أكاديمية كومبيوتر في فرنسا تتحدى الأفكار التقليدية

مؤسس «42» يسعى لإحداث تغيير في منظومة التعليم الرصينة

أكاديمية 42 الفرنسية للبرمجة لا تتطلب من الدارسين شهادة الثانوية ({نيويورك تايمز})
أكاديمية 42 الفرنسية للبرمجة لا تتطلب من الدارسين شهادة الثانوية ({نيويورك تايمز})
TT

أكاديمية كومبيوتر في فرنسا تتحدى الأفكار التقليدية

أكاديمية 42 الفرنسية للبرمجة لا تتطلب من الدارسين شهادة الثانوية ({نيويورك تايمز})
أكاديمية 42 الفرنسية للبرمجة لا تتطلب من الدارسين شهادة الثانوية ({نيويورك تايمز})

في دولة تعج بالمدارس التي تحمل أسماء كلمات مختصرة ذات دلالة معينة أو أسماء العظماء الراحلين في فرنسا، يبدو الرقم 42 الذي جرى إطلاقه كاسم على إحدى مؤسسات التعليم العالي غريبا بعض الشيء. بيد أنه إذا عرف السبب بطل العجب، فأكاديمية التكنولوجيا الجديدة، التي افتتحها زافييه نيل، الرائد في مجال الأعمال والتكنولوجيا، تهدف إلى أن تكون غير تقليدية.
متسلحا بروح المرح، قضى خافيير نيل، وهو رجل دمث الأخلاق ورائد في مجال الاتصالات حاصل على شهادة ثانوية عامة ويمتلك ثروة تقدر بمليارات اليوروهات، السنوات العشر الأخيرة وهو يحاول إحداث تغيير في منظومة فرنسا الرصينة، وكانت «أكاديمية 42» إحدى الوسائل البسيطة واللافتة للنظر في آن معا التي سعى من خلالها لإحداث تغيير في الأساليب المتبعة في مجال التعليم العالي في فرنسا. وتوفر أكاديمية 42 دروسا في حقل البرمجة الحاسوبية وتفتح أبوابها للدارسين هذا الشهر.
وتتميز الأكاديمية بأسلوب تعليم غير تقليدي، حيث إنه لن يكون هناك الشكل التقليدي للتعليم من محاضرات ومدرسين، بل هي مشروعات جماعية و«منظمون يتحلون بروح الود» يلبسون ملابس غير رسمية. كما أن الأكاديمية لا توفر شهادة معتمدة من الحكومة الفرنسية، ولا تشترط أن يكون الطلبة الملتحقون بها، والذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما، يحملون شهادة ثانوية عامة. وتوفر أكاديمية 42، التي تحتل إحدى البنايات الإدارية التي جرى تجديدها وتقع على أطراف العاصمة باريس، دروسا مجانية، حيث تسعى لاجتذاب الطلبة الذين يقطنون الأحياء الأشد فقرا.
وفي إشارة إلى ثقافة روح الدعابة في العمل التي تميز شركات وادي السليكون، والتي يحترمها رواد الأعمال هنا كثيرا، هناك خطط لإنشاء منزلق (زحلقة) بين سطح المبنى والمطعم الملحق به.
وتهدف الأكاديمية إلى تقديم أساليب تعليمية بعيدة كل البعد عن الطرق الجامدة والفلسفة المعتادة التي يطبقها نظام التعليم الحكومي حيثما كان، فنيل يؤمن بأن أكاديميته ستعمل على تقديم خريجين يتمتعون بقدرات إبداعية، قادرين على العمل في أي تخصص ولديهم قدرات متنوعة ومفيدة بالتالي في تحريك الاقتصاد الفرنسي الراكد.
وفي الوقت الذي يبجل الفرنسيون نظام التعليم القومي المطبق في مدارسهم، تبدو أكاديمية 42، التي تهدف بشكل واضح إلى كسر القيود التعليمية التقليدية، وكأنها عمل شائن وسط جو التقاليد الذي يضرب بجذوره في القدم.
