أين كنت في 14 فبراير... وكيف بُلّغت خبر اغتيال رفيق الحريري؟

في الذكرى الثالثة عشرة لرحيله... شخصيات لبنانية تستذكر هذا اليوم

موقع تفجير موكب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ببيروت في 14 فبراير 2005 (غيتي)
موقع تفجير موكب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ببيروت في 14 فبراير 2005 (غيتي)
TT

أين كنت في 14 فبراير... وكيف بُلّغت خبر اغتيال رفيق الحريري؟

موقع تفجير موكب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ببيروت في 14 فبراير 2005 (غيتي)
موقع تفجير موكب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ببيروت في 14 فبراير 2005 (غيتي)

في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري الذي وصفه المخرج السوري عمر أميرالاي بـ«الرجل ذي الأصبع الذهبية»، اغتيالا في مدينته بيروت، تستعيد بعض الشخصيات اللبنانية التي عرفت بعلاقتها الوطيدة مع الحريري، ومنهم من رافقه في يومه الأخير، مع «الشرق الأوسط»، اللحظات أو الساعات القليلة منذ وقوع الانفجار إلى الإعلان عن الشخصية المستهدفة في مرحلة سياسية دقيقة وبعد سلسلة من الأحداث ترافقت مع تهديدات وصلت إليه شخصيا لكنه كان دائما يستبعد تنفيذها.

رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان: أدركت فوراً أن فتنة كبيرة تخطط للبنان
كان رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان يتولى قيادة الجيش في ذلك الوقت. وفي ظهر يوم 14 فبراير (شباط) من عام 2005 بالتحديد، كان يستعد لتناول طعام الغداء في المنزل المخصص لقائد الجيش في منطقة اليرزة، لكن وقوع الانفجار جعله يعود فورا إلى مقر القيادة العامة مصدرا الأوامر بتجهيز الوحدات والخبراء للقيام بمهامهم، كما باشر بالاتصالات الضرورية وتابع المعلومات والتطورات على الأرض.
ومنذ تلك اللحظة التي استدعت استنفارا أمنيا على كل المستويات: «عملت جاهداً للحفاظ على ديمقراطية المظاهرات، فكانت الأوامر واضحة بأن يمنع الجيش الاحتكاك بين المتظاهرين محافظاً على الأمن والحرية في آن، ما أدى إلى السماح للمتظاهرين بالتعبير عن مشاعرهم بكل حرية خلافاً لرغبة السلطة السياسية وقتذاك، تمهيداً ليوم 14 فبراير المليوني الشهير الذي أدى بشكل أساسي إلى انسحاب الجيش السوري في 26 أبريل (نيسان) من العام نفسه».
ويضيف: «أدركت فوراً أن فتنة كبيرة تخطط للبنان بعد اغتيال شخصية بحجم رفيق الحريري، لكن الأوامر كانت واضحة للجيش بضرورة منع الفتنة وحفظ الأمن بالإضافة إلى موقف عائلة الشهيد المتقدّم والداعي إلى وأد الفتنة وتحويل الجريمة الفظيعة إلى شرارة انطلاق مسار السيادة في لبنان».

النائب والوزير السابق غازي العريضي: لبنان بات في مكان آخر
يوم الأحد الذي سبق جريمة الاثنين 14 فبراير، ذهب العريضي للقاء الحريري 4 مرات في يوم واحد، آخرها عند الساعة الثانية عشرة إلا الربع قبل منتصف الليل: «كانت هناك محاولة منا لتوسيع مروحة المعارضة»، بحسب ما يقول النائب في «اللقاء الديمقراطي». ويضيف: «لكن في يوم الاثنين كان من المقرر أن يحضر النائبان محمد الصفدي ومصباح الأحدب للغداء مع رئيس الحزب النائب وليد جنبلاط في منزله، وكنت مدعوا معهم. وقد وضعت الرئيس الحريري في أجواء اللقاء المنتظر، وكان مرحبا جدا، فطلب مني أن أنتهي من اللقاء وأذهب إليه فورا».
لذلك عندما خرج الرئيس الحريري من جلسة مجلس النواب الشهيرة في اليوم التالي، غمز لي بعينه، قائلا: «تعال معي، لنذهب للغداء»، فأجبته مذكرا بموعدي، فأومأ لي قائلا: «خلص واتبعني إلى منزلي».
«بعد الجلسة ذهبت إلى منزل وليد بك، ففوجئت به جالسا يقص أوراق الصحف كعادته عندما يختار مقالا يعجبه لقراءته لاحقا، ولم تكن ثمة طاولة غداء. بادرني الرئيس جنبلاط قائلا: لقد ألغيا الموعد، قد يكونان تعرضا لضغوطات من الأجهزة (الأمنية). وقبل أن نكمل حديثنا، فوجئنا بدوي انفجار هائل ثم موجة من الغبار وصلت إلينا، نظر إلي وليد بك، فبادرته على الفور: إنه الرئيس. أرسل البيك بعض مرافقيه، فعادوا إلينا بالخبر المؤلم».
بعد ذلك، يروي العريضي: «ذهبنا (مع النائب جنبلاط) فورا إلى مستشفى الجامعة الأميركية القريب، مشيا، وهناك قابلت مسؤول أمن الجامعة الضابط سعد شلق، وهو زميل دراسة، فانتحى بي جانبا وقال لي: «إنه الرئيس (الحريري)... وكل شيء انتهى. ذهبنا بعدها مع نجل الرئيس الحريري بهاء إلى المنزل وعملنا الترتيبات، وهذا ما كان».
بعد 13 سنة، يرى النائب العريضي أن لبنان بات في مكان آخر منذ اغتيال الرئيس الحريري، نتيجة خطأ التقدير في إدارة المعركة، مشيرا إلى اجتماع قوى المعارضة الشهير مساء يوم الاغتيال، عندما سقط اقتراح الضغط لإسقاط رئيس الجمهورية إميل لحود، وأضاف: «أخطاء كبيرة ارتكبت من قوى المعارضة آنذاك، فكنا أمام أنبل قضية أسيئ لها، ولهذا نحتاج إلى مراجعة نقدية لتحديد سبب وصولنا إلى ما نحن عليه، وكيفية مواجهة المرحلة».

