وزير الخارجية الباكستاني: ندفع ثمن الصراع في أفغانستان... ونرفض اتهامنا بدعم الإرهاب

آصف أكد لـ {الشرق الأوسط} استمرار بلاده في دعم كفاح شعب كشمير... وشدد على متانة علاقة بلاده مع السعودية

وزير الخارجية الباكستاني
وزير الخارجية الباكستاني
TT

وزير الخارجية الباكستاني: ندفع ثمن الصراع في أفغانستان... ونرفض اتهامنا بدعم الإرهاب

وزير الخارجية الباكستاني
وزير الخارجية الباكستاني

شدد خواجه محمد آصف وزير الخارجية الباكستاني، على أن اتهام بلاده بدعم الإرهاب في أفغانستان بعيد عن الحقيقة، مؤكداً أن بلاده تدفع ثمناً باهظاً بسبب استمرار الصراع في أفغانستان.
وأضاف آصف في حوار مع «الشرق الأوسط» أن باكستان لا تسمح باستخدام أراضيها ضد أفغانستان، مشيراً إلى أن بلاده قدمت مقترحات كثيرة إلى أفغانستان لإدارة فعّالة للحدود.
وعن نزاع كشمير، أوضح آصف في إجاباته عن أسئلة «الشرق الأوسط»، التي أرسلتها له عبر سفارة باكستان بالرياض، أنه معضلة ذات أجندة غير منتهية من التقسيم ويمثل جوهر النزاع بين باكستان والهند، مشيراً إلى ضرورة تطبيق حق تقرير المصير للشعب في كشمير وفق قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، مؤكداً استمرار بلاده وشعبها في تقديم الدعم الأخلاقي والدبلوماسي والسياسي للكفاح الشرعي لشعب كشمير لنيل حقوقه الإنسانية الأساسية.
واعتبر وزير الخارجية الباكستاني، أن قرار الولايات المتحدة بتحويل سفارتها إلى القدس يشكل انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، وسيؤدي أيضاً إلى إضعاف السلم والأمن الإقليميين، ويعرقل أي آفاق لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
وقال إن باكستان تقدر وتثني على جهود القيادة السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، وتؤكد الدعم الكامل لها في هذا الصدد. وفيما يلي نص الحوار:
- ما زالت قضية كشمير تشكّل المعضلة الكبرى... ما الرؤية الباكستانية لحلها؟
- نزاع كشمير أجندة غير منتهية من التقسيم، وأقدم نزاع في مجلس الأمن لدى الأمم المتحدة، ولا شك أنه جوهر النزاع بين باكستان والهند، ويلزم حله بناء على قرار مجلس الأمن والأمم المتحدة. وسيستمر شعب وحكومة باكستان في تقديم الدعم الأخلاقي والدبلوماسي والسياسي للكفاح الشرعي لشعب كشمير لنيل حقوقه الإنسانية الأساسية، خصوصاً حق تقرير المصير المنصوص، عليها في قرارات الأمم المتحدة.
- بعض المراقبين يتهمون باكستان بالمسؤولية عن دعم الإرهاب - في أفغانستان... ماذا تقول في ذلك؟
- لا شيء يمكن أن يكون أبعد من الحقيقة من هذا الاتهامات الشائنة، فباكستان تؤمن بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لجميع البلدان، ولا سيما أفغانستان.
ونريد أن تكون لدينا علاقة مع أفغانستان تتناسب مع البلدان المجاورة ذات السيادة. وفيما يتعلق بالصراع الداخلي في أفغانستان، كنا نرغب دائماً في عملية سلام بقيادة أفغانية خالصة.
وباكستان لجأ إليها أكثر من 3 ملايين أفغاني منذ أكثر من 3 عقود، ونحن مجتمع استضافة نموذجي في هذا الصدد، ما يعكس التزامنا بتحقيق رفاه الشعب الأفغاني.
ولكننا أيضاً دفعنا ثمناً باهظاً بسبب استمرار الصراع في أفغانستان، ولو كان هناك سلام في أفغانستان لكانت باكستان نجت من ويلات الإرهاب والتطرف والمخدرات والأسلحة غير المشروعة. ولذلك، من الواضح تماماً لأي مراقب منطقي أن تحقيق السلم والأمن والازدهار في أفغانستان من مصلحة باكستان.
ولذلك فإن باكستان لا تسمح باستخدام أراضيها ضد أفغانستان. كما أننا لا نريد لأي بلد أن يستخدم الأراضي الأفغانية ضدنا. ولضمان ذلك، نواصل اتخاذ الخطوات اللازمة في أراضينا ونطالب بتبادلها عبر الحدود الغربية أيضاً. وقدمت باكستان أيضاً مقترحات كثيرة إلى أفغانستان من أجل إدارة فعالة للحدود، وهي أمور حاسمة لتحقيق أهدافنا. وما زلنا نأمل في تعاونها.
ووضعت باكستان «السلام من أجل التنمية» مبدأ محدداً للسياسة الخارجية. وتتوقف رؤيتنا للحياة السلمية على مبادئ بناء علاقات تعاونية وحسن جوار مع جميع البلدان الإقليمية، على أساس الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة.
- ما موقف باكستان من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بنقل عاصمة إسرائيل إلى القدس؟
- شعب وحكومة باكستان يشعران بقلق بالغ إزاء قرار الولايات المتحدة تحويل سفارتها إلى مدينة القدس الشريف المحتلة، ما يغير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة. ونعتقد أن مثل هذه الخطوة ستشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي خصوصاً قرار مجلس الأمن رقم 478 لعام 1980.
إن هذا التحرك لن يتغلب على عقود من توافق الآراء العالمي حول هذه المسألة فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى إضعاف السلم والأمن الإقليميين، ما يعرقل أي آفاق لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
ولذلك تعارض باكستان نقل السفارة الأميركية إلى القدس الشريف وتؤيد تماماً البيان الختامي الصادر أخيراً عن منظمة المؤتمر الإسلامي بشأن هذه المسألة.
- تحالف دعم الشرعية في اليمن يقوم بدور مهم، وباكستان إحدى الدول التي لها دور في ذلك التحالف، كيف تنظرون إلى حل الأزمة اليمنية؟
- نشعر بالألم إزاء الصعوبات التي يواجهها إخواننا وأخواتنا اليمنيون. واعترف المجتمع الدولي والمنظمات الدولية بحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، باعتبارها الحكومة الشرعية لشعب اليمن.
إن تحالف الدول الداعمة للشرعية في اليمن يبذل جهوداً لاستعادة الأوضاع الطبيعية للبلاد. وتقوم دول التحالف بقيادة السعودية، من خلال ذراعها الإنسانية، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بعمليات إغاثة جديرة بالثناء داخل اليمن.
والقرار الأخير الذي اتخذه الائتلاف بفتح جميع موانئ اليمن للمساعدة الإنسانية والشحن التجاري هو في الواقع خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح. وهو ما يدل على حقيقة أن قوات التحالف تعتبر المساعدة الإنسانية للشعب اليمني عنصراً مهماً في سياستها الرامية إلى إضفاء الطابع الطبيعي على اليمن.
وتؤيد باكستان أن حل الأزمة اليمنية من خلال الوسائل السياسية، والحوار والمفاوضات وحسن النية، كل ذلك مطلوب لتحقيق ذلك، ثم ينبغي أن تقود المحادثات إلى طريق عودة السلام إلى اليمن.
- تابعتم اغتيال الرئيس السابق علي عبد الله صالح، برأيكم ما التحديات التي قد تمنع جهود حل في اليمن؟
- كان الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح رئيساً لحزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن، وقتله حادث مؤسف. ونعتقد أن العنف يولد العنف، إذ يقوض هدف حل المسائل السياسية عن طريق الحوار والمفاوضات.
إني متفائل، ونقول في الدبلوماسية إن لكل مشكلة حلاً يمكن تحقيقه من خلال المباحثات والخطابات المستمرة. وفي اليمن، تنبغي إعادة بدء عملية الحوار، وتشجيع جميع أطراف النزاع على الدخول في حوار يستند إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ومبادرة السلام الخليجية. لذلك نحث جميع الأطراف في اليمن على العمل وفقاً لقرارات الأمم المتحدة والوفاء بالتزاماتها واستئناف محادثات السلام.
- كيف ترى الوضع في سوريا؟ وما رؤيتك لحل هذه الأزمة؟ وما التحديات التي قد تمنع مثل هذه الجهود؟
- الوضع الإنساني في سوريا يحتاج إلى اهتمام إضافي عاجل من المجتمع الدولي، فملايين السوريين إما أنهم مشردون داخلياً أو هاجروا إلى بلدان في الجوار، والحالة صعبة وثقيلة على الضمير الجماعي للإنسانية.
