التنين الصيني يحدد مستقبل العالم

كتاب فرنسي يطرح أسئلة عن مساراته سياسياً واقتصادياً وثقافياً

التنين الصيني يحدد مستقبل العالم
TT

التنين الصيني يحدد مستقبل العالم

التنين الصيني يحدد مستقبل العالم

فرضت الصين نفسها بقوة على منظومة السباق العالمي، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وأصبح «التنين الصيني» واحداً من الدول الأقوى التي تحكم مؤشرات الصراع فوق ظهر هذا الكوكب.
حول هذا الموضوع، صدر أخيراً بالعاصمة الفرنسية كتاب بعنوان «القدرة الصينية في مائة سؤال» للكاتبة الفرنسية فاليري نيكويت «Valérie Niquet» عن دار النشر الفرنسية «تالاندير Tallandier». يقع الكتاب في 304 صفحات من القطع المتوسط، وعبر هذه الصفحات طرحت الكاتبة مائة سؤال، تشكل فيما بينها لوحة كاملة للصين اليوم بصفتها قوة اقتصادية وثقافية وديموغرافية ونووية وعسكرية، مؤكدة في الوقت ذاته أسباب بلوغ الصين هذه المكانة المهمة دولياً خلال بضعة حقب زمنية لتتبوأ اليوم المرتبة الثانية عالمياً على المسار الاقتصادي والأولى على مسار الصادرات والواردات، وبخاصة فيما يتعلق بواردات النفط والمواد الأولية، وكذلك مكانتها الثانية على المسار العسكري عالمياً بعد الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ تقدر ميزانيتها في مجال الدفاع بـ144 مليار دولار وفقاً لإحصائيات 2017. بل، أصبح يحدد سوقها وتبادلاتها وخياراتها الاستراتيجية مستقبل العالم. ورغم التباطؤ النوعي للنمو الاقتصادي على مستوى العالم في 2015 وما أحدثه من تراجع حاد وواضح في الميزان التجاري، فإنه ما زال ينظر للصين بصفتها رائداً للنمو العالمي ومُنقذاً للاقتصاديات التي تعاني من أزمات اقتصادية.
أضفت الأسئلة المائة المطروحة من قبل المؤلفة على الكتاب طابعاً معلوماتياً شيقاً لما ينطوي عليه من حجم معلومات كبير يساعد على فهم واستيعاب ما توصلت إليه الصين اليوم، فبحسب الكتاب أنتجت واستخدمت الصين خلال الفترة من 2011 إلى 2013 كميات من الإسمنت أكثر من تلك التي أنتجتها واستخدمتها الولايات المتحدة الأميركية طوال القرن العشرين كاملاً.
ويلفت الكتاب إلى أن الصين حققت نجاحات حقيقية مذهلة على أرض الواقع تتمثل في خروج 500 مليون نسمة من مواطنيها من عباءة الفقر منذ 1980 حتى الآن، وهو رقم مذهل في الواقع؛ لأنه يمثل تخفيض معدل الفقر عالمياً بنسبة 75 في المائة عن الفترة نفسها. ولذلك؛ يسعى قادة الصين ليس فقط نحو الحفاظ على ما حققوه من نجاحات ملموسة، لكنهم أيضاً يعملون جاهدين على تطوير هذه النجاحات؛ خشية عليها من تعرضها لأي تهديدات، أو أن يضربها الضعف؛ لأن نموذج انهيار الاتحاد السوفياتي ليس ببعيد عن أعينهم؛ فهو حاضر وبقوة في أذهانهم.
ورغم ذلك، تنتقد المؤلفة الوضع الاقتصادي للمواطن الصيني، مؤكدة أنه على الرغم من قوتها الاقتصادية العاتية، فإن هذا لم ينعكس إيجاباً على المواطن الصيني؛ إذ تشير الأرقام إلى أن الصين تحتل المرتبة الـ74 عالمياً فيما يتعلق بنصيب الفرد من الثروة القومية، وهي مرتبة متواضعة للغاية، حيث تأتي الصين بعد روسيا وفنزويلا والمكسيك، وبالتالي فإن تطلعات الشعب وآماله لا تزال كبيرة وأحلامه في الثراء لا تزال صعبة المنال، وبخاصة لدى الأجيال الجديدة التي لم تعرف الخصخصة. ولذلك؛ فمنذ تعيينه رئيساً للبلاد في 2012، أنعش شي جينبنغ الآمال بتعميق الإصلاحات الاقتصادية والسياسية من خلال تعزيز التوجهات الوطنية والقومية، وبخاصة أن منطقته تشهد تحولات عميقة وجوهرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

عباءة الثقافة والاقتصاد سياسياً
وفي حديثها عن البعد الثقافي والمجتمعي، تناولت المؤلفة أوجهاً كثيرة، منها دور الأديان وثقلها في قلب المجتمع الصيني الذي شهد تغيراً كبيراً في تركيبته الديموغرافية جراء سياسة الطفل الواحد، وهي السياسة التي انتهجتها الإدارة الصينية لموجهة زيادتها السكانية، إلا أن مردودها السلبي كان كبيراً على المجتمع الصيني داخلياً وخارجياً؛ إذ تشير الإحصائيات إلى تراجع السكان في سن العمل خلال عام 2015 بمقدار 4.87 مليون نسمة، وهو ما يعد تغيراً جوهرياً في تركيبة المجتمع الصيني الذي ظلت تمثل الأيدي العاملة ولسنوات طويلة إحدى أدواته المميزة وقوته الناعمة المهمة، إضافة إلى ذلك، فإن 1 في المائة فقط من السكان يمتلكون 33 في المائة من إجمالي ثروات البلاد. وتناولت المؤلفة أيضاً مسألة شبكات التواصل الاجتماعي، مؤكدة على أن شبكات التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت لا تزال تخضع لرقابة صارمة من قبل النظام وحزبه، ورغم ذلك، فإن موقع (Alibaba) الاقتصادي الصيني له أكثر من 400 مليون مستخدم. كما أن الحزب الشيوعي الصيني يسيطر على شبكة الإنترنت، وأن 80 في المائة من الـ34 مدينة صينية تعاني من معدل تلوث أعلى بكثير من المعدلات العالمية، حيث شهد عام 2015 انفجاراً غير قانوني لـ700 طن من المواد الكيميائية.
لا ينفصل هذا عن السياسة الصينية التي يناقشها الكتاب في فصله الثالث لمعرفة من يحكم ويدير الصين، مؤكداً أن «التوترات تزداد رويداً رويداً، وبقوة كبيرة بين المبادئ التسلطية»، كما أن حالة التضييق والرقابة الصارمة المفروضة على شبكة الإنترنت جعل منظمة «مراسلون بلا حدود» تصنف الصين في المرتبة الخامسة عالمياً للدول التي لا تحترم حرية الصحافة. كما تناولت المؤلفة كذلك حالات الانشقاق التي طالت المجتمع الصيني، فهناك منشقون عدة لجأوا إلى خيار المنفى في الخارج في مواجهة صرامة النظام الصيني.
خصصت المؤلفة في الكتاب فصلاً كاملاً حول الاقتصاد الصيني لمعرفة ماهيته وتوجهاته، وهل هو اقتصاد سوق أم اقتصاد اشتراكي؟ وتوصلت إلى أنه من الصعب تحديد ذلك الآن؛ فهناك 103 شركات صينية مملوكة للدولة الصينية، وتعد من بين أكبر وأهم 500 شركة عالمياً. كما أن الاستثمارات الأجنبية تمثل أهمية للصين، سواء من وجهة النظر الاقتصادية أو من وجهة نظر صورة الصين خارجياً.
وعلى الرغم من أن العملة الصينية «اليوان» لا تعد عملة دولية إلا بنسبة 2 في المائة فقط من حجم التعاملات، وعلى الرغم كذلك من أن الصين وأميركا يمثلان 40 في المائة من الاقتصاد العالمي، فإن الصين تحتل، منذ 2013، المرتبة الأولى عالمياً في حيازة العملة الأجنبية.
وتؤكد المؤلفة أن الشواهد تشير إلى صعوبات تجابه النظام الصيني اليوم، وتتساءل عما إذا كان ذلك يمثل ضعفاً عابراً أم طويل الأمد؟ وهل يستطيع النظام الصيني الخروج من عباءة الطاغية على المدى القصير؟ وهنا تشير المؤلفة إلى أن هذا الوضع يتطلب إحداث نمو قوي بأي ثمن لحفظ وصيانة شرعية النظام؛ ولذلك فقد وعد الرئيس الصيني بأن تصبح بلاده قوة معتدلة تنموياً في 2020 لإحداث تطور ملحوظ في متوسط دخل الفرد وتقليل الفروق الشاسعة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.
- الجغرافيا والاستراتيجية الخارجية
في الفصل الأخير من كتابها، تتناول المؤلفة أوجهاً كثيرة للصين الساعية نحو البناء كقوة عظمى، مشيرة إلى أن الرئيس الصيني يسعى نحو صياغة ما يسمى بـ«الحلم الصيني» لترسيخ مكانة الصين عالمياً من جانب، وأن تصبح الصين مستقلة من كل النواحي من جانب آخر. إلا أن التاريخ لا يزال متوقفاً اليوم عند نقطة غريبة تكمن في أن أكثر من نصف المسلسلات في الصين اليوم تتناول الحرب الصينية اليابانية، هذا رغم العلاقات الجديدة التي ترتسم الآن بين الصين وروسيا والتي تغير من شأنها الكثير من المعطيات الإقليمية والدولية.
كما تناولت المؤلفة خلال هذا الفصل محاور أخرى، مثل التواجد الصيني في آسيا الوسطى والهند وأفريقيا لتخلص في النهاية إلى التأكيد على قوة الصين الناعمة خارج نطاقها الجغرافي، وبخاصة في المناطق سالفة الذكر، حيث فتحت الصين أكثر من 500 معهد في 125 دولة منذ عام 2004.
يشار إلى أن مؤلفة الكتاب متخصصة في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية في آسيا ومسؤولة مهمة في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية بفرنسا؛ ما جعلنا أمام عمل مميز يجمع بين الأبعاد النظرية والحقائق المعلوماتية المأخوذة من الميدان الواقعي.


مقالات ذات صلة

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ثقافة وفنون «الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في...

عامر درويش (بغداد)
ثقافة وفنون «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

دشَّنت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» السعودية، الجمعة، جناح المملكة ضيف شرف «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026».

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
كتب فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية

لؤي عبد الإله
كتب «التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق،

حسين الحربي

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة
TT

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية من جامعة أكسفورد. كما أنجز أطروحته للدكتوراه (DPhil) في أكسفورد حول سوريا في أواخر العصر الروماني (البيزنطي). عمل في جامعة أكسفورد، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية SOAS في لندن وفي جامعة كمبريدج قبل انضمامه إلى معهد دراسة الحضارات الإسلامية (ISMC) التابع لجامعة أغا خان، ابتداء من عام 2012، أستاذاً في حقلي التاريخ والأديان المقارنة، لطلبة الماجستير، وهناك شغل منصب منسق برنامج الماجستير بين عامي 2013 و2017، كما تولّى منصب رئيس التعليم والعميد بالإنابة عام 2023. وقد نال جائزة البحوث من جامعة الآغا خان عام 2021، وجائزة القيادة المتميزة عام 2024. وهو عضو في الأكاديمية الأوروبية (Academia Europaea)، وزميل في الجمعية الملكية التاريخية، وزميل في الجمعية الملكية الآسيوية.

حفريات في العراق الساساني

أثار كتاب فيليب وود «حولية سْعِرْت: المخيال التاريخي في عراق أواخر العصر القديم» الصادر عن دار جامعة أكسفورد للنشر، الكثير من الاهتمام بين المعنيين في التاريخ الروماني البيزنطي بشكل خاص وتاريخ الشرق الأوسط بشكل عام، وتجسد هذا الاهتمام بظهور العديد من المراجعات المعمقة في دوريات أكاديمية بريطانية وأميركية.

