خبراء يتوقعون عاماً صعباً للاقتصاد الأردني

استمرار تباطؤ النمو لتعرضه لضغوطات داخلية وخارجية كبيرة

خبراء يتوقعون عاماً صعباً للاقتصاد الأردني
TT

خبراء يتوقعون عاماً صعباً للاقتصاد الأردني

خبراء يتوقعون عاماً صعباً للاقتصاد الأردني

توقع الأمين العام لمنتدى الفكر العربي محمد أبو حمور، أن يكون العام 2018 صعباً على صعيد الأوضاع الاقتصادية الأردنية، بسبب تأثير الأزمات الإقليمية في العراق وسوريا وفلسطين، وما تتطلبه من وقت لإيجاد الحلول لها، قائلاً إن الحلول المنفردة للأزمات الاقتصادية للدول لن تكون مجدية.
ودعا أبو حمور، خلال لقاء عقد في المنتدى بالعاصمة الأردنية، أمس، إلى إيجاد بيئات استثمارية مناسبة للتغلب على تضاؤل نسبة الاستثمارات العربية البينية التي لا تتجاوز حالياً 20 في المائة من مجمل الاستثمارات العربية في العالم، وكذلك دعا إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في الأردن، بوصف هذه الشراكة توفر فرصاً للعمل وتحد من البطالة، وتساعد في إقامة مشاريع البنية التحتية للاستثمارات، وتوفير خدمات أفضل وأقل كلفة على المواطنين، مؤكداً أهمية تحويل الفرص إلى تحديات، وتأسيس صندوق استثماري أردني، وفي تعزيز المبادرات التنموية التي تمثل النهج الإصلاحي للقيادة الأردنية وحرصها على تحقيق العدالة الاجتماعية والمستقبل الآمن للوطن وأبنائه.
من جانبه أوضح الباحث الاقتصادي محمد البشير أن المالية العامة في الأردن تعرضت لضغوطات متزايدة عبر السنوات العشرين الماضية، بسبب المتغيرات الجوهرية التي حدثت في العالم على كافة الصعد السياسية والاقتصادية، وتالياً الاجتماعية، وخصوصاً بعد تفكك الاتحاد السوفياتي ولحاق الكثير من الاقتصاديات العالمية، ومنها الاقتصاد الأردني بالاقتصاد الرأسمالي (اقتصاد السوق) عبر سلسلة من السياسات المالية والاقتصادية، وتعديلات جوهرية على التشريعات التي لها مساس بالاقتصاد، والتي تأثرت بها الأركان الثلاثة للمالية العامة، وهي النفقات العامة والضرائب والمديونية.
ودعا البشير إلى معالجة جذرية وهيكلة جريئة للنفقات المتعلقة بالرواتب في الوحدات الحكومية المستقلة ورواتب الفئة العليا، ومعالجة التخفيض الملموس للنفقات الرأسمالية لحساب النفقات الجارية مما كان قد خفض من واردات الخزينة من الأنشطة الاستثمارية، أو التي كان مأمولاً منها تخفيض أعباء الضرائب على المكلفين والمديونية، مؤكداً ضرورة رفع النفقات الرأسمالية، ودراسة رواتب الوظيفة العامة، سواء أكانت متعلقة بالعقود والإنشاءات أو نفقات الوحدات المستقلة أو غيرها، وخصوصاً منها الرواتب ومزاياها من خلال تقليص هامش الفروقات من جهة ومعالجة مشكلة الرواتب المتعددة لآلاف المتقاعدين، مما فيه مصلحة وطنية وضرورة إصلاحية كمدخل لتحقيق العدالة بين أبناء الوطن.
كما دعا إلى إعفاء بعض القطاعات الاقتصادية كالقطاع الزراعي من ضريبة الدخل وضريبة المبيعات على مدخلاته، ومراعاة القطاع الصناعي بالنسبة للضريبة على الدخل بحيث تقل عن النسب الضريبية على الخدمات.
واقترح لحل مشكلة التهرب الضريبي اعتماد نظام الفوترة من خلال إعفاءات مرتبطة بالفواتير الصادرة عن مقدمي الخدمات المختلفة، حيث ستوفر هذه السياسة قاعدة معلومات هائلة قد تساهم في الحد من التهرب الضريبي، وفي محاسبة المكلفين مقدمي الخدمات بشكل عادل وصحيح.
