سوق المال في مصر تنتظر دعماً بإضافة بورصة للعقود الآجلة

إقرار تعديلات في القانون بالتزامن مع تخفيض أسعار الفائدة

في حين بلغ حجم سوق الصكوك العالمية بنهاية العام الماضي 95 مليار دولار لم تستطع مصر الاستفادة من هذه الآلية لقصور بنيتها التشريعية (رويترز)
في حين بلغ حجم سوق الصكوك العالمية بنهاية العام الماضي 95 مليار دولار لم تستطع مصر الاستفادة من هذه الآلية لقصور بنيتها التشريعية (رويترز)
TT

سوق المال في مصر تنتظر دعماً بإضافة بورصة للعقود الآجلة

في حين بلغ حجم سوق الصكوك العالمية بنهاية العام الماضي 95 مليار دولار لم تستطع مصر الاستفادة من هذه الآلية لقصور بنيتها التشريعية (رويترز)
في حين بلغ حجم سوق الصكوك العالمية بنهاية العام الماضي 95 مليار دولار لم تستطع مصر الاستفادة من هذه الآلية لقصور بنيتها التشريعية (رويترز)

قفزت البورصة المصرية بقوة بعد تعويم العملة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2016، وتخطت 14 ألف نقطة، مسجلة مستوى قياسياً في الارتفاع لم تشهده منذ إطلاقها، بيد أن تعديلات قانون سوق رأس المال الجديدة، والتي جاءت متزامنة مع بدء نهج تخفيض أسعار الفائدة، من شأنها أن تدفع البورصة لتسجيل مستويات جديدة، مع إقرار بورصة للعقود الآجلة. وتهدف التعديلات الجديدة في قانون سوق رأس المال، الذي صدر عام 1992، في وقت كانت فيه قيم التداول وأعداد المتداولين قليلة، إلى جذب أكبر شريحة من المستثمرين الأجانب، الذي فضلوا أسواقاً مجاورة في وقت شهدت فيه البلاد اضطرابات وعدم استقرار، فضلاً عن سمعة تلاحقها بالبيروقراطية لا تخلو من فساد إداري ومالي.
فبعد أكثر من 10 سنوات على الحديث عن تعديلات على قانون سوق المال من نحو 5 رؤساء لهيئة سوق المال، وافق مجلس النواب مؤخراً، بعد عامين من المباحثات على تعديل القانون.
وكان المسؤولون عن سوق رأس المال يتعاملون سابقاً مع التحديثات الجديدة في البورصة، بإضافة لائحة أو تعديل على القانون المعمول به منذ 25 عاماً، اختصاراً للروتين.
وتنصّ التعديلات الجديدة للقانون، على إدخال أدوات مالية جديدة للبورصة من بينها الصكوك، والسماح بإنشاء بورصة للسلع والعقود الآجلة، وتتيح هذه التعديلات جذب شريحة كبيرة من المستثمرين المحليين والعرب، والتي ترفض الاستثمار في أدوات الدخل الثابتة من خلال إتاحة أدوات مالية جديدة للاستثمار، مثل البنوك الإسلامية وشركات التأمين التكافلي.
وأكدت وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي سحر نصر، في تصريحات صحافية بعد موافقة مجلس النواب، أهمية قانون رأس المال، ليتواكب مع متطلبات الاقتصاد المصري وتحقيق احتياجاته للوصول إلى التنافسية وسط الاقتصاد العالمي، وإتاحة أدوات مالية جديدة بالسوق المصرية، وتحقيق الشمول المالي، وتفعيل دور القطاع المالي غير المصرفي، بحيث يكون محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي من خلال حزمة من الإصلاحات.
وبلغ حجم سوق الصكوك العالمية بنهاية العام الماضي نحو 95 مليار دولار، وفقاً لتقرير مؤسسة «موديز» للتصنيف الائتماني، ولم تستطع مصر الاستفادة من هذه الآلية التمويلية لقصور بنيتها التشريعية، رغم جاذبيتها للمستثمرين العرب والأجانب.
كما تتيح بورصة العقود الخاصة بالسلع، اتفاق المتعاملين على تفاصيل بيع وشراء سلعة بسعر طويل الأجل، بما يعني موافقة البائع على تسليم كمية معينة من سلعة ما، في تاريخ مستقبلي، مقابل سعر يحدَّد عند إبرام العقد، بغض النظر عن سعر السلعة يوم التسليم، ويمكن تداول تلك العقود الآجلة، وانتقالها من متداول إلى آخر.
وتهدف الحكومة من تلك التعديلات إلى ضبط إيقاع السوق، وتحقيق شفافية لتداول السلع وفقاً للعرض والطلب، ومحاربة ممارسات التهريب والاحتكار، والغش التجاري، والحفاظ على أسعار متوافقة وثابتة للسلع الأساسية، مثل القطن والقمح والسكر والأرز.
وتتعامل البورصات السلعية في الحبوب ومنتجاتها، والبقوليات، والمنتجات الزراعية الجافة، والألبان ومنتجاتها، والدواجن والماشية واللحوم، والخضر والفاكهة، ويصدر عنها عند الإقفال نشرة تتضمن جميع التعاملات توضح الكميات والأسعار.
كما تستهدف التعديلات، توفير حماية أكبر للمستثمرين، والتصدي لأي مخالفات قد تصدر من شركات تداول الأوراق المالية، وتحرص التعديلات على تشديد العقوبات على المخالفين في التعامل بسوق المال. ونفّذت البورصة المصرية عدداً من الإصلاحات في الفترة الماضية، مكّنتها من تحسن ترتيب مصر في مؤشر التنافسية العالمي من المركز 115 إلى 100، وكذلك التقدم في مؤشر تنمية سوق المال بنحو 44 مركزاً للعام المالي 2017-2018، من 111 إلى 77.

تعديل 45 مادة
يشمل القانون تعديل 45 مادة أبرزها: الصكوك، التي حددها القانون بأنها أوراق مالية اسمية متساوية القيمة تصدر لمدة محددة لا تزيد على 30 عاماً، وتمثل كل منها حصة شائعة في ملكية أصول أو منافع أو موجودات أو مشروع معين أو التدفقات النقدية له، وفقاً لما تحدده نشرة الاكتتاب العام أو مذكرة المعلومات حسب الأحوال. وذلك حسب ما جاء في المادة الرابعة في تعديلات القانون. ويتم الترخيص لشركات تسمّى شركات «تصكيك»، وأقرّت المادة 14 (مكرراً 1) عدم جواز إصدار صكوك يطلق عليها «متوافقة مع الشريعة الإسلامية» أو «إسلامية» أو «شرعية»، أو أن يشار إليها أو إلى أيٍّ من تلك العبارات في أيٍّ من عقودها أو نشرات طرحها أو وثائقها أو مواد الترويج لها أو الإعلانات الصادرة عنها إلا وفقاً لمجموعة من الاشتراطات تتمثل في تشكيل لجنة رقابة شرعية للإصدار وفقاً للضوابط التي يصدر بها قرار من مجلس إدارة الهيئة بشأن متطلبات تشكيل لجان الرقابة الشرعية واشتراطات شغل عضويتها، وأن يكون المشروع محل التصكيك مُجازاً من لجنة الرقابة الشرعية بما يفيد توافقه مع أحكام الشريعة الإسلامية، وأن يكون طلب قيد وتداول إصدار الصكوك بإحدى البورصات مُجازاً من لجنة الرقابة الشرعية.

إعفاء ضريبي
أقرت التعديلات، الإعفاء من جميع الضرائب والرسوم أياً كان نوعها، وكل التصرفات التي تتم بين الجهة المصدرة أو المستفيدة وبين شركة التصكيك بشأن التصرفات العقارية، وتسجيل العقارات اللازمة لنقل ملكية الأصول العقارية التي تتم بين الجهة المصدّرة وشركة التصكيك سواء عند إصدار الصكوك أو عند إعادتها للجهة المصدّرة في نهاية مدة الإصدار، وتسجيل الموجودات والأصول والمنافع التي تتم بين الجهة المستفيدة وشركة التصكيك سواء عند إصدار الصكوك أو إعادتها للجهة المستفيدة في نهاية مدة الإصدار.
وتسري على توزيعات العائد أو الأرباح المقررة لحَمَلة الصكوك وعلى ناتج التعامل على الصكوك، المعاملة الضريبية المقررة لسندات الشركات.
وطبّقت الحكومة ضريبة دمغة على تعاملات الأسهم والسندات سواء المقيدة أو غير المقيدة، وكذلك على سوق خارج المقصورة خلال العام الماضي، وأقرّت المادة 14 (مكرراً 10) من تعديلات قانون سوق المال أن يكون للصكوك ضامن لتغطية الاكتتاب من بين البنوك المرخص لها وبموافقة البنك المركزي أو غيره من الجهات المرخص لها بذلك من الهيئة.
وفي حالة عدم اكتمال عملية إصدار الصكوك لعدم التغطية، أو لأي سبب آخر تُعاد للمكتتبين جميع المبالغ التي دفعوها كاملة، وذلك خلال يومَي عمل من التاريخ المحدد لانتهاء مدة تغطية الاكتتاب أو الطرح وحدوث عدم التغطية، وخلال المدة التي تحددها نشرة الاكتتاب أو مذكرة المعلومات في غيرها من حالات عدم اكتمال عملية الإصدار.

بورصة العقود الآجلة
تضمنت التعديلات تعريفات لثلاثة أنواع من العقود الآجلة، تتمثل في العقود المستقبلية، وتكون على سلع وفقاً للمواصفات والجودة والكمية ومكان التسليم بما يتفق مع القواعد التي تضعها إدارة البورصة. وشملت أيضاً عقود الخيارات، وعقود المبادلة.

وحدة مراقبة السلع
تضمنت تعديلات القانون إنشاء وحدة مستقلة ذات طابع خاص بالوزارة المختصة بالتجارة الداخلية، تسمَّى «وحدة الإشراف والرقابة على المخازن المعتمدة للسلع». وتختص الوحدة بالتنظيم والإشراف والرقابة على المخازن المعتمدة للسلع وخبراء تصنيفها، ولها في سبيل تحقيق ذلك وضع شروط ومتطلبات الترخيص بالمخازن المعتمدة للسلع وقواعد عملها، وشروط ومتطلبات الترخيص لخبراء تصنيف السلع، وشروط استمرار الترخيص، وإصدار دليل الإجراءات المرتبطة بالتسوية المادية، وتحديد آلية توفير الأسعار المرجعية للتداولات الآنية لمختلف السلع وبالأخص السلع محل التعاقدات في بورصة العقود، والتفتيش على المخازن، والتفتيش على أعمال خبراء تصنيف السلع، وفحص المنازعات المتعلقة بالسلع وتصنيفها وتحديد معايير ودرجة جودتها وما يتصل بأعمال خبراء تصنيف السلع، والطلب من الهيئة تحريك الدعوي الجنائية بشأن مخالفات الجهات القائمة على إدارة المخازن المعتمدة للسلع أو مخالفات خبراء تصنيف السلع.

صندوق حماية المتعاملين
تلتزم شركات الوساطة في بورصات العقود بالاشتراك في صندوق تأمين لتغطية المخاطر غير التجارية الناشئة عن أنشطة الشركات العاملة في بورصات العقود؛ ويصدر رئيس مجلس الوزراء قراراً بقواعد تحديد اشتراك الشركات العاملة في بورصات العقود في عضوية مجلس إدارة الصندوق المشار إليه، ونسبة مساهمة كل شركة في موارده، ومقابل التأخير في الوفاء بهذه المساهمة، وأي مبالغ تُستحق للصندوق عن المواعيد المحددة للوفاء بها.


مقالات ذات صلة

مصر: رفع الحد الأدنى للأجور

شمال افريقيا جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر: رفع الحد الأدنى للأجور

أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الأربعاء، زيادة الحد الأدنى للأجور في الموازنة المالية الجديدة، التي يبدأ العمل بها في يوليو (تموز) المقبل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

تحليل إخباري ما الخيارات البديلة لـ«الإغلاق المبكر» في مصر؟

تدفع توجهات الحكومة المصرية نحو تخفيف قرارات «الإغلاق المبكر» مؤقتاً خلال أعياد المسيحيين تساؤلات حول ما إذا كان بإمكانها اتخاذ قرارات بديلة لترشيد الطاقة.

أحمد جمال (القاهرة)
الاقتصاد جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، خلال معرض «إيجبس 2026» يوم الاثنين، المنعقد في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري في لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

هل تضطر مصر لتمديد اتفاقها مع «صندوق النقد»؟

تثير التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية على مصر، تساؤلات بشأن مدى لجوء القاهرة لتمديد اتفاقها مع صندوق النقد الدولي، بعد انتهاء «الاتفاق» بنهاية العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.