وتكمن أهمية الكتاب في أنه ليس تاريخاً عن العراق قبل الفتح العربي - الإسلامي الذي يؤرخ بسقوط طيسفون (المدائن) عاصمة الإمبراطورية الساسانية عام 637 ميلادية بل هو دراسة لوثيقة مهمة مكتوبة بالعربية في القرن العاشر، ترجمها أسقف كلداني يدعى أداي شير إلى الفرنسية، كان يقيم في مدينة سْعِرْت الواقعة في جنوب شرقي تركيا، وقد قُتل هذا العالم الملم بالعربية عام 1915 ضمن حملة إبادة تعرض لها المسيحيون في تلك المنطقة على يد عناصر تركية وكردية غير منضبطة.

وقد رأى عدد من الباحثين أن أهميته لا تكمن فقط في تحليل «حولية سْعِرْت»، بل في الطريقة الجديدة التي تعامل بها «وود» مع النص بوصفه بناءً تخييلياً - تاريخياً يعكس تطور هوية المسيحيين العراقيين عبر القرون.

نقرأ في دورية «يو إن آر في» المتخصصة بالتاريخ الروماني ما يلي: «حولية سْعِرْت كُتبت بالعربية خلال عصر الخلافة العباسية... ولأنها كُتبت بعد فترة طويلة عن وقوع الأحداث الموصوفة فيها، سمحت طريقة (وود) بإزاحة طبقة بعد أخرى منها كاشفاً العناصر المفبركة بها، وهذا ما سمح بإظهار صورة شاملة للمدونات الأقدم عن الأقلية المسيحية خلال عصر الإمبراطورية الساسانية».

وهذا ما جعلنا نرى كيف كان حال البطريركية في العاصمة طيسفون (المدائن)، وفيها عرض فيليب وود كيف أن كنيسة المشرق، الواقعة إلى شرق سوريا، تطورت وأصبحت مختلفة عن كنيسة المشرق الأرثوذوكسية الواقعة إلى غربها في سوريا خلال الحكم البيزنطي.

النتيجة النهائية هو أننا نقرأ تاريخاً مختلفاً عما كُتب سابقا عن المسيحيين خلال العصر الساساني وعلاقاتهم بالإمبراطورية البيزنطية الشرقية، ونظرة بديلة عن النظرة السابقة للملوك الساسانيين، التي ترى أنهم كانوا ينظرون إلى المسيحيين باعتبارهم عناصر مزعزعة نتيجة لما يحملون من آيديولوجيا ميالة إلى الرومان. ويبين الكتاب أن الاضطهاد الذي مارسه الشاهات الساسانيين للمسيحيين كان ناجماً عن طبيعة معتقدات المسيحيين وتصرفاتهم التي ينقصها الامتثال المتوقع من رعاياهم.

كذلك، تبين الحولية كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق، وهو جانب لم تعطه الكتب السابقة اهتماماً كافياً.

الجانب الآخر الذي أشاد به معظم المراجعين لهذا الكتاب هو أن «وود» لم يتعامل مع الحولية كمجرد «مستودع معلومات» عن الماضي، بل بوصفها نصاً تراكمياً متعدد الطبقات، تشكلت رواياته عبر أجيال مختلفة من الكتّاب والمؤرخين. ولذلك فإن الكتاب، بحسب بعض المراجعات، لا يدرس «ما حدث» فقط، بل يدرس كيف تخيّل مسيحيو العراق تاريخهم الخاص وكيف أعادوا كتابة هذا الماضي لتأكيد هويتهم وعلاقتهم بالسلطة والمجتمع.

وأثنت عدة مراجعات مثل ما جاء في مجلة «المراجعة التاريخية الأميركية» و«دوريات جامعة شيكاغو» على المنهج الذي اتبعه فيليب وود في «تفكيك الطبقات» التاريخية داخل الحولية، أي محاولة إعادة بناء النصوص السريانية الأقدم المختبئة داخل النص العربي المتأخر. وقد اعتبر بعض الباحثين أن هذا المنهج يُشبه ما فعله مؤرخو الإسلام المبكر عند تحليل الطبقات المختلفة في روايات الطبري والبلاذري، لكن «وود» طبّقه على التراث السرياني - العراقي.