وفيما يتعلق بالمديونية، وما يثيره التعديل على النسب الضريبية من ردود فعل شعبياً لارتباط ذلك بالظروف المعيشية للمواطنين، أشار البشير إلى أن الثغرة ما بين الإيرادات والنفقات كانت في اتساع، ما جعل الحكومات تلجأ إلى الوظيفة الثانية لهذا الركن، والمتمثلة في الاستدانة لتسديد عجز الموازنة، حتى وصلت المديونية إلى حدود 27 مليار دينار بنسبة 95 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت تبلغ 11.5 مليار دينار عام 2010.
وفي هذا الصدد، استعرض البشير تطور المديونية عبر السنوات العشر الماضية، وأشار إلى أن المعالجة الحقيقية للمديونية لا يمكن أن تنجح إلا بانتعاش اقتصادي شامل مع السيطرة على النفقات الجارية وتعظيم النفقات الرأسمالية، فضلاً عن محاربة جادة لكل مظاهر الفساد والمحسوبية من خلال خطة استراتيجية تعيد للمواطن ثقته بمؤسساته المختلفة.
من جهته، قال الكاتب الاقتصادي سلامة الدرعاوي إن «مشروع قانون موازنة 2018 يهدف لتحقيق نمو اقتصادي حقيقي نسبته 2.3 في المائة، وهو معدل نمو متواضع يشير بوضوح إلى استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي الوطني الذي يتعرض لضغوطات داخلية وخارجية كبيرة تحد من فاعلية القطاعات الإنتاجية المختلفة... ولم تستطع الخطة المالية إيقاف نمو النفقات الجارية بنسب تتلاءم مع النمو المتواضع للاقتصاد، بل ونمو النفقات التشغيلية بنسبة 6 في المائة، نتيجة عوامل مختلفة مثل النمو الطبيعي لرواتب العاملين في القطاع العام ومتقاعديه المدنيين والعسكريين على حد سواء... لكن الملاحظ هو نمو فوائد الدين بمقدار 70 مليون دينار لتصل في مجموعها العام 1.02 مليار دينار، وهذا النمو في الفوائد جاء أيضاً كنتيجة طبيعية لارتفاع الدين في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد حصول الأردن على مليار دولار جرّاء طرح سندات (اليورو بوند)».
وأضاف أن معدل التضخم المقدر لسنة 2018 نحو 2.5 في المائة مقارنة مع 2.2 في المائة للعام السابق، وهنا يطرح التساؤل حول واقعية هذه النسبة مع الأخذ بعين الاعتبار أنه تم فعلاً رفع الدعم عن الخبز و136 سلعة تم رفع ضريبة المبيعات عليها، إضافة إلى ارتفاعات أسعار النفط العالمية، الذي من المتوقع أن تتراوح أسعاره بين 60 - 70 دولاراً للبرميل.
وأوضح أن موازنة 2018 تتوقع أن ترتفع الصادرات الوطنية بنسبة 5.5 في المائة، وهو أمر يواجه تحدياً في ظل الأوضاع الإقليمية السلبية التي تلقي بظلال قاتمة على الاقتصاد الوطني وإغلاق الحدود مع الجوار، ومحدودية التدفقات السلعية إلى العراق، التي ما زالت تواجه الصادرات الوطنية عراقيل عدة هناك، ولا يوجد في الأفق ما يوحي بتغيير إيجابي بهذا الخصوص، مشيراً إلى أن سنة 2018 استمرار لتحديات 2017، والوصول إلى الأهداف والأرقام المقدرة في الموازنة العامة، هو أكبر تحدٍ أمام الحكومة، خصوصاً في مسألة الإيرادات المحلية.
وأشار إلى أن التحدي الآخر أمام الحكومة في سنة 2018 هو تمرير قانون الضريبة، لكن يظل أكبر تحدٍ قد يواجه الاقتصاد الأردني هو استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة وتراجع الأنشطة الاقتصادية فيها، وتصاعد الأعمال العسكرية، ما يؤثر على استقرارها بشكل عام، ويشكل عبئاً كبيراً على الجهود الرسمية في جذب الاستثمارات والسياحة، والحفاظ على تدفقات معقولة وآمنة من حوالات المغتربين في الخارج.
كما أشار الدرعاوي إلى التحديات الكبيرة التي عصفت بالاقتصاد الوطني الأردني خلال السنوات الماضية، والفرص التي لم تستغل لصالح التنمية ورفع معدلات النمو الاقتصادي وزيادة التوظيف وتعزيز بيئة الاستثمار.



حرب الأكواد: غارة مادورو تضع «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)
TT

حرب الأكواد: غارة مادورو تضع «أنثروبيك» في مواجهة البنتاغون

شعار «أنثروبيك» (رويترز)
شعار «أنثروبيك» (رويترز)

لطالما قدمت شركة «أنثروبيك» (Anthropic) نفسها بوصفها الحارس الأمين لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والملجأ الآمن للباحثين الفارين من «تهور» المنافسين. ولكن في فبراير (شباط) 2026، يبدو أن هذا البرج العاجي بدأ يتصدع تحت وطأة ضغوط لم تكن في الحسبان.

فبين مطرقة المنافسة الشرسة مع «أوبن إيه آي» و«إكس إيه آي»، وسندان المواعيد النهائية الصارمة التي فرضتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، وجدت الشركة نفسها مضطرة للتراجع عن أقدس مبادئها: «السلامة أولاً». هذا التحول الدراماتيكي لا يمثل مجرد تغيير في سياسة شركة، بل يعلن بداية عصر جديد توضع فيه «القدرة التنافسية» فوق كل اعتبار أخلاقي.

عقل «كلود»

يمثل نموذج «كلود»، الذي طورته «أنثروبيك»، قفزة نوعية فيما يُعرف بـ«نماذج الاستدلال المتقدم»، وهو ما يفسر استماتة المؤسسة العسكرية لامتلاكه دون قيود. تقنياً، يمتلك «كلود» قدرة فريدة على تحليل «البيانات غير المنظمة» عبر نافذة سياقية هائلة تسمح له بمعالجة ملايين السجلات الاستخباراتية وصور الأقمار الاصطناعية في ثوانٍ معدودة للخروج بـ«صورة استخباراتية موحدة».

وفي ميادين القتال، يقوم «كلود» بدور المحلل التكتيكي؛ إذ يمكنه التنبؤ بتحركات العدو، واقتراح أفضل الخطط اللوجيستية لنقل القوات، واكتشاف الثغرات السيبرانية في شبكات العدو لحظياً. هذه القدرة على الانتقال من تحليل البيانات الضخمة إلى اتخاذ قرارات ميدانية حاسمة هي التي جعلته المحرك الأساسي في منصات عسكرية مثل «بالانتير»، حيث تحول من مجرد «أداة مساعدة» إلى «قائد رقمي» يدير العمليات المعقدة تحت النار.

إلا أن ميزة «كلود» الكبرى هي ذاتها «المعضلة» للجنرالات، وهي «الذكاء الاصطناعي الدستوري»؛ حيث يمتلك النموذج دستوراً أخلاقياً داخلياً يدفعه لرفض الأوامر التي قد تؤدي لانتهاكات إنسانية، وهو ما يراه البنتاغون «عائقاً برمجياً» غير مقبول في جندي رقمي يُفترض أن يكون ولاؤه مطلقاً.

شعار برنامج الذكاء الاصطناعي «كلود» التابع لشركة «أنثروبيك» (موقع الشركة)

جذور التحالف والتمرد

تأسست العلاقة بين «أنثروبيك» والبنتاغون على تناقض جوهري فالشركة تأسست بوصفها «مؤسسة للمنفعة العامة» تضع دستورها الرقمي الأخلاقي فوق رغبات الزبائن، بينما يرى البنتاغون في هذا النهج «غطرسة تقنية» تهدد الأمن القومي. وتكشف التقارير المسربة أن الاحتكاكات بدأت فعلياً عندما اكتشف الجنرالات أن مهندسي الشركة يمتلكون «مفاتيح تقنية» تتيح لهم مراقبة أنماط استخدام النموذج لحظياً، مما جعل تحركات الجيش السرية «شفافة» أمام مبرمجين مدنيين. هذا التوجس تحول إلى غضب عارم مع تكرار حالات «الرفض البرمجي»؛ حيث كان «كلود» يمتنع آلياً عن الإجابة على استفسارات تتعلق بتحديد أهداف بشرية أو تحليل بيانات استخباراتية لمراقبة مدنيين، عادّاً إياها مخالفة لمبادئ «الذكاء الاصطناعي الدستوري» التي بُني عليها.