الصحافي فيصل سلمان: جلسة المقهى التي استبقت الانفجار
كان صباح يوم 14 فبراير من عام 2005 كبداية أي أسبوع يلتقي فيها الحريري مع بعض أصدقائه السياسيين والصحافيين، وبينهم فيصل سلمان، الذي جاءه تأكيد الموعد عبر اتصال تلقاه من مسؤول فريق حماية رئيس الحكومة السابق يحيى العرب، ليكون هو ومجموعة من الشخصيات بانتظاره في المقهى مقابل مجلس النواب بعد مشاركته لوقت قصير في الجلسة. في القهوة جلس سلمان متوسطا الحريري والوزير الراحل باسل فليحان، وأخبره الأخير أنه جاء إلى لبنان تاركا عائلته في لندن ليحاول إقناع الحريري بالمغادرة بعدما أعلمه مسؤول مخابرات بريطاني بضرورة هذا الأمر، بعد رصد القاعدة البريطانية في قبرص اتصالات تشير إلى محاولة اغتيال للحريري، وطلب من سلمان مساعدته بالمهمة. لكن تبادل الحديث الخاص مع الرئيس الراحل في ذلك الوقت لم يكن متاحا بسبب وجود عدد من الأشخاص في الجلسة التي غادرها الحريري برفقة فليحان بعد وقت قصير، وهزّ صوت الانفجار بعد عشرات الدقائق المنطقة بأكملها.
في تلك اللحظة ساد الهرج والمرج في محيط مجلس النواب وخرجت منه النائبة بهية الحريري، شقيقة الراحل، وهي تفرك بيديها متضرعة إلى الله وكأنها كانت تشعر أن مكروها أصابه، بحسب سلمان الذي رافقها في سيارة واحدة إلى مستشفى الجامعة الأميركية بناء على طلبها. في المستشفى الذي ضج بالناس، كانت الحقيقة الصادمة على لسان طبيب الحريري الخاص، جابر صوايا. «بعد ذلك، طلبت من الدكتور محمود شقير السماح لي برؤية الجثة وسمح لي بذلك»، يقول سلمان ويتابع: «لا أزال أذكر وجهه كما لو أنه أمس. كان كما هو لا يشوبه شيء إلا بعض البقع السوداء».
منذ 13 عاما حتى الآن، يعتبر سلمان أنه «لم يعد هناك بلد اسمه لبنان بمفهومه وبعده الوطني. فاغتيال شخصية مثل الحريري، أنجزت كثيرا لإعادة أعمار لبنان، اغتيل معها مستقبل وأمل كنا نتطلّع إليه بعد الحرب». ويضيف: «أنا الذي عايشت الحرب ورافقت الحريري في جزء كبير من مسيرته وجهوده وعلاقاته، لمست عن قرب كيف كان البعض يواجهه ويضع في طريقه العقبات والمشكلات لعدم إكمال مسيرته». ويختم: «إضافة إلى الطائفية والفساد المستشري، يمكن اختصار تأثير رحيل الحريري على لبنان بحجم الديون التي كانت في عام 1998 نحو 15 مليار دولار ووصلت اليوم إلى 80 مليار دولار، هذا من دون احتساب الفوائد».

النائب والوزير السابق بطرس حرب: قوة الانفجار دلت إلى الضحية
كغيره من النواب كان حرب حاضرا الجلسة في قاعة البرلمان قبل أن يدوّي صوت انفجار قوي عند الساعة الثانية عشرة ويؤدي إلى تحطّم بعض الزجاج. «قوّة الصوت جعلتنا ندرك أن حجم التفجير، وكما عدد كبير من زملائي النواب كان أوّل من تبادر إلى أذهاننا في ظل الأجواء السياسية التي كنا نعيشها، الرئيس الحريري، فالأجواء كانت واضحة تشير إلى أنه في خطر نتيجة صدامه مع النظام السوري وحلفائه».
يتابع حرب: «رفع عندها رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة وبدأ بإجراء اتصالاته مع القيادات الأمنية، وتأكد لنا أنه كان المستهدف والتهديدات التي كانت تصله قد نفذّت»، ويضيف: «علما بأنني كنت قد التقيته قبل شهر في باريس وحذّرته، لكنه قال لي: عندي ضمانات دولية».
ويؤكد حرب: «كنا ندرك تماما أن اغتيال الحريري هو زلزال أصاب لبنان ولن يمرّ مرور الكرام، ومن أجل ذلك كانت (جنازة الحريري الشعبية) وكان (حدث 14 آذار) الذي ساهم في إخراج النظام السوري من لبنان». أما الآن وبعد 13 عاما، يبدي حرب خوفه من أن تكون القضية التي استشهد الحريري ورفاقه والشخصيات التي لاقت المصير نفسه من أجلها، ذهبت هباء.

الوزير والنائب السابق فارس بويز: تصريح على الهواء أنقذني
يختصر مشهد الوزير والنائب السابق فارس بويز متحدثا أمام الكاميرات ليقاطعه فجأة ذلك الصوت الذي اهتزت معه جدران مجلس النواب، وحالة الإرباك التي سيطرت على الأجواء اللبنانية، يوم 14 فبراير عام 2005. يروي بويز الذي يعتبر أنه نجا بقدرة إلهية من التفجير، قائلا: «طلبي الكلام وتحديد موعد لي في الجلسة النيابية كان سبب نجاتي، إذ إنني وبعدما رفضت بسببها تلبية دعوة للغداء في مطعم على مقربة من موقع الانفجار التقيت بالحريري صدفة على درج مجلس النواب ودعاني للجلوس معه في المقهى المجاور لكنني اعتذرت منه، فنظر إلى السماء وتوجّه لي قائلا: قانون الانتخاب بات واقعا ولا نتيجة من مناقشته، ثم طلب مني الانضمام إليه على طاولة الغداء في قصر قريطم، مضيفا: إذا خرجت باكرا فسأكون موجودا مع الشباب في المقهى نذهب معا وإذا تأخرت فسأكون بانتظارك في المنزل».
لكن تأخر بويز في المجلس فرض عليه عدم مجالسة الشباب وليكون لحظة الانفجار في بث مباشر على الهواء بعدما طلب منه الصحافيون الإدلاء بتصريح، وهنا يقول: «في هذه اللحظة بقيت أسيرا لوقع الانفجار وللكاميرات المثبتة أمامي في بثها المباشر لدقائق قبل أن يأتي أحد الصحافيين مسرعا ويبلغنا بوقوع انفجار في وسط بيروت».
ويضيف: «في هذه اللحظة أول من حضر إلى ذهني الرئيس الحريري فاتصلت فورا بمنزله ليرد عامل الهاتف ويسألني، هل تريد التحدث إليه؟ إجابته منحتني نوعا من الارتياح معتبرا أنها تعني وصول الحريري إلى منزله، وقلت للمجيب: «لا الأمر ليس مهما»، وهو ما أبلغته أيضا إلى النائب فريد مكاري الذي التقيته صدفة وقام بالاتصال نفسه ليلقى الإجابة عينها... لكن اطمئنان بويز لم يستمر إلا عشرات الدقائق، فهو قرّر الذهاب نحو موقع الانفجار حيث «لم تكن الصورة واضحة بالنسبة إلي خاصة مع الازدحام الذي نتج عن التفجير وعدم قدرة سيارتي على الوصول إلى المكان فاعتقدت أنه ناتج عن شاحنة مازوت، فقررت عندها تلبية دعوة الغداء لدى الحريري متوجها إلى قريطم، لكن وفي طريقي التقيت بالصحافي فيصل سلمان الذي كان يملك الخبر المؤلم ويبلغني باغتيال الحريري». «وهذا الخبر كان قد وصل إلى منزل الحريري حيث رأيت مئات الشباب يهتفون ضد سوريا ورئيسها فأدركت حينها أن ما قاله سلمان كان حقيقيا وأن عامل السنترال كان يعتقد أن الحريري وصل في موعده إلى منزله».
منذ ذلك اليوم، يعتبر بويز أن لبنان لا يزال يتخبط بتداعيات استشهاد الحريري وما لحق به من عمليات اغتيال أخرى نتج عنها اصطفاف طائفي خطير بات يتحكم بالبلاد وانعكس على العلاقات فيما بين الأفرقاء اللبنانيين كما مع سوريا.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.