يمكن القول إن هذا الكتاب قدم صورة أكثر تعقيداً للعلاقة بين المسيحيين والدولة الساسانية. فهو يرفض الصورة التقليدية التي تختزل العلاقة في اضطهاد دائم بسبب «الولاء للروم»، ويُظهر بدلاً من ذلك شبكة أكثر تعقيداً من التفاوض والتكيّف والتعاون بين الكنيسة والنخب الساسانية، ثم لاحقاً مع الدولة العباسية.

ومن النقاط التي نالت اهتماماً واسعاً في المراجعات تحليل وود لدور الأديرة، والمدارس اللاهوتية، والنخب الأرستقراطية المسيحية، والبطريركية.

يُظهر هذا الكتاب أن التاريخ لم يكن مجرد تسجيل للأحداث، بل أداة لإنتاج الشرعية وصياغة هوية جماعية مسيحية داخل عالم ساساني ثم عباسي متعدد الأديان والثقافات.

كذلك رأى بعض النقاد أن من أهم إضافات الكتاب كشفُه كيف أُعيد دمج تاريخ الأديرة والمدارس والقديسين والأساقفة ضمن «سردية جامعة» تتمحور حول البطريرك في المدائن (طيسفون)، بحيث أصبح تاريخ الكنيسة أشبه بتاريخ سياسي - روحي موحَّد لكنيسة المشرق في شقها العراقي.

في المقابل، أشارت بعض المراجعات إلى أن الكتاب صعب نسبياً على القارئ غير المتخصص، بسبب كثافة الأسماء السريانية والتفاصيل التاريخية وتشابك الطبقات النصية. ورأى بعضهم أن الكتاب موجّه أساساً للباحثين المتخصصين بتاريخ المسيحية الشرقية والعراق الساساني، أكثر من القارئ العام.

ومع ذلك، فإن الانطباع العام في أغلب المراجعات كان إيجابياً جداً. فقد اعتُبر الكتاب دراسة رائدة أعادت وضع تاريخ المسيحيين العراقيين داخل مركز النقاش الأكاديمي الدائر حول أواخر العصر القديم Antiquity، بدلاً من النظر إليهم كهوامش تابعة للتاريخ البيزنطي أو الإسلامي فقط. كما رأى بعض الباحثين أن وود نجح في تحويل «حولية سْعِرْت» من نص مهمل نسبياً إلى مصدر أساسي لفهم تشكل الهوية المسيحية العراقية بين الساسانيين والعباسيين.

الخليفة المأمون وديونيسيوس التلمحري

في عام 2021 أصدر فيليب وود كتاباً جديداً عنوانه «إمام النصارى: عالم ديونيسيوس التلمحري (750- 850 ميلادياً)»، وفيه يتعقب حلقة أخرى تكشف مدى التعاون المثمر الذي تحقق خلال الخلافة العباسية وخصوصاً بعد وصول المأمون إلى سدة الحكم، وكانت من مظاهر هذا التعاون مشاركة العديد من المثقفين المسيحيين الذين يتقنون اللغات العربية والآرامية (السريانية) ترجمة الكثير من الكتب ذات الأصل الإغريقي إلى العربية، ومن أشهر الكتب التي لعبت دوراً في تطور الفلسفة العربية - الإسلامية كتاب «أثولوجيا أرسطو» الذي ترجمه المسيحي ابن ناعمة الحمصي وقام بتحريره الفيلسوف الكندي في بغداد.

من أهم أطروحات فيليب وود أن ديونيسيوس استخدم مفهوم «الإمام» لوصف موقعه الديني والسياسي داخل الجماعة المسيحية. ولم يكن ذلك مجرد استعارة لغوية، بل محاولة لإعادة تعريف سلطة البطريرك وفق النموذج السياسي الإسلامي. فالإمام، في التصور الإسلامي، ليس فقط من يؤم الصلاة، بل هو أيضاً مرجع أخلاقي وسياسي للجماعة. ديونيسيوس حاول أن يمنح البطريرك دوراً مشابهاً داخل المجتمع المسيحي الخاضع للدولة العباسية.

ويرى «وود» أن التحول الكبير بدأ بعد سقوط الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، إذ فقدت الكنائس القديمة علاقتها المباشرة بالدولة الإمبراطورية المسيحية، واضطرت إلى التكيف مع واقع سياسي جديد تقوده دولة إسلامية عربية. في البداية تمتعت النخب المسيحية المحلية بحرية واسعة نسبياً بسبب ضعف السيطرة المركزية بعد الفتوحات، لكن مع صعود العباسيين عاد نموذج الدولة المركزية والضرائب والإدارة المُحكمة. وهذا ما دفع القيادات المسيحية إلى تطوير أشكال جديدة من التنظيم والوساطة مع السلطة العباسية.

إحدى الأفكار المهمة في الكتاب هي أن الثقافة الإسلامية لم تؤثر في المسيحيين على مستوى اللغة فقط، بل على مستوى المخيال السياسي نفسه. فالمسيحيون السريان بدأوا يستعيرون مفاهيم من البيئة الإسلامية، مثل فكرة الجماعة المنظَّمة تحت قائد شرعي، وفكرة العلاقة بين السلطة الدينية والإدارة الاجتماعية. لذلك يصف «وود» هذه العملية بأنها نوع من «التخيّل السياسي المشترك» داخل العالم العباسي.

كما يركز الكتاب على أن المسيحيين كانوا جزءاً فعّالاً من الحياة العباسية: في الإدارة، والترجمة، والطب، والبيروقراطية، والثقافة الفكرية. فهم لم يكونوا معزولين عن المجتمع الإسلامي، بل شاركوا في تشكيل الحضارة العباسية نفسها، مع احتفاظهم بهويتهم الطائفية الخاصة.

ومن الأفكار اللافتة أيضاً أن «وود» يحاول تجاوز الصورة الأوروبية التقليدية للعلاقة بين الإسلام والمسيحية بوصفها مجرد صراع أو اضطهاد. بدلاً من ذلك، يقدم صورة أكثر تعقيداً: تفاعل، وتفاوض، وتكيّف متبادل، وصياغة لهويات جديدة داخل فضاء حضاري واحد. لذلك فالكتاب ليس مجرد سيرة لبطريرك سرياني، بل دراسة لكيفية تشكل «سياسة مسيحية» داخل العالم الإسلامي المبكر.

تركّزت أبحاث فيليب على موقع «الأقليات» الدينية داخل إمبراطوريات غرب آسيا خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين الخامس والعاشر الميلاديين. وقد تناول جانب كبير من هذا العمل الجماعات المسيحية التي تستخدم السريانية (وهي إحدى لهجات الآرامية) إضافة إلى العربية، واعتمد على مصادر مكتوبة بهاتين اللغتين لدراسة الكيفية التي يعيد بها قادة الجماعات، التي تمثل أقليات، إنتاج الخطابات الصادرة عن المركز الإمبراطوري أو تكييفها، وقد تناولت كتبه الثلاثة، التي ابتدأ أولها كأطروحة للدكتوراه، هذه العلاقة في الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية، وكذلك في الخلافتين الأموية والعباسية.

تبيّن حولية سْعِرْت كيف أن رجال الدين المسيحيين تأقلموا مع الحكام المسلمين بعد الانهيار السريع لإمبراطورية فارس في العراق


«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع
TT

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق، من وسط نجد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، منها إلى الكويت والعراق والشام ومصر. وارتبطت مصائر بعض رجالهم بها وآثروا سكناها إلى يومنا هذا. وقد صدر من الرباعية جزآن عن «مؤسسة الانتشار العربي» اللبنانية. الجزء الأول يقع في 358 صفحة والثاني في 425 صفحة.