ويثير اسم الأكاديمية شيئا من الغموض، ففي رواية الخيال العلمي الكوميدية «دليل المسافر إلى المجرة»، التي ألفها دوغلاس آدامز، والتي يعشقها محبو الروايات التي تتناول التكنولوجيا، يعرف الرقم 42 بأنه «الإجابة عن سؤال الغاية النهائية من الحياة والكون وكل شيء».
يقول نيل: «يطرح الكثيرون علينا هذا السؤال، لكن لماذا لا تطبقون قواعد التعليم القومي الفرنسي؟»، وقد رصد نيل 70 مليون يورو (نحو 94 مليون دولار) كميزانية العشر سنوات الأولى لأكاديمية 42.
وتعليقا على ذلك، قال نيل في إحدى المقابلات: «حسن، الأمر يتوقف على قضية هل أسعى إلى أن ينجح هذا المشروع أم لا؟».
ولم تصدر وزارة التعليم العالي الفرنسية أي تعليق حول الأكاديمية، بيد أن مسؤولي التعليم الحكومي يعترفون بأن المؤسسات القائمة تفشل في تدريب الطلبة على المهارات التي تحتاجها سوق العمل. ويصف منتقدو التعليم العالي الجامعات بقولهم، إنها «مصانع للبطالة». ورغم معدل البطالة القومي في فرنسا الذي يصل إلى 11%، هناك نحو 60.000 فرصة عمل في مجال الكومبيوتر خالية حسبما تقول الحكومة لعدم وجود أشخاص مؤهلين.
يقول نيل، إن الأكاديمية تروج لما يصفه الفرنسيون بالمزايا الأنغلوسكسونية في مجال ريادة الأعمال المبتكرة والتفكير الإبداعي، بينما يعتمد الأسلوب القياسي الفرنسي بشكل أساسي على أسلوب الحفظ والاستظهار.
ويشير نيكولا بافيريه، المؤرخ والخبير بمعهد مونتين (Institut Montaigne) وهو مؤسسة بحثية مستقلة، إلى أنه «دائما ما تزخر فرنسا بالمهندسين العباقرة الذين يسعى الألمان لتوظيفهم بأسرع وقت ممكن للاستفادة من قدراتهم»، مضيفا أن أكاديمية 42 كشفت النقاب عن «عدم قدرة نظام التعليم الفرنسي على معالجة المشكلات المتعلقة بتشجيع الإبداع والتطور الاجتماعي المتنامي وظهور التكنولوجيات الحديثة وقطاعات العمل المستحدثة».
ويعلق نيكولا ساديراك، مدير أكاديمية 42، على نظام التعليم الفرنسي بقوله، إن الطلاب الفرنسيين يتلقون تعليما نمطيا عن بعض القواعد المحددة اللازمة لمواقف بعينها، مشيرا إلى أن «المشكلة تكمن في أن أولئك الطلاب لا يتلقون ما يساعدهم على الابتكار والإبداع.. وتلك كارثة كبرى».
وفي ظهر أحد الأيام، قام سيباستيان هوفان (28 عاما)، بالجلوس في الضوء اللامع لإحدى شاشات العرض ونقر بالصدفة على أحد الصور المصغرة (thumbnail)، يقول هوفان، الذي كان يعمل في أحد المخازن: «أحاول أن أبتكر برنامجا، يكون بالأساس سهلا ومبسطا. هذا البرنامج يقوم بتخمين المصطلحات».
والطلاب المحتمل التحاقهم بالأكاديمية، والذين من المتوقع ألا يكون لديهم خلفية عن البرمجة، يخضعون لعدة ساعات من اختبارات المنطق والذكاء. ومن بين تلك الأسئلة على سبيل المثال، يجري سؤالهم عن الحرف الناقص في التسلسل التالي:
7 (S)
11 (O)
15 (Q)
20 (V)
30 (?)
وقد تقدم 20.000 طالب للالتحاق بالأكاديمية هذا العام.
وقد دعي هوفان، ومعه 2550 طالبا الذين جاءوا بالإجابة الصحيحة وهي «T» الحرف الأول من كلمة «Trente» الفرنسية، والتي تعني 30، دعوا جميعا للمشاركة في معسكر مكثف يستغرق شهرا في باريس أطلق عليه اسم «المسبح» لتحديد من سيكون بإمكانه «السباحة»، أي الدراسة، في أكاديمية 42. وقد تدفق على هذا المعسكر الكثير من الطموحين من شتى أنحاء فرنسا، غالبيتهم من الرجال، بعضهم من المعتدين بأنفسهم من شباب الطبقة الأرستقراطية، وأكثرهم من ذوي الشعر اللامع والنظارات القديمة. جميعهم عسكروا في المبنى، وفي النهاية جرى اختيار 900 طالب للالتحاق ببرنامج تعليمي يمتد لثلاثة أعوام في أكاديمية 42.
ويقول القائمون على الأكاديمية، إن الطلاب سوف يتلقون دروسا في ما يتعلق بحل المشكلات المختلفة. غير أن بعض العاملين في حقل التعليم يصفون تلك الخطوة بالساذجة، حيث يصرح بيير بيليه، الذي يعمل موظفا إداريا في معهد الاتصالات، لمجلة «الطالب» (LEtudiant) المتخصصة في شؤون التعليم، أن إعطاء الطلاب «الوصفات» فقط لا يكفي، «فينبغي أن تعلمهم كيف يصنعون الطعام».
ويعلق مارك نوفو، أستاذ علوم الحاسب الآلي، والذي يرأس النقابة الوطنية للتعليم العالي (أكبر نقابة فرنسية تضم العاملين في حقل التعليم الجامعي)، على ذلك بقوله إنه قد يشوب تقييم البعض لأكاديمية 42 قصر النظر. فمن المؤكد أن خريجي الأكاديمية سوف يثبتون موهبتهم في مجال البرمجة، لكنهم قد يجدوا أنفسهم مقيدين في «مجال عمل محدد للغاية» والذي لن يكون متاحا على الدوام.
ويتابع نوفو: «أعتقد أن ذلك تفكير قاصر فيما يخص مجال المعرفة، فالمجتمع لا يتقد فقط عن طريق القفزات التكنولوجية التي تحدث على المدى القصير».
ورغم ذلك، رحب بعض المسؤولين في الحكومة بأكاديمية 42، وخصوصا المهتمين بحالة الاقتصاد الفرنسي.
وتقول فلور بيللرين، وزيرة الشركات الصغيرة والمتوسطة والاختراعات والاقتصاد الرقمي: «نحتاج أن تنمو لدينا ثقافة الاعتياد على تقبل المبادرات الخاصة والفردية». وتضيف بيليرين، في إحدى المقابلات، أن «هناك حاجة ماسة لأن يتوفر لدينا الكثير من الأشخاص المؤهلين والمدربين جيدا»، وأكاديمية 42 «تتوافق بالضبط» مع «الطريقة التي نحتاجها في تدريب شباب اليوم على كيفية تطوير الاقتصاد الرقمي».
وهناك أيضا بعض الطرق المماثلة التي تنفذها بعض الجامعات الخاصة، مثل كلية المعلومات والتكنولوجيا الحديثة (Ecole pour Linformatique et les nouvelles technologies)، والتي كان يديرها في السابق نيكولا ساديراك، مدير أكاديمية 42، وتعد بشكل عام أفضل معاهد فرنسا في هذا المجال.. لكن الدراسة في تلك الجامعات والمؤسسات المشابهة تتكلف آلاف اليوروهات كل عام.
ويعلق على ذلك كورنتان دينوس (18 عاما) بقوله إنه يحتاج إلى «حقيبة ملأى بالنقود» حتى يمكنه الدراسة في تلك المعاهد. وقد استطاع دينوس أن يتخطى اختبارات «المسبح» ليلتحق بأكاديمية 42.
ويقول دينوس عن الأكاديمية إنها ربما تبدو «غريبة بعض الشيء»، مضيفا: «لكنها مثالية بالنسبة لي».
* خدمة «نيويورك تايمز»



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».