إيران... الدين أداة آيديولوجية في يد السلطة السياسية

عباس أمانت يقرأ تاريخها خلال خمسة قرون

من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
TT

إيران... الدين أداة آيديولوجية في يد السلطة السياسية

من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة
من مظاهرات إيران الاحتجاجية الأخيرة

كثيراً ما جذبت إيران طوال سنوات كتّاب التاريخ، أي منذ خط هيرودوت ما خطه على الورق، كما أبعدت قسماً منهم لأسباب عديدة متعلقة بهويتها المركبة بصفتها عاملاً أساسياً مؤثراً في أحداث العالم لآلاف السنين. وكثيراً ما يجعل هذا التفاعل بين الانبهار والرفض من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تقديم سرد موضوعي لأحداث التاريخ الإيراني. نتيجة لذلك كانت إيران، كما يقرّ عباس أمانت مؤلف هذا الكتاب الدسم والثري «معرّضة لنوع من التدقيق» أطلق عليه أمانت «تاريخ متأثر بالمواقف». يعني ذلك عملياً أن الذين يكتبون عن إيران يكتبون أيضاً عن أنفسهم، أو على الأقل يوضحون رؤية جيلهم أو الباحثين المعاصرين للأحداث التاريخية.
لنبدأ بالقول إنه من الممتع قراءة كتاب أمانت «إيران: تحديات تاريخ متأثر بالمواقف»، الذي يركز على تاريخ إيران منذ قيام الدولة الصفوية عام 1501 حتى يومنا هذا، بفضل التدفق النثري السلس، وبخاصة بالنسبة إلى القارئ غير المتخصص. مع ذلك يضفي استخدام مصطلح «حديث» بعض الغموض كما يعترف أمانت نفسه؛ فهل دخلت إيران العالم الحديث مع قيام الدولة الصفوية؟ ربما الأهم من ذلك هو هل نحن على يقين من أن إيران قد دخلت العالم الحديث، الذي يعني أموراً مختلفة لأشخاص مختلفين؛ إذ يقوم مفهوم الحداثة، وهو ثمرة التنوير، على الرؤية الخطية للتاريخ الإنساني بوصفه تسلسلاً نحو التقدم ينتقل من نقطة منخفضة إلى نقطة أعلى فأعلى.
لا يورط أمانت نفسه فيما تتسم به مسألة الحداثة من تعقيد، لكنه يشير ضمناً إلى أن العالم الحديث قد بدأ مع صعود ما يسمى «إمبراطوريات البارود» الذين مثّلوا أطرافاً جديدة فاعلة في التاريخ باستخدام أسلحة الدمار الشامل في زمنهم للتوسع من خلال الحروب؛ نظراً لكون إيران من أولى ضحايا «إمبراطورية البارود» إبّان حقبة الصفويين، وكانت تلك الإمبراطورية هي الإمبراطورية العثمانية تحت قيادة السلطان سليم. ويمكن للمرء القول إن إيران قد دخلت التاريخ الحديث، وبخاصة بعد أن امتلك الصفويون واستخدموا المدفعية الحديثة. لاحقاً، واصلت إيران انغماسها في الحداثة، أثناء حكم القاجاريين، الذين أعقبوا الصفويين في الحكم بعد فترة طويلة ودامية من حكم أسرتين أخريين، من خلال إجراء عدد من الإصلاحات المادية والمؤسسية. وتسارعت خطى التحديث بعد ذلك إبّان فترة حكم الدولة البهلوية، التي أعقبت الدولة القاجارية في حكم البلاد، من خلال التركيز على تحويل البلاد إلى دولة على الطراز الغربي، وربما إلى نموذج للثقافة الفارسية بأكملها.
يتبنى أمانت في سرد الأحداث الآراء السائدة التي تبناها الباحثون الغربيون، بل وحتى الروس، فيما يتعلق بالتاريخ الإيراني خلال القرون الخمسة الماضية. وما يزيد كتابه إثارة هو إخبار القارئ كيف ينظر للبحث الحديث، الذي يهيمن عليه الأكاديميون والباحثون الغربيون، إلى إيران. تتميز هذه الطريقة بعبقريتها في العرض المنطقي والتبسيط. على سبيل المثال، يقال إن الدولة الصفوية، التي أسسها المحارب الشاب إسماعيل، هي التي أدخلت الإسلام الشيعي إلى إيران، وجعلته الدين الرسمي للدولة بقوة السلاح. يعني هذا تجاهل حقيقة وجود المذهب الشيعي، بمختلف طوائفه، في إيران قبل حكم الدولة الصفوية بخمسمائة عام. كذلك، قد يتساءل المرء عن المذهب الشيعي الذي كان يتبعه الصفويون حقاً.
إنهم لم يكتبوا نصاً لاهوتياً عن الموضوع، واضطروا إلى الاستعانة برجال الدين من المناطق الشيعية في لبنان. ولم يكن يتبنى رجل الدين الشيعي الإيراني، وبخاصة في مدن مثل شيراز وأصفهان، رؤية شاه إسماعيل. في كل الأحوال قد يسأل المرء عما إذا كان المذهب الشيعي مجرد أداة آيديولوجية لإسماعيل أم لا. كان شاه إسماعيل الصفوي يحب أن يدعو نفسه بكيخسرو، وهو اسم لملك إيراني أسطوري قبل ظهور الإسلام، لا يزال يعد حتى اليوم مثالاً يحتذى به للملوك في الثقافة الفارسية. كذلك لم يطلق مؤسس الدولة الصفوية على أي من أبنائه اسماً لشخصية شيعية بارزة مثل علي، أو حسن، أو حسين، بل أطلق على ابنه وخليفته اسم طهماسب، على اسم أمير ومحارب آخر أسطوري يسبق ظهور الإسلام. كان اسم الابن المفضل لإسماعيل هو القاص ومعناه «المنتقم». وتم إطلاق اسم عباس على ثلاثة من ملوك الدولة الصفوية الاثنى عشر؛ تيمناً باسم عم الرسول، وجدّ العباسيين الذين أصبحوا ألدّ أعداء علي وخلفه. كان آخر ملوك الدولة الصفوية في أصفهان فقط هو من حمل اسم السلطان حسين.
كان شاه إسماعيل فخوراً بأمه المسيحية مارثا، تلك المرأة الجميلة البيزنطية، التي رفضت اعتناق الإسلام ناهيك عن المذهب الشيعي.
يكرر أمانت بعضاً من الأقوال القديمة عن الدولة الصفوية، أبرزها أن القزلباش (ذوي الرؤوس الحمراء)، وهم قوات النخبة التابعين لإسماعيل، كانوا يضعون جثث الجنود العثمانيين في الماء المغلي، ويأكلونهم وهم يحتسون الخمر.
تتجاهل نظرة الباحثين الغربيين للصفويين، التي عبّر عنها أمانت ببراعة، حالة الشيزوفرينيا التي تعاني منها إيران؛ فهي أمة لا تشعر بالارتياح تجاه الإسلام، لكنها في الوقت نفسه تتردد في التخلي عنه. لا يمكن لحقيقة استغلال الإسلام بمذاهبه المختلفة في الحروب بين الأسر الحاكمة، واستخدامه من جانب حركة الخميني اليوم في المجال السياسي، أن تخفي حقيقة أن الدين لا يزال يستخدم أداةً في يد السلطة السياسية وليس العكس.
كان الحرس الإمبراطوري للصفويين، أو القزلباش، يتحدثون التركية، في حين ملالي الملك، الذين تم استجلابهم من لبنان، يتحدثون العربية. لذا؛ لم يكن عمودا الدولة الجديدة يستطيعان التواصل بشكل مباشر مع رعايا الملك. وكان اختزال الأكاديميين للمشهد التاريخي بالقول إن «إيران قد تحولت إلى المذهب الشيعي خلال فترة حكم الدولة الصفوية» لا يخبرنا بالقصة الكاملة.
كذلك، يعيب رواية أمانت للتاريخ الإيراني خلال حقبة القاجاريين تلقي أفكاراً مسبقة من الصعب التخلص منها. تصوير القاجاريين على أنهم سلالة فاسدة منحطة رجعية لا تتمتع بأي كفاءة، يجعل من الصعب دراسة تأثير الأحداث التاريخية، وأهمها صعود القوى الإمبريالية الأوروبية، بشكل يتجاوز سيطرتهم. مع ذلك تحمل رواية أمانت ملمحاً إيجابياً يتمثل في تناول تقلبات الانشقاق الديني والسياسي خلال حقبة القاجاريين. مما يثير الاهتمام أيضاً تناول أمانت ظهور الدعوة البابية، ونشأة البهائية، ومحاولات قمعها من جانب القاجاريين؛ وهو أمر عادةً ما كان مؤرخو التاريخ الإيراني من الغربيين يتجنبون ذكره.
عندما نصل إلى حقبة الدولة البهلوية، سنرى أن أمانت يحاول، أحياناً بشكل بطولي، الابتعاد عن الأفكار المقولبة المسبقة التي أصبحت شعاراً لكثير من الباحثين الغربيين الذين كتبوا عن إيران. ورغم إدراكه الخطر المتمثل في احتمال نبذه من جانب المؤسسة الأكاديمية التي تنظر إلى الدولة البهلوية بازدراء، كان أمانت أحياناً يتحلى بالشجاعة لقول رأي يثير الاستياء ويخالف الإجماع الأكاديمي، ويؤكد أن اثنين من حكام الدولة البهلوية قد فعلا بعض الأمور الجيدة لصالح إيران، حيث يكتب: «خلال فترة حكم الدولة البهلوية شهد الإيرانيون في كل جيل تطوراً وتحسناً على المستوى المادي ومستوى النظافة والصحة، فبعد أن كانوا شعباً ضعيفاً مريضاً، ويعاني من سوء التغذية في بداية القرن، أصبحوا شعباً يظهر في الكثير من الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى ذلك العصر، بوصفه شعباً نظيفاً يتمتع بصحة جيدة نسبياً وتغذية أفضل؛ كم هذا رائع».
يفند أمانت، وإن كان يتوخى الحذر وهو يفعل ذلك، زعم العصابات الماركسية والإسلامية المناهضة للشاه، بأن نظامه قد قتل «عشرات الآلاف» من أتباعهم ومؤيديهم. ويذكر أن إجمالي عدد الفدائيين، الذين تم إعدامهم، أو قتلهم خلال اشتباكات مع قوات الأمن قد بلغ 198، في حين خسر «مقاتلو الشعب» 15 فرداً فقط. أصبحت عبارة قتل «عشرات الآلاف» حقيقة لاحقاً خلال فترة حكم آية الله روح الله الخميني. بحذر أيضاً، ينحي أمانت جانباً الزعم التقليدي المنتشر في الدوائر الأكاديمية الغربية بأن ما فعله الشاه كان بدافع تلبية رغبات القوى الغربية، حيث يكتب: «بحلول منتصف الستينات، لم تكن لأي من الولايات المتحدة أو بريطانيا سيطرة أو نفوذ على سلوكه وتصرفاته».
في محاولته الفدائية للهرب من الأفكار المسبقة، يكسر أمانت حاجزاً كبيراً متمثلاً في أحداث أغسطس (آب) 1953، التي أدت إلى إقالة حكومة محمد مصدق بعد عامين من شغله منصب رئيس الوزراء. الرواية المنتشرة في الدوائر الأكاديمية الغربية هي أن إقالة الشاه لمصدق كانت انقلاب من تخطيط وتدبير الاستخبارات المركزية الأميركية وتنفيذ الشاه وأعوانه في الجيش. يتم وصف أي شخص ينحرف عن هذه الرواية التاريخية بأنه تنقيحي، ويجعله هذا الوصف لا يقل سوءاً وبشاعة عن منكري محرقة اليهود، ويكون مصيره هو النبذ والطرد من دوائر البحث.
إنه يصف الأمر برمته بأنه مثل «مسودة لإحدى روايات غراهام غرين»، حيث يتبع طريقة ساخرة، وإن كانت لا تخلو من الحقيقة والجدية، للتشكيك في الفكرة المسبقة دون إثارة غضب وحنق المروجين لها في الدوائر الأكاديمية. لجأ أمانت إلى الكثير من المؤهلين للإشارة إلى أنه لا يتفق بشكل كامل مع الرواية الرسمية الخاصة بحكومة مصدق.
على سبيل المثال، يكتب أن الشاه بعد إقالته مصدق: «كان ربما يستعد للتخلي عن منصبه والذهاب إلى منفى دائم ربما في الولايات المتحدة، حيث اشترى على الأرجح مزرعة هناك». كذلك يتجرأ أمانت على انتقاد مصدق حين يكتب: «يمكن النظر إلى نهجه الاستبدادي المزعج كأحجية محيرة؛ فهل كان ينتمي إلى النهج المحافظ، أم الليبرالي أم الشعبوي المتطرف». ربما في كل الأحوال لم يكن أمانت ينظر إلى مصدق باعتباره ديمقراطياً ليبرالياً أطاحت به الإمبريالية الأميركية المدمرة.
مع ذلك، لحماية نفسه من هجمات ذئاب الأفكار المسبقة المقولبة، سرعان ما يعود أمانت إلى تكرار ذكر الرواية السائدة، وهو انحراف مؤسف لولاه لكانت روايته للأحداث موضوعية عادلة. لقد قام الشاه خلال الـ37 عاماً التي قضاها في الحكم بتعيين وإقالة 23 رئيس وزراء، بمن فيهم مصدق الذي قام بتعيينه مرتين.
هل نرى إذن إقالة كل منهم انقلاباً؟ لماذا لم يزعم مصدق نفسه أنه كان ضحية لانقلاب؟ السبب هو أن مصدق، الذي حظي بتعليم فرنساوي، كان يعلم أن هذه الكلمة الفرنسية الأصل تعني تغيير نظام دولة ما وحاكمها، ودستورها، بالعنف، ولم يحدث أي من هذا في إيران. لقد كانت إقالة مصدق خطأً من الناحية السياسية والأخلاقية، لكنها لم تكن انقلاباً. كذلك لم تكن الاستخبارات المركزية الأميركية قادرة على ممارسة هذا النفوذ الهائل على السياسة الإيرانية، ويدل على ذلك افتقارها للكفاءة الذي ظهر جلياً في الكثير من المواقف.
كان أمانت متوازناً أيضاً في روايته التاريخية لثورة الخميني والجمهورية الإسلامية خلال العقود الثلاثة الماضية. لقد كان يتناول بنبرة هادئة رزينة الإعدامات الجماعية، واحتجاز الرهائن، والتحريض على الإرهاب والقمع، وهي أمور أصبحت من الملامح والسمات الرئيسية لنظام الخميني. مع ذلك، أشار في الوقت ذاته إلى أن نظام الخميني قد منح إيران استقراراً يندر وجوده في منطقة الشرق الأوسط حالياً؛ رغم قول بعض المنتقدين إن الاستقرار الذي يتحدث عنه أمانت ما هو إلا ركود أو صمت القبور.
مع ذلك، هناك خطأ ارتكبه أمانت، وهو تأكيده على أن ثورة الخميني قد أوصلت «رجال الدين الشيعة إلى سدة الحكم»، فلم يكن هذا ما حدث حقاً. لم يكن الخميني يوماً واحداً من «كبار آيات الله الأربعة في عصره» كما يشير أمانت، بل كان الخميني حتى توليه السلطة يشغل الطبقة الثالثة في هرمية الشيعة، وحتى يخرج من الهرمية التقليدية استحدث لقب الإمام ومنحه لنفسه. كذلك لم تشارك سوى نسبة صغيرة من رجال الدين الشيعة البالغ عددهم نحو 250 ألف في ثورة 1978، حتى في يومنا هذا لا يمكن اعتبار أي من الملالي، الذين يشغلون مواقع أو مناصب قيادية في النظام، من بين الذين ينتمون إلى الصفوف العليا في هرمية رجال الدين.
يمثل كتاب أمانت عن التاريخ المتأثر بالمواقف بالتوجه إسهاماً مرحباً به رغم أن تغيير المواقف في بعض الأحوال قد يحسّن الأمور.


مقالات ذات صلة

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

يوميات الشرق في «Swan Song» يكشف تشارلز سبنسر عن أسرار كثيرة في الحياة الخاصة لشقيقته (رويترز) p-circle 01:37

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

«أغنية البجعة»، كتابٌ يتصدّر المبيعات حالياً في بريطانيا وحول العالم لما فيه من خفايا عن حياة الأميرة ديانا، يكشف عنها الكاتب وهو شقيقها تشارلز سبنسر.

كريستين حبيب ( بيروت)
ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير.

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.