باريس حذرة من «فخ» الخط الأحمر وأقل اندفاعاً إزاء «الكيماوي»

باريس حذرة من «فخ» الخط الأحمر وأقل اندفاعاً إزاء «الكيماوي»

السبت - 24 جمادى الأولى 1439 هـ - 10 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14319]
باريس: ميشال أبو نجم
عندما أعلن الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون يوم 29 مايو (أيار) من قصر فرساي التاريخي وإلى جانبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أنه أبلغ الأخير بوجود «خط أحمر» فرنسي بخصوص استخدام السلاح الكيماوي في سوريا، مفاده أن أي لجوء إلى هذا السلاح «من أي جهة كان» سيستدعي «أعمالاً انتقامية ورداً فورياً» من قبل فرنسا، لم يكن يتوقع بالطبع أنه نصب لنفسه فخاً سياسياً ــ عسكرياً.
وربما غابت عن ذهن الرئيس الفرنسي الذي تسلم مهماته الدستورية قبل أسبوعين فقط من ذلك التاريخ التجربة المُرّة التي عاشها قبله الرئيس فرنسوا هولاند عندما وجد نفسه وحيداً بعد أن تراجع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عن «خطوطه الحمراء» الخاصة بالسلاح الكيماوي، وقبل عرضاً روسياً يسلم بموجبه النظام السوري مخزونه الكيماوي مقابل الامتناع عن توجيه ضربات أميركية.
ويجد الرئيس الفرنسي نفسه حالياً في وضع دقيق في حين تتوالى الأخبار عن استخدام النظام للسلاح الكيماوي «لمرات عدة» في الأسابيع الأخيرة. ورغم أن ماكرون بقي حتى الآن بعيداً من الجدل بشأن اجتياز النظام للخط الأحمر الفرنسي، فإن وزيري الخارجية والدفاع يجهدان في إظهار أن باريس «لا تزال عند كلمتها».
بالأمس، اتصل ماكرون هاتفياً بالرئيس الروسي للتباحث معه، من بين ملفات متعددة، بالملف السوري. وبحسب البيان الصادر عن قصر الإليزيه، فإن ماكرون وجه ثلاث رسائل: أولاها تدعوه إلى «إطلاق مسار سياسي يتمتع بالمصداقية بإشراف الأمم المتحدة». ثانيتها الطلب منه التدخل لدى النظام السوري «ليضع حداً لتدهور الوضع الإنساني الذي لا يطاق في الغوطة الشرقية وإدلب». ثالثاً: «الإعراب عن القلق للمؤشرات التي تدل على استخدام متكرر للكلور ضد المدنيين في الأسابيع الأخيرة». وترافقت الرسالة الثالثة مع تأكيد ماكرون على «عزم فرنسا الذي لا يلين» على محاربة الإفلات من العقاب للذين تقع عليهم مسؤولية اللجوء إلى هذا السلاح المحرم دولياً.
وتحاشى ماكرون الإشارة إلى «الخط الأحمر» الذي رسمه قبل 9 أشهر. واكتفى في تناوله الاستخدام المتكرر للكلور بالحديث عن «مؤشرات» وليس عن دلائل قاطعة. ويبدو من خلال المفردات التي استخدمها الرئيس الفرنسي وقبله وزيرا الخارجية والدفاع، أن السلطة الفرنسية تسعى لحماية نفسها بالإصرار على أن المتوافر من المؤشرات لا يرتقي إلى مرتبة الدليل القاطع، وبالتالي فإن التحذير الرئاسي ما زال قائماً.
وكانت فلورانس بارلي، وزيرة الدفاع، بالغة الوضوح في مقابلة إذاعية أجريت معها صباح أمس بشأن هذا الموضوع سارعت إلى القول: إن لا وجود لتأكيدات قاطعة أو «يقين». وقالت ما حرفيته: إنه «في غياب اليقين حول ما حصل (في الغوطة الشرقية وإدلب) وحول النتائج المترتبة عليه، لسنا قادرين على تأكيد أننا في الموقع الذي نتحدث عنه»، أي اجتياز «الخط الأحمر» الماكروني. وقبل بارلي، عمد وزير الخارجية جان إيف لودريان إلى تفكيك «لغم» الكيماوي. ورغم تأكيده يوم الأربعاء الماضي أن «كل المؤشرات» تدل على استخدام النظام للسلاح الكيماوي، فإنه لزم جانب الحذر؛ إذ أشار إلى أن هذه الأحداث «لم توثق بشكل تام» بمعنى لم تقم عليها الأدلة الدامغة. وقالت مصادر فرنسية رسمية لـ«الشرق الأوسط»: إن باريس «لا تقبل، في عملية اتخاذ القرار، الاعتماد على مصادر خارجية إنما تريد أن تتأكد بنفسها وعبر أجهزتها (الاستخباراتية)».
رغم أهمية الحجج التي تبرزها فرنسا، فإنه من الواضح أنها لا تريد أن تجد نفسها في موقع الملزم على التحرك منفردة في عمليات عسكرية ضد النظام السوري بسبب الكيماوي أو بسبب الوضع الإنساني، وهو «الخط الأحمر» الثاني الذي رسمه ماكرون بالمناسبة عينها. وقالت مصادر فرنسية إنه «من الصعب» على باريس التحرك على الصعيد العسكري بمعزل عن حلفائها وشركائها؛ وهو الأمر الذي حفز الرئيس السابق فرنسوا هولاند في آخر لحظة، على إلغاء الأوامر التي كانت قد أعطيت لسلاح الطيران لضرب عدد من القواعد العسكرية السورية نهاية أغسطس (آب) بداية سبتمبر (أيلول) عام 2013 بعد تراجع أوباما عن الخيار العسكري.
وعندما أمر ترمب بضرب مطار الشعيرات رداً على استخدام النظام للسلاح الكيماوي في خان شيخون في أبريل (نيسان) الماضي لم تستشر باريس. فضلاً عن ذلك، تشير هذه المصادر إلى أن اللجوء إلى الرد العسكري مرهون كذلك بطبيعة وفداحة اللجوء إلى السلاح الكيماوي. وتؤكد أن النظام السوري «فهم واستوعب» هذا المعطى؛ الأمر الذي يحفزه على اللجوء إلى هذا السلاح بـ«كميات محدودة وباستخدام الكلور غالباً». أما إذا تم اللجوء إلى غاز أقوى كغاز السارين ونتج من استخدامه وقوع عدد كبير من الضحايا، ستكون الحكومة الفرنسية عندها في وضع «حرج»؛ لأنها إن لم تنفذ تهديداتها فسوف تفقد كل مصداقية في ملف تأثيرها فيه محدود قياساً للاعبَين الرئيسيَين، اللذين هما واشنطن وموسكو.
سوريا فرنسا الكيمياوي السوري

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة