وثيقة دولية تربط تسهيل إعمار سوريا بـ«انتقال سياسي حقيقي»

«الشرق الأوسط» تنشر ورقة أعدتها الأمم المتحدة تحدد شروط العمل

وثيقة دولية تربط تسهيل إعمار سوريا بـ«انتقال سياسي حقيقي»
TT

وثيقة دولية تربط تسهيل إعمار سوريا بـ«انتقال سياسي حقيقي»

وثيقة دولية تربط تسهيل إعمار سوريا بـ«انتقال سياسي حقيقي»

ربطت وثيقة نادرة، أعدتها الأمم المتحدة وحصلت «الشرق الأوسط» على نصها، مساهمة مؤسساتها في إعمار سوريا بـ«حصول انتقال سياسي جدي وشامل»، مؤكدة على وجوب التزام العاملين في الأمم المتحدة بـ«المساءلة»، وعدم التعاون في سوريا مع «متورطين بجرائم حرب».
جاءت الوثيقة بعد أنباء عن مرونة لدى مكتب الأمم المتحدة في دمشق في التعاطي مع جهات وشخصيات سورية، إضافة إلى طرح الاستعداد للمساهمة في «التنمية» باعتبارها بديلاً عن «الإعمار»، إضافة إلى قيام مسؤولين في مكاتب الأمم المتحدة في سوريا بزيارات لدول إقليمية لحض منظمات غير حكومية على العمل في دمشق والتنسيق معها.
لكن الوثيقة، التي أعدتها الأمم المتحدة في نيويورك، التي تقع في صفحتين، حددت معايير صارمة لعمل المؤسسات الأممية، بينها: «فقط عندما يحصل انتقال سياسي شامل وجدي ومتفاوض عليه (بين ممثلي الحكومة والمعارضة)، ستكون الأمم المتحدة جاهزة لتسهيل الإعمار»، وذلك في محاولة لضبط عمل مؤسسات أممية.
وتحت عنوان: «معايير ومبادئ مساعدة الأمم المتحدة في سوريا»، أكدت الوثيقة ضرورة التزام «الجهات الفاعلة في الأمم المتحدة والعاملة في سوريا معايير بهدف ضمان توفير الدعم والمساعدة للمستحقين لها في كل المناطق السورية»، بما ينسجم مع «مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة»، في إشارة إلى القرارين 2254 و2118 و«بيان جنيف».

معايير صارمة وحاجات ملحة
وإذ أشارت إلى أن «الحاجات الإنسانية ملحة جداً في الواقع السوري، وتقديم المساعدات عبر أكثر الطرق مباشرة من الأمور بالغة الأهمية»، أكدت على ضرورة أن «تنسحب المبادئ الإنسانية، من الحياد والنزاهة والاستقلال، على الاحتياجات الإنسانية المتعلقة بإنقاذ الحياة، كما أن جهود التعافي المبكر والمقدرة على المواجهة والصمود من أبرز الأهداف الإنسانية هناك»، مع ضمان «عدم الاعتراض والتدخل في عملياتها، بغية مواصلة العمليات المتوخاة في خطة الاستجابة الإنسانية».
وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، هناك 13.8 مليون في «حاجة ماسة للمساعدة»، من أصل نحو 22 مليون سوري، وهناك 5.5 مليون سجلوا في مكاتب الأمم المتحدة لاجئين في الدول المجاورة، إضافة إلى 6.1 مليون نازح داخل البلاد. وبحسب تقديرات بروكسل، دفع الاتحاد الأوروبي 12 مليار دولار أميركي مساعدات إنسانية إلى سوريا منذ 2011ن ودفعت أميركا 7.4 مليار دولار. وأسفر كل مؤتمر للمانحين في لندن العام الماضي، وفي بروكسل بداية العام الحالي، عن رصد نحو 12 مليار دولار لم ينفذ من كل منهما سوى نحو 30 في المائة من التعهدات. ورغم قلق دول غربية من عدم تجديد القرار 2165، الذي يسمح بتمرير مساعدات «عبر الحدود» من الدول المجاورة، لم تعرقل موسكو نهاية العام الماضي إصدار قرار جديد للمساعدات الإنسانية حمل الرقم 2393. وقالت الوثيقة: «من شأن خطة الاستجابة الإنسانية أن تلتزم الخط الإنساني بهدف تأمين قدرات الأمم المتحدة على تنفيذ الأنشطة الإنسانية الأساسية المعنية بإنقاذ الأرواح، وضمان توفير الاحتياجات الأساسية للسكان هناك. أما بالنسبة إلى أنشطة التنمية وإعادة الإعمار، فينبغي أن تُدرج على أجندات أو ضمن أطر مختلفة تستلزم بطبيعة الأحوال إجراء مفاوضات أطول مع الحكومات المعنية. وهذا من الأمور الضرورية، مع اعتبار المسائل القانونية والسياسية المعقدة المعنية».
ولا تزال هناك بعض المناطق المحاصرة من قوات الحكومة السورية، بينها غوطة دمشق التي تضم نحو 400 ألف مدني، وتتعرض لقصف عنيف في الأيام الأخيرة. وقالت الوثيقة: «لا بد من توفر جهود التعافي المبكر والصمود في سوريا، على النحو الموضح في خطة الاستجابة الإنسانية. الفرصة السانحة للتحرك على مسار يتجاوز مجرد جهود المساعدات العاجلة لإنقاذ الأرواح بهدف توفير الحد الأدنى من الظروف المعيشية الإنسانية للمجتمعات المحلية المتضررة». ونجحت جهود روسية - تركية، بعيداً عن مسار مجموعة العمل الإنسانية في جنيف، بإخراج مصابين ومرضى من غوطة دمشق التي يفترض أن تكون مشمولة باتفاق «خفض التصعيد» بين فصائل معارضة ودمشق، بضمانة روسية ورعاية مصرية.
وكانت روسيا وأميركا والأردن قد وقعت اتفاق لـ«خفض التصعيد»، جنوب غربي سوريا، تضمن في أحد أهدافه توفير ظروف لعودة لاجئين مقيمين في دول مجاورة، مثل الأردن ولبنان. وأفادت الوثيقة: «من شأن الأمم المتحدة الدعوة إلى تأييد مجموعة كاملة من الحلول الدائمة للسكان المشردين داخلياً واللاجئين في كل أرجاء سوريا، وتوفير الدعم للمجتمعات المضيفة، وتعزيز المناهج القائمة على احترام الحقوق بالقدر الذي يتسق مع القانون والمعايير الدولية. (لكن) لن تقدم الأمم المتحدة الدعم لعودة اللاجئين أو للسكان المشردين داخلياً، غير أنها ستوفر الدعم للعائدين بمختلف الرؤى لضمان العودة الآمنة والكريمة والمستنيرة والطوعية والمستدامة، وإعادة الاندماج والاستيعاب، مع تأمين حق السوريين في التماس حق اللجوء والحصول عليه».

