الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير

لم تستطع الصمود طويلاً أمام الوباء الذي تبثه السياسة

مبنى جامعة بغداد
مبنى جامعة بغداد
TT

الأكاديمية العراقية بين التنوير والتحجير

مبنى جامعة بغداد
مبنى جامعة بغداد

ما زلتُ أتذكر لحظة قراءتي لقصيدة الجواهري الكبير «إيهٍ عميد الدار» قبل أكثر من 30 عاما، وقد كانت مهداة للدكتور هاشم الوتري، الذي كان يسمى «أبو الأطباء» في العراق، قرأتُها واستعدتُها مراراً، ولكني لا أعرف من الوتري؟ ولماذا استحق قصيدة من الجواهري؟ وهو عميد كلية فقط، حتى تبينت لي الخطوط فيما بعد، وتبين أن هاشم الوتري هو مؤسس كلية الطب في العراق، وعميد الكلية الطبية الملكية فيها، ومؤلف كتاب «تاريخ الطب في العراق» وأن تاريخه وتاريخ الأكاديميين معه مرتبطٌ بولادة الدولة الحديثة ونشأتها، لهذا كتب فيه الجواهري قصيدته الشهيرة في إحدى المناسبات التكريمية لهذا العميد، عميد الدار:
مجَدتُ فيك مشاعراً ومواهباً
وقضيتُ فرضاً للنوابغ واجبا
بالمبدعين الخالقين تنوَرت
شتَى عوالم كن قبلُ خرائبا
شرفاً عميد الدار عُليا رتبةٍ
بُوئتَها في الخالدين مراتبا
ثم يستمر الجواهري بهجاء الواقع السياسي، وكان ذلك عام 1949، ويهجو الجميع، حكوماتٍ ومتواطئين، حسب رأيه، متخذا من الوتري حائطاً يستند عليه، ومنارةً يبثُها شكواه، بعد ذلك عرفتُ أن هذا الصرح الذي يُسمَى «الأكاديمية» هو الرحم الذي ينتج الطاقات، والبوصلة التي توجه الدولة، وترسم ملامحها وفلسفتها، وكلَما كانت هذه البوصلة مخلصة وحقيقية، كانت الدولة أكثر اتزاناً، وأوفر حظَاً في البناء والتطور.
بعد «هاشم الوتري» يظهر لنا اسم مهم في المعرفة والإدارة وهو الدكتور «عبد الجبار عبد الله» ثاني رئيس لجامعة بغداد، وأحد تلاميذ «أينشتاين» والذي استقال من رئاسة الجامعة لأن شرطياً دخلها بسلاحه، ولذلك فالجامعات تُسمى «حرماً» فاستقال، ومن ثم سجنه البعثيون حتى غادر البلاد بداية السبعينات.
الأكاديمية العراقية تنضح أسماء علمية مهمة، أسهمت بصناعة هذا الصرح وتطويره، وخشعت في محراب المعرفة، والأسماء التي سأورد بعضها قد تكون عينةً صالحة للزهو والبكاء في الوقت نفسه «علي الوردي، وطه باقر، ومهدي المخزومي، وعلي جواد الطاهر، وعناد غزوان، وجلال الخياط، وعلي المياح، وخديجة الحديثي وآخرون»، حتى أمسك الجيل الثاني بعد جيل الريادة الأكاديمي أمثال «طارق الجنابي، وصاحب أبو جناح، وعلي عباس علوان، ومحسن إطيمش، وخالد علي مصطفى، وشجاع مسلم العاني، ومحمد حسين الأعرجي، وناصر حلاوي، وحسام الدين الألوسي، ومدني صالح وآخرون أيضا»، وهنا أذكر هذه الأسماء وهي في الأعم من أساتذة اللغة العربية والفلسفة وعلم الاجتماع والآثار الذين يتحركون في ذاكرة أساتذتنا، ومن ثمَ عشعشوا في ذاكرتنا، فالجيل الأول هو جيل التأسيس، الذي تعلَم معظمه في أوروبا وأميركا، وتتلمذوا على أيادي كبار المستشرقين، وتعلموا معنى أنْ تكون أستاذاً جامعياً ملتفاً بالمدينة ومهموماً بها، فهؤلاء الأساتذة الأوائل والتابعون لهم كانوا مصدر تنوير للمدن التي يخدمون بها، والجامعة إنْ لم تكن مصدر إشعاعٍ وتنويرٍ وبث لروح التجدد، فإنها ستعطل جناحاً مهمَاً من أجنحة طيرانها، وتتحول إلى دائرة حكومية كأي بلديةٍ أو مديرية للزراعة.
أسهم ذلك الجيل في ترسيخ قيم المدنية، وفي النأي بالجامعات من صراع السياسة وحبائلها، لأن السياسيين دائما يسيل لعابهم على اثنين (الجامعات والعسكر)، فإنْ سيطر عليهما ستكون الدولة بكاملها منقادةً لأي سلطة من السلطات، استطاعت الجامعة أنْ تحصِنَ نفسها بلقاحات المعرفة، والشخصية المعنوية الكبيرة، من كوليرا السياسة، على عكس العسكر العراقي الذي سال لعابه على القصور الرئاسية، فأدمن لعبة الانقلابات، وتحوَل الكثير من قادته إلى متحزبين، وجنود في رقعة شطرنج الزعماء.
لكن ما يؤسف له أن الجامعات لم تستطع الصمود طويلاً أمام الوباء الذي تبثه السياسة، وأظن إنَ أول الوباءات كان في أواسط السبعينات، حين أحالت الحكومة العراقية عدداً كبيراً من الأساتذة الكبار إلى التقاعد، وطردتهم خارج أسوار الجامعة، وذلك لدخول «حزب البعث» إلى كل مفاصل الحياة العراقية، وأولها الجامعات، التي ظن الحاكمون أنَها ستكون بوَابتهم لصناعة قادةٍ جددٍ من خلالها.
يُروى لنا أن الحكومة أحالت العلَامة اللغوي الكبير «مهدي المخزومي» إلى التقاعد، وهو في قمة العطاء فتقبَل الأمر، وذهب إلى «المملكة العربية السعودية» يدرِس في إحدى جامعاتها، وقد وجد من الحفاوة والتكريم ما لم يجده في بلده، فبعث بعض كتَاب التقارير إلى السعودية وإلى رئيس تلك الجامعة التي يعمل فيها «المخزومي» يحذرهم ويخبرهم بأن «المخزومي» «رجل شيعي وشيوعي» في الوقت نفسه، فأجابه رئيس الجامعة السعودية: إنْ كان لديكم شيعة وشيوعيون مثل «المخزومي» ولستم بحاجة لهم فابعثوهم إلينا.
بعد تلك الحادثة استطاعت السلطة أنْ تروِض الجامعات، وأنْ تضع قيادات موالية للسلطة على هرم كل جامعة، وبدأت حملات «التبعيث» حيث أُجبر معظم الأساتذة والطلاب في أنْ يكونوا بعثيين مجبرين - معظمهم طبعا - وخصوصا في الكليات الإنسانية التي تخرِج معلمين ومدرسين حيث يعدَونها مفقساً لتخريج الأساتذة الذين يجب أنْ يكونوا مؤمنين بفلسفة الدولة الجديدة، وثورتها، وحزبها الأوحد.
بعد ذلك دخلت العسكرة إلى الجامعات بشكل فاقع فترى بعض القيادات ترتدي الملابس العسكرية، أو ما يُسمَى بـ«الزيتوني» ومن ثم أُجبر الأساتذة أنْ يذهبوا أشهر العطلة إلى ساحات القتال أيام الحرب العراقية الإيرانية، وأنْ يذهب طلبة الجامعات إلى المعسكرات طيلة أشهر العطلة، ومنْ لم يذهب سيُرقَنُ قيدُه ويُساقُ إلى جبهات القتال، بعد ذلك فرَختْ المعسكرات بيوضها داخل الحرم الجامعي، فبدأنا نرى أساتذة كراماً يقفون في طوابير طويلة داخل ملعب الجامعة، يعلمهم عريفٌ لا يقرأ ولا يكتب الرمي والهرولة، وذلك استعداداً لما يُسمَى بـ«جيش القدس» في أواسط التسعينات، ومن لم يذهب ستذهب به تقارير الوشاة المتبرعين، فضلاً عن سنوات الحصار المريرة التي أنهكت الجانب الاقتصادي للأستاذ الجامعي وللطالب.
بدأت الهجرة الثانية لأساتذة الجامعات من بداية التسعينات حتى ما قبل 2003 بقليل، وهي هجرة اقتصادية بعكس الهجرة الأولى في بداية السبعينات وحتى نهايتها حيث كانت هجرة سياسية، لهذا انتشرت الكفاءات العراقية في اليمن وليبيا والأردن، وهنا أتذكر مقطعا من الشعر الشعبي للشاعر العراقي «موفق محمد» وقد طعَم نصه الفصيح به، حيث أهداه لصديقه حسن الذي يبحث عن عملٍ في اليمن فقال له: ((ما صارت ولا جرتْ / يا ريت عيني عمتْ / ما أنصفتْ من صفتْ / أيدِور خبز باليمن / لا تيأسنْ يا حسنْ)) ومحظوظ من كان عقده في إحدى جامعات الخليج، وقد سمحت الدولة حينها بذهابهم، وهي غاضة الطرف عنهم نتيجة للضغط الكبير الذي مورس على هذه الشريحة التي سُلبت كلَ شيء.
بعد عام 2003 اختلف ميزان القوى في البلد كما هو معروف، ولكن الأكاديمية العراقية للأسف لم تستطع أنْ تنأى بنفسها عن الصراع الذي أشعلته الأحزاب، والطوائف، والقوميات، فبدأت الجامعات تتدفَى على تلك النار، بل أسهمت بمد صغار الحطب لها، وفي بعض المرَات أصبحت هي النار نفسها، فبدل أنْ تكون حلَاً لمشكلات البلد، أضحت في بعض الأحيان هي المشكلة نفسها، إذ انساقت تلك الشخصية المعنوية المهمة التي يأوي إليها العراقيون جميعا بكل اختلافاتهم إلى صراع الديكة، وأضحت جامعات مغلقة لفئة محددة، أو طائفة محددة، وأضحى طلاب المحافظات على سبيل المثال يخشون الذهاب للدراسة في جامعات محافظات أخرى كانوا يحلمون في الدراسة فيها، والتخرج فيها، بسبب تلك النزاعات.
وسنتوقف بتفاصيل أكثر في حلقة ثانية عن الجامعات العراقية بعد 2003.



«أرض مشتركة»... معرض ينسج علاقات ترسّخ الحوار

معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
TT

«أرض مشتركة»... معرض ينسج علاقات ترسّخ الحوار

معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)

كما في موعده من كل عام، يختتم غاليري «آرت أون 56» موسم الصيف بمعرض جماعي يستعيد أبرز أعمال الفنانين التشكيليين الذين يتعاون معهم. ومن خلال لوحات جديدة يفوق عددها أعمالاً سبق لرواد الغاليري أن شاهدوها، يرسي المعرض علاقة وطيدة بين المكان والزمان، ويضع بين أيدي زواره مجموعة تستعيد ذاكرة لقاءات سابقة، وأخرى تفتح المجال أمام حضور فني متجدد.

أسئلة وجدانية في لوحة عماد فخري «عندما يشتعل الصمت» (الشرق الأوسط)

وتحت عنوان «أرض مشتركة»، يقدّم 13 فناناً تشكيلياً أعمالاً تحمل ذكريات جماعية وتجارب ماضية وتطلعات مستقبلية، ويتشاركونها مع الزوار بهدف ترسيخ هذه الموضوعات وربطها بعلاقة وثيقة مع الأرض، فتأخذنا هيبت بلعة إلى عالم التواصل المباشر بين الناس حول فنجان قهوة، بينما يرسم عماد فخري النار والهدوء في لوحة تعكس ألوانها تناقض الحالات التي مرّ بها. أما إدغار مازجي وعيسى حلّوم ومنصور الهبر، فيلوّنون أعمالهم بالهوية والإنسانية والطبيعة.

وبدلاً من التركيز على الانقسام، يتناول المعرض المساحات التي تنشأ فيها الروابط. وتتحدث الأعمال المعروضة عن الصمود، ليس بوصفه رد فعل على التحديات فحسب، بل بوصفه التزاماً مستمراً بالإبداع والخيال والأمل.

ومن خلال الرسم والتصوير والنحت وممارسات الوسائط المتعددة، يدعو الفنانون المشاركون المشاهدين إلى التأمل فيما يربط بينهم، على اختلاف تجاربهم ووجهات نظرهم، وتقترح أعمالهم مساحة مشتركة للحوار والتفاهم.

تتمسك نهى محرّم بإقامة معارض تبرز دور لبنان الثقافي (الشرق الأوسط)

وتشير صاحبة غاليري «آرت أون 56»، نهى محرّم، إلى أن هذا النوع من المعارض يشكِّل بقعة ضوء في حياة اللبناني المثقلة بالهموم والمشكلات. وتضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل الأوضاع المضطربة التي نعيشها، أردنا تسليط الضوء على تشارك اللبنانيين مساحة واحدة في وطن واحد. وتأتي موضوعات المعرض تحية لثقافات وفنون تجمعنا، وقد اخترناها زاهية ومفرحة، تبعث البهجة في النفس، وتكون بمنزلة متنفس للزائر».

عمّا إذا كان المعرض الجماعي يسهم في خفوت الأضواء عن فنان واحد، تردّ غادة جمّال المشاركة في الحدث: «في المعرض الجماعي لفنانين ينتمون إلى غاليري واحد، تبرز أهمية الاختلاف في الأعمال. ونحن ننتمي إلى مكان ثقافي واحد نشعر بدفء العائلة وبقيمة الأعمال التي نرسمها».

وتتناول جمّال في لوحتها «شديدة الانحدار» مرحلة صعبة شعرت بأن لبنان سيمرّ بها. وتقول: «يومها، كان لديّ إحساس مسبق بما ينتظر لبنان من صعوبات. رسمت مشاعري الصادقة وكل القلق الذي يجتاحنا. لكن الأمل موجود دائماً، وهو ما نلاحظه في اللوحة؛ لأن النور يسطع منها رغم كل شيء».

وفي لوحة عماد فخري «عندما يشتعل الصمت»، المنفّذة بتقنية الأكريليك، نلمس مجموعة من التناقضات يرسمها الفنان بريشة تحمل فلسفة خاصة، ويعبّر عنها بألوان تتجاور فيها حالات الهدوء والتوتر والصمت والاشتعال.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «تناولت حالة متناقضة تجمع بين الهدوء والنار الخامدة. تعكس ريشتي حالات أمرّ بها؛ فقد أبدأ اللوحة بمزاج معيّن، ثم أنتقل إلى أمزجة أخرى. وأحياناً يستغرق اختيار اسمها أياماً طويلة، إذ يولد العنوان من الحالة الأخيرة التي أكون فيها».

ويتابع: «أنطلق من موضوع واقعي، لأنقله لاحقاً إلى صرخة ملوّنة بالديناميكية. وبين الهدوء والنار، أشدّد على خامة اللوحة وشفافيتها، فتسير ريشتي بشكل تصاعدي، وصولاً إلى الانفجار الذي أترجمه بألوان متشابكة».

يتنوّع معرض «أرض مشتركة» بين لوحات تحمل موضوعات دافئة، وأخرى تتحرك بين اليقين والشك. وتسير الفنانة ليلى داغر في هذا الاتجاه، إذ تشارك في المعرض بلوحتين مختلفتين، هما «الورود الزهرية» و«عبّاد الشمس». وعلى الرغم من أن عنوانيهما يرتبطان بنوعين من الزهور، فإن كل واحدة منهما تترجم محاولاتها الدؤوبة لتضميد الجراح، ومحو ندوبها باستخدام تقنية «الميكسد ميديا».

هيبت بلعة في لوحة «كوفي شوب» تبرز الألفة بين اللبنانيين (الشرق الأوسط)

وتشرح لـ«الشرق الأوسط»: «تمرّ العلاقات الإنسانية بحالات تمزج بين التحدي والصلابة والتئام الجراح. ومع تقنية (الميكسد ميديا)، أستخدم الخيوط الصوفية والورق والكرتون، محاوِلةً تصوير كيفية رتق هذه العلاقات وتصويبها، فأعيد إليها الحياة، وأمدّ بينها الجسور بأسلوب يدوي وحرفي».

وعن مدى انسجام لوحاتها مع عنوان المعرض، تقول: «هناك مشاركة دائمة بين اللبنانيين، رغم المحاولات الخارجة عن إرادتنا لتفريقنا. وفي لوحاتي، ألحم المكسور وأمحو آثار الجروح التي تسكننا؛ فميزتنا تكمن في قدرتنا على الوقوف من جديد».

وتطالعك، في أحد أركان المعرض، لوحة لإدغار مازجي بالأبيض والأسود، تحمل عنوان «مَن أطلق سراح القطة؟»، ورسمها بتقنية الأكريليك. وتطرح اللوحة تساؤلات عدّة من خلال امرأة يعلو رأسها هرّ، متّشحة بالصمت، وتقف وسط الطبيعة حاملة همومها، محاوِلةً تجاوز محنتها وحدها.

أما هيبت بلعة، فتتحدث عن العلاقة التي تجمع بين لوحتها «كوفي شوب» وتيمة المعرض، وتقول: «تمثّل لوحتي التواصل المباشر بين الناس في جلسة حول كوب من القهوة. وتتألف من أشخاص يتحركون ويدخلون المقهى ويخرجون منه، في تفاعل بارز فيما بينهم. حاول كثيرون كسر الألفة بين اللبنانيين أكثر من مرة، ورغبت في تقديم هذه المساحة النابضة بالشباب كي أبرهن العكس».

وسام بيضون يصنع من الصخور مشاهد حياة (الشرق الأوسط)

أما وسام بيضون، فيأخذ قطعة صخرية من الأرض ليقولبها بأسلوبه التشكيلي الخاص. وتحت عنوان «تكوين صخري»، يترجم منظراً من الطبيعة جرّده من ملامحه الحقيقية.

ويشرح: «عندما ننظر إلى الطبيعة ونتأمل تفاصيلها، تستوقفنا الصخور لأنها تتيح لخيالنا أن يراها كما يتراءى له. وبألوان شفافة وخافتة، حوّلت هذه الصخور إلى مادة مؤنسنة يمكن لكل شخص أن يفهمها بطريقة مختلفة. فبعضهم رأى فيها لقاءً بعد فراق، بينما رأى آخرون عناقاً بين أم وطفلها. وبذلك، تشكّل مساحة مشتركة لقراءات غير متشابهة».


يحيى إسماعيل: عالم المراهقين أشبه بحقل ألغام

المسلسل تناول قضايا المراهقين (الشركة المنتجة)
المسلسل تناول قضايا المراهقين (الشركة المنتجة)
TT

يحيى إسماعيل: عالم المراهقين أشبه بحقل ألغام

المسلسل تناول قضايا المراهقين (الشركة المنتجة)
المسلسل تناول قضايا المراهقين (الشركة المنتجة)

أكد المخرج المصري يحيى إسماعيل أن التحدي الأكبر الذي واجهه في مسلسل «تحت السن» تمثّل في كيفية جعل الحدث الرئيسي، المتمثل في اختفاء طالبة، محرّكاً درامياً لا يهدأ. ولم تكن عملية توزيع الشكوك بين الشخصيات مجرد خدعة بصرية أو لعبة «مَن القاتل؟» التقليدية، بل كانت تشريحاً نفسياً لجميع المحيطين بها.

لذلك، حرص على أن تحمل كل شخصية دوافعها الخاصة، المبرَّرة وغير المبرَّرة، حتى يرى المشاهد فيها متهماً محتملاً. وكان هذا التوزيع المدروس للشبهات بمثابة حبل مشدود يسير عليه الجمهور، ما أسهم في الحفاظ على حالة التشويق، وحوَّل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتحقيق والتحليل طوال فترة عرض المسلسل.

وقال إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاقتراب من عالم المراهقين أشبه بالاقتراب من حقل ألغام؛ لذلك اخترت، منذ اللحظة الأولى، المعالجة الواقعية الصادمة بدلاً من الوعظ المباشر. وما قُدِّم في العمل لا يحمل مبالغات درامية، كما أشار البعض، وإنما يُعد انعكاساً لما يحدث في الغرف المغلقة وعبر شاشات الهواتف الذكية لدى هذا الجيل».

وأوضح أنه من المخرجين الذين يشاركون في كتابة أعمالهم، ولا سيما في تحديد ملامح الشخصيات ومسارات تطورها، خصوصاً أن لديه خلفية في علم النفس. ولفت إلى أن نجلاء الحديني وسمر عبد الناصر، من فريق العمل في منصة «شاهد»، كانتا من العناصر الأساسية في تطوير النص. وشارك في ورشة الكتابة كل من مينا بباوي ومحمد السوري، بإشراف أمين جمال، وكانوا جميعاً على وعي بمشكلات المراهقين.

وأضاف أن رهانه على بطلات من جيل الشباب كان ممتعاً وصعباً في آنٍ واحد، مشيراً إلى أن المزج بين هذا الجيل وجيل الممثلين الكبار أضفى ثقلاً درامياً وعمقاً على المشاهد المشتركة بينهم، وشكّل عنصراً محورياً في نجاح العمل.

وعن فلسفته في توزيع الأدوار، قال: «لكل دور شخصية مستقلة. ففي شخصية (مريم)، مثلاً، كنت أبحث عن نظرة عين محددة تحمل براءة إنسانة ترى الدنيا للمرة الأولى ثم تصطدم بالواقع. ورُشحت أكثر من فنانة للدور، إلى أن وقع الاختيار على جيسيكا حسام».

وأضاف: «وفي شخصية (نودي)، التي جسدتها ريم المصري، كنت أبحث عن نوع من الجمال الذي نراه في القرى، ويجذب رجلاً أكبر منها إلى الارتباط بها. أما في شخصية (ملك)، التي جسدتها ترنيم هاني، فبحثت عن فتاة تشعر، بمجرد رؤيتها، بالشفقة تجاهها، على الرغم من أن تصرفاتها قد تكون شرسة أو تثير شيئاً من النفور».

مسلسل «تحت السن» تناول قضايا المراهقين عبر حادث اختفاء (الشركة المنتجة)

وتابع المخرج المصري: «أما في شخصية (جودي)، فكان هدفي العثور على فتاة ذات ملامح هادئة وجميلة، لكنها تحمل في داخلها مشاعر وتصرفات ذكورية وغضباً مكتوماً، إلى أن وقع الاختيار على جودي مسعود. وبالنسبة إلى شخصية (هنا)، كنت أبحث عن وجه تبدو ملامحه جامدة طوال الوقت، وقد جسدتها جيداء منصور كما تصورتها».

وعن استخدامه المكثف لتقنية «الفلاش باك» في العمل، قال إنها لم تكن ترفاً إخراجياً أو وسيلة لملء الفراغ الزمني، بل كانت الأداة البنائية الوحيدة القادرة على فك شفرة مأساة «هنا» في مسلسل يقوم على لغز اختفاء؛ إذ يصبح الماضي المفتاح الوحيد لفهم الحاضر، ويعيش المشاهد حالة التشتت والبحث نفسها التي تعيشها الشخصيات.