اعتمدت الرواية على مراجع ودراسات كثيرة عن أحداث تاريخية معينة، وإن جاء المتخيل رديفاً سردياً يخفف من صلادة الوقائع التاريخية ليسكبها في قوالب تشبه إعادة صياغة للبنية السردية التاريخية.

تنطلق مغامرة المؤلف لكتابة هذه الرباعية الروائية التي ننتظر صدور الجزئين المتبقيين من مشهد مهيب لعودة رجال عقيل إلى ديارهم ليجدوها وقد عاث بها الجوع والمرض، هذه الاستفتاحة السردية تنبئ عما تكتنفه من صراعات ومواجهات مع الخوف والانتظار لمفاجآت تبعث بها صحراء يعبث بها بطش محاربين وطامعين ينتزعون لقمة عيشهم التي تبقيهم على مشارف الحياة هذا إن نجوا من المرض أو القتل.

هنا يتساوى الناس في الخوف الذي يقبض على القلوب في فضاءات انتزع منها الأمن وغادرتها السكينة:

«ما بين البلدات المتناثرة رمال حمر تحركها هبات هواء ساخن ومباغت تقطعها أودية هرمت بالجفاف، تتناولها الرياح تقلبها، تتلاعب بها كحفلة جن، تصفق الأبواب المواربة، في البلدة المهجورة تقريباً إلا من أطفال يحتضن أطفالهن خشية الموت خلف جدران حرشاء يابسة، ورجال لم يعد لأنفاسهم رائحة سوى رائحة الخوف، كم من السنين انصرمت وهم يتقلبون ما بين الفاقة والجوع لا يذكرون متى ولا كيف تناسلوا، هل سقطوا في بئر سوداء عميقة موحلة، وقد أيقنوا أنهم وصلوا حافات الهلاك».

المزيني جعل قلمه مشرط تشريح للبعد الزمني والمكاني الذي تقع فيه هذه الأحداث بصورة جلية، ثم يربطها بصورة أخرى أشد إيلاماً، للمرض الغريب الذي اندس في أجساد الناس الضامرة من الجوع، ليشهدوا موتهم عياناً وهم يتساقطون الآخر تلو الآخر، هل يرهن المرء نفسه للموت المنتظر أم يبحث له عن وسيلة تنتزعه من براثنه، هكذا فكر روضان الرجعان، وهو يستذكر كيف نجا صغيراً مع أخته التي تصغره. كانت عناية الله ثم المرأة النازحة من ديار بعيدة زوجة أحد الذين قضوا نحبهم في هذه الجائحة، لتنتشلهم وترعاهم. هذه الصورة التي لم تكن تغادر ذاكرة روضان دفعت به ليقف أمام شيخ عقيل ويطلب منه أن يرافقه في رحلته وشيكة الانطلاق «جلس روضان الرجعان بين الرجال صافناً متلحفاً بعباءته الصوفية، وقد لف شماغه حول وجهه، وعيناه تنظران إلى الأفق البعيد، كانت الأرض يابسة جرداء، وأفواه الرجال ناشفة متشققة لا تقوى حتى على الكلام، وكأنهم ينتظرون الموت، وذاكرتهم لا تزال غضة طرية بالوجوه التي اختطفها الموت من بين أيديهم عنوة، ورائحة القبور لا تزال عالقة في أنوفهم، وقلوبهم متلظية بالفقد، ما زال روضان الرجعان يتذكر تلك الريح السوداء التي اختطفت عشرة من أهله وعمومته بما فيهم أمه وأباه وثلاثة من أخوته وأختان وهو لا يزال في العاشرة من عمره، لم يبق له سوى بنت عمه مزنة ذات الخمس سنوات التي رآها تقفز بين الأزقة المهجورة، كان يجلس مستنداً إلى جدار تنش منه رائحة الموت، وهو يرمق الرجال من بعيد يدفنون جثامين الموتى، حتى النحيب الذي كان يخامر الليل، لم يعد يسمع له حس، سقط الجميع في جب الحزن والانتظار، متى يخرون على الأرض صرعى الريح السوداء».

