الفنان سعد علي يخلّد الحُب في حديقة الحياة

الفنان سعد علي يخلّد الحُب في حديقة الحياة

متحف مدينة كالب الإسبانية ينظم له معرضاً شخصياً
الأربعاء - 22 جمادى الأولى 1439 هـ - 07 فبراير 2018 مـ رقم العدد [ 14316]
من أعمال الفنان
لندن: عدنان حسين أحمد
نظّم مُتحف مدينة كالب (Calpe) الإسبانية معرضاً شخصياً جديداً للفنان التشكيلي سعد علي. ضمّ المعرض 24 لوحة مختلفة الأحجام، مُنفّذة بالزيت والأكريلك على الكانفاس والألواح الخشبية. وكدأبه دائماً ينهل سعد علي من ذاكرته الشخصيّة، وموروثه العراقي المتراكم عبر آلاف السنين. وبما أن معرضه الحالي ينضوي تحت عنوان «حديقة الحياة» فلا بد من استجلاء المعنى الكامن وراء هذه التسمية الدالة على شيء محدد. فقد عرفناه خلال العقود الثلاثة الماضية مُنهمكاً بمشروعيه الفنيين «صندوق الدنيا» و«أبواب الفرج والمحبّة» لكنه لم ينتهِ منهما حتى الوقت الراهن، فلا تزال مخيّلته البصرية تفيض بالصور الرومانسية الحالمة التي يخلق منها فردوسه الأرضي إن صحّ التعبير.
ذات مرّة قام سعد علي بزيارة عمته التي تسكن في مدينة بابل، وبينما كان يلهو مع الأطفال، لفتت انتباهه سلالم عريضة لمدرّجات هائلة في متنزّه عام وحينما استفسر من أقرانه أجابوه بأنها «الجنائن المعلّقة» التي عُرفت بإحدى عجائب الدنيا السبع. وبغض النظر إن كانت قصة هذه الجنائن حقيقية أم مُختلَقة فإنها أصبحت أقرب إلى الأسطورة التي نسجتها الذاكرة الشعبية لبلاد ما بين النهرين عن الملك الكلداني نبوخذنصّر الثاني (605 - 562 ق.م) الذي أمر بتشييد الجنائن المعلّقة لزوجته أميتس الميدية التي شعرت بالغربة المكانية، واجتاحها الحنين إلى المناطق الجبلية المتموجة فبنى لها هذه الأعجوبة المعمارية التي ظلت راسخة في الذاكرة الجمعية لأبناء الرافدين. استعار سعد علي ثلاثة محاور أساسية من فكرة الجنائن المعلقة وهي على التوالي: الحُب بما ينطوي عليه من أجواء رومانسية قد لا يتحقق بعضها إلاّ في شطحات الخيال، والحدائق الفردوسية التي تعززها أجواء الليالي العربية في «ألف ليلة وليلة»، والبحث عن الخلود عبر المنجز الإبداعي الذي يخلّفه الفنان خصوصاً، والإنسان بشكل عام. وبما أن سعد علي يقيم ويعمل في إسبانيا منذ عام 2004 وحتى الآن وقد شاهد معظم مدنها وحواضرها، وكان مهتماً بآثار العرب المعمارية التي خلّفوها في الأندلس على وجه التحديد، ولعله التقط فكرة «الحدائق الأندلسية» أيضاً ليصنع منها لوحات كثيرة تدلّل على شغفه بأجواء الحدائق وفضاءاتها الشرقية والغربية، على حدٍ سواء.
يعتمد سعد علي في لعبته الفنية على زجّ مُتلّقيه في دائرة الدهشة والانبهار والحبور، ولعله يتمنى عليه أن يتبادل الأدوار مع شخصيات اللوحة بمشاركة عضوية ووجدانية قابلة للتحقيق، ذلك لأن رهانه الإبداعي قائم على ضرورة التماهي بين المُشاهِد والعمل الفني بغية الوصول إلى اللذة البصرية التي تدفع المتلقي إلى التحليق في فضاء اللوحة والانقطاع المؤقت عن حركة الحياة الواقعية التي تنبض من حوله.
تشكِّل لوحة «في انتظار الفرج» امتداداً لمشروعيه الفنيين المشار إليهما سلفاً، إضافة إلى اللوحات الآخر التي تحتفي بثنائية المرأة والرجل، لكن سعد علي يعرف كيف يطوِّع هذه الثيمة الأزلية بعد أن يدخلها في شريط مخيلته، ويُخرجها في الزمان والمكان المناسبين. قد تبدو المرأة المُنتظِرة مألوفة في هذه اللوحة للمتلقي المتابع لتجربة الفنان فهو يعرف في الأقل عينيها الواسعتين، وأصابعها الطويلة المُرهفة، لكن تقنية الرسم على الجسد تعود بنا لتسعينات القرن الماضي حينما بدأ سعد يرسم على أجساد النساء في أوتريخت أمام حشد كبير من المشاهدين العرب والأجانب الغارقين في النشوة والذهول. ولو تأملنا عنق هذه المرأة والجزء العلوي من جسدها لاكتشفنا جماليات غير مألوفة من قبل هي أقرب إلى الوشم والزخرفة منها إلى الرسم على الأجساد العارية. أما التناغم اللوني المُبهج في خلفية هذه اللوحة فهو أحد العناصر الشكلية التي يراهن عليها الفنان، وربما يضعها قبل الثيمة الرئيسة والأفكار الثانوية المؤازرة للعمل الفني.
تتكرر ثنائية المرأة والرجل في أكثر من عمل، فتارة يرسمهما على الخشب ويقصهما على هيأة تمثالين متلاحمين، وتارة أخرى يرسمهما على الكانفاس ككائنين حالمين كما في لوحة «خلوة حُب»، فإذا كان جده الأكبر كَلكَامش قد بحث عن الخلود فإن العاشِقَين في هذه اللوحة يتوقان لتخليد الحُب من خلال إظهار السعادة الغامرة، والرفاهية المطلقة التي ينعمان بها كعشاق خُلّص أبد الدهر. تبدو هذه اللوحة عائمة مثل عدد آخر من لوحات هذا المعرض في إحالة للفردوس الأرضي الذي يصنعه الفنان بنفسه ثم يلج إليه مبهوراً، متقطع الأنفاس.
يعتقد سعد علي بأهمية اللذّات في حياة الإنسان مثل لذة القراءة، والكتابة، والمُشاهدة، والطعام، والشراب، والوصال وما إلى ذلك، وهو يحتفي بها دائماً في حياته اليومية فلا غرابة أن يجسّدها في أعمال فنية قد تأخذ طابعاً بانورامياً، كما في لوحة «العشاء الدائم» قياس 195× 50 سم منفذة بالزيت على خشب الأبواب القديمة التي اعتاد أن يستعملها كأسطح تصويرية، بعد تنعيمها وتكييفها لاحتواء متن اللوحة وهوامشها التزويقية. هذه اللوحة المشهدية العائمة تذكِّر بالأجواء العباسية الباذخة، وحياة التجار المرفهين، والطبقة الأرستقراطية السائدة آنذاك. ثمة لوحة مشهدية أخرى تمجد الحياة، والحب، واللذات الأرضية بمجملها وهي الوسيلة الوحيدة التي تُشبع رغبات الفنان وتحقق رؤيته الفلسفية في هذه الحياة الفانية.
تعتبر لوحة «الحالمة» قياس 250× 90 سم التي نفذها الفنان بمواد مختلفة على الكانفاس هي الثيمة المهيمنة في المعرض فهي تجمع بين الحُب، والحلم، والعاطفة الإنسانية المتأججة في جوٍ جنائني فهي مستلقية على أوراق الخرّوب أو نبات الشكولاته. لا تخلو هذه اللوحة التشخيصية من أبعاد رمزية تفصح عن النَفَس الرومانسي لخالق اللوحة الذي أبدع في رسم المعالم الجسمانية لهذه العاشقة الحالمة وأحاط جسدها بغلالة شفافة بيضاء ضاعفت من إغراءات الجسد المتمعج.
تحضر الحيوانات المدجّنة بقوة في لوحات سعد علي لتوحي بالألفة والحياة المنزلية الوادعة، وربما تكون لوحة «شمّة ورد في حقول مايوركا» هي نموذج لهذا التعايش الذي يتجسّد في الحياة العصرية المتطورة التي لا تضحّي بمتع إنسانية أخرى، مثل تربية الحيوانات الأليفة التي تحرّك فينا مشاعر غامضة لم نعهدها من قبل.
مثلما أثارته الجنائن المُعلّقة في بابل وانجذب إليها، أدهشته حدائق قرطبة وغرناطة التي تحمل إرثاً عربياً وبصمات لما تزل ماثلة في القصور والقلاع التي خلّفها العرب وراءهم، فكلما مرّ سعد أمام حديقة إسبانية تحمل نكهة الأندلس ورائحتها سرعان ما يستلّ قلمه وكرّاسته ليرسم مخططاً أولياً ثم يضع لمساته النهائية فيما بعد، وهذا ما حصل مع لوحة «حديقة الأندلوسيا» التي رسمها قبل سنة من هذا التاريخ. لا تقل لوحة «الصنوبر التائه» أهمية عن «الحالمة»، وربما تكون الوجه الآخر لها لجهة الأنثى اليافعة المرسومة بعناية فائقة، وخطوط ليّنة ضاعفت من جمالها خلفية اللوحة الغارقة باللونين الأخضر والبرتقالي اللذين أظهرا هذا الوجه المشرئب في غاية النضارة والنعومة والإغراء. الملحوظة الأخيرة التي نبديها في هذا المقال هي درجة التطور الكبيرة في رسم الخطوط الخارجية الرشيقة لفيكَرات اللوحة، سواء أكانت إنسانية أم حيوانية، فثمة براعة في الخط الواحد الذي يعلن عن ملامح الجسد وجغرافيته الطافحة بالرِقّة والعذوبة والامتلاء. أما التناسق اللوني فقد بلغ ذروته في الأعمال الفنية لهذا المعرض، فلا يعرف المتلقي هل يتماهى بالأشكال المرهفة، أم بالخطوط اللينة، أم بالألوان المتناغمة؟
Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة