أكاديمية كومبيوتر في فرنسا تتحدى الأفكار التقليدية

مؤسس «42» يسعى لإحداث تغيير في منظومة التعليم الرصينة

أكاديمية 42 الفرنسية للبرمجة لا تتطلب من الدارسين شهادة الثانوية ({نيويورك تايمز})
أكاديمية 42 الفرنسية للبرمجة لا تتطلب من الدارسين شهادة الثانوية ({نيويورك تايمز})
TT

أكاديمية كومبيوتر في فرنسا تتحدى الأفكار التقليدية

أكاديمية 42 الفرنسية للبرمجة لا تتطلب من الدارسين شهادة الثانوية ({نيويورك تايمز})
أكاديمية 42 الفرنسية للبرمجة لا تتطلب من الدارسين شهادة الثانوية ({نيويورك تايمز})

في دولة تعج بالمدارس التي تحمل أسماء كلمات مختصرة ذات دلالة معينة أو أسماء العظماء الراحلين في فرنسا، يبدو الرقم 42 الذي جرى إطلاقه كاسم على إحدى مؤسسات التعليم العالي غريبا بعض الشيء. بيد أنه إذا عرف السبب بطل العجب، فأكاديمية التكنولوجيا الجديدة، التي افتتحها زافييه نيل، الرائد في مجال الأعمال والتكنولوجيا، تهدف إلى أن تكون غير تقليدية.
متسلحا بروح المرح، قضى خافيير نيل، وهو رجل دمث الأخلاق ورائد في مجال الاتصالات حاصل على شهادة ثانوية عامة ويمتلك ثروة تقدر بمليارات اليوروهات، السنوات العشر الأخيرة وهو يحاول إحداث تغيير في منظومة فرنسا الرصينة، وكانت «أكاديمية 42» إحدى الوسائل البسيطة واللافتة للنظر في آن معا التي سعى من خلالها لإحداث تغيير في الأساليب المتبعة في مجال التعليم العالي في فرنسا. وتوفر أكاديمية 42 دروسا في حقل البرمجة الحاسوبية وتفتح أبوابها للدارسين هذا الشهر.
وتتميز الأكاديمية بأسلوب تعليم غير تقليدي، حيث إنه لن يكون هناك الشكل التقليدي للتعليم من محاضرات ومدرسين، بل هي مشروعات جماعية و«منظمون يتحلون بروح الود» يلبسون ملابس غير رسمية. كما أن الأكاديمية لا توفر شهادة معتمدة من الحكومة الفرنسية، ولا تشترط أن يكون الطلبة الملتحقون بها، والذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما، يحملون شهادة ثانوية عامة. وتوفر أكاديمية 42، التي تحتل إحدى البنايات الإدارية التي جرى تجديدها وتقع على أطراف العاصمة باريس، دروسا مجانية، حيث تسعى لاجتذاب الطلبة الذين يقطنون الأحياء الأشد فقرا.
وفي إشارة إلى ثقافة روح الدعابة في العمل التي تميز شركات وادي السليكون، والتي يحترمها رواد الأعمال هنا كثيرا، هناك خطط لإنشاء منزلق (زحلقة) بين سطح المبنى والمطعم الملحق به.
وتهدف الأكاديمية إلى تقديم أساليب تعليمية بعيدة كل البعد عن الطرق الجامدة والفلسفة المعتادة التي يطبقها نظام التعليم الحكومي حيثما كان، فنيل يؤمن بأن أكاديميته ستعمل على تقديم خريجين يتمتعون بقدرات إبداعية، قادرين على العمل في أي تخصص ولديهم قدرات متنوعة ومفيدة بالتالي في تحريك الاقتصاد الفرنسي الراكد.
وفي الوقت الذي يبجل الفرنسيون نظام التعليم القومي المطبق في مدارسهم، تبدو أكاديمية 42، التي تهدف بشكل واضح إلى كسر القيود التعليمية التقليدية، وكأنها عمل شائن وسط جو التقاليد الذي يضرب بجذوره في القدم.
ويثير اسم الأكاديمية شيئا من الغموض، ففي رواية الخيال العلمي الكوميدية «دليل المسافر إلى المجرة»، التي ألفها دوغلاس آدامز، والتي يعشقها محبو الروايات التي تتناول التكنولوجيا، يعرف الرقم 42 بأنه «الإجابة عن سؤال الغاية النهائية من الحياة والكون وكل شيء».
يقول نيل: «يطرح الكثيرون علينا هذا السؤال، لكن لماذا لا تطبقون قواعد التعليم القومي الفرنسي؟»، وقد رصد نيل 70 مليون يورو (نحو 94 مليون دولار) كميزانية العشر سنوات الأولى لأكاديمية 42.
وتعليقا على ذلك، قال نيل في إحدى المقابلات: «حسن، الأمر يتوقف على قضية هل أسعى إلى أن ينجح هذا المشروع أم لا؟».
ولم تصدر وزارة التعليم العالي الفرنسية أي تعليق حول الأكاديمية، بيد أن مسؤولي التعليم الحكومي يعترفون بأن المؤسسات القائمة تفشل في تدريب الطلبة على المهارات التي تحتاجها سوق العمل. ويصف منتقدو التعليم العالي الجامعات بقولهم، إنها «مصانع للبطالة». ورغم معدل البطالة القومي في فرنسا الذي يصل إلى 11%، هناك نحو 60.000 فرصة عمل في مجال الكومبيوتر خالية حسبما تقول الحكومة لعدم وجود أشخاص مؤهلين.
يقول نيل، إن الأكاديمية تروج لما يصفه الفرنسيون بالمزايا الأنغلوسكسونية في مجال ريادة الأعمال المبتكرة والتفكير الإبداعي، بينما يعتمد الأسلوب القياسي الفرنسي بشكل أساسي على أسلوب الحفظ والاستظهار.
ويشير نيكولا بافيريه، المؤرخ والخبير بمعهد مونتين (Institut Montaigne) وهو مؤسسة بحثية مستقلة، إلى أنه «دائما ما تزخر فرنسا بالمهندسين العباقرة الذين يسعى الألمان لتوظيفهم بأسرع وقت ممكن للاستفادة من قدراتهم»، مضيفا أن أكاديمية 42 كشفت النقاب عن «عدم قدرة نظام التعليم الفرنسي على معالجة المشكلات المتعلقة بتشجيع الإبداع والتطور الاجتماعي المتنامي وظهور التكنولوجيات الحديثة وقطاعات العمل المستحدثة».
ويعلق نيكولا ساديراك، مدير أكاديمية 42، على نظام التعليم الفرنسي بقوله، إن الطلاب الفرنسيين يتلقون تعليما نمطيا عن بعض القواعد المحددة اللازمة لمواقف بعينها، مشيرا إلى أن «المشكلة تكمن في أن أولئك الطلاب لا يتلقون ما يساعدهم على الابتكار والإبداع.. وتلك كارثة كبرى».
وفي ظهر أحد الأيام، قام سيباستيان هوفان (28 عاما)، بالجلوس في الضوء اللامع لإحدى شاشات العرض ونقر بالصدفة على أحد الصور المصغرة (thumbnail)، يقول هوفان، الذي كان يعمل في أحد المخازن: «أحاول أن أبتكر برنامجا، يكون بالأساس سهلا ومبسطا. هذا البرنامج يقوم بتخمين المصطلحات».
والطلاب المحتمل التحاقهم بالأكاديمية، والذين من المتوقع ألا يكون لديهم خلفية عن البرمجة، يخضعون لعدة ساعات من اختبارات المنطق والذكاء. ومن بين تلك الأسئلة على سبيل المثال، يجري سؤالهم عن الحرف الناقص في التسلسل التالي:
7 (S)
11 (O)
15 (Q)
20 (V)
30 (?)
وقد تقدم 20.000 طالب للالتحاق بالأكاديمية هذا العام.
وقد دعي هوفان، ومعه 2550 طالبا الذين جاءوا بالإجابة الصحيحة وهي «T» الحرف الأول من كلمة «Trente» الفرنسية، والتي تعني 30، دعوا جميعا للمشاركة في معسكر مكثف يستغرق شهرا في باريس أطلق عليه اسم «المسبح» لتحديد من سيكون بإمكانه «السباحة»، أي الدراسة، في أكاديمية 42. وقد تدفق على هذا المعسكر الكثير من الطموحين من شتى أنحاء فرنسا، غالبيتهم من الرجال، بعضهم من المعتدين بأنفسهم من شباب الطبقة الأرستقراطية، وأكثرهم من ذوي الشعر اللامع والنظارات القديمة. جميعهم عسكروا في المبنى، وفي النهاية جرى اختيار 900 طالب للالتحاق ببرنامج تعليمي يمتد لثلاثة أعوام في أكاديمية 42.
ويقول القائمون على الأكاديمية، إن الطلاب سوف يتلقون دروسا في ما يتعلق بحل المشكلات المختلفة. غير أن بعض العاملين في حقل التعليم يصفون تلك الخطوة بالساذجة، حيث يصرح بيير بيليه، الذي يعمل موظفا إداريا في معهد الاتصالات، لمجلة «الطالب» (LEtudiant) المتخصصة في شؤون التعليم، أن إعطاء الطلاب «الوصفات» فقط لا يكفي، «فينبغي أن تعلمهم كيف يصنعون الطعام».
ويعلق مارك نوفو، أستاذ علوم الحاسب الآلي، والذي يرأس النقابة الوطنية للتعليم العالي (أكبر نقابة فرنسية تضم العاملين في حقل التعليم الجامعي)، على ذلك بقوله إنه قد يشوب تقييم البعض لأكاديمية 42 قصر النظر. فمن المؤكد أن خريجي الأكاديمية سوف يثبتون موهبتهم في مجال البرمجة، لكنهم قد يجدوا أنفسهم مقيدين في «مجال عمل محدد للغاية» والذي لن يكون متاحا على الدوام.
ويتابع نوفو: «أعتقد أن ذلك تفكير قاصر فيما يخص مجال المعرفة، فالمجتمع لا يتقد فقط عن طريق القفزات التكنولوجية التي تحدث على المدى القصير».
ورغم ذلك، رحب بعض المسؤولين في الحكومة بأكاديمية 42، وخصوصا المهتمين بحالة الاقتصاد الفرنسي.
وتقول فلور بيللرين، وزيرة الشركات الصغيرة والمتوسطة والاختراعات والاقتصاد الرقمي: «نحتاج أن تنمو لدينا ثقافة الاعتياد على تقبل المبادرات الخاصة والفردية». وتضيف بيليرين، في إحدى المقابلات، أن «هناك حاجة ماسة لأن يتوفر لدينا الكثير من الأشخاص المؤهلين والمدربين جيدا»، وأكاديمية 42 «تتوافق بالضبط» مع «الطريقة التي نحتاجها في تدريب شباب اليوم على كيفية تطوير الاقتصاد الرقمي».
وهناك أيضا بعض الطرق المماثلة التي تنفذها بعض الجامعات الخاصة، مثل كلية المعلومات والتكنولوجيا الحديثة (Ecole pour Linformatique et les nouvelles technologies)، والتي كان يديرها في السابق نيكولا ساديراك، مدير أكاديمية 42، وتعد بشكل عام أفضل معاهد فرنسا في هذا المجال.. لكن الدراسة في تلك الجامعات والمؤسسات المشابهة تتكلف آلاف اليوروهات كل عام.
ويعلق على ذلك كورنتان دينوس (18 عاما) بقوله إنه يحتاج إلى «حقيبة ملأى بالنقود» حتى يمكنه الدراسة في تلك المعاهد. وقد استطاع دينوس أن يتخطى اختبارات «المسبح» ليلتحق بأكاديمية 42.
ويقول دينوس عن الأكاديمية إنها ربما تبدو «غريبة بعض الشيء»، مضيفا: «لكنها مثالية بالنسبة لي».
* خدمة «نيويورك تايمز»



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.