إسرائيل تتوقع «حرباً أوسع» مع إيران في سوريا

نتنياهو يؤكد التمسك بـ«قواعد الاشتباك»

عربة عسكرية إسرائيلية في الطرف المحتل من الجولان قرب الحدود السورية أمس (رويترز)
عربة عسكرية إسرائيلية في الطرف المحتل من الجولان قرب الحدود السورية أمس (رويترز)
TT

إسرائيل تتوقع «حرباً أوسع» مع إيران في سوريا

عربة عسكرية إسرائيلية في الطرف المحتل من الجولان قرب الحدود السورية أمس (رويترز)
عربة عسكرية إسرائيلية في الطرف المحتل من الجولان قرب الحدود السورية أمس (رويترز)

أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الغارات التي شنها الطيران الحربي الإسرائيلي السبت شكلت «ضربة قوية» للقوات الإيرانية في سوريا، في وقت أجمع فيه خبراء إسرائيليون عسكريون على أن التصعيد الأخير «مجرد جولة أولى في معركة طويلة» وأن الطرفين ينكبّان حاليا على دراسة التجربة والإفادة من الإخفاقات تمهيدا للجولة المقبلة «وهي قادمة لا محالة»، وفقا لأحدهم.
وقال نتنياهو في مستهل الاجتماع الأسبوعي لحكومته: «وجهنا (أول من) أمس (السبت) ضربة قوية للقوات الإيرانية والسورية» في إشارة إلى الغارات التي شنها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية. وأضاف: «أوضحنا للجميع أن قواعد الاشتباك الخاصة بنا لن تتغير بأي طريقة. سنواصل ضرب كل من يحاول ضربنا».
وهي المرة الأولى التي يعلن فيها الجيش الإسرائيلي بشكل واضح ضرب أهداف إيرانية في سوريا.
وشنت إسرائيل أول من أمس السبت سلسلة غارات جوية في سوريا على أهداف سورية وإيرانية ردا على اختراق طائرة إيرانية من دون طيار أطلقت من سوريا، مجالها الجوي، بحسب الجيش الإسرائيلي، لكن طهران نفت هذا الأمر.
وأعقب ذلك سقوط مقاتلة إسرائيلية «إف 16» في الأراضي الإسرائيلية. وهذه هي المرة الأولى التي تسقط فيها مقاتلة إسرائيلية منذ عام 1982.
وأعلن قائد الجبهة الشمالية في الجيش الإسرائيلي يوآل سطريك أن إسرائيل لن تسمح لإيران بإقامة قاعدة أمامية في سوريا. وأضاف، بحسب موقع «روسيا اليوم»، أن إيران تعمل على إقامة قاعدة متقدمة في سوريا، وهو ما لن تسمح به إسرائيل لأنه يمثل تهديدا، محذرا من أن المعركة على الحدود الشمالية قد تتحول إلى حرب حقيقية في أي لحظة. وأضاف المسؤول في الجيش الإسرائيلي أن التدخلات الإيرانية في المنطقة تعد تهديدا لإسرائيل وللعالم أجمع، مؤكدا أن كل من «سيتخطى الحدود سيتلقى ردا مناسبا».
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في صفحته على «تويتر» إن «إيران تجر المنطقة نحو مغامرة لا تعلم كيف تنتهي. ننظر ببالغ الخطورة إلى إطلاق النيران السورية باتجاه طائرتنا».
وكتب الجنرال في الاحتياط رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي ورئيس معهد أبحاث الأمن القومي، عاموس يدلين: «بعد يوم المعركة (أول أمس) من الواضح أن إسرائيل وجهت ضربة قوية للسوريين والإيرانيين، والتوازن العسكري والاستراتيجي لنتائج الحادث هو بالتأكيد لصالحها».
وذهب معلقون إسرائيليون إلى القول إن «التفوق الجوي الإسرائيلي تصدع... ما حدث (أول من) أمس يدل على الاتجاه المعاكس تماما: أظهرت إسرائيل قدراتها الجيدة في الدفاع عن سماء الدولة مع إسقاط طائرة من دون طيار إيرانية متقدمة، وقدرتها على إبقاء دمشق معرضة لتدمير عناصر رئيسية في دفاعها الجوي. كما أثبتت إسرائيل تفوقا استخباراتيا كبيرا، سمح لها بتوجيه ضربة مباشرة إلى عناصر القوة الإيرانية في سوريا. لكن الرسالة الأهم، تم توجيهها إلى طهران وموسكو، مفادها أن (مشروع إنقاذ نظام الأسد، وهو الجهد الاستراتيجي للروس وإيران وحزب الله في السنوات الأخيرة)، يواجه الخطر. إسرائيل ليست المعارضة السورية الضعيفة، ويمكنها أن تضرب النظام السوري وجيشه بطريقة تؤدي إلى سقوطه. ويبدو أن هذا الفهم تسلل بسرعة كبيرة إلى منظومة الاعتبارات التي أدت إلى احتواء الحدث». ويضيف: «على المدى المتوسط، يجب على إسرائيل أن تستعد لردود فعل إيرانية وسورية من النوع الذي لم ينفذ حتى الآن، ولا سيما هجوم بالصواريخ بعيدة المدى. الرد الإسرائيلي المقبل يجب أن يهدد مباشرة نظام الأسد: نظام الدفاع الجوي بأكمله، وأيضا القوات الجوية، خصوصا القوات الموالية للنظام».
من جهته، كتب المحلل العسكري لصحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل: «المعنى الأساسي ليوم القتال في الشمال (أول من) أمس، هو أن إسرائيل وإيران، دخلتا لأول مرة في مواجهة مباشرة على الأراضي السورية. وحتى إذا انتهت هذه الجولة بالهدوء، فإنه بات يتشكل هنا، على المدى البعيد، واقع استراتيجي مختلف. وسيطلب من إسرائيل مواجهة مزيج إشكالي من التطورات: استعداد إيراني للعمل ضدها، ثقة متزايدة بالنفس لدى نظام الأسد، والأمر المقلق بشكل أكبر؛ دعم روسي للخط العدواني لبقية أطراف المحور. لقد سمحت سبع سنوات من الحرب الأهلية في سوريا، لإسرائيل بحرية العمل الواسع في الأجواء الشمالية. وعندما تم اكتشاف خطر يهدد مصالحها الأمنية، قام سلاح الجو بالعمل من دون أي إزعاج تقريبا. حكومات نتنياهو المتعاقبة أصرت على الحفاظ على الخطوط الحمراء التي حددتها (وفي مقدمتها منع تهريب الأسلحة المتطورة إلى حزب الله). وفي المجمل العام، أدارت في سوريا سياسة مسؤولة وحكيمة، منعت التدهور الإسرائيلي المبالغ فيه نحو الحرب. لكن الظروف تغيرت في السنة الأخيرة. في ضوء الانتصار التدريجي للنظام في الحرب - والذي يركز الآن على المذابح في عدة جيوب للمتمردين - استأنفت سوريا محاولات إسقاط طائرات إسرائيلية أثناء قيامها بالهجوم».
ويضيف: «سارعت إيران إلى استغلال الحادث للإعلان أنه منذ الآن، لن تتمكن إسرائيل من العمل في سوريا. وجاء التصريح المثير للقلق من روسيا، التي استضافت رئيس الحكومة نتنياهو في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي فقط، عندما طالبت إسرائيل باحترام السيادة السورية وتجاهلت تماما إطلاق الطائرة الإيرانية غير المأهولة إلى أراضينا. هذه الضربات المتبادلة قد تتواصل الآن، أيضا بفعل المفاخرة القومية والإحراج العام. في ظروف مشابهة جدا، في يناير 2015 أجاد نتنياهو في كيفية إنهاء الأمر. لقد اتهمت إسرائيل في حينه باغتيال جنرال إيراني وناشط (حزب الله) جهاد مغنية، نجل رئيس أركان (حزب الله)، عماد مغنية، الذي سبق اغتياله. ورد (حزب الله) بعد نحو عشرة أيام بكمين صاروخي، أسفر عن قتل ضابط وجندي إسرائيليين في جبل روس. لكن إسرائيل قررت أن هذا يكفي، وامتنعت عن رد انتقامي؛ وزال خطر الحرب. والآن، أيضا، يبدو أن هناك ما يجب عمله في القناة الدبلوماسية، وعلى سبيل المثال من خلال تمرير رسائل تهديد بواسطة الولايات المتحدة وروسيا، قبل مواصلة التدهور نحو خطر المواجهة العسكرية».
وكتب محرر الشؤون العربية في «هآرتس»، تسفي برئيل، يقول: «وسائل الإعلام الرئيسية في إيران فضلت في بداية أحداث (أول من) أمس، اقتباس وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) ووسائل الإعلام الإسرائيلية في تقاريرها عن الأحداث في سوريا. وركزت العناوين، كما هو متوقع، على إسقاط الطائرة الحربية الإسرائيلية وليس على إسقاط الطائرة الإيرانية غير المأهولة، وتهدف الصياغات الحذرة إلى إبقاء إيران بعيدا عن الأحداث الأخيرة. إذا كان يمكن لهذه التقارير أن تكون مؤشرا على الموقف السياسي والعسكري الإيراني... وإنها تعكس جهدا لتجنب المواجهة المباشرة مع إسرائيل ومواصلة تاطير المواجهة على أنها تدور بين سوريا وإسرائيل، من دون علاقة لإيران. وتستند هذه السياسة إلى ثلاث ركائز رئيسية. إيران تنتظر بفارغ الصبر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن مستقبل الاتفاق النووي وإمكانية فرض عقوبات جديدة تطمح الإدارة الأميركية إلى فرضها على إيران، والذي من المتوقع أن يصدر في مايو (أيار). ومن هنا يمكن للمواجهة العسكرية بين إسرائيل والقوات الإيرانية في سوريا أن تخدم ترمب وبعض أعضاء الكونغرس، الذين سيجدون فيها دليلا على الحاجة لفرض عقوبات على طهران. كما أن طهران ليست معنية بفتح جبهة عسكرية ضد إسرائيل، من شأنها أن تحفز إسرائيل على شن حرب ضد (حزب الله). وتقتضي هذه الاستراتيجية أن تحافظ إيران على صورة عسكرية منخفضة ليس فقط أمام إسرائيل بل أيضا أمام قوات تركيا، التي غزت شمال سوريا من أجل منع الميليشيات الكردية من السيطرة على المنطقة الحدودية. وفي الوقت نفسه، كقاعدة عامة، يمكن الافتراض بأن إيران ملزمة بتنسيق عملياتها العسكرية مع روسيا، من أجل منع نشوب حرب مع إسرائيل من شأنها أن تقوض الإجراءات السياسية الروسية، ويمكن أيضا أن تحول قصر بشار الأسد الرئاسي إلى هدف للهجمات الإسرائيلية».
وكتب السفير الإسرائيلي سابقا في موسكو، تسفي مغين، يقول إنه «من الممكن جدا أن يكون الحادث في الشمال، الذي تقف وراءه إيران، موجها ليس فقط ضد إسرائيل، بل أيضا ضد مصالح روسيا في المنطقة. فروسيا، التي تهتم حاليا بالتفاهمات والترتيبات، تضغط على إيران لتقديم تنازلات حول وجودها الطبيعي في سوريا. وفي هذا السياق، وعلى الرغم من التعاون مع روسيا في قضايا أخرى، فإن إيران مهتمة بشكل خاص بإظهار الاستقلالية، والتصميم على القتال، ونوع من القدرة العملية. ولذلك، فإن إعلان وزارة الخارجية الروسية، الذي يناشد جميع العناصر في الميدان الحفاظ على (مستوى منخفض)، يتعلق في تصوري بإيران أيضا».
ويكتب الجنرال (احتياط) يعقوب عميدرور، الرئيس الأسبق لمجلس الأمن القومي، أنه «بعد يوم من الأحداث الدرامية في الشمال، لا يزال من السابق لأوانه تقييم العواقب طويلة الأجل للصراع، ولكن من الممكن بالفعل إلقاء الضوء على عدد من النقاط... أولا، إرسال طائرات من دون طيار يشير إلى أن الإيرانيين أكثر جرأة لمواجهة إسرائيل من الأراضي السورية. وينبغي أن يكون واضحا أنه وفقا لما يتم التحذير منه، مرارا وتكرارا، في إسرائيل، تقوم إيران ببناء قدراتها لمحاربتنا من الساحة التي توطدت فيها على الجانب الآخر من الحدود. على المستوى التكتيكي، من الواضح أن التكنولوجيا الإيرانية في مجال الطائرات من دون طيار قد تقدمت بشكل كبير. إن إسقاط الطائرة في أراضي إسرائيل (وهو نجاح مثير للجيش الإسرائيلي) سيتيح إعادة بناء الطائرة ودراستها تماما. في الجانب السوري، هناك تصميم على ضرب الطائرات الجوية التي تعمل ضد أهداف في سوريا. يحتفل السوريون وأصدقاؤهم في (حزب الله) وإيران بسقوط الطائرة الإسرائيلية، صباح السبت، ولكن إذا اضطرت القوات الجوية إلى تقبل هزة تتطلب مزيدا من الخطوات لتحسين حماية طائراتها، فمن الأفضل كون الحادث وقع في سماء إسرائيل وليس في أراضي العدو. ليس هناك شك في أن سلاح الجو سوف يفحص نفسه تماما ويكون أكثر استعدادا للأحداث المقبلة».
ويكتب محرر الشؤون العسكرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، أن «ما حدث (أول من) أمس، كان فرصة مثالية لتدمير بعض قدرات المخابرات الإيرانية على الأراضي السورية، التي تجمع معلومات عن قدرات ونوايا الجيش الإسرائيلي، ولكن إسقاط طائرة (إف16) عبر الصواريخ السورية المضادة للطائرات ذوب الإنجاز السياسي، الرادع».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.