وقد تجلى هذا «التمرد الرقمي» بوضوح في مطلع عام 2026، خلال تنفيذ قوات خاصة أميركية عملية ميدانية استهدفت تحركات الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. خلال تلك العملية، تم استخدام «كلود» عبر منصة «بالانتير» لمهام فائقة الحساسية، شملت فك تشفير اتصالات القوات المحيطة بمادورو في وقت قياسي واقتراح مسارات الهجوم والانسحاب بناءً على معطيات الأرض المتغيرة. إلا أن «تدخل» أنظمة السلامة في «أنثروبيك» للاعتراض على هذه الأنماط القتالية في «وقت التنفيذ» الفعلي، أثار جنون القادة العسكريين؛ إذ عدوا أن وجود شركة خاصة تملك حق «الفيتو» الأخلاقي على القرارات السيادية في قلب الميدان يمثل سابقة خطيرة تهدد حياة الجنود، وهو ما دفع الوزير «هيغسيث» لوضع الشركة أمام خيار الانصياع الكامل أو «التأميم» بقانون الإنتاج الدفاعي.

صورة نشرها حساب تابع للبيت الأبيض على «إكس» للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وهو رهن الاحتجاز (أ.ف.ب)

كواليس «الثلاثاء العاصف»

أفاد مصدر مطلع لـ«رويترز» بأن حدة الخلاف بلغت ذروتها في اجتماع عُقد يوم الثلاثاء بين الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك»، داريو أمودي، ووزير الدفاع بيت هيغسيث. وضع الأخير الشركة أمام إنذار نهائي ينتهي مفعوله عند الساعة الخامسة من مساء الجمعة: إما رفع القيود كافة عن استخدام الجيش لنموذج «كلود»، وإما مواجهة إجراءات «سلبية» غير مسبوقة.

ولم يتوقف تهديد هيغسيث عند حدود العقود المالية، بل لوّح بتفعيل «قانون الإنتاج الدفاعي»، وهو الإجراء الذي يمنح الحكومة سلطة استثنائية لإجبار الشركات الخاصة على إعطاء الأولوية القصوى لمتطلبات الدفاع القومي. وفي حال تفعيل هذا القانون ضد «أنثروبيك»، فإنه سيؤدي عملياً إلى ما يشبه «تأميم» الكود البرمجي لنموذج «كلود»، وتحويله من أداة مدنية إلى محرك حرب خاضع بالكامل للمعايير العسكرية، بعيداً عن أي رقابة من مطوريه. كما هدد الوزير بتصنيف الشركة بأنها «خطر على سلسلة التوريد»، وهي «رصاصة رحمة» قانونية كفيلة بعزل «أنثروبيك» عن السوق، ومنع أي جهة حكومية أو خاصة من التعامل معها.

وزير الدفاع بيت هيغسيث يقف خارج البنتاغون (أ.ب)

التراجع الكبير

رغم التصريحات الرسمية التي تحاول الحفاظ على صورة «الحارس الأمين»، فإن الشواهد تؤكد أن «أنثروبيك» بدأت بالفعل رحلة التراجع التكتيكي عن مبادئها الجوهرية. فخلف الكواليس، قامت الشركة بمراجعة بروتوكول «مستويات السلامة»، حيث تخلت عن سياسة «التجميد التلقائي» لتطوير النماذج الخطيرة؛ فبعد أن كان القانون الداخلي يقضي بإيقاف أي نموذج يتجاوز حدود الأمان، أصبحت القاعدة الجديدة تبيح الاستمرار في التطوير إذا وصل المنافسون، مثل «أوبن إيه آي» أو «إكس إيه آي»، إلى المستوى ذاته، وذلك تحت ذريعة «الضرورة التنافسية»، ومنع الخصوم من الانفراد بالقمة التقنية.

هذا التحول لم يمر بسلام داخل أروقة الشركة، بل أدى إلى «نزف في المواهب» وصفه مراقبون بأنه «زلزال داخلي». استقالة باحثين بارزين، وفي مقدمتهم مرينانك شارما، لم تكن مجرد مغادرة وظيفية، بل كانت صرخة تحذير من أن الإدارة بدأت تُغلب «منطق البقاء المالي» وضغوط البنتاغون على «منطق الأمان الوجودي». ويرى المستقيلون أن قبول الشركة بتعريف مهام «كلود» في عملية مادورو، بـ«دعم للأمن القومي» بدلاً من «مشاركة قتالية»، هو مجرد التفات لغوي يمهد الطريق لرفع القيود كلياً.

الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي يتحدث بقمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026 في بهارات الهندية (إ.ب.أ)

«كلود كود» وغزو المكاتب

وبينما تنشغل الإدارة بالسياسات، تواصل الأقسام التقنية طرح أدوات هزت الأسواق العالمية. أحدث هذه الأدوات هو «كلود كود سيكيوريتي» الذي يمتلك قدرة مذهلة على اكتشاف ثغرات «يوم الصفر» التي استعصت على الخبراء لعقود. وقد تسبب هذا الإعلان في هبوط حاد لأسهم شركات الأمن السيبراني والبرمجيات؛ حيث انخفض سهم «رويترز» بنسبة 16 في المائة، وسهم «ليغال زوم» بنسبة 20 في المائة. والمفارقة هنا تكمن في أن الذكاء الاصطناعي أصبح «المرض والعلاج» في آن واحد؛ فهو يكتشف الثغرات، ولكنه أيضاً يولد أكواداً برمجية أكثر عُرضة للأخطاء الأمنية بمرتين مقارنة بالبشر.

تقف «أنثروبيك» اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فبحلول الموعد النهائي يوم الجمعة، ستحدد الشركة هويتها للعقد المقبل. هل تظل تلك المنظمة التي تقودها المبادئ، أم تتحول إلى «متعهد دفاعي» تقوده ضغوط البنتاغون وحسابات الأرباح؟ إن التراجع عن التزامات السلامة يبعث برسالة واضحة: في سباق الذكاء الاصطناعي المحموم لعام 2026، لم يعد هناك متسع للمثالية، والبقاء هو للأسرع، حتى لو كان ذلك على حساب أمان البشرية.


عوائد سندات منطقة اليورو تحوم قرب أدنى مستوياتها منذ أشهر

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

عوائد سندات منطقة اليورو تحوم قرب أدنى مستوياتها منذ أشهر

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفع عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات بشكل طفيف يوم الأربعاء، لكنه بقي قريباً من أدنى مستوياته منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، في ظل استمرار الطلب على أصول الملاذ الآمن مدفوعاً بحالة عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية الأميركية، وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، وتقلبات أسواق الأسهم.

وصعد العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار المرجعي لمنطقة اليورو، بأقل من نقطة أساس واحدة إلى 2.716 في المائة. وكان قد سجل 2.697 في المائة يوم الثلاثاء، وهو أدنى مستوى له منذ 28 نوفمبر، وفق «رويترز».

وقال رينيه ألبريشت، المحلل لدى «بنك دي زد»: «يسعى المستثمرون، ولو جزئياً، إلى الاحتماء بأصول آمنة. وقد أصبحوا أكثر حذراً؛ خصوصاً في ضوء التطورات الأخيرة المتعلقة بالرسوم الجمركية في الولايات المتحدة».

وبدأت الولايات المتحدة يوم الثلاثاء فرض رسوم جمركية مؤقتة بنسبة 10 في المائة على الواردات، في حين أشار مسؤول في البيت الأبيض إلى أن الإدارة تعمل على رفعها إلى 15 في المائة، وفق ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب نهاية الأسبوع الماضي، بعد أن أبطلت المحكمة العليا الرسوم الواسعة التي فُرضت العام الماضي.

وتزامن فرض الرسوم الجديدة مع خطاب ترمب عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس؛ حيث عرض مبرراته لشن هجوم محتمل على إيران، مؤكداً أنه لن يسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي.

من جانبه، قال راينر غونترمان، استراتيجي أسعار الفائدة في «كومرتس بنك»، في مذكرة: «من المرجح أن تظل السندات الألمانية مدعومة على المدى القريب، في ظل استمرار التهديدات الأميركية تجاه إيران قبيل محادثات الغد، إذ تتخوف الأسواق من ضربة عسكرية وشيكة».

تأثير الرسوم الجمركية

لا يزال أثر الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة على السياسة النقدية غير محسوم، غير أن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد صرّحت، يوم الاثنين، بأن التضخم والسياسة النقدية يسيران في الاتجاه الصحيح، ما يشير إلى عدم وجود تغييرات قيد الدراسة في الأجل القريب.

وأظهرت بيانات صدرت الأربعاء أن معدل نمو أسعار المستهلكين في منطقة اليورو بلغ 1.7 في المائة في يناير (كانون الثاني)، وهو أدنى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 2024، متأثراً بانخفاض أسعار الطاقة.

في المقابل، ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الأكثر تأثراً بتوقعات أسعار الفائدة، بنحو 0.5 نقطة أساس إلى 2.057 في المائة. وتشير العقود الآجلة إلى احتمال يقارب 25 في المائة لخفض البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بحلول نهاية العام.

أمّا عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات، فاستقر عند 3.323 في المائة دون تغير يُذكر، مما قلّص الفارق بينه وبين نظيره الألماني لأجل 10 سنوات إلى 57.5 نقطة أساس.


ضغوط الذكاء الاصطناعي تهزّ أسهم التكنولوجيا الأميركية مطلع 2026

مجسّمات مع أجهزة كمبيوتر وجوالات أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مجسّمات مع أجهزة كمبيوتر وجوالات أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

ضغوط الذكاء الاصطناعي تهزّ أسهم التكنولوجيا الأميركية مطلع 2026

مجسّمات مع أجهزة كمبيوتر وجوالات أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مجسّمات مع أجهزة كمبيوتر وجوالات أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تراجعت أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية مع بداية عام 2026 تحت وطأة مخاوف كبيرة بشأن تداعيات الذكاء الاصطناعي، في وقت تحوّل فيه جزء من السيولة الاستثمارية نحو قطاعات كانت متأخرة خلال موجة الصعود السابقة. ومع اقتراب إعلان نتائج «إنفيديا» بعد إغلاق السوق يوم الأربعاء، يواجه القطاع اختباراً حاسماً قد يحدد اتجاهه في المرحلة المقبلة، كما قد يؤثر في المسار العام للسوق.

ويُنظر إلى تقرير «إنفيديا» الفصلي بوصفه محطة مفصلية لأسهم التكنولوجيا، في ظل تساؤلات متنامية حول ما إذا كانت موجة البيع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد بلغت حدّ المبالغة، ومتى يمكن أن تبدأ الأسهم المتراجعة في استعادة زخمها. وتُعد الشركة، الأكبر عالمياً من حيث القيمة السوقية، مؤشراً قيادياً لاتجاهات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ما يمنح نتائجها وتوقعاتها وزناً كبيراً يتجاوز حدودها إلى القطاع بأكمله، وفق «رويترز».

ويرى كين بولكاري، الشريك وكبير استراتيجيي السوق في شركة «سلاتستون ويلث» في جوبيتر بولاية فلوريدا، أن الذكاء الاصطناعي سيواصل إحداث تحولات جوهرية في الاقتصاد العالمي، لكنه يستبعد أن يكون مصدر تهديد. ويضيف أن كل ثورة صناعية تمر بمرحلة قلق واضطراب، غير أن تجاوزها يفتح الباب أمام فرص جديدة.

وسجل قطاع التكنولوجيا ضمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تراجعاً بنسبة 3.5 في المائة منذ بداية العام، في أسوأ انطلاقة سنوية له منذ عام 2022، عندما تعرضت الأسواق لضغوط واسعة مع بدء مجلس الاحتياطي الفيدرالي دورة رفع أسعار الفائدة.

وداخل القطاع، بدا الأداء متفاوتاً. فقد تكبدت شركات البرمجيات خسائر حادة بفعل مخاوف من أن تؤدي أدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة إلى تقويض نماذج أعمالها التقليدية. وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» لقطاع البرمجيات والخدمات بنحو 23 في المائة منذ مطلع العام، مسجلاً أسوأ بداية له على الإطلاق.

ومن بين أبرز المتراجعين، هبط سهم شركة «إنتويت»، التي تعلن نتائجها الخميس، بنحو 46 في المائة هذا العام، فيما فقد سهم شركة «سيلزفورس»، التي تعلن نتائجها الأربعاء، نحو 30 في المائة. ومع ذلك، ظهرت إشارات تحسن محدودة، إذ تعافت أسهم القطاع بشكل طفيف بعد إعلان «أنثروبيك» عن تطوير أدوات جديدة بالتعاون مع شركات شريكة، ما خفف من حدة القلق بشأن بعض المخاطر.

في المقابل، أظهرت قطاعات أخرى داخل التكنولوجيا أداءً أفضل، إذ ارتفع قطاعا أشباه الموصلات والمعدات بنحو 7 في المائة، والأجهزة بأكثر من 4 في المائة منذ بداية العام، ما يعكس تبايناً واضحاً في مسار مكونات القطاع. وبلغ الأداء النسبي لأسهم أشباه الموصلات مقارنة بأسهم البرمجيات مستويات غير مسبوقة، في دلالة على إعادة تموضع المستثمرين داخل القطاع نفسه.

وتتصدر «إنفيديا» مجموعة «ماغنيفيسنت سفن» من الشركات العملاقة، التي تضم أيضاً «ألفابت» و«أبل» و«تسلا»، والتي قادت معظم موجة الصعود التي انطلقت في (تشرين الأول) 2022 بدعم من نمو أرباح قوي ومزايا تنافسية واضحة. ويؤكد تشاك كارلسون، الرئيس التنفيذي لشركة «هورايزون» لخدمات الاستثمار في إنديانا، أن أرباح «إنفيديا» تمثل حجر الزاوية لهذه المجموعة، نظراً لثقلها وتأثيرها المعنوي والسعري.

غير أن أداء «ماغنيفيسنت سفن» جاء باهتاً هذا العام. فقد كانت «إنفيديا» الأفضل أداءً بارتفاع يتجاوز 3 في المائة، بينما تراجع سهم «أمازون» بنحو 10 في المائة، وانخفض سهم «مايكروسوفت» قرابة 20 في المائة، ليصبح أكبر عامل ضغط سلبي على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» منذ بداية العام، وفق بيانات مؤشرات «ستاندرد آند بورز داو جونز».

وتعرضت «مايكروسوفت» لضغوط إضافية بفعل مخاوف من أن استثماراتها الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد لا تحقق العوائد المرجوة بالسرعة المتوقعة. وواجهت شركات أخرى مثل «أمازون» و«ألفابت» و«ميتا بلاتفورمز» مخاوف مماثلة بشأن جدوى الإنفاق الرأسمالي المرتفع.

وجاء تراجع قطاع التكنولوجيا متزامناً مع تحول ملحوظ في توجهات المستثمرين نحو قطاعات أخرى كانت متأخرة خلال طفرة السوق السابقة. فمنذ بلوغ التكنولوجيا ذروتها في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تراجع القطاع بنحو 10 في المائة، في حين صعد قطاعا المواد والطاقة بأكثر من 20 في المائة، وارتفع قطاعا الصناعات والسلع الاستهلاكية الأساسية بأكثر من 10 في المائة.

وبفضل مكاسب هذه القطاعات، حافظ مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» على قدر من الاستقرار منذ أواخر أكتوبر، رغم ضعف أداء التكنولوجيا. ومع ذلك، يظل القطاع ركيزة أساسية للمؤشر، إذ يشكل نحو 33 في المائة من وزنه الإجمالي، مقارنة بنسبة 12.4 في المائة للقطاع المالي، ثاني أكبر القطاعات.

وعليه، فإنه حتى مع تألق قطاعات أخرى، سيصعب على المؤشر تحقيق مكاسب قوية ومستدامة من دون عودة واضحة لزخم أسهم التكنولوجيا، ما يجعل نتائج «إنفيديا» محطة مفصلية لمسار السوق في المرحلة المقبلة.