من «كينغ كونغ» إلى ثورة كوكب من القردة

عداء يحكم الشاشة

كينغ كونغ على رأس الإمباير ستايت.. لقطة من نسخة 1933  -  من «كوكب القردة».. صراع جديد حول من يملك الأرض
كينغ كونغ على رأس الإمباير ستايت.. لقطة من نسخة 1933 - من «كوكب القردة».. صراع جديد حول من يملك الأرض
TT

من «كينغ كونغ» إلى ثورة كوكب من القردة

كينغ كونغ على رأس الإمباير ستايت.. لقطة من نسخة 1933  -  من «كوكب القردة».. صراع جديد حول من يملك الأرض
كينغ كونغ على رأس الإمباير ستايت.. لقطة من نسخة 1933 - من «كوكب القردة».. صراع جديد حول من يملك الأرض

قبل الإنسان، يقترح ستانلي كوبريك في «2001: أوديسا الفضاء» (1968)، كان هناك القردة التي لم تعرف القتال ولا العنف إلا عندما اقترن ذلك برغبتها في البقاء حيّة. بركة ماء وعظمة ضحية من الحيوانات المجهولة حرّكتا قبيلتين من القردة فتحاربتا والجريمة الأولى (قبل هابيل وقابيل؟) وقعت وشعر القرد بالنصر الكبير ورمى القطعة الكبيرة من العظام التي استخدمها للقتال. ابتكر السلاح وعرف معنى القتل والنشوة. وإذ يقترب موعد عرض فيلم جديد من بطولة القردة، فإن كوبريك يبدو الأول ممن نظر إلى هذا الفصيل غير البشري نظرة جادة. مخيفة أيضا.
لم يقل كوبريك إن أصل الإنسان هو قرد، كما أراد منّا داروين أن نصدّق، لكنه قال إن القرد الكبير فكّر وارتقى حين أرسل تلك العظمة إلى الأعلى فلحقت بها الكاميرا لتقلبها مركبة فضائية في العام الذي كان لا يزال كامنا في المستقبل: 2001. نقلة رائعة اختزلت فرضيا مئات ألوف السنين لتضع المشاهدين في جو مختلف ولو أن جدار المعرفة ما زال هو التحدّي الأكبر: ها هو الإنسان يسلم مقاليد المعرفة للكومبيوتر والكومبيوتر يتآمر عليه لأن الكون لا يتّسع لعنصرين من الأذكياء حتى ولو كان واحد منهما بشرا.

* كينغ كونغ في نيويورك
السينما والقردة تصاحبا منذ زمن بعيد. هناك تلك الأفلام القصيرة التي تظهر سعادين صغيرة، من تلك التي تحب الجلوس على كتف صاحبها ومضايقة الآخرين والتي جرى تصويرها، كأفلام تسجيلية كونها بلا دراما، في السنوات العشر الأولى من القرن العشرين. لكن الحضور الأكبر والأهم بالطبع انتظر لعام 1933 عندما قام المخرجان مريان س. كوبر وإرنست ب. شويدساك بتحقيق «كينغ كونغ»: ذلك الغوريلا الأطول من أشجار الغابة وأقوى من كل حيواناتها البدائية. سفينة تحمل مجموعة من السينمائيين ورجال مهنة الاستعراضات الفنية تحط على ساحل جزيرة لا وجود لها في أي خارطة. الفتاة الجميلة (فاي راي) تنطلق في الغاية غير مدركة أن ما عليها من وحوش وحيوانات ما زال يعيش عصر الديناصورات. وسريعا ما تجد نفسها في قبضة ذلك الغوريلا الوحش الذي يحملها بين أصابع يده. كان يستطيع أن يضغط عليها بأصبعه الصغير فتلفظ الروح، لكنه وجدها ولسبب في نفسه مثيرة تماما، والمفارقة مقصودة، كما وجدها النظّارة آنذاك وهم يتابعون فيلما لم يشبه أي فيلم آخر قبله.
كان هناك بضعة أفلام طرزانية في أواخر العشرينات، لكن طرزان لم يصدف أن واجه غير الشمبانزي التي كانت تتجاوزه ذكاء في بعض الأحيان. مع «كينغ كونغ» كان الوضع أصعب بكثير لا على بطلة الفيلم التي تحاول الهرب من هذا العاشق المتيّم، بل على الوحش ذاته. فهو بسبب الحب وقع في الأسر، وبسببه وجد نفسه وقد تحوّل إلى مهرّج، ثم بسببه صعد قمّة الإمباير ستايت في نيويورك ورفع قبضته ليطيح بالطائرات الحربية التي حاولت قتله.
المسكين حاول جهده أن يفهم لماذا لا يستطيع الفوز بمن يحب. ما هذا العالم الذي يحتشد ضدّه. لماذا جاءوا به إلى هنا. كينغ كونغ لم يكن قادرا على أن يفهم تركيبته، لكنه فهم أن الإنسان يريد الاستئثار به ونقله من بيئة هو إلى المدينة لتكييفه. سأترك لكم نيويورك. فقط أعطوني هذه الفتاة ودلوني كيف أعود إلى جزيرتي!
الحقيقة أن كونغ لم يولد صدفة. المخرجان كوبر وشودساك أحبّا السينما الفانتازية وأحبا قصص الغابات معا وفي تاريخ أعمالهما بضعة أفلام تدور رحاها في أفريقيا. أحدها بعنوان «تشانغ: دراما في البرية الموحشة} والكاتب بالمناسبة يحمل اسما عربيا هو أحمد عبد الله الذي عاش ما بين 1881 و1945 من دون أن يعلم به أحد. لم يُتح له، أو ربما هو لم يتح لنفسه، بناء صيت كبير. كل رصيده من الأفلام ثمانية أولها «الحب الوثني» سنة 1920. وهو كتب السيناريو الأول لفيلم «لص بغداد} بعد أربع سنوات من عمله الأول، ذاك الذي أخرجه الهوليوودي العتيق راوول وولش من بطولة دوغلاس فيربانكس في دور اللص غير الظريف. لكن اسم أحمد عبد الله لم يرد ذكره في المقدّمة ما يعني أن نسخته من السيناريو ليست هي التي وجدت طريقها إلى التنفيذ.

* كوكب القردة
إرنست شوداساك حقق مع زميل مختلف هو وسلي رغلز فيلما آخر من بطولة قردة كبيرة في العام ذاته الذي حقق وكوبر فيلم «كينغ كونغ» تحت عنوان «مخلب القرد»، لكن «كينغ كونغ» هو الذي ساد وأثر بالكثير من المخرجين وفاز بإعادة الصنع مرّتين. الأولى سنة 1976 عندما قام جون غيلرمن، وكان في عز تصدّيه للأفلام ذات الميزانيات الكبيرة مثل «جسر رميغان» الحربي و«برج الجحيم» الكوارثي، بتحقيق نسخته عنه. هذا بعد أن أقدم شوداساك وكوبر على تحقيق فيلم بعنوان «ابن كينغ كونغ» في أواخر الثلاثينات، لكن الابن لم يكن كأبيه هذه المرّة.
«كينغ كونغ» غيلرمن هو الذي قدّم لنا الممثلة (الشقراء أيضا) جسيكا لانغ وغيلرمن حاول إقناعها ببطولة جزء ثان بعنوان «كينغ كونغ يحيا» لكنها كانت أذكى من أن تفعل ذلك وقبلت المهمّة عنها ممثلة اسمها ليندا هاملتون لم تبلغ شأنا كبيرا من الشهرة بعد ذلك.
«كينغ كونغ» الثالث حققه بيتر جاكسون سنة 2005. يومها كانت المؤثرات الخاصّة بلغت مستوى غير مسبوق لكن لا شيء مثل تلك المؤثرات البدائية من حيث أنها كانت أكثر إقناعا بالخرافة من أي فيلم حديث.. مثلها في ذلك مثل الأبيض والأسود.. يبدو أكثر واقعية على الرغم من أن الدنيا ملوّنة.
خلال أسابيع قليلة سنواجه قردة مختلفين. ربما هم أقرب إلى قردة كوبريك من الغوريلا المتوحش الذي مات حبّا. «فجر كوكب القردة» الذي سينطلق في الحادي عشر من يوليو (تموز) المقبل من إخراج مات ريفز وبطولة (العراقي الأصل) أندي سركيس وغاري أولدمن وجاسون كلارك وآخرين. إنه الجزء الثامن لم فقد العد. الأول ورد سنة 1968 وقام بإخراجه فرانكلين ج. شافنر عن رواية فرنسية لبيير باول. شارلتون هستون في دور الإنسان الذي يجد نفسه محاطا بشعب من القردة القادرين على التفكير واتخاذ القرارات. لديهم مملكة وبينهم الصالح والطالح وفوق ذلك يتكلّمون، من بين كل اللغات، الإنجليزية بطلاقة.
ترى ما الذي يجعلنا تواقين إلى مشاهدة هذه المخلوقات وهي تؤكد لنا أنها أكثر قوّة من بني البشر وأحق منه في احتلال الأرض؟ من أشرار الفيلمين الأول والثاني إلى أبطال الأجزاء اللاحقة حتى إذا ما حل الجزء السابع سنة 2011 وجدناهم قد جنحوا للعدائية من جديد في فيلم بعنوان «ثورة كوكب القردة}.
لم يدّع أحد أن صنف القردة، من السعادين الصغيرة وصولا إلى كينغ كونغ، كان صديقا محبّا للإنسان. ربما في غريزتنا أنه لو قدّر لهم احتلال الأرض، مع تلك القدرات الفطرية التي تجعلهم على ذكاء مشابه في جينياته مع الإنسان، لقاموا بذلك فعلا. خاطر لا يثير الطمأنينة بل الخوف.

* ثم هناك جو يونغ
* المخرج إرنست ب. شودساك ركبه الهوس بالغوريلا وبعد أن نفّذ «ابن كينغ كونغ» وعجز عن تنفيذ سواه، عاد إلى الغابات الأفريقية ليستوحي منها أعمالا مختلفة. واحد من تلك الأعمال حدث سنة 1949 عندما نقل حكاية غوريلا ضخمة أخرى سمّاها «جو يونغ}. الكاوبوي بن جونسون لعب الدور الرجالي الأول وتيري مور لعبت الدور النسائي الأول، لكن أحدا لم يتوقّف لمعرفة من لعب شخصية الغوريلا..



«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز