عمليات الشباب الفلسطيني الفردية... مزاجية وانتقامية

عمليات الشباب الفلسطيني الفردية... مزاجية وانتقامية

يقودها شبان صغار ولدوا بعد «أوسلو» ولا يتلقون أوامر من أحد
السبت - 25 جمادى الأولى 1439 هـ - 10 فبراير 2018 مـ رقم العدد [ 14319]
رام الله: كفاح زبون
لا يمكن القول إن العمليات الفردية الفلسطينية، شكل نضالي مستحدَث في السنوات القليلة الماضية، لكن بلا شك تحولت هذه العمليات إلى ظاهرة كبيرة، وتكاد تكون أداة الفلسطينيين الوحيدة مع تراجع العمل الفصائلي المنظم والجماعي. وعلى مدار تاريخ طويل من الصراع، لم تشهد المواجهة مثل هذا الكمّ الكبير من الفعل الفردي المزاجي والثأري المعتمد على أدوات بسيطة للغاية موجودة في كل «مطبخ» فلسطيني، (السكين) وهو فعل لم يتوقف منذ 4 سنوات، يخبو وينشط بحسب المزاج الخاص لأي شخص في أي مكان في أي يوم.

إنهم بكل بساطة شبان صغار وُلِد معظمهم بعد «اتفاق أوسلو»، ولم يروا السلام أو يختبروه، بل كبروا وسط توتر شديد ودم وذُلّ، ووسائل تواصل اجتماعي ترصد وتبث وتحث على المواجهة، دون أي قيادة أو تخطيط أو توجيه، ومن دون أن تستطيع جهة ما إدارة الدفة، أو حتى أن يضع أحد ما تصوراً سياسياً لجدوى استمرار أو توقُّف مثل هذه العمليات.

في الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1978، أي «انتفاضة الحجارة»، خرج الفلسطينيون عن بكرة أبيهم في مواجهة جماعية، رجالاً وشباناً ونساء يرشقون الجيش الإسرائيلي بالحجارة والزجاجات. وهو فعل جماعي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك ووجهته إلى حد كبير.

ثم في الانتفاضة الصغيرة التي سُمّيت «هبة النفق» عام 1997، شاركت الجماهير الفلسطينية إلى جانب القوات الفلسطينية المسلحة في مواجهة قصيرة كان يقف خلفها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وفي عام 2000 دفع عرفات نفسه الفلسطينيين نحو مواجهة سرعان ما تحوّلت إلى مسلحة ودامية، بدأتها حركة فتح ودخلت على خطها حركة حماس و«الجهاد الإسلامي» وفصائل أخرى...

في المحطة الثالثة تلك لم يكن للفعل الشعبي دور يُذكَر، ولا الفردي كذلك، بل كان الدور للتنظيمات التي دخلت في مواجهة مباشرة وصعبة ومكلفة للغاية، إطلاق نار وزرع عبوات واشتباكات وتفجيرات واغتيالات ودماء تجر دماء.

لكن لا أحد يعرف لماذا اختفى كل ذلك في «انتفاضة 2015»؛ لم يكن هناك شعب في الشوارع، ولا يوجد منظمة تريد مواجهة شاملة، ولا عرفات يدفع نحو اشتباك، ولا فصائل قادرة على جولة دامية جديدة، فتقدم على غير العادة شبان صغار كانوا يستيقظون من النوم ويقرّرون أنهم سيفعلون شيئاً ما.

لم تكن هذه «انتفاضة» بالمعنى الحرفي الدقيق... ولا عمليات متقطعة كذلك، وإنما ظاهرة لم تتوقف حتى الآن ولم تخضع لتقييم حقيقي أو دراسة. بل يمكن القول إنه لا أحد يمسك خيوطها أو يعرف ماذا سيحدث اليوم وغداً؟ ولا حتى الإسرائيليون الذين أرهقتهم هذه العمليات بسبب صعوبة توقعها أو تتبعها.



سكين تفتح الطريق لانتقام طويل

لم يتوقع الإسرائيليون الذين كانوا يسيرون في شوارع القدس الضيقة وسط مئات من الجنود أن يستلَّ شاب صغير هادئ ومبتسم، سكيناً صغيراً وينقضّ عليهم، فيقتل 2 ويصيب 2 آخرين بجراح صعبة.

قبل يوم واحد فقط كتب مهند حلبي (19 سنة)، من سكان رام الله وكان طالب حقوق في جامعة القدس، على صفحته على «فيسبوك»: «حسب ما أرى فإن الانتفاضة الثالثة قد انطلقت». قتل الحلبي إسرائيليين ثم قضى فوراً، لكنه سرعان ما تحول إلى «رمز» بالنسبة للفلسطينيين، الذين هتفوا له ووزعوا الحلوى وألفوا من أجله الأغاني، قبل أن يستلهم كثيرون بعد ذلك نهجه.

اليوم تبرز دراسة إحصائية أعدها «مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني» أن 211 عملية ومحاولة نُفذت بعد مرور 3 أشهر على عملية الحلبي، بواقع عمليتين ونصف (ومحاولة) يومياً.

وبلغ مجمل العمليات النوعية 34 عملية، تركزت حول عمليات «طعن - دهس - إطلاق نار»، موقعة نحو 25 قتيلاً إسرائيلياً، ونحو 345 مصاباً في الأشهر الثلاثة الأولى فقط.

وحقاً، منذ الحلبي لم تتوقف عمليات الطعن وإطلاق النار والدهس أبداً.

ويوم الأربعاء الماضي، أي بعد مئات العمليات ومرور نحو سنتين ونصف السنة على عملية الحلبي، استل حمزة زماعرة (19 سنة) سكينه، وطعن حارس أمن في محيط مستوطنة «كرمي تسور»، شمال مدينة الخليل، وأصابه بجراح قبل أن يطلق حارس آخر النار باتجاهه ويقتله.

وقبل ذلك بيومين فقط كان عبد الكريم عاصي (19 سنة) يستلّ سكينه ويقتل الحاخام إيتمار بن غال (40 عاما) قرب مدينة نابلس.

مثل الحلبي وزماعرة وآخرون هناك كثر لا مجال لحصرهم، هاجموا جنوداً ومستوطنين بالسلاح الأبيض بلا وجل. لقد ترجّل عاصي من سيارة واجتاز الشارع نحو بن غال، الذي كان واقفاً أمام محطة حافلات، ثم أقدم على طعنه، قبل أن يهرب الحاخام ويلحقه الشاب إلى الجهة المقابلة. وبين العمليتين، عملية عاصي وزماعرة، اغتال الجيش الإسرائيلي أحمد جرّار في مدينة جنين، وهو منفِّذ عملية قتل حاخام آخر الشهر الماضي.

كلهم كان يحرّكهم على الأغلب دافع انتقامي كبير.

ولدى العودة إلى صفحة الحلبي نفسها قبل أن ينفذ عمليته، يمكن فهم كيف ولماذا تحرك؟

كتب الحلبي الجمعة قبل يوم واحد من تنفيذ عمليته «ما يجري للأقصى هو ما يجري لمقدساتنا ومسرى نبينا... وما يجري لنساء الأقصى ما يجري لأمهاتنا وأخواتنا، فلا أظن أن شعبنا يرضى بالظلم، الشعب سينتفض بل ينتفض».

وتعليقاً على شريط فيديو يظهر فيه شرطي إسرائيلي يقوم باعتقال وإهانة سيدة فلسطينية في المسجد الأقصى، كتب الحلبي: «يا الله على حالٍ قد وصلنا له. لقد خرج العقل عن حدود المنطق. غضب وغضب وغضب. أفيقوا من سباتكم انصروا الأقصى وأحراره. فلتشتعل الثورة».

وقبل أيام قليلة، تحديدا في 28 سبتمبر، شارك حلبي في جنازة رمزية لصديقه ضياء تلاحمة، الذي قتله الجيش الإسرائيلي قرب الخليل، عانق والد تلاحمة وهمس في أذنه: «سنثأر له». بعدها بقليل قام حلبي بتغيير صورة حسابه الشخصي في «فيسبوك» إلى صورة تلاحمة.

تقول والدته: «نقطة التحول في شخصية مهند كانت باستشهاد ضياء التلاحمة». وأضافت: «قبل استشهاده بيوم قام بوداعنا كلنا، قام بتقبيلي أنا وإخوته وأصر على النوم بجانب شقيقه الأصغر، وترك له مجسّماً صغيراً لخريطة فلسطين وأوصى شقيقته بأن تعطيه له... كان مصرّاً على تقبيلي مراراً أنا وأخوته، وكان يوصيني بشقيقه الأصغر، لم أكن أعلم أنه كان يودّعنا».

كذلك لم تعلم والدة أحمد جرار ما كان ينوي فعله. وكان أحمد جرار قد فقد والده نصر في معركة جنين عام 2002، وكتب على صورة لوالده ذات مرة على «فيسبوك» إنه يتطلع إلى اللحاق به ولقائه.

لقد تحوّل جرار هو الآخر إلى «رمز» بالنسبة لكثير من الشبان الذين يتوقع أن يستلهموا تجربته.



شكوك وتساؤلات

المحلل السياسي مصطفى إبراهيم قال لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً دوافع هؤلاء الشبان: «تحركهم دوافع وطنية وقومية... وعملهم هو شكل احتجاجي على رفض وجود الاحتلال، الذي لا يتوقف عن قتل واعتقال الفلسطينيين، والتنكيل بهم، وسلب حقوقهم، ومصادرة أراضيهم ومواصلة اعتداءاته بحقهم».

ويرى إبراهيم أن العمليات الفردية أصبح لها وقع كبير في نفوس الفلسطينيين، وبالفعل تحوّل أصحابها إلى رموز وأيقونات وهو سبب كافٍ لاستمرارها». ويتوقع إبراهيم أن يستمر العمل الفردي لفترة طويلة، «لأن له تأثيراً كبيراً على إسرائيل، وهي أعجز عن مواجهته بالنسبة إلى العمليات الكبيرة المنظمة».

وحقاً، لم تستطع إسرائيل إنهاء العمليات الفردية خلال العامين الماضيين، على الرغم من سلسلة إجراءات عسكرية وأمنية وقمعية، طويلة خلال العامين الماضيين، تجلَّت بدفع تعزيزات عسكرية إلى القدس والضفة، وفصل أحياء عربية عن يهودية، ومحاصرة مدن وقرى ومخيمات وتنفيذ إعدامات في الشوارع لأي مشتبهين أو معتقلين نفذوا عمليات وهدم منازلهم واحتجاز جثامينهم والاستمرار في حملات الاعتقال الواسعة.

ويرى مراقبون أن «الأداء الفردي» هو السرّ، إذ لم تستطع إسرائيل محاصرته، في حين أن الفعل الجماعي يمكن مراقبته أو اختراقه.

ولكن لا يتفق كل الفلسطينيين على أن الفعل الفردي يمكن أن يستمر طويلاً أو ينجح في خلق «انتفاضة» أخرى شاملة على غرار الانتفاضتين الأولى أو الثانية من دون قيادة سياسية. فحسب رأي الكاتب هاني عواد، أن «الحركة السياسية فقط هي من يقرّر تحويل أفعال الأفراد إلى برامج، وليس العكس»، مضيفاً: «من دون المؤسسة السياسية يبقى الأفراد وأفعالهم مجازات لغوية: مؤثرة وساحرة، ولكنّها ليست واقعية. بهذا المعنى، فإن من يريد أن يتجاوز المستوى البلاغي، أو لنقل المجازيّ، في فِعل الشهيد، عليه أولاً أن ينازع المؤسسة. وفي الحالة الفلسطينية، عليه أولاً أن يدفع السُلطة، أو الحركة الوطنية الفلسطينية، لتبني فعل الشهيد. من دون ذلك، من حقّنا أن نخشى من أن لا تكون دماء شهدائنا سوى مجازات على الإسفلت».

ويقر المحلل العسكري يوسف الشرقاوي بأنه من دون وجود قيادة سيظل هناك قصور ذاتي لأي محاولة لإطلاق انتفاضة، لكنه يرى أن العمليات الفردية قد تؤسس «لشيء ما قادم».

لكن لماذا لم تراجعت الفصائل أمام هذا الفعل المنفرد؟

يعتقد كثيرون أنها - أي الفصائل - كبرت وشاخت، وربما ما عادت تستطيع أن تقود الشارع، أو أن ثقة الشارع بها تراجعت. كما أن للعمليات الفردية سمة مهمة وهي شعبيتها التي لا يمكن لإسرائيل أن ترد عليها، بضرب السلطة أو حماس أو غيره.

وهنا يقول إبراهيم أن ثمة أسباباً أخرى مهمة هي أن «الضغط الإسرائيلي والعمل الاستخباراتي الكبير منذ عام 2002 بعد عملية السور الواقي في الضفة الغربية نجح في تحييد العمل الجماعي بشكل كبير». ويضيف: «تلك الجهود الإسرائيلية أثرت بشكل كبير على الفصائل الفلسطينية في ظل حملات الاعتقال والمداهمات اليومية التي تطال منازل عناصر تلك الفصائل بشكل أساسي». ويتهم إبراهيم، في هذا السياق، التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية، وقال إنه لعب دوراً مهماً في تراجع قدرة الفصائل الفلسطينية.

الواقع، أن أحداً ما عاد قادراً على تحريك الشارع كما يريد. وبعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب القدس عاصمة لإسرائيل، سعى القادة الفلسطينيون إلى إخراج مظاهرات كبيرة وعارمة، لكنهم لم ينجحوا. وأغلب الظن أن الذين نفذوا العمليات الفردية الأخيرة لم يشاركوا في أي مسيرة من قبل، ولم يتلقوا أوامر من أي رتبة تنظيمية. ومن ثم، لم يعد أحد يستطيع «تخمين» ماذا يريد الناس.
فلسطين النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة