الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير

لم تستطع الصمود طويلاً أمام الوباء الذي تبثه السياسة

مبنى جامعة بغداد
مبنى جامعة بغداد
TT

الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير

مبنى جامعة بغداد
مبنى جامعة بغداد

ما زلتُ أتذكر لحظة قراءتي لقصيدة الجواهري الكبير «إيهٍ عميد الدار» قبل أكثر من 30 عاما، وقد كانت مهداة للدكتور هاشم الوتري، الذي كان يسمى «أبو الأطباء» في العراق، قرأتُها واستعدتُها مراراً، ولكني لا أعرف من الوتري؟ ولماذا استحق قصيدة من الجواهري؟ وهو عميد كلية فقط، حتى تبينت لي الخطوط فيما بعد، وتبين أن هاشم الوتري هو مؤسس كلية الطب في العراق، وعميد الكلية الطبية الملكية فيها، ومؤلف كتاب «تاريخ الطب في العراق» وأن تاريخه وتاريخ الأكاديميين معه مرتبطٌ بولادة الدولة الحديثة ونشأتها، لهذا كتب فيه الجواهري قصيدته الشهيرة في إحدى المناسبات التكريمية لهذا العميد، عميد الدار:
مجَدتُ فيك مشاعراً ومواهباً
وقضيتُ فرضاً للنوابغ واجبا
بالمبدعين الخالقين تنوَرت
شتَى عوالم كن قبلُ خرائبا
شرفاً عميد الدار عُليا رتبةٍ
بُوئتَها في الخالدين مراتبا
ثم يستمر الجواهري بهجاء الواقع السياسي، وكان ذلك عام 1949، ويهجو الجميع، حكوماتٍ ومتواطئين، حسب رأيه، متخذا من الوتري حائطاً يستند عليه، ومنارةً يبثُها شكواه، بعد ذلك عرفتُ أن هذا الصرح الذي يُسمَى «الأكاديمية» هو الرحم الذي ينتج الطاقات، والبوصلة التي توجه الدولة، وترسم ملامحها وفلسفتها، وكلَما كانت هذه البوصلة مخلصة وحقيقية، كانت الدولة أكثر اتزاناً، وأوفر حظَاً في البناء والتطور.
بعد «هاشم الوتري» يظهر لنا اسم مهم في المعرفة والإدارة وهو الدكتور «عبد الجبار عبد الله» ثاني رئيس لجامعة بغداد، وأحد تلاميذ «أينشتاين» والذي استقال من رئاسة الجامعة لأن شرطياً دخلها بسلاحه، ولذلك فالجامعات تُسمى «حرماً» فاستقال، ومن ثم سجنه البعثيون حتى غادر البلاد بداية السبعينات.
الأكاديمية العراقية تنضح أسماء علمية مهمة، أسهمت بصناعة هذا الصرح وتطويره، وخشعت في محراب المعرفة، والأسماء التي سأورد بعضها قد تكون عينةً صالحة للزهو والبكاء في الوقت نفسه «علي الوردي، وطه باقر، ومهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، وعناد غزوان، وجلال الخياط، وعلي المياح، وخديجة الحديثي وآخرون»، حتى أمسك الجيل الثاني بعد جيل الريادة الأكاديمي أمثال «طارق الجنابي، وصاحب أبو جناح، وعلي عباس علوان، ومحسن إطيمش، وخالد علي مصطفى، وشجاع مسلم العاني، ومحمد حسين الأعرجي، وناصر حلاوي، وحسام الدين الألوسي، ومدني صالح وآخرون أيضا»، وهنا أذكر هذه الأسماء وهي في الأعم من أساتذة اللغة العربية والفلسفة وعلم الاجتماع والآثار الذين يتحركون في ذاكرة أساتذتنا، ومن ثمَ عشعشوا في ذاكرتنا، فالجيل الأول هو جيل التأسيس، الذي تعلَم معظمه في أوروبا وأميركا، وتتلمذوا على أيادي كبار المستشرقين، وتعلموا معنى أنْ تكون أستاذاً جامعياً ملتفاً بالمدينة ومهموماً بها، فهؤلاء الأساتذة الأوائل والتابعون لهم كانوا مصدر تنوير للمدن التي يخدمون بها، والجامعة إنْ لم تكن مصدر إشعاعٍ وتنويرٍ وبث لروح التجدد، فإنها ستعطل جناحاً مهمَاً من أجنحة طيرانها، وتتحول إلى دائرة حكومية كأي بلديةٍ أو مديرية للزراعة.
أسهم ذلك الجيل في ترسيخ قيم المدنية، وفي النأي بالجامعات من صراع السياسة وحبائلها، لأن السياسيين دائما يسيل لعابهم على اثنين (الجامعات والعسكر)، فإنْ سيطر عليهما ستكون الدولة بكاملها منقادةً لأي سلطة من السلطات، استطاعت الجامعة أنْ تحصِنَ نفسها بلقاحات المعرفة، والشخصية المعنوية الكبيرة، من كوليرا السياسة، على عكس العسكر العراقي الذي سال لعابه على القصور الرئاسية، فأدمن لعبة الانقلابات، وتحوَل الكثير من قادته إلى متحزبين، وجنود في رقعة شطرنج الزعماء.
لكن ما يؤسف له أن الجامعات لم تستطع الصمود طويلاً أمام الوباء الذي تبثه السياسة، وأظن إنَ أول الوباءات كان في أواسط السبعينات، حين أحالت الحكومة العراقية عدداً كبيراً من الأساتذة الكبار إلى التقاعد، وطردتهم خارج أسوار الجامعة، وذلك لدخول «حزب البعث» إلى كل مفاصل الحياة العراقية، وأولها الجامعات، التي ظن الحاكمون أنَها ستكون بوَابتهم لصناعة قادةٍ جددٍ من خلالها.
يُروى لنا أن الحكومة أحالت العلَامة اللغوي الكبير «مهدي المخزومي» إلى التقاعد، وهو في قمة العطاء فتقبَل الأمر، وذهب إلى «المملكة العربية السعودية» يدرِس في إحدى جامعاتها، وقد وجد من الحفاوة والتكريم ما لم يجده في بلده، فبعث بعض كتَاب التقارير إلى السعودية وإلى رئيس تلك الجامعة التي يعمل فيها «المخزومي» يحذرهم ويخبرهم بأن «المخزومي» «رجل شيعي وشيوعي» في الوقت نفسه، فأجابه رئيس الجامعة السعودية: إنْ كان لديكم شيعة وشيوعيون مثل «المخزومي» ولستم بحاجة لهم فابعثوهم إلينا.
بعد تلك الحادثة استطاعت السلطة أنْ تروِض الجامعات، وأنْ تضع قيادات موالية للسلطة على هرم كل جامعة، وبدأت حملات «التبعيث» حيث أُجبر معظم الأساتذة والطلاب في أنْ يكونوا بعثيين مجبرين - معظمهم طبعا - وخصوصا في الكليات الإنسانية التي تخرِج معلمين ومدرسين حيث يعدَونها مفقساً لتخريج الأساتذة الذين يجب أنْ يكونوا مؤمنين بفلسفة الدولة الجديدة، وثورتها، وحزبها الأوحد.
بعد ذلك دخلت العسكرة إلى الجامعات بشكل فاقع فترى بعض القيادات ترتدي الملابس العسكرية، أو ما يُسمَى بـ«الزيتوني» ومن ثم أُجبر الأساتذة أنْ يذهبوا أشهر العطلة إلى ساحات القتال أيام الحرب العراقية الإيرانية، وأنْ يذهب طلبة الجامعات إلى المعسكرات طيلة أشهر العطلة، ومنْ لم يذهب سيُرقَنُ قيدُه ويُساقُ إلى جبهات القتال، بعد ذلك فرَختْ المعسكرات بيوضها داخل الحرم الجامعي، فبدأنا نرى أساتذة كراماً يقفون في طوابير طويلة داخل ملعب الجامعة، يعلمهم عريفٌ لا يقرأ ولا يكتب الرمي والهرولة، وذلك استعداداً لما يُسمَى بـ«جيش القدس» في أواسط التسعينات، ومن لم يذهب ستذهب به تقارير الوشاة المتبرعين، فضلاً عن سنوات الحصار المريرة التي أنهكت الجانب الاقتصادي للأستاذ الجامعي وللطالب.
بدأت الهجرة الثانية لأساتذة الجامعات من بداية التسعينات حتى ما قبل 2003 بقليل، وهي هجرة اقتصادية بعكس الهجرة الأولى في بداية السبعينات وحتى نهايتها حيث كانت هجرة سياسية، لهذا انتشرت الكفاءات العراقية في اليمن وليبيا والأردن، وهنا أتذكر مقطعا من الشعر الشعبي للشاعر العراقي «موفق محمد» وقد طعَم نصه الفصيح به، حيث أهداه لصديقه حسن الذي يبحث عن عملٍ في اليمن فقال له: ((ما صارت ولا جرتْ / يا ريت عيني عمتْ / ما أنصفتْ من صفتْ / أيدِور خبز باليمن / لا تيأسنْ يا حسنْ)) ومحظوظ من كان عقده في إحدى جامعات الخليج، وقد سمحت الدولة حينها بذهابهم، وهي غاضة الطرف عنهم نتيجة للضغط الكبير الذي مورس على هذه الشريحة التي سُلبت كلَ شيء.
بعد عام 2003 اختلف ميزان القوى في البلد كما هو معروف، ولكن الأكاديمية العراقية للأسف لم تستطع أنْ تنأى بنفسها عن الصراع الذي أشعلته الأحزاب، والطوائف، والقوميات، فبدأت الجامعات تتدفَى على تلك النار، بل أسهمت بمد صغار الحطب لها، وفي بعض المرَات أصبحت هي النار نفسها، فبدل أنْ تكون حلَاً لمشكلات البلد، أضحت في بعض الأحيان هي المشكلة نفسها، إذ انساقت تلك الشخصية المعنوية المهمة التي يأوي إليها العراقيون جميعا بكل اختلافاتهم إلى صراع الديكة، وأضحت جامعات مغلقة لفئة محددة، أو طائفة محددة، وأضحى طلاب المحافظات على سبيل المثال يخشون الذهاب للدراسة في جامعات محافظات أخرى كانوا يحلمون في الدراسة فيها، والتخرج فيها، بسبب تلك النزاعات.
وسنتوقف بتفاصيل أكثر في حلقة ثانية عن الجامعات العراقية بعد 2003.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.