وزير الخارجية الباكستاني: ندفع ثمن الصراع في أفغانستان... ونرفض اتهامنا بدعم الإرهاب

آصف أكد لـ {الشرق الأوسط} استمرار بلاده في دعم كفاح شعب كشمير... وشدد على متانة علاقة بلاده مع السعودية

وزير الخارجية الباكستاني
وزير الخارجية الباكستاني
TT

وزير الخارجية الباكستاني: ندفع ثمن الصراع في أفغانستان... ونرفض اتهامنا بدعم الإرهاب

وزير الخارجية الباكستاني
وزير الخارجية الباكستاني

شدد خواجه محمد آصف وزير الخارجية الباكستاني، على أن اتهام بلاده بدعم الإرهاب في أفغانستان بعيد عن الحقيقة، مؤكداً أن بلاده تدفع ثمناً باهظاً بسبب استمرار الصراع في أفغانستان.
وأضاف آصف في حوار مع «الشرق الأوسط» أن باكستان لا تسمح باستخدام أراضيها ضد أفغانستان، مشيراً إلى أن بلاده قدمت مقترحات كثيرة إلى أفغانستان لإدارة فعّالة للحدود.
وعن نزاع كشمير، أوضح آصف في إجاباته عن أسئلة «الشرق الأوسط»، التي أرسلتها له عبر سفارة باكستان بالرياض، أنه معضلة ذات أجندة غير منتهية من التقسيم ويمثل جوهر النزاع بين باكستان والهند، مشيراً إلى ضرورة تطبيق حق تقرير المصير للشعب في كشمير وفق قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، مؤكداً استمرار بلاده وشعبها في تقديم الدعم الأخلاقي والدبلوماسي والسياسي للكفاح الشرعي لشعب كشمير لنيل حقوقه الإنسانية الأساسية.
واعتبر وزير الخارجية الباكستاني، أن قرار الولايات المتحدة بتحويل سفارتها إلى القدس يشكل انتهاكاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي، وسيؤدي أيضاً إلى إضعاف السلم والأمن الإقليميين، ويعرقل أي آفاق لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
وقال إن باكستان تقدر وتثني على جهود القيادة السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، وتؤكد الدعم الكامل لها في هذا الصدد. وفيما يلي نص الحوار:
- ما زالت قضية كشمير تشكّل المعضلة الكبرى... ما الرؤية الباكستانية لحلها؟
- نزاع كشمير أجندة غير منتهية من التقسيم، وأقدم نزاع في مجلس الأمن لدى الأمم المتحدة، ولا شك أنه جوهر النزاع بين باكستان والهند، ويلزم حله بناء على قرار مجلس الأمن والأمم المتحدة. وسيستمر شعب وحكومة باكستان في تقديم الدعم الأخلاقي والدبلوماسي والسياسي للكفاح الشرعي لشعب كشمير لنيل حقوقه الإنسانية الأساسية، خصوصاً حق تقرير المصير المنصوص، عليها في قرارات الأمم المتحدة.
- بعض المراقبين يتهمون باكستان بالمسؤولية عن دعم الإرهاب - في أفغانستان... ماذا تقول في ذلك؟
- لا شيء يمكن أن يكون أبعد من الحقيقة من هذا الاتهامات الشائنة، فباكستان تؤمن بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لجميع البلدان، ولا سيما أفغانستان.
ونريد أن تكون لدينا علاقة مع أفغانستان تتناسب مع البلدان المجاورة ذات السيادة. وفيما يتعلق بالصراع الداخلي في أفغانستان، كنا نرغب دائماً في عملية سلام بقيادة أفغانية خالصة.
وباكستان لجأ إليها أكثر من 3 ملايين أفغاني منذ أكثر من 3 عقود، ونحن مجتمع استضافة نموذجي في هذا الصدد، ما يعكس التزامنا بتحقيق رفاه الشعب الأفغاني.
ولكننا أيضاً دفعنا ثمناً باهظاً بسبب استمرار الصراع في أفغانستان، ولو كان هناك سلام في أفغانستان لكانت باكستان نجت من ويلات الإرهاب والتطرف والمخدرات والأسلحة غير المشروعة. ولذلك، من الواضح تماماً لأي مراقب منطقي أن تحقيق السلم والأمن والازدهار في أفغانستان من مصلحة باكستان.
ولذلك فإن باكستان لا تسمح باستخدام أراضيها ضد أفغانستان. كما أننا لا نريد لأي بلد أن يستخدم الأراضي الأفغانية ضدنا. ولضمان ذلك، نواصل اتخاذ الخطوات اللازمة في أراضينا ونطالب بتبادلها عبر الحدود الغربية أيضاً. وقدمت باكستان أيضاً مقترحات كثيرة إلى أفغانستان من أجل إدارة فعالة للحدود، وهي أمور حاسمة لتحقيق أهدافنا. وما زلنا نأمل في تعاونها.
ووضعت باكستان «السلام من أجل التنمية» مبدأ محدداً للسياسة الخارجية. وتتوقف رؤيتنا للحياة السلمية على مبادئ بناء علاقات تعاونية وحسن جوار مع جميع البلدان الإقليمية، على أساس الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة.
- ما موقف باكستان من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بنقل عاصمة إسرائيل إلى القدس؟
- شعب وحكومة باكستان يشعران بقلق بالغ إزاء قرار الولايات المتحدة تحويل سفارتها إلى مدينة القدس الشريف المحتلة، ما يغير الوضع القانوني والتاريخي للمدينة. ونعتقد أن مثل هذه الخطوة ستشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي خصوصاً قرار مجلس الأمن رقم 478 لعام 1980.
إن هذا التحرك لن يتغلب على عقود من توافق الآراء العالمي حول هذه المسألة فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى إضعاف السلم والأمن الإقليميين، ما يعرقل أي آفاق لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط.
ولذلك تعارض باكستان نقل السفارة الأميركية إلى القدس الشريف وتؤيد تماماً البيان الختامي الصادر أخيراً عن منظمة المؤتمر الإسلامي بشأن هذه المسألة.
- تحالف دعم الشرعية في اليمن يقوم بدور مهم، وباكستان إحدى الدول التي لها دور في ذلك التحالف، كيف تنظرون إلى حل الأزمة اليمنية؟
- نشعر بالألم إزاء الصعوبات التي يواجهها إخواننا وأخواتنا اليمنيون. واعترف المجتمع الدولي والمنظمات الدولية بحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، باعتبارها الحكومة الشرعية لشعب اليمن.
إن تحالف الدول الداعمة للشرعية في اليمن يبذل جهوداً لاستعادة الأوضاع الطبيعية للبلاد. وتقوم دول التحالف بقيادة السعودية، من خلال ذراعها الإنسانية، مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، بعمليات إغاثة جديرة بالثناء داخل اليمن.
والقرار الأخير الذي اتخذه الائتلاف بفتح جميع موانئ اليمن للمساعدة الإنسانية والشحن التجاري هو في الواقع خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح. وهو ما يدل على حقيقة أن قوات التحالف تعتبر المساعدة الإنسانية للشعب اليمني عنصراً مهماً في سياستها الرامية إلى إضفاء الطابع الطبيعي على اليمن.
وتؤيد باكستان أن حل الأزمة اليمنية من خلال الوسائل السياسية، والحوار والمفاوضات وحسن النية، كل ذلك مطلوب لتحقيق ذلك، ثم ينبغي أن تقود المحادثات إلى طريق عودة السلام إلى اليمن.
- تابعتم اغتيال الرئيس السابق علي عبد الله صالح، برأيكم ما التحديات التي قد تمنع جهود حل في اليمن؟
- كان الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح رئيساً لحزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن، وقتله حادث مؤسف. ونعتقد أن العنف يولد العنف، إذ يقوض هدف حل المسائل السياسية عن طريق الحوار والمفاوضات.
إني متفائل، ونقول في الدبلوماسية إن لكل مشكلة حلاً يمكن تحقيقه من خلال المباحثات والخطابات المستمرة. وفي اليمن، تنبغي إعادة بدء عملية الحوار، وتشجيع جميع أطراف النزاع على الدخول في حوار يستند إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ومبادرة السلام الخليجية. لذلك نحث جميع الأطراف في اليمن على العمل وفقاً لقرارات الأمم المتحدة والوفاء بالتزاماتها واستئناف محادثات السلام.
- كيف ترى الوضع في سوريا؟ وما رؤيتك لحل هذه الأزمة؟ وما التحديات التي قد تمنع مثل هذه الجهود؟
- الوضع الإنساني في سوريا يحتاج إلى اهتمام إضافي عاجل من المجتمع الدولي، فملايين السوريين إما أنهم مشردون داخلياً أو هاجروا إلى بلدان في الجوار، والحالة صعبة وثقيلة على الضمير الجماعي للإنسانية.
تؤمن باكستان بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى. إن موقفنا من الوضع في سوريا يستند إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقواعد السلوك فيما بين الدول، وندعو إلى حماية سيادة سوريا وسلامتها الإقليمية، ووقف الأعمال القتالية والعنف من جميع الأطراف. ونؤيد كل الجهود المبذولة لتسهيل التوصل إلى تسوية شاملة وسياسية للقضية السورية، واستعادة السلام والاستقرار، والحفاظ على مصالح الشعب السوري.
ونعتقد أن عملية المصالحة السياسية التي يقودها السوريون هي السبيل الوحيدة لتحقيق السلام الدائم في ذلك البلد.
إن المحادثات بين السوريين حاسمة لتحقيق المصالحة السياسية. ونأمل أن يبدي الطرفان المرونة اللازمة لإنهاء خلافاتهما.
وتحقيقاً لهذه الغاية، ندعم ونؤيد عملية جنيف للسلام واتفاقات آستانة لوقف إطلاق النار، ونأمل أن تتوصل جميع الأطراف إلى تسوية تفاوضية للأزمة في سوريا، وأن تعمل جميع الأطراف في سوريا وفقاً لقرار الأمم المتحدة، وأن تفي بالتزاماتها، وأن تستأنف محادثات السلام، وتبدأ العملية السياسية.
- كيف تنظرون إلى الأزمة القطرية؟
تعلق باكستان أهمية كبيرة على علاقاتها الوثيقة مع بلدان الخليج، ومن هذا المنطلق فإن الأزمة الراهنة في المنطقة مصدر قلق بالغ لنا. ومن المعروف أننا نقدّر بشكل كبير علاقاتنا الأخوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، ونتطلع دائماً إلى تعزيز هذه الروابط.
وكما تعلمون خلال السنوات القليلة الماضية، عانت المنطقة كثيراً من الاضطرابات السياسية وعدد من التحديات الأمنية. ونرى أن الحفاظ على العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي هو مفتاح ضمان السلام والاستقرار الإقليميين على المدى الطويل. وتود باكستان أن ترى حلاً ودياً للأزمة عن طريق الحوار، وأن يتم التوصل إلى حل تفاوضي للأزمة الحالية وفق ميثاق مجلس التعاون الخليجي.
- ما تقييمك للعلاقات السعودية - الباكستانية؟ وما مجالات التعاون بين البلدين؟
- تتمتع باكستان والسعودية بعلاقات وثيقة وأخوية متجذرة في القيم الدينية والثقافية المشتركة. في قلوب الباكستانيين مكانة خاصة للقيادة السعودية، والشعب الباكستاني يبدي تقديراً كبيراً لخادم الحرمين الشريفين.
وتستند العلاقة أيضاً إلى الثقة المتبادلة العميقة والتطلعات المشتركة لشعبي البلدين، وهو ما يتضح من تشابه وجهات النظر بشأن كثير من القضايا الإقليمية والدولية.
ويؤيد البلدان أيضاً بعضهما بعضاً في منظمات دولية مختلفة من ضمنها الأمم المتحدة.
إن علاقاتنا شاملة، بما في ذلك العلاقات الأمنية والعلاقات الاقتصادية القوية، ونعمل معاً لتحسين العلاقات التجارية، فضلاً عن تطوير التعاون الوثيق من أجل تحقيق أهدافنا الإنمائية.
وللبلدين كثير من المكاسب من هذا التعاون، حيث تبدأ السعودية بتنفيذ رؤية 2030 وباكستان ستنمو من خلال الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان.
- كيف ترى الجهود السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة؟
- السعودية دولة رائدة في الشرق الأوسط وخارجها. ولها شرف وفخر فريدان بكونها أرض الحرمين الشريفين. الشعب في باكستان والمسلمين في جميع أنحاء العالم لديهم كثير من التقدير والتبجيل للمملكة. وبطبيعة الحال، فإن جميع الدول الإسلامية تتطلع إلى المملكة، ومنظمة التعاون الإسلامي تتخذ من جدة مقرا لها.
إن باكستان تقدر وتثني على جهود القيادة السعودية في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. ونحن نؤكد لقيادة المملكة وشعبها، دعمنا الكامل في هذا الصدد. ونثني على المملكة لكونها في طليعة الدول بالتحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب. ونقدر تقديراً عالياً جهود وتفاني ولي العهد في إطلاق هذه المنصة الموحدة للبلدان الإسلامية التي نأمل أن تتصدى بفاعلية لخطر التطرف والإرهاب الذي يشوه جوهر الإسلام الحقيقي.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...