«منتجات مهيكلة» تثير الهلع مجدداً في الأسواق المالية

«منتجات مهيكلة» تثير الهلع مجدداً في الأسواق المالية

راهنت على انخفاض التقلب أو انعدامه... فكانت المفاجأة
الجمعة - 23 جمادى الأولى 1439 هـ - 09 فبراير 2018 مـ رقم العدد [ 14318]
لندن: مطلق منير
بعد الهبوط الكبير مطلع الأسبوع، عادت الأسواق المالية إلى بعض الهدوء. لكن المحللين يشوبهم الحذر الشديد لأسباب متعلقة بمؤشري «التقلب والخوف».
في الظاهر، عادت الأسواق إلى طبيعتها، فالمؤشرات الأميركية والأوروبية استقرت نسبياً وربما صعدت قليلاً في بعض البورصات كما الحال في فرانكفورت وباريس ونيويورك.
هذا الهدوء لم يستطع إخفاء «عصبية» ما تخيم على المتداولين خوفاً من التقلبات الحادة. فمؤشر التقلب «في آي إكس» الذي لم يصعد أكثر من 18 نقطة في 2017، ارتفع كثيرا خلال الأيام القليلة الماضية حتى أنه سجل الثلاثاء الماضي أكبر صعود تاريخي له في يوم واحد عندما ارتفع 50 نقطة وصولاً إلى أعلى مستوى لم يبلغه منذ 2011، علما بأن هذا المؤشر يقيس «تطاير» أو تقلب الأسواق المالية عموما والأميركية خصوصاً.
هذا المؤشر الذي يطلق عليه أيضاً اسم «مؤشر الخوف»، انخفض خلال يومي الأربعاء وأمس الخميس، لكنه يبقى مرتفعا عند 30 نقطة، أي أعلى من مستواه الذي سجله خلال الهبوط الكبير للأسواق الصينية في النصف الثاني من 2015.
ما يقلق المستثمرين حالياً ليس هبوط أسعار الأسهم، بقدر خوفهم من عودة التقلب الكبير والسريع إلى الأسواق، بحيث يصبح التوقع صعباً إن لم يكن مستحيلاً. وبالتالي يزداد الخوف عمقاً، وهذا ما شغل بال المتداولين خلال الأسبوع لأن ذلك التقلب فريد من نوعه بحسب معظم المحللين.
فالمحللون يؤكدون أن معظم الصعود الحاد لمؤشر «في آي إكس» منذ 1990 كان مترافقاً مع تطبيق استراتيجيات خفض المخاطر، بحيث يسيل المستثمرون حيازتهم من الأسهم ليشتروا سندات سيادية أو حكومية كما شراء عملات آمنة، أو يعتبرونها آمنة، مثل الفرنك السويسري أو الين الياباني. لكن هذا لم يحصل خلال الهروب الكبير للمستثمرين خلال الأسبوع الحالي.
هذا الواقع يمكن تفسيره حاليا بظاهرة جديدة هي شيوع منتجات تباع على أساس الرهان على انخفاض التقلب. فقد جرى تسويق هذه المنتجات والأدوات المالية خلال السنوات القليلة الماضية بنجاح، اعتماداً على سياسات البنوك المركزية التي أخذت على عاتقها انتهاج برامج تحفيزية سخية استفادت منها الأسواق المالية على أكمل وجه وصعدت كثيرا بفضلها. وذلك النجاح تعزز بفضل «شبه انعدام التقلبات» في مدى سنوات طويلة.
لكن الهبوط الكبير المترافق مع التقلب الحاد خلال الأيام القليلة الماضية أصاب المستثمرين في تلك المنتجات والأدوات بخسائر هائلة ساهمت بدورها في زيادة الهلع العام على صعد أخرى، فانخفضت أسعار أصول لطالما كانت تعتبر آمنة. ومنيت تلك الأدوات بأشد الخسائر، حتى أن بعضها أفلس والبعض الآخر جرى تسييله عن بكرة أبيه أو أوقف العمل به إلى حين.
وتبرير الشركات المعنية كان غير مقنع للمحللين، لأنه جمع جملة أسباب غير منسجمة مع بعضها من دون التوضيح الكافي للربط بينها، إذ تناولت التبريرات نقص السيولة وتصرف القطيع، إلى جانب أن بعض من اشتروا تلك المنتجات أقدموا على ذلك من دون دراية كافية بشروطه.
تلك المبررات غير المنسجمة دفعت بمراقبين إلى الطلب من الجهات الرقابية بذل جهد أكبر لمتابعة هذه الأدوات المالية التي قد تكون مدمرة للأسواق تماما كما حصل مع الرهون العقارية الأميركية في 2007 عندما انفجرت فقاعتها وانتشر ضررها ليس في الأسواق الأميركية وحسب بل العالم المالي بأسره.
وتقول مصادر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك: «لا نريد عرقلة تقدم المنتجات الحديثة ولا نريد إيقاف التطور في العالم المالي، خصوصا منتجات المؤشرات، ومنها المنتجات المرتبطة بالتقلب، لكن يجب أن نسأل أنفسنا ما إذا كانت تلك الأدوات معدة جيداً؟!».
والسؤال الذي يطرحه المتداولون الآن هو: هل يجب الخوف أكثر من عودة التقلبات الحادة؟.
ويجيب رئيس قسم التداول في بنك استثماري قائلا: «ما زلنا نعتقد أن تقلبات هذا الأسبوع استثناء على القاعدة. ونعتقد أن الرهان على التقلب الطفيف أفضل للجميع».
في المقابل، يحذر مراقبون من تكرار سيناريوهات كارثية. ففي 2007، كانت المنتجات التي أحدثت أكبر الأضرار معدة على أساس أن العقار سيرتفع، وكانت عبارة عن مشتقات ومنتجات مالية مهيكلة ومعقدة. وفي 2018، أكبر الخسائر كانت مرتبطة بمنتجات مشتقات بيعت على أساس الرهان على عدم التقلب أو انخفاضه، فضلاً عن خسائر مرتبطة بالمراهنين على العملات الرقمية، «فدعونا لا نقلل من أهمية التحذيرات ونبني على الشيء مقتضاه»؛ كما يقول المحذرون.
ويرد بعض رؤساء أقسام التداول في عدد من البنوك الاستثمارية الأميركية والأوروبية الكبيرة بالقول: «إن حلقة المتورطين في الحالتين (منتجات التقلب والعملات الرقمية) ضيقة وانتقائية، ما يدعو إلى الأمل في ألا تتوسع دوائر الخسائر لتصل تداعياتها إلى الاقتصاد الحقيقي كما حصل في الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في 2007 - 2008، وما زلنا نعاني بعض تداعياتها إلى اليوم».
وقال أحدهم: «اليوم لا يشبه البارحة. وهذا ما يريد تصديقه المتفائلون والمضاربون ومعهم الحكومات التي لا تريد سماع أي مقارنه مع ما حصل قبل 10 سنوات، لأن مجرد التفكير بذلك يقض مضجع الجميع فنشهد هلعاً نحن بغنى عنه. فليعد الجميع إلى التداول كأن شيئاً لم يكن!».
المملكة المتحدة Economy

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة