أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

استعاد لبنان معها أجواء الحرب... وتداعياتها ستنعكس على الحكومة

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية
TT

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

فتحت الأحداث الأمنية والسياسية التي عاشها اللبنانيون هذا الأسبوع، الباب على كل الاحتمالات، بما فيها عودة الحرب الأهلية، قبل أن يؤدي اتصال رئيس الجمهورية ميشال عون برئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى احتواء الوضع، وتنفيس الأجواء في الشارع، من دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمة السياسية في لبنان بشكل عام، وبين «حركة أمل» و«التيار الوطني الحر» (تيار عون) بشكل خاص.
وبين محاولة البعض التخفيف من وطأة ما حدث، وتحذير آخرين من تداعياتها، تبقى هناك حقيقة واحدة، هي أن «ما بعد مواجهة برّي ووزير الخارجية جبران باسيل ليس كما قبلها».
بل ستبقى التداعيات حاضرة داخل الحكومة الائتلافية الحالية إلى حين موعد الانتخابات النيابية المقررة في شهر مايو (أيار) المقبل، لتكون المواجهة الأكبر في انتخابات رئيس المجلس النيابي ومشاورات تشكيل الحكومة المقبلة التي ستشكّل ملعباً للاشتباك السياسي.

انفجرت المواجهة بين جبران باسيل وزير خارجية لبنان رئيس «التيار الوطني الحرّ» (التيار العوني) نهاية الأسبوع الماضي عند تسريب شريط فيديو يهاجم فيه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، واصفاً إياه بـ«البلطجي»، ومتوعّداً بـ«تكسير رأسه». ثم تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب افتراضية بين مناصري الطرفين، استعيدت عليها لغة الحرب الطائفية التي لم يغب عنها نواب ووزراء محسوبون أيضاً على «التيار الوطني الحر» (الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون، حمو باسيل) و«حركة أمل» برئاسة برّي.
«أمل» طالبت باعتذار باسيل، وبينما ظل رئيس الجمهورية صامتاً طوال يوم الاثنين، الذي انتهى بإصدار «حزب الله» - الذي كان قد التزم الحياد في كل أزمات حليفيه السابقة - بياناً استنكر فيه كلام باسيل. إلا أن ما كان ينتظره «حزب الله» و«أمل» من عون ومناصريه بات مستحيلاً بعدما عمد مناصرو «أمل» إلى النزول إلى الشارع وإحراق الدواليب والاعتداء على مركز «التيار الوطني الحر»، فعندها كسر عون صمته ببيان اعتبر فيه «أن الخطأ الذي بُني على خطأ هو خطأ»، وطلب من الطرفين التسامح. وفي المقابل، لم يرَ «حزب الله» و«أمل» في بيان الرئيس إلا مساواة بين «القاتل» و«القتيل»، وصعّد وزراء «أمل» ونوابها مواقفهم مطالبين باسيل بالاستقالة، بينما آثر الأخير الصمت، واكتفى عبر بيان لاجتماع «تكتل التغيير والإصلاح» باعتبار «أن الملف قد انتهى».

أجواء الحرب
لكن «انتهاء الملف» بالنسبة إلى باسيل كان سبباً إضافياً للتصعيد في شارع «أمل» وصل مساء الأربعاء إلى مهاجمة ضاحية الحدث (ذات الغالبية المسيحية المارونية)، التي اعتبرت تقليدياً «خط تماس» بين المسيحيين والمسلمين، إبان الحرب (1975 - 1990)، وبذا علت لغة الحرب والتهديد على ما عداها من مواقف، قبل أن يستدرك المسؤولون في الطرفين، الأمر، ويدعون إلى التهدئة والمحافظة على السلم الأهلي، وكان لـ«حزب الله» الدور الأبرز في هذا الإطار.
ولاحقاً في بيان لها، بعد ثلاثة أيام على الأزمة، دعت «أمل» للتوقّف عن أي تحرك في الشارع قطعاً للطريق على من يريد حَرف النظر عن الموضوع الأساسي، وضرب علاقات اللبنانيين مع بعضهم. وطلبت من «جميع الحركيين على اختلاف مستوياتهم المساعدة على تطبيق هذا الأمر».
وتوجّت كل الجهود السياسية، التي لعب خلالها «حزب الله» - حليف الطرفين - دور «رأس الحربة»، باتصال أجراه الرئيس عون ببرّي سبقه لقاء بين رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الجمهورية. وأعلنت بعده رئاسة الجمهورية عن الاتصال الذي أكد خلاله عون «أن الظروف الراهنة والتحديات تتطلب طي صفحة ما جرى أخيراً، والعمل يداً واحدة لمصلحة لبنان»، وهو ما رأت فيه حركة أمل خطوة إيجابية، ووصف برّي الاتصال بــ«الجيد جداً».
هذه الأزمة، التي كان كلام باسيل وهجومه على برّي بوصفه «البلطجي» كفيلاً بتفجيرها، لم تكن «رمّانة بل قلوباً ملآنة» - وفق المثل الشعبي اللبناني -. ذلك أن هناك تاريخاً من المواقف والمواجهات السياسية بين الجانبين منذ عشرات السنين، مروراً بالانتخابات الرئاسية التي رفض برّي خلالها التصويت لصالح عون، وما لحقها من أزمات بين الطرفين، أبرزها في الفترة الأخيرة حول ما بات يعرف بـ«أزمة المرسوم» التي لا تزال عالقة، ووصلت إلى حد المواجهة السياسية الأكبر بينهما.
«الكيمياء المفقودة» بين الرجلين (برّي - عون) واستطراداً إلى باسيل، صهر عون ورئيس «تياره»، لن تقتصر على الطرفين، بل يتوقع أن تترك تداعياتها على المعادلة السياسية اللبنانية ضاربة عرض الحائط بـ«التسوية» التي أدّت إلى انتخاب عون وتشكيل الحكومة الحريرية الحالية، والفرز السياسي عبر ما يعتبره البعض انفراداً بالسلطة من قبل «التيار العوني» و«تيار المستقبل» بغطاء من «حزب الله».
وفي هذا الإطار، يحمّل مصدر في «8 آذار» باسيل - ومن خلفه رئيس الجمهورية - المسؤولية بالقول: «لو عمد عون إلى الاتصال برئيس مجلس النواب من اليوم الأول كان الموضوع حلّ في لحظة، لكن على العكس من ذلك، بيان عون ساوى خطأ باسيل بخطأ شباب متحمسين». وأضاف أن الأمر نفسه يصدق على «مرسوم أقدمية الضباط» الذي كان في طريقه إلى الحل من خلال المبادرة التي قدّمها برّي، وتبناها رئيس الحكومة سعد الحريري، «قبل أن يؤدّي اتصال من جهة إلى إيقافها». وتابع المصدر: «كل ذلك يدل على أنهم (أي تيار عون) مصرّون على نهجهم وهو ما لن نسكت عنه».

باسيل مستفيد انتخابياً
من ناحية أخرى، رغم تأكيد مختلف الأطراف على أن الانتخابات النيابية «خط أحمر»، ترى مصادر عدّة أن ما حصل يخفي في طياته نية لتأجيل هذا الاستحقاق الذي تشير المعطيات الراهنة إلى أنه يسير في طريقه الصحيح ما لم تحصل أي مفاجآت. وليس بعيداً عن هذه الأجواء، يقول مصدر في «فريق 8 آذار» أن «ما يقال فوق الطاولة غير ما يقال تحتها... بعيداً عن الإعلام».
وبعد كلام برّي بأن هناك محاولات لتأجيل الاستحقاق كان وزير المال علي حسن خليل، ممثل «أمل» في الحكومة، واضحاً في هذا الإطار، إذ قال: «إذا كان الهدف من وراء ما حصل هو تعطيل الانتخابات، فنطمئنكم أنها حاصلة بموعدها». وهذا ما شدّدت عليه أيضاً جهات مطّلعة على موقف «حزب الله»، مؤكدة على ثوابته الثلاثة: «الاستحقاق الانتخابي، وبقاء الحكومة، والوضع الأمني الذي يجب أن يبقى مستقراً، بينما لن يتجاوز الخطاب السياسي حدود السقف الذي وصل إليه». وحسب هذه الجهات، فإن «التسوية الرئاسية، كذلك، لم تسقط رغم أن الأمور صعبة ولبنان يعيش على التسويات التي تأتي دائماً بعد خلاف معيّن» قبل أن تستدرك «لكن، لا شك، في أن الفرز السياسي سيتغيّر وملامحه واضحة منذ الآن».
جدير بالذكر، أنه منذ اللحظة الأولى لتسريب «فيديو باسيل» لم تخل الاتهامات من «أهداف انتخابية» لصالح باسيل، الذي يرفع دائماً «شعار استعادة حقوق المسيحيين»، وهو الذي كان قد خاض دورتين انتخابيتين، ولم ينجح بالفوز بمقعد نيابي. وهو يعوّل اليوم على الفوز بعد تعديل قانون الانتخابات. في المقابل، وإن كان الأمر سينعكس أيضاً إيجاباً على برّي و«حركة أمل»، فهذه الاستفادة لن يكون لها التأثير الكبير في الأرقام انطلاقاً من تحالفاته الانتخابية، خصوصاً ضمن «تحالف الثنائي الشيعي» الاستراتيجي مع «حزب الله».
خبراء بالشأن الانتخابي واستطلاعات الرأي يرجّحون ارتفاع شعبية وزير الخارجية في الشارع المسيحي المتشدد على خلفية الأزمة الأخيرة، ووفق الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، فإن «القراءة الأولية تفيد بأن ما حصل رفع من شعبية باسيل، بعد ردّة فعل مناصري الرئيس نبيه برّي، بوصولهم إلى منطقة مسيحية، والاستياء الكبير الذي ولّده في الأوساط السياسية المسيحية حتى المتضامنة مع برّي».

رسالة برّي للحليف
في سياق ثانٍ، فإن «ربط نزاع» خلاف برّي - عون بجهود من «حليفي» الطرفين، وأبرزهم «حزب الله» ورئيس الحكومة سعد الحريري، لا يعني أن الوضع في لبنان سيعود إلى طبيعته، خصوصاً بعد اهتزاز «التسوية» التي أدت إلى انتخاب عون رئيساً، ونجحت في تشكيل حكومة برئاسة الحريري. وقد تكون الإجابة الفاترة للنائب علي بزّي (كتلة برّي) عند سؤاله، خلال «مصالحة الحدث» عما إذا كانت طويت الصفحة «ماشي الحال»، خير دليل على هذا الأمر.
وبالفعل، قواعد المعادلة السياسية بدأت تتغيّر، بما في ذلك فرز التحالفات. وأهمها، بحسب ما يرى الوزير السابق الدكتور سليم الصايغ، نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية، «عدم تفرّد الثنائي (التيار الوطني الحر) و(المستقبل)، بالقرار اللبناني بغطاء من (حزب الله)، تنفيذاً لما أفرزته التسوية». ويوضح الصايغ: «ردة فعل برّي ليست رسالة فقط إلى باسيل، بل إلى أصحاب التسوية مجتمعين بمن فيهم حليفه (حزب الله) بعدما عمدوا إلى التفرّد بالسلطة والقرارات. وعبّر برّي عن هذا الواقع بصراحة بعد اتصال عون به، بالقول للصحافيين عند سؤاله عن مسألة فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي: هذه عند رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وليس بالضرورة أن تحصل بالتشاور معي... هما عادة لا يتشاوران معي في الأشياء التي هي من صلاحياتي، فكيف بالدورة التي هي من صلاحياتهما؟».
ولا ينفي الصايغ أن المستفيد الأكبر من مواجهة «برّي - باسيل» هو الأخير «الذي يحاول الظهور بأنه يواجه السلاح الشيعي، وهو أمر غير حقيقي». ويضيف: «عاش لبنان أزمة وطنية هي الثانية والأكبر من نوعها خلال عهد الرئيس عون، بعد أزمة استقالة الحريري والعودة عنها، وهذا يدل على هشاشة المعادلة السياسية التي أتت بالتسوية الرئاسية». ويرى نائب رئيس الكتائب أن سلوك باسيل في هذه الأزمة الممتدة من «التوقيع على مرسوم الضباط» هو «محاولة لتظهيره بأن هناك مشكلة كبيرة بين ما يسمى الفريق الشيعي والتيار الوطني الحر... وذلك لتقديم أوراق اعتماده إلى جهات غربية وإبعاد تهمة تغطية سلاح (حزب الله) عنه».
ولا تبتعد قراءة مصدر في «أمل» كثيراً عن رأي الصايغ، إذ اعتبر أن «ما حصل ليس قضية خطأ ارتكب، وكلام لا شكّ أنه كبير بحق رئيس مجلس النواب، ما يعكس نوعاً من الاستبداد والتسلط والهيمنة من شخص اعتاد منذ فترة على هذا السلوك... هذا لم ولن نقبل به بعد الآن، وسنكون له بالمواجهة على طاولة الحكومة التي لا نزال متمسكين باستمرارها».
في المقابل، ترى جهات في «التيار الوطني الحر» أن التسوية «ما زالت مستمرة بدليل حرص الجميع على بقاء الحكومة وإجراء الانتخابات»، داعية إلى انتظار نتائجها، خصوصاً فيما يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة. مع الإشارة إلى أن المواجهة الأبرز في تلك المرحلة ستكون، وفق التقديرات، في حرص برّي على تكريس «التوقيع الشيعي» على المراسيم عبر التمسك بوزارة المال كي تكون من حصة الطائفة الشيعية.
المصدر في «أمل» يؤكد من جهته «أكثر من الخطأ والاعتذار نحن أمام نهج يعتمده فريق باسيل ومشروع لم يبن ولن يبني وطناً... بل يعود بنا إلى خطاب الحرب والطائفية، وهو ما لم نرض ولن نرضى به». ثم يتساءل: «هل المطلوب ضرب (اتفاق الطائف) والدستور؟ هناك من يريد أن يطبّق الدستور وهناك من يعمل لضربه، و(مرسوم الضباط) الذي تم القفز به فوق الدستور عبر تجاهل توقيع وزير المال خير دليل على هذا الأمر». ويستطرد: «من هنا معركتنا ستكون على طاولة الحكومة، وليس خارجها، في مواجهة كل الصفقات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعملون على تمريرها... ومن الآن فصاعداً سنكون لهم بالمرصاد». وكان برّي نفسه قد قال بعد المصالحة الشفهية: «في الحكومة نحن مستمرون والانتخابات حاصلة، ولكننا أيضاً مستمرون على مواقفنا من الملفات المعروفة، ومنها الكهرباء»، وهو ما سبق أن أكد عليه وزير المال علي حسن خليل بالقول: «الوضع لن يكون سهلاً والوضع السياسي ليس مريحاً... أما على الأرض فنحن طلبنا الخروج من الشارع».

تباين... أم توزيع أدوار؟
للمرة الأولى منذ بدء الخلافات بين «أمل» و«التيار الوطني الحرّ»، أخذ «حزب الله» موقفاً علنياً إلى جانب برّي، بعدما كان «عتب» الأخير على حليفه الشيعي قد وصل إلى مرحلة متقدمة. وفي هذه الأثناء، حاول الحريري المساواة بين الجانبين عبر استنكار كلام باسيل من جهة، ورفض اللجوء إلى الشارع من جهة أخرى.
عتب «أمل» على «حزب الله» لا ينفيه مصدر نيابي في كتلة «التنمية والتحرير» (كتلة «أمل») عندما يجيب على سؤال على رأيه بمدى صمود اتفاق «الحزب» و«التيار»، بالقول: «نحن موقفنا واضح ويجب توجيه السؤال لهم»، إلا أنه في الوقت عينه على مواقف الأطراف الأخرى.
وفي بيانه كان «حزب الله» رفض رفضاً قاطعاً الكلام الذي أساء إلى برّي شكلاً ومضموناً، معتبراً «أن هذه اللغة لا تبني دولة ولا تأتي بإصلاح، بل تخلق المزيد من الأزمات وتفرّق الصف وتمزّق الشمل وتأخذ البلد إلى مخاطر هو بغنى عنها». لكن استياء «حزب الله» من كلام حليفه المسيحي، ثم الانحياز إلى حليفه الشيعي، لا يعني سقوط «ورقة التفاهم» التي وقعها مع «التيار الوطني الحر» عام 2006، بحسب ما يؤكد الطرفان، ويرى فيه الوزير السابق سليم الصايغ أمراً صعباً.
ووفق مراقب مطلّع على موقف «الحزب،» فـ«إن حلفاء (الحزب) في (التيار الوطني الحر) يعرفون أن ما يربط (الحزب) و(أمل) تحالف وجودي، وهما جسدان بروح واحدة، وما يسيء للحركة لن يُقبل به ولا مجال للسكوت عنه». في حين يؤكد القيادي «العوني» الوزير السابق الدكتور ماريو عون أن «التحالف مع (الحزب) استراتيجي وصلب». وأردف «أما المواقف الأخيرة فتستوجب بعض الإيضاحات في الوقت المناسب»، مضيفاً: «موقف (الحزب) لم يكن موجّهاً ضد (التيار)، بل مؤيداً لشريكه الثاني (الشيعي)، وبالتالي، لم يكن هناك أي تجنٍ على (التيار)... وهو ما لن يؤثر على التفاهم الاستراتيجي بينهما».
الصايغ يذهب أبعد في هذه المجال فيقول: «ما يحصل لا يعدو كونه توزيع أدوار بين هذه الأفرقاء، و(حزب الله) لا يمكنه الخروج من اتفاقه مع (التيار)، والعكس صحيح، لأسباب عدة أهمها أن (الوطني الحر) يشكّل الغطاء المسيحي لسلاح (الحزب )من جهة ويستفيد منه باسيل، رئيس (التيار) من جهة أخرى عبر فرض سلطته على الدولة». ويضيف «كل ما يحصل اليوم ليس إلا شراء وقت للأزمة المفتوحة... بينما لا تزال المشكلة الأساس في الدولة وتركيبتها، والحل كان ولا يزال، إيجاد حل لسلاح (حزب الله) الذي يحكم لبنان واستكمال تطبيق اتفاق الطائف أو تعديل ما يجب تعديله».
وعلى خط الأفرقاء السياسيين الآخرين، بين حلفاء وخصوم الطرفين، كان موقف الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، حليف برّي، والمتضرّر من التسوية الرئاسية وتداعياتها السياسية في السلطة، صريحاً إلى جانب برّي. وفي الاتجاه نفسه قال سليمان فرنجية القيادي في «تيار المردة»، وخصم باسيل، وحليف «الوطني الحر السابق» أن «الوطن يغلي و(العهد) يترنّح ورئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل يحصي الأصوات»، (في إشارة إلى الانتخابات النيابية).
بعكس جنبلاط وفرنجية، كان موقف «القوات اللبنانية» الذي صدر على لسان رئيسه الدكتور سمير جعجع بعد ردة فعل مناصري «أمل» في الشارع، والاعتداء على مركز «التيار»، ميالاً إلى باسيل، رغم «الاختلافات» بينهما. وقال ما معناه إنه بغض النظر عن رأي «القوات» أو تقييمها لما قاله وزير الخارجية، وبغض النظر عن علاقتها وتقديرها للرئيس برّي، لا يستطيع أن يقبل ما حصل في الشارع «لأنه انتهاك صريح لمنطق الدولة ووجودها».
في المقابل، كان حزب الكتائب المعارض، الذي اتّهم بتسريب فيديو باسيل، عبر مناصرة «كتائبية» كانت موجودة في لقاء قرية محمَرْش البترونية، واضحاً في استنكار كلام باسيل، لا سيما أن الحزب لم يسلم من اتهامات في الفيديو المسرّب لكلامه، ليعود بعدها ويستنكر كل ردود الفعل التي حصلت في الشارع، مؤكداً على أن «الكلمة يرد عليها بكلمة أو بالقضاء».



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.