مبادئ إنسانية و«مجرمو حرب»
وإذ أكدت الوثيقة: «فقط عندما يحصل انتقال سياسي شامل وجدي ومتفاوض عليه بين الأطراف المعنية، ستكون الأمم المتحدة جاهزة لتسهيل الإعمار»، حضت العاملين في مؤسسات الأمم المتحدة على ضرورة «التزام مبادئ الحياد والنزاهة والاستقلال المأخوذة في الاعتبار، مع مراعاة المبادئ الأساسية المتسقة مع منهج البرمجة القائم على أسس حقوق الإنسان، بما في ذلك المشاركة والتمكين والملكية المحلية والاستدامة».
وبعد تلقي نيويورك شكاوى من مؤسسات غير حكومية حول طبيعة العمل بين مكاتب أممية في دمشق وشخصيات سورية، أو العمل وفق أولويات الحكومة، شددت الوثيقة: «لا بد من منح الأولوية للمساعدات، استناداً إلى الاحتياجات الملحة للسكان (بدلاً من الاحتياجات ذات التوجهات الحكومية)، مع تركيز خاص على احتياجات الفئات الضعيفة والأفراد، بالأسلوب الذي يوفر الحماية لحقوق الإنسان نتيجة لذلك. ولا بد من توصيل تلك المساعدات بطريقة منصفة وعادلة وغير تمييزية وغير مسيسة».
وبحسب مناطق السيطرة، تخضع منطقة شرق نهر الفرات لـ«قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية، بدعم أميركي، فيما أقامت تركيا منطقة «درع الفرات»، شمال حلب. وتخضع مناطق في إدلب، وبينها وبين حلب ومناطق جنوب غربي سوريا وفي ريفي حمص ودمشق، لسيطرة فصائل معارضة. وتسيطر قوات الحكومة على أكثر من نصف مساحة سوريا، البالغة 195 ألف كيلومتر مربع، بدعم من الجيش الروسي وفصائل تدعمها إيران. وقالت الوثيقة: «من شأن الأمم المتحدة العمل مباشرة مع المجتمعات المحلية والعائلات، بحيث يتم تقديم مساعدات الأمم المتحدة بصورة موحدة في كل أرجاء سوريا، بصرف النظر تماماً عن مناطق النفوذ المختلفة».
وكان لافتاً أنها أكدت أنه «يتعين على الأمم المتحدة أن تولي عناية خاصة لحقوق الإنسان، وآثار الحماية المترتبة عليها، ولا سيما فيما يتعلق بأماكن وكيفية تقديم المساعدات. ولا يجب للمساعدات الأممية أن تكون موجهة لخدمة الأطراف التي يُزعم ارتكابها جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية». وشددت على أنه «يجب تحديد مساعدات الأمم المتحدة بصورة واعية وصريحة من دون الإخلال بأهداف المساءلة المتعلقة بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وكذلك أهداف التسوية السياسية المشروعة والمنصفة والمستدامة».
ودعت الأمم المتحدة إلى وقف فوري لإطلاق النار في سوريا لمدة شهر على الأقل لاعتبارات إنسانية، بعد ورود تقارير عن مقتل عشرات في غارات على غوطة دمشق. وقال خبراء جرائم الحرب في الأمم المتحدة، أمس، إنهم يحققون في عدة تقارير بشأن استخدام قنابل تحوي غاز الكلور المحظور ضد المدنيين في سراقب، في إدلب ودوما في غوطة دمشق. وكانت لجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة قد حملت دمشق مسؤولية هجوم كيماوي على خان شيخون، في إدلب، في أبريل (نيسان) الماضي. ونفت دمشق وموسكو هذه الاتهامات. لذلك، فإن وثيقة الأمم المتحدة أكدت أن «مجموعة العمل متعددة التخصصات، وهي تعمل تحت إشراف فريق العمل المشترك بين الوكالات الخاص بسوريا على مراقبة الالتزام بالمبادئ والمعايير المتفق عليها، وفق نظام الأمم المتحدة في هذه الاستراتيجية، بما في ذلك الحقوق السياسية والقانونية وحقوق الإنسان، فضلاً عن الأبعاد الإنسانية والتنموية (...) وينبغي تطبيق معايير العناية الواجبة الصارمة، والمستمدة من مبادئ سياسة إيلاء العناية الواجبة المعنية بحقوق الإنسان».
وكانت موسكو ضغط على دول غربية للمساهمة في اعمار سوريا التي تقدر كلفته بحوالى 230مليار دولار اميركي. و تبنى بيان «مؤتمر الحوار السوري»، الذي عقد برعاية روسية - تركية - إيرانية، في سوتشي، نهاية الشهر الماضي، دعوة إلى «رفع العقوبات المفروضة من جانب واحد بحق سوريا، ما يؤدي إلى حل المشكلة الإنسانية والمشكلات الاقتصادية، بما يصب في إعادة إعمار البلاد، من دون اشتراط ربط ذلك بـ«انتقال سياسي». في المقابل، صاغت واشنطن وأربع دول من حلفائها الغربيين والإقليميين الشهر الماضي ورقة شددت فيها الدول الخمس على أنها «مستعدة للمساعدة في إعادة إعمار سوريا فقط عندما يتحقق الانتقال السياسي الجدي والجوهري والشامل، عبر التفاوض بين الأطراف المعنية، برعاية الأمم المتحدة، لتنفيذ القرار 2254 وبيان جنيف، وعندما تتأسس بيئة حيادية تسمح بالانتقال السياسي».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».