أين كنت في 14 فبراير... وكيف بُلّغت خبر اغتيال رفيق الحريري؟

في الذكرى الثالثة عشرة لرحيله... شخصيات لبنانية تستذكر هذا اليوم

موقع تفجير موكب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ببيروت في 14 فبراير 2005 (غيتي)
موقع تفجير موكب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ببيروت في 14 فبراير 2005 (غيتي)
TT

أين كنت في 14 فبراير... وكيف بُلّغت خبر اغتيال رفيق الحريري؟

موقع تفجير موكب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ببيروت في 14 فبراير 2005 (غيتي)
موقع تفجير موكب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ببيروت في 14 فبراير 2005 (غيتي)

في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري الذي وصفه المخرج السوري عمر أميرالاي بـ«الرجل ذي الأصبع الذهبية»، اغتيالا في مدينته بيروت، تستعيد بعض الشخصيات اللبنانية التي عرفت بعلاقتها الوطيدة مع الحريري، ومنهم من رافقه في يومه الأخير، مع «الشرق الأوسط»، اللحظات أو الساعات القليلة منذ وقوع الانفجار إلى الإعلان عن الشخصية المستهدفة في مرحلة سياسية دقيقة وبعد سلسلة من الأحداث ترافقت مع تهديدات وصلت إليه شخصيا لكنه كان دائما يستبعد تنفيذها.

رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان: أدركت فوراً أن فتنة كبيرة تخطط للبنان
كان رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان يتولى قيادة الجيش في ذلك الوقت. وفي ظهر يوم 14 فبراير (شباط) من عام 2005 بالتحديد، كان يستعد لتناول طعام الغداء في المنزل المخصص لقائد الجيش في منطقة اليرزة، لكن وقوع الانفجار جعله يعود فورا إلى مقر القيادة العامة مصدرا الأوامر بتجهيز الوحدات والخبراء للقيام بمهامهم، كما باشر بالاتصالات الضرورية وتابع المعلومات والتطورات على الأرض.
ومنذ تلك اللحظة التي استدعت استنفارا أمنيا على كل المستويات: «عملت جاهداً للحفاظ على ديمقراطية المظاهرات، فكانت الأوامر واضحة بأن يمنع الجيش الاحتكاك بين المتظاهرين محافظاً على الأمن والحرية في آن، ما أدى إلى السماح للمتظاهرين بالتعبير عن مشاعرهم بكل حرية خلافاً لرغبة السلطة السياسية وقتذاك، تمهيداً ليوم 14 فبراير المليوني الشهير الذي أدى بشكل أساسي إلى انسحاب الجيش السوري في 26 أبريل (نيسان) من العام نفسه».
ويضيف: «أدركت فوراً أن فتنة كبيرة تخطط للبنان بعد اغتيال شخصية بحجم رفيق الحريري، لكن الأوامر كانت واضحة للجيش بضرورة منع الفتنة وحفظ الأمن بالإضافة إلى موقف عائلة الشهيد المتقدّم والداعي إلى وأد الفتنة وتحويل الجريمة الفظيعة إلى شرارة انطلاق مسار السيادة في لبنان».

النائب والوزير السابق غازي العريضي: لبنان بات في مكان آخر
يوم الأحد الذي سبق جريمة الاثنين 14 فبراير، ذهب العريضي للقاء الحريري 4 مرات في يوم واحد، آخرها عند الساعة الثانية عشرة إلا الربع قبل منتصف الليل: «كانت هناك محاولة منا لتوسيع مروحة المعارضة»، بحسب ما يقول النائب في «اللقاء الديمقراطي». ويضيف: «لكن في يوم الاثنين كان من المقرر أن يحضر النائبان محمد الصفدي ومصباح الأحدب للغداء مع رئيس الحزب النائب وليد جنبلاط في منزله، وكنت مدعوا معهم. وقد وضعت الرئيس الحريري في أجواء اللقاء المنتظر، وكان مرحبا جدا، فطلب مني أن أنتهي من اللقاء وأذهب إليه فورا».
لذلك عندما خرج الرئيس الحريري من جلسة مجلس النواب الشهيرة في اليوم التالي، غمز لي بعينه، قائلا: «تعال معي، لنذهب للغداء»، فأجبته مذكرا بموعدي، فأومأ لي قائلا: «خلص واتبعني إلى منزلي».
«بعد الجلسة ذهبت إلى منزل وليد بك، ففوجئت به جالسا يقص أوراق الصحف كعادته عندما يختار مقالا يعجبه لقراءته لاحقا، ولم تكن ثمة طاولة غداء. بادرني الرئيس جنبلاط قائلا: لقد ألغيا الموعد، قد يكونان تعرضا لضغوطات من الأجهزة (الأمنية). وقبل أن نكمل حديثنا، فوجئنا بدوي انفجار هائل ثم موجة من الغبار وصلت إلينا، نظر إلي وليد بك، فبادرته على الفور: إنه الرئيس. أرسل البيك بعض مرافقيه، فعادوا إلينا بالخبر المؤلم».
بعد ذلك، يروي العريضي: «ذهبنا (مع النائب جنبلاط) فورا إلى مستشفى الجامعة الأميركية القريب، مشيا، وهناك قابلت مسؤول أمن الجامعة الضابط سعد شلق، وهو زميل دراسة، فانتحى بي جانبا وقال لي: «إنه الرئيس (الحريري)... وكل شيء انتهى. ذهبنا بعدها مع نجل الرئيس الحريري بهاء إلى المنزل وعملنا الترتيبات، وهذا ما كان».
بعد 13 سنة، يرى النائب العريضي أن لبنان بات في مكان آخر منذ اغتيال الرئيس الحريري، نتيجة خطأ التقدير في إدارة المعركة، مشيرا إلى اجتماع قوى المعارضة الشهير مساء يوم الاغتيال، عندما سقط اقتراح الضغط لإسقاط رئيس الجمهورية إميل لحود، وأضاف: «أخطاء كبيرة ارتكبت من قوى المعارضة آنذاك، فكنا أمام أنبل قضية أسيئ لها، ولهذا نحتاج إلى مراجعة نقدية لتحديد سبب وصولنا إلى ما نحن عليه، وكيفية مواجهة المرحلة».

الصحافي فيصل سلمان: جلسة المقهى التي استبقت الانفجار
كان صباح يوم 14 فبراير من عام 2005 كبداية أي أسبوع يلتقي فيها الحريري مع بعض أصدقائه السياسيين والصحافيين، وبينهم فيصل سلمان، الذي جاءه تأكيد الموعد عبر اتصال تلقاه من مسؤول فريق حماية رئيس الحكومة السابق يحيى العرب، ليكون هو ومجموعة من الشخصيات بانتظاره في المقهى مقابل مجلس النواب بعد مشاركته لوقت قصير في الجلسة. في القهوة جلس سلمان متوسطا الحريري والوزير الراحل باسل فليحان، وأخبره الأخير أنه جاء إلى لبنان تاركا عائلته في لندن ليحاول إقناع الحريري بالمغادرة بعدما أعلمه مسؤول مخابرات بريطاني بضرورة هذا الأمر، بعد رصد القاعدة البريطانية في قبرص اتصالات تشير إلى محاولة اغتيال للحريري، وطلب من سلمان مساعدته بالمهمة. لكن تبادل الحديث الخاص مع الرئيس الراحل في ذلك الوقت لم يكن متاحا بسبب وجود عدد من الأشخاص في الجلسة التي غادرها الحريري برفقة فليحان بعد وقت قصير، وهزّ صوت الانفجار بعد عشرات الدقائق المنطقة بأكملها.
في تلك اللحظة ساد الهرج والمرج في محيط مجلس النواب وخرجت منه النائبة بهية الحريري، شقيقة الراحل، وهي تفرك بيديها متضرعة إلى الله وكأنها كانت تشعر أن مكروها أصابه، بحسب سلمان الذي رافقها في سيارة واحدة إلى مستشفى الجامعة الأميركية بناء على طلبها. في المستشفى الذي ضج بالناس، كانت الحقيقة الصادمة على لسان طبيب الحريري الخاص، جابر صوايا. «بعد ذلك، طلبت من الدكتور محمود شقير السماح لي برؤية الجثة وسمح لي بذلك»، يقول سلمان ويتابع: «لا أزال أذكر وجهه كما لو أنه أمس. كان كما هو لا يشوبه شيء إلا بعض البقع السوداء».
منذ 13 عاما حتى الآن، يعتبر سلمان أنه «لم يعد هناك بلد اسمه لبنان بمفهومه وبعده الوطني. فاغتيال شخصية مثل الحريري، أنجزت كثيرا لإعادة أعمار لبنان، اغتيل معها مستقبل وأمل كنا نتطلّع إليه بعد الحرب». ويضيف: «أنا الذي عايشت الحرب ورافقت الحريري في جزء كبير من مسيرته وجهوده وعلاقاته، لمست عن قرب كيف كان البعض يواجهه ويضع في طريقه العقبات والمشكلات لعدم إكمال مسيرته». ويختم: «إضافة إلى الطائفية والفساد المستشري، يمكن اختصار تأثير رحيل الحريري على لبنان بحجم الديون التي كانت في عام 1998 نحو 15 مليار دولار ووصلت اليوم إلى 80 مليار دولار، هذا من دون احتساب الفوائد».

النائب والوزير السابق بطرس حرب: قوة الانفجار دلت إلى الضحية
كغيره من النواب كان حرب حاضرا الجلسة في قاعة البرلمان قبل أن يدوّي صوت انفجار قوي عند الساعة الثانية عشرة ويؤدي إلى تحطّم بعض الزجاج. «قوّة الصوت جعلتنا ندرك أن حجم التفجير، وكما عدد كبير من زملائي النواب كان أوّل من تبادر إلى أذهاننا في ظل الأجواء السياسية التي كنا نعيشها، الرئيس الحريري، فالأجواء كانت واضحة تشير إلى أنه في خطر نتيجة صدامه مع النظام السوري وحلفائه».
يتابع حرب: «رفع عندها رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة وبدأ بإجراء اتصالاته مع القيادات الأمنية، وتأكد لنا أنه كان المستهدف والتهديدات التي كانت تصله قد نفذّت»، ويضيف: «علما بأنني كنت قد التقيته قبل شهر في باريس وحذّرته، لكنه قال لي: عندي ضمانات دولية».
ويؤكد حرب: «كنا ندرك تماما أن اغتيال الحريري هو زلزال أصاب لبنان ولن يمرّ مرور الكرام، ومن أجل ذلك كانت (جنازة الحريري الشعبية) وكان (حدث 14 آذار) الذي ساهم في إخراج النظام السوري من لبنان». أما الآن وبعد 13 عاما، يبدي حرب خوفه من أن تكون القضية التي استشهد الحريري ورفاقه والشخصيات التي لاقت المصير نفسه من أجلها، ذهبت هباء.

الوزير والنائب السابق فارس بويز: تصريح على الهواء أنقذني
يختصر مشهد الوزير والنائب السابق فارس بويز متحدثا أمام الكاميرات ليقاطعه فجأة ذلك الصوت الذي اهتزت معه جدران مجلس النواب، وحالة الإرباك التي سيطرت على الأجواء اللبنانية، يوم 14 فبراير عام 2005. يروي بويز الذي يعتبر أنه نجا بقدرة إلهية من التفجير، قائلا: «طلبي الكلام وتحديد موعد لي في الجلسة النيابية كان سبب نجاتي، إذ إنني وبعدما رفضت بسببها تلبية دعوة للغداء في مطعم على مقربة من موقع الانفجار التقيت بالحريري صدفة على درج مجلس النواب ودعاني للجلوس معه في المقهى المجاور لكنني اعتذرت منه، فنظر إلى السماء وتوجّه لي قائلا: قانون الانتخاب بات واقعا ولا نتيجة من مناقشته، ثم طلب مني الانضمام إليه على طاولة الغداء في قصر قريطم، مضيفا: إذا خرجت باكرا فسأكون موجودا مع الشباب في المقهى نذهب معا وإذا تأخرت فسأكون بانتظارك في المنزل».
لكن تأخر بويز في المجلس فرض عليه عدم مجالسة الشباب وليكون لحظة الانفجار في بث مباشر على الهواء بعدما طلب منه الصحافيون الإدلاء بتصريح، وهنا يقول: «في هذه اللحظة بقيت أسيرا لوقع الانفجار وللكاميرات المثبتة أمامي في بثها المباشر لدقائق قبل أن يأتي أحد الصحافيين مسرعا ويبلغنا بوقوع انفجار في وسط بيروت».
ويضيف: «في هذه اللحظة أول من حضر إلى ذهني الرئيس الحريري فاتصلت فورا بمنزله ليرد عامل الهاتف ويسألني، هل تريد التحدث إليه؟ إجابته منحتني نوعا من الارتياح معتبرا أنها تعني وصول الحريري إلى منزله، وقلت للمجيب: «لا الأمر ليس مهما»، وهو ما أبلغته أيضا إلى النائب فريد مكاري الذي التقيته صدفة وقام بالاتصال نفسه ليلقى الإجابة عينها... لكن اطمئنان بويز لم يستمر إلا عشرات الدقائق، فهو قرّر الذهاب نحو موقع الانفجار حيث «لم تكن الصورة واضحة بالنسبة إلي خاصة مع الازدحام الذي نتج عن التفجير وعدم قدرة سيارتي على الوصول إلى المكان فاعتقدت أنه ناتج عن شاحنة مازوت، فقررت عندها تلبية دعوة الغداء لدى الحريري متوجها إلى قريطم، لكن وفي طريقي التقيت بالصحافي فيصل سلمان الذي كان يملك الخبر المؤلم ويبلغني باغتيال الحريري». «وهذا الخبر كان قد وصل إلى منزل الحريري حيث رأيت مئات الشباب يهتفون ضد سوريا ورئيسها فأدركت حينها أن ما قاله سلمان كان حقيقيا وأن عامل السنترال كان يعتقد أن الحريري وصل في موعده إلى منزله».
منذ ذلك اليوم، يعتبر بويز أن لبنان لا يزال يتخبط بتداعيات استشهاد الحريري وما لحق به من عمليات اغتيال أخرى نتج عنها اصطفاف طائفي خطير بات يتحكم بالبلاد وانعكس على العلاقات فيما بين الأفرقاء اللبنانيين كما مع سوريا.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.