وكلاء اللاعبين... مافيا تتحكم بمستقبل كرة القدم

يحصلون على مبالغ فلكية ودورهم أصبح خارج السيطرة

وكيل أعمال سانشيز رفض التعليق على طلبه عمولة 15 مليون إسترليني من أجل الموافقة على انتقال اللاعب  -  رايولا حصل على 41 مليون إسترليني من يوفنتوس ومانشستر يونايتد وبوغبا («الشرق الأوسط»)
وكيل أعمال سانشيز رفض التعليق على طلبه عمولة 15 مليون إسترليني من أجل الموافقة على انتقال اللاعب - رايولا حصل على 41 مليون إسترليني من يوفنتوس ومانشستر يونايتد وبوغبا («الشرق الأوسط»)
TT

وكلاء اللاعبين... مافيا تتحكم بمستقبل كرة القدم

وكيل أعمال سانشيز رفض التعليق على طلبه عمولة 15 مليون إسترليني من أجل الموافقة على انتقال اللاعب  -  رايولا حصل على 41 مليون إسترليني من يوفنتوس ومانشستر يونايتد وبوغبا («الشرق الأوسط»)
وكيل أعمال سانشيز رفض التعليق على طلبه عمولة 15 مليون إسترليني من أجل الموافقة على انتقال اللاعب - رايولا حصل على 41 مليون إسترليني من يوفنتوس ومانشستر يونايتد وبوغبا («الشرق الأوسط»)