تؤمن باكستان بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى. إن موقفنا من الوضع في سوريا يستند إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقواعد السلوك فيما بين الدول، وندعو إلى حماية سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية، ووقف الأعمال القتالية والعنف من جميع الأطراف. ونؤيد كل الجهود المبذولة لتسهيل التوصل إلى تسوية شاملة وسياسية للقضية السورية، واستعادة السلام والاستقرار، والحفاظ على مصالح الشعب السوري.
ونعتقد أن عملية المصالحة السياسية التي يقودها السوريون هي السبيل الوحيدة لتحقيق السلام الدائم في ذلك البلد.
إن المحادثات بين السوريين حاسمة لتحقيق المصالحة السياسية. ونأمل أن يبدي الطرفان المرونة اللازمة لإنهاء خلافاتهما.
وتحقيقاً لهذه الغاية، ندعم ونؤيد عملية جنيف للسلام واتفاقات آستانة لوقف إطلاق النار، ونأمل أن تتوصل جميع الأطراف إلى تسوية تفاوضية للأزمة في سوريا، وأن تعمل جميع الأطراف في سوريا وفقاً لقرار الأمم المتحدة، وأن تفي بالتزاماتها، وأن تستأنف محادثات السلام، وتبدأ العملية السياسية.
- كيف تنظرون إلى الأزمة القطرية؟
تعلق باكستان أهمية كبيرة على علاقاتها الوثيقة مع بلدان الخليج، ومن هذا المنطلق فإن الأزمة الراهنة في المنطقة مصدر قلق بالغ لنا. ومن المعروف أننا نقدّر بشكل كبير علاقاتنا الأخوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، ونتطلع دائماً إلى تعزيز هذه الروابط.
وكما تعلمون خلال السنوات القليلة الماضية، عانت المنطقة كثيراً من الاضطرابات السياسية وعدد من التحديات الأمنية. ونرى أن الحفاظ على العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي هو مفتاح ضمان السلام والاستقرار الإقليميين على المدى الطويل. وتود باكستان أن ترى حلاً ودياً للأزمة عن طريق الحوار، وأن يتم التوصل إلى حل تفاوضي للأزمة الحالية وفق ميثاق مجلس التعاون الخليجي.
- ما تقييمك للعلاقات السعودية - الباكستانية؟ وما مجالات التعاون بين البلدين؟
- تتمتع باكستان والسعودية بعلاقات وثيقة وأخوية متجذرة في القيم الدينية والثقافية المشتركة. في قلوب الباكستانيين مكانة خاصة للقيادة السعودية، والشعب الباكستاني يبدي تقديراً كبيراً لخادم الحرمين الشريفين.
وتستند العلاقة أيضاً إلى الثقة المتبادلة العميقة والتطلعات المشتركة لشعبي البلدين، وهو ما يتضح من تشابه وجهات النظر بشأن كثير من القضايا الإقليمية والدولية.
ويؤيد البلدان أيضاً بعضهما بعضاً في منظمات دولية مختلفة من ضمنها الأمم المتحدة.
إن علاقاتنا شاملة، بما في ذلك العلاقات الأمنية والعلاقات الاقتصادية القوية، ونعمل معاً لتحسين العلاقات التجارية، فضلاً عن تطوير التعاون الوثيق من أجل تحقيق أهدافنا الإنمائية.
وللبلدين كثير من المكاسب من هذا التعاون، حيث تبدأ السعودية بتنفيذ رؤية 2030 وباكستان ستنمو من خلال الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان.
- كيف ترى الجهود السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة؟
- السعودية دولة رائدة في الشرق الأوسط وخارجها. ولها شرف وفخر فريدان بكونها أرض الحرمين الشريفين. الشعب في باكستان والمسلمين في جميع أنحاء العالم لديهم كثير من التقدير والتبجيل للمملكة. وبطبيعة الحال، فإن جميع الدول الإسلامية تتطلع إلى المملكة، ومنظمة التعاون الإسلامي تتخذ من جدة مقرا لها.
إن باكستان تقدر وتثني على جهود القيادة السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. ونحن نؤكد لقيادة المملكة وشعبها، دعمنا الكامل في هذا الصدد. ونثني على المملكة لكونها في طليعة الدول بالتحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب. ونقدر تقديراً عالياً جهود وتفاني ولي العهد في إطلاق هذه المنصة الموحدة للبلدان الإسلامية التي نأمل أن تتصدى بفاعلية لخطر التطرف والإرهاب الذي يشوه جوهر الإسلام الحقيقي.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.