«حماس» تثير مخاوف الإسرائيليين مع مواصلة تجاربها الصاروخية قبالة سواحل غزة

TT

«حماس» تثير مخاوف الإسرائيليين مع مواصلة تجاربها الصاروخية قبالة سواحل غزة

قالت مصادر إسرائيلية إن «كتائب القسّام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، أطلقت أمس (السبت)، 5 صواريخ قبالة سواحل قطاع غزة في إطار التجارب شبه اليومية التي تقوم فيها بإطلاق صواريخ تطوّرها وحدة التصنيع في الكتائب تحسباً لأي مواجهة عسكرية جديدة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وأشارت مصادر عسكرية إسرائيلية إلى أن «حماس» تطلق بشكل شبه يومي من صاروخ إلى 5 صواريخ في مناطق ساحلية في قطاع غزة، موضحةً أن تلك الصواريخ التي تطلَق من مناطق عدة في القطاع تهدف إلى رفع الكفاءة والقدرات العسكرية لتلك الصواريخ وتحسين مداها.
وتكرر «كتائب القسام» في العديد من خطابات المتحدث باسمها، وكذلك على لسان قادة ميدانيين يتحدثون في مهرجانات تنظمها «حماس»، أنها باتت تمتلك قدرات أفضل مما كانت عليه في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة في صيف 2014. وأكد هذه التصريحات يحيى السنوار قائد حركة «حماس» في غزة وأحد المقربين من قيادات «القسّام»، والذي قال أخيراً إن «كتائب القسام» قادرة في يوم واحد فقط على إطلاق كل ما أطلقته خلال 51 يوماً من تلك الحرب مع إسرائيل.
وتثير عمليات إطلاق الصواريخ حالة من الخوف والقلق لدى المستوطنين الذين يقطنون بالقرب من حدود قطاع غزة، والذين يراقبون إطلاق تلك الصواريخ ويوثّقونها في بعض الأحيان وهي تنطلق في اتجاه سواحل القطاع. وتحاول الجبهة الداخلية الإسرائيلية وكذلك القيادة العسكرية تهدئة الأوضاع في أوساط الإسرائيليين قرب غزة، والتأكيد أن «حماس» وإسرائيل ليستا معنيتين بتصعيد عسكري، وأن ما تقوم به الحركة الفلسطينية التي تحكم قطاع غزة يأتي في إطار محاولاتها تحسين قدراتها العسكرية.
وتربط إسرائيل وجهاتٌ دولية نزعَ سلاح الفصائل الفلسطينية المسلحة، ووقفَ تحسين الصواريخ وبناء الأنفاق وغيرها، بتحسين الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه السكان في قطاع غزة. لكن «حماس» ترفض أي محاولات لطرح قضية سلاحها على طاولة الحوار سواء مع السلطة الفلسطينية أو غيرها، مؤكدة أنها ستواصل تعزيز قدراتها من أجل ما تصفه بـ«معركة التحرير».
وقال نائب وزير الجيش الإسرائيلي إيلي بن دهان، يوم الخميس الماضي، خلال جولة له في عرض البحر قبالة حدود غزة، إن «حماس» تحاول باستمرار مهاجمة إسرائيل عن طريق البحر، مشيراً إلى أن هناك مجموعة من التهديدات المعقدة التي تحاول «حماس» فرضها من خلال حفر الأنفاق، وإرسال الغواصين، ومحاولة اختراق أراضي إسرائيل، والقيام بهجوم باستخدام تقنيات وأساليب متطورة. وأضاف: «مهمتنا هي مواصلة الجهد لزيادة الاستعداد التشغيلي على جميع المستويات لأي تهديد يواجهنا... أنا على يقين من أن البحرية ستعرف كيف تدافع عن دولة إسرائيل كل التهديدات». وأشاد بـ«عزيمة» الجنود الإسرائيليين الذين قال إنهم «يخدمون من أجل حماية الحدود البحرية» لإسرائيل.
ويبدو أن تل أبيب تتخوف من أن تكون عمليات إطلاق الصواريخ مقدمة لاستهداف منصات الغاز التي تعمل قبالة سواحل قطاع غزة، خصوصاً أن حركة «حماس» تمتلك قوة ضفادع بشرية تعمل في البحر، ونفّذت خلال حرب 2014 عدة مهام، منها عملية تسلل لمقاتلين إلى موقع عسكري قبالة سواحل عسقلان في عملية شكلت مفاجأة كبيرة لقوات الأمن الإسرائيلية آنذاك.
ويقول إبراهيم المدهون، المحلل السياسي المقرب من حركة «حماس»، إن عمليات إطلاق الصواريخ التجريبية من قِبل المقاومة وعلى رأسها «كتائب القسام»، تُعد «سلوكاً طبيعياً وعملاً اعتيادياً تمارسه المقاومة الفلسطينية من أجل تطوير سلاحها وتعزيز دقة صواريخها ومداها». وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الصواريخ لا تطلَق للتهديد وإن كانت تحمل رسائل، ولكن هي تطلَق من أجل حاجة التطوير، وأن عملية إطلاق الصواريخ الخمسة ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تقوم بها المقاومة». وأشار إلى أن إطلاق الصواريخ التجريبية تجاه البحر يتم حتى لا يتم إطلاقها تجاه أهداف في غزة أو تجاه أهداف خاضعة لسيطرة الاحتلال، حتى لا يكون هناك «إعلان مواجهة وإنما فقط للتأكيد أن الغرض تجريب الصواريخ وقياس مداها وقوة الانفجار والأداء».
ولفت إلى أن ذلك «له دلالة تؤكد أن المقاومة، وخصوصاً كتائب القسام، تعمل بشكل متواصل على تطوير سلاحها وصواريخها، كما أنها (التجارب الصاروخية) تحمل رسائل مفادها أن نمو المقاومة وتسلحها لم يتوقفا رغم الحروب والحصار المفروض على قطاع غزة، وأنها نجحت في مواصلة توسعة عملها العسكري وزيادة قوتها وعدد صواريخها». وأضاف: «كما أنها تحمل رسائل واضحة أن المقاومة لن تتنازل لا عن سلاحها ولا عن تطوير هذا السلاح، وستستمر في تطويره وتنظر إلى هذا الأمر باعتباره أمراً طبيعياً بل جعلته اعتيادياً، ولهذا فإن الاحتلال حتى اللحظة يراقب هذه الصواريخ ولا يقوم بأي رد فعل عسكري غير رصدها، ويكتفي بالرد على الصواريخ الفردية التي تطلَق خارج الإجماع الوطني تجاه مستوطناته المحاذية للقطاع، كما جرى في اليومين الماضيين».
وحول إمكانية أن تكون هذه التجارب تجاه البحر مقدمة لاستهداف منصات الغاز الإسرائيلية في أي مواجهة مقبلة، قال المدهون «لم يتم حتى الآن الإعلان أو التلميح إلى أن هذه الصواريخ يمكن أن تستهدف الزوارق أو مواقع الغاز والعمل لدى الاحتلال». وأشار إلى أن تلك الصواريخ هدفها حتى الآن، كما يبدو، التجريب والتطوير، مضيفاً أنه لا يعرف بعد إلى أي مدى وصلت المقاومة في فعالية وقدرة صواريخها، خصوصاً أنها تعتمد -كما تقول مصادر المقاومة-
على تطوير سلاحها بنفسها من خلال الموارد المحلية والعقول البشرية التي تمتلكها.
وعن ارتباط ذلك بوحدة الضفادع البشرية ومهامها العسكرية، أشار المحلل السياسي المقرب من «حماس»، إلى أن فصائل المقاومة «تجتهد من أجل تطوير قطاعاتها العسكرية ووحداتها باستمرار سواء البحرية أو الصاروخية أو الدفاعية أو من يعملون عبر الأنفاق»، مضيفاً أنه «لا أحد يعلم (غير حماس نفسها) ما المدى التي وصلت إليه قوة الضفادع البشرية والوحدات العسكرية الأخرى، وما يمكن أن تُظهره من مفاجآت في المواجهة المقبلة».
في غضون ذلك، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الجيش الإسرائيلي، إعلانه أنه شن غارة على جنوب غزة، أمس (السبت)، بعد إطلاق صاروخ من القطاع الفلسطيني على جنوب إسرائيل ليلاً من دون أن يسبب إصابات. وقال الجيش الإسرائيلي في بيانه: «رداً على إطلاق صاروخ على جنوب إسرائيل (...) شنت طائرات ضربة على موقع مكون من بنايتين عسكريتين». ونقلت الوكالة الفرنسية عن مصدر أمني فلسطيني أن الغارة في غرب مدينة رفح أصابت موقعاً لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس»، لكنها لم تسبب سقوط جرحى.
من جهتها، ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي، أن الصاروخ الذي أُطلق من غزة سقط في أرض خالية ولم يؤدِّ إلى إصابات.
كان الطيران الحربي الإسرائيلي قد قصف موقعاً لحركة «حماس»، أول من أمس (الجمعة)، في شمال غزة بعد إطلاق صاروخ من القطاع المحاصَر، وفق الجيش الإسرائيلي.
وأفاد مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، بأن الطيران الإسرائيلي قصف منطقة قرب بيت حانون في شمال قطاع غزة.
وأطلقت الفصائل المسلحة في غزة 20 صاروخاً وقذيفة هاون على الأقل على جنوب إسرائيل، منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في السادس من ديسمبر (كانون الأول) 2017، الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، حسب حصيلة أوردتها وكالة الصحافة الفرنسية التي أشارت إلى أنه غالباً ما تقوم فصائل إسلامية بإطلاق صواريخ، لكن إسرائيل تحمّل قادة «حماس» مسؤولية أي هجمات انطلاقاً من القطاع، وترد مستهدفة مواقع للحركة.
وتلتزم إسرائيل و«حماس» وقفاً هشاً لإطلاق النار منذ انتهاء الحرب التي شنتها الدولة العبرية على غزة صيف 2014، وكانت الثالثة منذ سيطرة الحركة الإسلامية على القطاع في 2007.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.