أغلقت فترة الانتقالات الشتوية بعد عدد من الانتقالات في اللحظات الأخيرة، أصبح خلالها مبلغ 50 مليون جنيه إسترليني عاديا بالنسبة للاعبين. وانتقل أحد أبرز اللاعبين، وهو البرازيلي فيليب كوتينيو من ليفربول الإنجليزي إلى برشلونة الإسباني مقابل 142 مليون جنيه إسترليني. وحصل وكلاء اللاعبين على مبالغ مالية لم يتم الكشف عنها. ولا يعرف الجمهور شيئا عن المبالغ المالية التي يحصل عليها وكلاء اللاعبين ولا الدور الذي يقومون به من أجل الحصول على تلك المبالغ، لكن الأندية والجهات المسؤولة عن كرة القدم تدرك جيدا أن دور وكلاء اللاعبين بات خارج عن السيطرة.
وكان الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) قد قرر إلغاء تصاريح وكلاء اللاعبين في عام 2015، لكن رئيس الاتحاد الحالي، جياني إنفانتينو، يقول الآن إن فتح الباب أمام الأفراد والوسطاء غير المعتمدين بات أمرا لا يحتمل. وأصبح بإمكان «الوسطاء» غير المعتمدين أن يحصلوا على مبالغ مالية من جهتين أو أكثر في نفس الصفقة. وفي تصريحات له قبل أسبوعين، قال إنفانتينو، الذي أنشأ فريق عمل بالفيفا لدراسة كيفية إصلاح أنظمة انتقالات اللاعبين: «إنني أشعر بقلق بالغ إزاء المبالغ المالية الهائلة التي تتدفق من صناعة كرة القدم».
وأضاف: «تستمر العمولات المدفوعة للوسطاء في الارتفاع، في الوقت الذي تنخفض فيه الأموال التي يتم إعادة توزيعها من خلال اللعبة لكي تنفق على تدريب اللاعبين الشباب. ولا تتم هذه المعاملات الأكثر قيمة بطريقة نظيفة وشفافة، وتثير الكثير من التساؤلات حول احتمال إساءة استخدام الأموال. وعلينا أن نعالج هذه القضية». ويضم فريق العمل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (الويفا)، الذي قال إن أكثر من ثلاثة مليارات يورو قد دفعت لوكلاء اللاعبين من قبل الأندية الكبرى في أوروبا خلال الفترة بين عامي 2013 و2017.
وأعرب رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ألكسندر سيفرين، عن مخاوفه الأسبوع الماضي، واعترف بأن هناك شكاوى منذ فترة طويلة من قبل الأندية بأن وكلاء اللاعبين لا يعملون الآن بالنيابة عن اللاعبين للتفاوض من أجل منحهم أفضل راتب ممكن ولكنهم يعملون كوسطاء من أجل الحصول على مبالغ مالية من الأندية مقابل جلب اللاعبين لها. وقال سيفرين إن بعض الأندية تقول له إن نهج بعض وكلاء اللاعبين قد أصبح كالتالي: «انظروا، سوف تدفعون لي 50 في المائة من قيمة الصفقة وإلا فسيذهب اللاعب إلى مكان آخر».
وهناك فريق عمل تابع للاتحاد الأوروبي لكرة القدم يعمل الآن بالفعل على دراسة الإصلاحات تحت إشراف الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك اقتراح بفرض حد أقصى للعمولات التي يحصل عليها وكلاء اللاعبين، بالاشتراك مع الأندية الكبرى في رابطة الأندية الأوروبية؛ ورابطة الدوريات الأوروبية المحترفة لكرة القدم - التي يعد الدوري الإنجليزي الممتاز عضوا بها - والنقابة الدولية للاعبي كرة القدم المحترفين (فيفرو). وفي قرار مشترك وصارم، التزمت هذه الهيئات بإجراء إصلاحات، مؤكدة على أن وكلاء اللاعبين «يتقاضون أجورا غير متناسبة مقابل خدماتهم».
ولا توجد شفافية فيما يتعلق بالأموال التي يحصل عليها وكلاء اللاعبين أو الدور الذي يقومون به في صفقات الانتقال. ومن بين الصفقات التي تمت في فترة الانتقالات الشتوية الماضية، نفت وكالة واسرمان التقارير التي تشير إلى أنها قد حصلت على سبعة ملايين جنيه إسترليني مقابل دورها في انتقال روس باركلي من إيفرتون لتشيلسي. ورفض وكيل أعمال النجم التشيلي أليكسيس سانشيز، فرناندو فيليسيفيتش، التعليق عندما سئل عما إذا كان قد طلب عمولة قدرها 15 مليون جنيه إسترليني لنفسه من أجل الموافقة على انتقال اللاعب.
وعندما سئل كيا جورابشيان عن المقابل المادي الذي حصل عليه نظير انتقال موكله كوتينيو من ليفربول إلى برشلونة وعن رأيه في الانتقادات الموجهة لوكلاء اللاعبين في القرار المشترك الذي أصدره الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، رد من خلال محاميه بأن عمولته كانت سرية وهدد باتخاذ إجراءات قانونية إذا كان من بين اللذين تعرضوا للانتقادات. ولولا تسريب بعض الوثائق لما علمنا أن وكيل الأعمال مينو رايولا قد حصل على 41 مليون جنيه إسترليني من يوفنتوس الإيطالي ومانشستر يونايتد الإنجليزي واللاعب الفرنسي بول بوغبا - أي من أطراف الصفقة الثلاثة - عندما انتقل اللاعب إلى أولد ترافورد مقابل 89 مليون جنيه إسترليني عام 2016.
ومع ذلك، تملك الأندية والاتحادات المحلية لكرة القدم والجهات المسؤولة عن اللعبة كل المعلومات المتعلقة بالمبالغ المالية المذهلة التي يحصل عليها وكلاء اللاعبين، وبدأوا يتحدثون أخيرا بكل جدية عن ضرورة إعادة تنظيم هذا الأمر. وبالنظر إلى أن اللاعبين يوقعون عقودا مع وكلاء اللاعبين ويثقون بهم فيما يتعلق بالانتقالات والمفاوضات المتعلقة بالرواتب، فإن النقابة الدولية للاعبي كرة القدم المحترفين (فيفرو) تدعم هذه الإصلاحات بشدة. ويرى مدير السياسات بالنقابة، جوناس باير هوفمان، أن عمولة الوكلاء هي «في كثير من الأحيان» نسبة من قيمة الصفقة وليس من رواتب اللاعبين، وهو ما يعد بمثابة «مشكلة كبيرة» لأن الوكلاء يعملون كوسطاء لأكثر من طرف في نفس الصفقة. وقال هوفمان: «يمكن أن يكون للوكلاء تأثير على المكان الذي سيذهب إليه اللاعب أكبر من تأثير اللاعب أو النادي نفسه. لا يهتم وكلاء اللاعبين بالمكان الذي سيذهب إليه اللاعب بقدر اهتمامهم بالنادي الذي سيدفع لهم العمولة الأكبر».
ويقول الكثير من الوكلاء إنهم لا يزالون يمثلون لاعبين ولا يحصلون على أجر كبير بعد إيجاد فرص مناسبة لهم. ويتفق دان تشابمان، نائب رئيس جمعية وسطاء ووكلاء اللاعبين في كرة القدم في المملكة المتحدة، على ضرورة أن يعمل الوكلاء مع طرف واحد فقط من أطراف الصفقة، ويكون ذلك عادة عن طريق التفاوض من أجل اللاعبين، رغم أنه يعتقد أن وضع حد أقصى للرسوم التي يتقاضاها وكلاء اللاعبين سيكون أمرا مفيدا للغاية. ويرتفع المقابل المادي للصفقات وأجور اللاعبين - يحصل سانشيز على راتب سنوي أساسي من مانشستر يونايتد يصل إلى 15 مليون جنيه إسترليني – بسبب ارتفاع عائدات البث التلفزيوني وغيرها من الإيرادات، لأن اللاعبين هم الموهبة الحقيقية والقوة المحركة لهذه الصناعة في العالم، وليس وكلاء اللاعبين، ولذا يجب أن يتم وضع نظام لوضع نهاية لهذه المبالغ المالية الفلكية التي يحصل عليها الوكلاء.
وهكذا يعتقد عشاق كرة القدم أن نجومهم المفضلين يمتلكون حرية الاختيار فيما يتعلق بتوجهاتهم وأحلامهم وطموحاتهم ورغباتهم، لكن قلة منهم تدرك أن هناك أشخاصاً يعملون في الظل ويؤثرون على اللاعبين والأندية تأثيراً قد يغير مسار بطولات ومستقبل أبطال. في الماضي، كان «وكلاء اللاعبين» مجرد همزة وصل تربط بين اللاعب والنادي، يقومون بإجراءات روتينية مقابل عائد مادي، ثم ما لبثت خدماتهم أن تحولت إلى مهنة رسمية لها أسسها وقوانينها عام 1991.. في فبراير (شباط) 2012، نشر المركز الدولي للدراسات الرياضية CIES تقريراً مطولاً كشف أن نسبة أرباح وكلاء لاعبي كرة القدم في أوروبا وصلت إلى ما يقارب الـ538 مليون دولار سنوياً.
شهدت الساحة الكروية، في السنوات الأخيرة، بروز أسماء وكلاء وشركات سيطرت على عدد من نجوم الصف الأول، لتصبح بذلك صاحبة اليد الطولى في انتقالات اللاعبين بين الأندية، والقادرة على التأثير في نتائج الصفقات، ودمج واستغلال صفقات على حساب أخرى.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.