ارتياح عراقي لمؤتمر الكويت... وترقب للوعود

واشنطن تعلن توقيع مذكرة بثلاثة مليارات دولار لدعم بغداد... والعبادي يتعهد تسهيل الاستثمار

العبادي خلال مشاركته في إحدى جلسات مؤتمر إعادة إعمار العراق في الكويت أمس (أ.ف.ب)
العبادي خلال مشاركته في إحدى جلسات مؤتمر إعادة إعمار العراق في الكويت أمس (أ.ف.ب)
TT

ارتياح عراقي لمؤتمر الكويت... وترقب للوعود

العبادي خلال مشاركته في إحدى جلسات مؤتمر إعادة إعمار العراق في الكويت أمس (أ.ف.ب)
العبادي خلال مشاركته في إحدى جلسات مؤتمر إعادة إعمار العراق في الكويت أمس (أ.ف.ب)

بدا المسؤولون العراقيون مرتاحين إلى حجم المشاركة في مؤتمر إعمار العراق الذي يختتم اليوم في الكويت، فيما يترقبون إعلان المشاركين مساهماتهم في حملة المساعدات الدولية، من أجل إعادة إعمار مناطق بلادهم المتضررة من الحرب على تنظيم داعش.
ومن المقرر أن تعلن الدول المشاركة في المؤتمر الذي يشارك فيه مئات المسؤولين والمنظمات غير الحكومية ورجال الأعمال، قيمة مساهماتهم المالية اليوم. وعلمت «الشرق الأوسط» أن السعودية التي تشارك بوفد يترأسه وزير خارجيتها عادل الجبير ستتعهد منح العراق مساعدة مالية وتمويل الصادرات.
وأعلن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، أمس، توقيع مذكرة تفاهم بقيمة 3 مليارات دولار لدعم العراق في مجالات عدة، مؤكدا أن بلاده ستبقى «الحليف الأوثق» لبغداد. وأوضح أنه «جرى توقيع مذكرة تفاهم بين بنك إكسيم الأميركي ووزارة المالية العراقية بقيمة 3 مليارات دولار لعدد من المشروعات في مجال النقل ومجالات أخرى». وأضاف أن الولايات المتحدة «تدعم عراقاً مستقراً... والإدارة الأميركية تدعم (رئيس الوزراء حيدر) العبادي في مكافحة الفساد».
وأكد العبادي، أمس، قدرة بلاده على استقطاب رؤوس الأموال والمستثمرين في المشروعات الاستثمارية المطروحة لما تمتلكه من إمكانات كبيرة لا سيما البشرية منها. وقال خلال كلمته في جلسة نقاشية بعنوان «النافذة الواحدة: دعم المستثمرين في العراق»، إن حكومته «عملت على تحقيق إصلاحات اقتصادية وإزالة العقبات عن المستثمرين ورفع العراقيل عنهم».
والتقى العبادي، أمس، وزير الخارجية الأميركي في الكويت خلال فعاليات مؤتمر المانحين. وانضم القطاع الخاص إلى الورشة الضخمة لإعادة الإعمار، مع مضي المؤتمر في يومه الثاني، لتركيز جهوده على جمع الالتزامات والتعهدات من المانحين والمستثمرين.
ودعا وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى عدم استثناء أي منطقة في العراق من عملية إعادة الإعمار، خصوصا إقليم كردستان، مشددا على أهمية إنهاء الخلافات بين بغداد وأربيل. وقال من مؤتمر إعادة إعمار العراق إن «جهود إعادة الإعمار لا يجب أن تستثني أي منطقة أو مكون، خصوصا أولئك الذين جرى تهميشهم عبر التاريخ الحديث للعراق أو استهدفوا من قبل تنظيم داعش».
وأضاف: «لا بد من إعادة إعمار قرى ومدن ومناطق بكاملها. وحتى المناطق التي بقيت خارج سيطرة التنظيم، فقد عانت أيضاً. وأتحدث خصوصا هنا عن كردستان التي تحملت أكثر من حصتها من العبء، وتضحياتها تدفع إلى التضامن معها». ورأى أن «هذا الأمر يتطلب إنهاء الخلافات بين الحكومة الإقليمية والحكومة الاتحادية». وأضاف أن العراق لن يتمكن من النهوض بشكل دائم، ما لم يقرر التصدي مباشرة لعمليات إعادة الأعمار، ويعمل على تعميم الاستقرار والمصالحة الوطنية.
وحث وزير التنمية الألماني غيرد مولر على إعادة إعمار المدن والقرى المدمرة في العراق لإعادة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم. وقال مولر أمس قبل توجهه إلى الكويت للمشاركة في المؤتمر: «عقب التخلص من إرهاب (داعش) يعيش في العراق حتى الآن 2.5 مليون نازح. المؤلم على وجه الخصوص هو وضع الأطفال في مخيمات النزوح».
وبحسب بيانات الوزير، يعيش في ألمانيا حاليا نحو 100 ألف لاجئ عراقي. وأضاف أن وزارة التنمية وضعت من أجلهم برنامجا لتحفيزهم على العودة إلى وطنهم. وأكد أن الحافز الرئيسي لإعادة الإعمار في العراق ينبغي أن ينطلق من الحكومة العراقية نفسها، موضحا أن من المشكلات الرئيسية التي تواجه البلاد «العوائق البيروقراطية المرتفعة وعمليات التوريد غير النزيهة والفساد المستشري على نطاق واسع». وألمانيا من أكبر الدول المانحة للعراق. ودعمته منذ عام 2014 بنحو 1.3 مليار يورو.
وسعت بغداد في اليوم الثاني من مؤتمر إعادة الإعمار إلى جذب المستثمرين الذين يخشون الأوضاع الأمنية. وقال رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار في العراق سامي الاعرجي أمام ممثلين عن شركات في القطاع الخاص: «العراق مفتوح للمستثمرين... ونعرض على القطاع الخاص الاستثمار في أغلب القطاعات، من الزراعة إلى النفط»، متحدثا عن 212 مشروعا خصصتها بغداد للمستثمرين المحليين والدوليين وتشمل «حماية قانونية».
ومن بين هذه المشاريع بناء مصافي النفط والمساكن ومحطات الطاقة والمطارات وسكك الحديد والقطارات والطرق. كما ذكر الاعرجي أن العراق ينوي إقامة أربع مناطق حرة خلال السنوات العشر المقبلة. من جهته، أعلن وزير النفط جبار اللعيبي أن العراق ينوي زيادة إنتاجه النفطي بنحو 2.3 مليون برميل، ليصل إنتاجه اليومي بحلول عام 2020 إلى سبعة ملايين برميل. ويملك العراق حاليا القدرة على إنتاج خمسة ملايين برميل، إلا أنه ينتج 4.7 ملايين برميل التزاما باتفاق خفض الإنتاج الموقع بين الدول النفطية في منظمة «أوبك» وخارجها.
وكانت بغداد أعلنت في اليوم الأول من المؤتمر أنها بحاجة إلى 88.2 مليار دولار، بينها 20 مليار دولار بشكل مستعجل والبقية على المدى المتوسط. وقال مدير «صندوق إعادة إعمار المناطق المتضررة من العمليات الإرهابية» مصطفى الهيتي إن العراق بدأ «بعض الخطوات لإعادة الإعمار. لكن لم نستطع إنجاز أكثر من واحد في المائة مما نحتاج إليه». وأضاف: «نريد مساعدات واستثمارات لإعادة الخدمات والبنى التحتية»، مشيرا إلى تضرر 138 ألف منزل ودمار أكثر من نصف هذا العدد جراء الحرب ضد تنظيم داعش.
ويعتبر الفساد المستشري أحد أكبر التحديات أمام بغداد في سعيها لجمع الأموال. وفي عام 2017، احتل العراق المرتبة 166 من بين 176 دولة على لائحة البلدان الأكثر فسادا التي تصدرها منظمة الشفافية الدولية. كذلك تمثل عودة النازحين العراقيين الذين نزحوا من مناطق القتال أحد أكبر التحديات، وفيما عاد نحو 3.3 مليون نازح إلى ديارهم، فلا يزال هناك 2.6 مليون نازح يقيمون في مخيمات.
وقال ممثل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في العراق برونو غيدو، إن «مؤتمر الكويت يوفر منبرا رئيسيا لإعادة التأكيد على أهمية العودة الطوعية والآمنة والمستدامة للنازحين العراقيين، وكذلك لجمع الموارد لدعم جهود الحكومة في تحقيق هذا الهدف».
وفي هذا السياق، دعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة وبرنامج الموئل التابع للمنظمة الأممية إلى الاستثمار في البنية التحتية، وقالتا في بيان مشترك إن «ربع أطفال العراق يعيشون في الفقر». أما منظمة الصحة العالمية، فدعت المجتمع الدولي إلى «الاستثمار في قطاع الصحة المنهار»، مشيرة إلى الدمار الذي لحق بأكثر من 14 مستشفى و170 منشأة صحية.
ورأى ممثل البنك الدولي رجا أرشاد أن هناك حاجة إلى استثمارات في شتى القطاعات، مشيرا إلى حاجة قطاع الإسكان وحده إلى 17.4 مليار دولار. وقال إن هناك حاجة إلى 30 مليار دولار من أجل البنى التحتية في مجالات الطاقة والصناعة.
وحذرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) من أن «العراق خسر 40 في المائة من إنتاجه الزراعي خلال السنوات الأربع الماضية التي سيطر فيها (داعش) على مساحات واسعة من الأراضي».
وخصصت المنظمات غير الحكومية خلال جلسات اليوم الأول تعهدات لدعم الوضع الإنساني في العراق بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 330 مليون دولار. وجاء أكبر التعهدات من اللجنة الدولية للصليب الأحمر بـ130 مليون دولار. كما تعهدت منظمات كويتية غير حكومية عدة بأكثر من 122 مليون دولار، فيما كانت بقية التعهدات من منظمات في بريطانيا والسعودية والعراق ودول أخرى.
ونظمت غرفة تجارة وصناعة الكويت، أمس، مؤتمرا فرعيا بعنوان «استثمر في العراق»، ضمن فعاليات مؤتمر إعادة الإعمار. وتناول المؤتمر الفرعي البيئة المواتية لمشاركة القطاع الخاص في إعادة إعمار العراق، بمشاركة كل من رئيس غرفة تجارة وصناعة الكويت علي الغانم، ورئيس الهيئة الوطنية للاستثمار العراقية سامي الاعرجي، ووزير التخطيط العراقي سلمان الجميلي.
وقال مسؤولون عراقيون إن الاستقرار المالي والمصرفي شرط أساسي في النمو الاقتصادي الذي يعتبر بدوره الإطار العملي في تمويل الاستثمارات. وشددوا خلال جلسة حوارية بشأن تمويل إعادة الإعمار على أهمية تعزيز الاقتصاد من أجل تشجيع المستثمرين على الدخول إلى السوق العراقية.
وذكر نائب محافظ البنك المركزي محمود داغر أن «البنك ركز على الاستقرار النقدي الذي يعتبر هدفا رئيسيا لسياسته النقدية، لا سيما أنها لوحدها تدير عرض النقود ومن ثم تؤثر على منظومة الأسعار». وأشار داغر إلى هيكل المصارف في العراق البالغ عددها 71 مصرفاً، سبعة منها عامة و64 منها خاصة، سواء إسلامية أو تقليدية، موضحا أن تنوع القطاع المصرفي في العراق يعني وجود فرصة مناسبة لعمليات التحويل والحوالات وفتح الاعتمادات وكل ما يحتاجه المستثمر.
وأوضح أن مؤشر مواجهة استيرادات العراق في إطار ما يملكه من احتياطات الآن وصل إلى 50 مليار دولار مقارنة بدول الجوار، فهو يعتبر في مستوى جيد يمكن من خلاله إدارة عرض النقود ويمكن المستثمرين من الاطمئنان إلى وضع الاقتصاد العراقي.
من جهته، أكد رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب العراقي، أحمد الكناني، أن أهم أرضية للاستثمار هي الثقة، مشيرا إلى أن «اللجنة أخذت على عاتقها العمل على تعزيز الثقة من خلال سن تشريعات تساهم في تعزيز الاستثمار وإعادة إعمار العراق».
وبحث المؤتمر خلال جلساته المختلفة في موضوعات عدة، منها بيئة الاستثمار في العراق وبرنامج الإصلاح وسبل إعادة الإعمار، إلى جانب استعراض فرص القطاع الخاص من خلال عرض تجارب استثمارية ناجحة والفرص الرئيسية الاستثمارية في العراق ودور مؤسسة التمويل الدولية بهذا الشأن.
وشمل المؤتمر كذلك في قطاعات الاستثمار الرئيسية في العراق في مجالات النفط والغاز والنقل والصناعات والعقارات والمناطق الاقتصادية والطاقة والزراعة والصحة وغيرها.
واستعرض محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق، في جلسة نقاشية بعنوان «تمويل إعادة الإعمار»، النظرة العامة على إطار الاقتصاد العراقي الكلي، لا سيما على القطاع المصرفي وسبل دعم القطاع الخاص من أجل تحقيق السلام المرن.
وناقش المؤتمر أشكال التمويل المحلي والأجنبي وشراكة القطاعين العام والخاص ومشاريع التمويل في العراق الخاصة بمؤسسة التمويل الدولية إلى جانب الضمانات المتعلقة بالاستثمار.



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.