وعن الرأي القائل إن العمل موجّه إلى أولياء الأمور، قال إنه لا يحب تقديم أعمال موجّهة إلى فئة بعينها، وإنما يحرص على تقديم قصة ممتعة تقوم على حكي جذاب، وتناسب مشاهدين من فئات عمرية مختلفة. وأضاف أن ذلك لا يمنع وجود صرخة تحذيرية يوجّهها العمل إلى الآباء، مفادها: «راقبوا أولادكم من دون كبت حريتهم، وكونوا ملاذهم الآمن، حتى لا يقعوا فريسة للتنمر الإلكتروني والخداع عبر منصات التواصل الاجتماعي».

وعن إمكانية إنتاج جزء ثانٍ من المسلسل، قال إن «الفكرة لم تُطرح رسمياً، على الرغم من أن العمل يحتمل تقديم جزء جديد، سواء من خلال موضوعه أو بمواصلة حكاية شلة الفتيات بعد دخولهن الجامعة، خصوصاً أن قضايا الفتيات في هذه السن تحتمل كثيراً من المعالجات الدرامية الجذابة».

المخرج يحيى إسماعيل تحدث عن مشكلات المراهقين (حسابه على فيسبوك)

وكان المخرج يحيى إسماعيل يعمل مهندساً معمارياً، قبل أن يبدأ مسيرته الفنية عام 2004 مصممَ غرافيك، ثم تدرّج ليصبح مديراً إبداعياً في وكالات إعلانية كبرى. وأمضى أكثر من 15 عاماً في هذا المجال، قبل أن يقدّم أعمالاً من بينها مسلسل «ريفو» بجزأيه الأول والثاني، الذي عدّه نقاد من أفضل المسلسلات الرقمية في السنوات الأخيرة، إلى جانب «زينهم» و«توابع».

وأوضح أنه يفكر في خوض تجربة الإخراج السينمائي من خلال أعمال عدَّة معروضة عليه، لكنه لم يستقر على أيّ منها بعد.


السلطات المصرية تجدد ضوابط دخول المناطق الأثرية

جانب من الفيديو الذي نشره رامي عادل في منطقة أبو صير (صفحته على «فيسبوك»)
جانب من الفيديو الذي نشره رامي عادل في منطقة أبو صير (صفحته على «فيسبوك»)
TT

السلطات المصرية تجدد ضوابط دخول المناطق الأثرية

جانب من الفيديو الذي نشره رامي عادل في منطقة أبو صير (صفحته على «فيسبوك»)
جانب من الفيديو الذي نشره رامي عادل في منطقة أبو صير (صفحته على «فيسبوك»)

جددت السلطات المصرية التأكيد على ضوابط الدخول إلى المناطق الأثرية بعد ما أثير حول منع أحد المواطنين من إدخال العلم المصري في أثناء رحلة تريض داخل منطقة آثار أبو صير، (جنوب الجيزة)، وفق فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل هذا المعنى، وأوضحت وزارة السياحة والآثار أن البوابة التي ظهرت في الفيديو هي بوابة جانبية لمنطقة التريض التابعة لمنطقة آثار أبو صير.

وكان فيديو تم تداوله على نطاق واسع لمجموعة من الأشخاص يركبون الخيل في منطقة صحراوية، ويحمل أحدهم علم مصر، ذكر بعد ذلك أنه تم منعه من رفع علم مصر بالمنطقة الأثرية. وانتشر الفيديو وتعليق من رامي عادل الذي وصفته وسائل إعلام بأنه «بلوغر»، بينما وصفه آخرون بأنه من أبطال كمال الأجسام، يتحدث عن الواقعة متعجباً من وجود تعليمات أو ضوابط تمنعه من رفع علم مصر على أرض مصر. وتصدر «الترند» على «إكس» بمصر، الاثنين، مع تعليقات تدعمه.

وقالت وزارة السياحة والآثار في بيان إن «ما تم تداوله لا يعكس حقيقة الضوابط المنظمة لزيارة المواقع الأثرية، حيث إن إدخال أو اصطحاب الأعلام أو اللافتات أو أي شعارات إلى المتاحف والمناطق الأثرية على مستوى الجمهورية يخضع لإجراءات تنظيمية تستلزم التنسيق المسبق، والحصول على موافقة المجلس الأعلى للآثار، وذلك حفاظاً على الطابع الأثري لهذه المتاحف والمواقع، ومنع استخدامها في أي أنشطة أو أغراض دعائية أو سياسية أو حزبية أو دينية أو غيرها، بما يضمن الحفاظ على قيمتها التاريخية والحضارية».

ولفت البيان إلى أن «هذه الضوابط تطبَّق على جميع الأعلام واللافتات والشعارات دون استثناء أو تمييز، ولا تستهدف بأي حال من الأحوال العلم المصري أو الانتقاص من مكانته ورمزيته، وإنما تأتي في إطار الاختصاصات القانونية للمجلس الأعلى للآثار في تنظيم الزيارة وإدارة المواقع الأثرية، وفقاً لأحكام المادة (45) من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983».

جانب من الواقعة التي أثارت جدلاً (صفحة رامي عادل على «فيسبوك»)

وعقب الواقعة، وجّه وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، «بوضع إطار تنظيمي خاص لدخول علم جمهورية مصر العربية إلى المتاحف والمناطق الأثرية على مستوى الجمهورية؛ ما يضمن تيسير حمله ورفعه على نحو يليق بمكانته ورمزيته بوصفه رمزاً للدولة المصرية، مع الحفاظ على الضوابط المنظمة لحماية المواقع الأثرية وصونها»، وفق البيان.

ويرى الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية أنه «من الضروى وضع علم مصر على كل المواقع الأثرية المكشوفة وعلم آخر به رمز وزارة السياحة والآثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا هو المتبع لدينا فى قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون بطابا ففي بداية المدخل يجد الزائر علمين علم مصر وعلم رمز الآثار وعلى القلعة نفسها علم مصر بارتفاع كبير مرئى من كل الجهات، وكانت هناك ميزانية خاصة لتوفير هذه الأعلام على أساس أن المنطقة حدودية، ويجب تطبيق ذلك فى كل المتاحف والمواقع الأثرية».

وفى حالة واقعة منطقة أبو صير يضيف ريحان: «في مثل هذه الحالات يجب تطبيق الضوابط الذى أؤيدها فمن يحمل علم مصر يكون بعلم مسبق من إدارة المتحف أو إدارة الموقع الأثرى وأسباب ذلك احتفالية معينة أو أطفال فى زيارة للموقع أو أى سبب آخر، لكن إطلاق الوضع لرفع علم مصر أو أى علم من دون علم أو إبداء الأسباب قد يحمل أطراً أخرى ربما سياسية أو غيرها، وهذا يجب حظره بالمواقع الأثرية».

وتعد منطقة أبو صير الأثرية من المناطق الأثرية المهمة التي يوجد بها مجموعة من المعابد ومقابر الأسرة الخامسة، وتقع على مسافة نحو 4 كيلومترات من منطقة سقارة، وهي جزء من جبانة منف المدرجة ضمن مواقع التراث العالمي بـ«اليونسكو» منذ عام 1979، وتضم المنطقة مساحة واسعة للتريض وركوب الخيل.

وعدّ الخبير السياحي المصري محمد كارم «احترام العلم المصري وحماية آثارنا وجهين لرسالة وطنية واحدة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الجدل الذي أثير حول فيديو لأشخاص قالوا إنه تم منعهم من الدخول للمنطقة الأثرية في أبو صير بالعلم يؤكد على أهمية وجود ضوابط واضحة ومكتوبة ومعلنة وموحدة لتنظيم دخول اللافتات والأعلام لجميع المواقع الأثرية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «نحن مع تطبيق القانون وحماية آثارنا، لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون هناك تمييز واضح بين استخدام الأعلام للدعاية السياسية أو التجارية وبين مواطن يحمل علم بلده باعتزاز في أثناء زيارته لمعلم أثري». وأكد كارم على «خصوصية العلم المصري كرمز للوطنية والانتماء»، لافتاً إلى أن «تنظيم دخول المواقع الأثرية يجب أن يحظى ببعض المرونة وفي الوقت نفسه يحافظ على القيمة الحضارية الكبيرة للآثار».