالنسبة لشركائنا المقربين»، مضيفا أن السلام الدولي لا يمكنه الآن سوى الحد من «التصعيد الخطير للغاية حول التسلح النووي لكوريا الشمالية»، مشيرا إلى أن التطلع الصيني المتزايد للعب دور قيادي في العالم واستخدام روسيا القوة العسكرية وعودة بروز القومية والحمائية، كل ذلك يشكل مخاطر أخرى على العالم.
- ماي تدعو إلى توقيع اتفاق أمني مع أوروبا
> رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي دعت إلى أهمية التوقيع على اتفاق التعاون الأمني مع الاتحاد الأوروبي بعد بريكست، محذرة من أن الأمر يشكل مسألة حياة أو موت بالنسبة لكثير من المواطنين. ونبهت الأوروبيين من تحبيذ السياسة على التعاون ضد الجريمة والإرهاب، محذرة من أنه في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق أمني في الوقت الذي تنسحب لندن رسميا من التكتل في مارس (آذار) 2019 «ستتوقف» عمليات تسليم الموقوفين السريعة بموجب مذكرات الاعتقال الأوروبية. تأتي تصريحات ماي بعدما حذر رؤساء وكالات استخبارات بريطانية وفرنسية وألمانية في بيان نادر مشترك من أنه يجب الاستمرار في مشاركة المعلومات الاستخباراتية والتعاون حتى بعد مغادرة بريطانيا.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.