من هنا وبهذه الصورة المشهدية تبدأ الرحلة السردية لتصور لنا كيف واجهت النساء مصائرهن بين سراق الأرض والجوع المباغت، والمرض المحتمل، وقد تدربن على الدفاع عن أنفسهن ولبسن ثياب أزواجهن لإيقاع الخوف في قلوب كل من تسول له نفسه الاقتراب من بيوتهن، وما بين الرجال وهم في عرض الصحراء يواجهون مصائر مختلفة، هجوم مباغت لمحاربين تملكوا الصحراء برعونة القوة الغاشمة، وحناشل يترصدون لهم تحت عباءة الليل السوداء، وعبر تتابعات الأحداث المرة تقع المفاجآت والكوارث، وفي كل مرة يجد رجال عقيل أنفسهم وقد تعلموا لغة الصحراء وباتوا هم الأقدر على المواجهة إما بحكمة التاجر الحصيف، أو بالقدرة على المواجهة بلا خوف أو تردد.

التغريبة النجدية سفر مليء بالأحداث محتدم بالصراعات، مسكون بالرجال والنساء، عابر للصحارى والمدن العربية، وقد اتخذت جميعها وسوماً شكلت فيما بعد صورة للتحولات المتلاحقة التي أعقبتها، حتى قيض الله سبحانه وتعالى للجزيرة العربية المؤسس الملك عبد العزيز (طيب الله ثراه) الذي انتشلها من معاناتها وكان رجال عقيل يقفون جنوداً أوفياء في صفوف مسيرته المباركة، ننتظر صدور ما بقي من الملحمة السردية، والشوق يحدونا لمشاهدتها واقعاً ممثلاً على الشاشة الرمضانية.

* كاتب وصحافي سعودي


مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي
TT

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي» (The AI-Ready Doctor) للدكتور عميد خالد عبد الحميد، الباحث العراقي - البريطاني المتخصص في الذكاء الاصطناعي الطبي وأخلاقيات الرعاية الصحية.

ويستعرض الكتاب التحولات العميقة التي بدأت تعيد صياغة مفهوم القرار الطبي التقليدي، مع التوسع المتسارع في اعتماد الأنظمة الصحية على الخوارزميات الذكية في التشخيص والتحليل السريري والتنبؤ بالمضاعفات.

ويركز المؤلف على سؤال محوري بات يُطرح بقوة داخل المؤسسات الطبية العالمية: هل أصبح الأطباء مستعدين فعلاً لعصر الذكاء الاصطناعي؟ فالكتاب لا يناقش التكنولوجيا بوصفها أدوات تقنية فقط، بل يتناول أيضاً أبعادها الأخلاقية والفلسفية، خصوصاً ما يتعلق بحدود الثقة بالخوارزميات، ومسؤولية الطبيب، ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة داخل الرعاية الصحية.

كما يطرح الكتاب مفهوم «الصمت الخوارزمي»؛ أي الحالات التي ينبغي فيها لأنظمة الذكاء الاصطناعي الامتناع عن إصدار توصيات حاسمة عندما تكون درجة عدم اليقين مرتفعة، وهي فكرة بدأت تحظى باهتمام متزايد في النقاشات الحديثة حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي. وقد حظي الكتاب باهتمام من «المجلة البريطانية لطب الأسنان» (British Dental Journal - BDJ) الصادرة عن دار «سبرينغر نيتشر» العالمية، التي ناقشت صدوره ضمن الاهتمام الدولي المتنامي بمفهوم «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصحي.

ويُعرف الدكتور عميد خالد عبد الحميد بإسهاماته في مجال الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان والرعاية الصحية، وهو أستاذ زائر في الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بجامعة شرق لندن، كما يكتب بانتظام في صفحة «علوم» في «الشرق الأوسط».

ويرى مراقبون أن الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الكتب يعكس تحولاً أوسع داخل المؤسسات الطبية العالمية، التي بدأت تدرك أن التحدي القادم لن يكون بناء أنظمة أكثر ذكاءً فقط، بل إعداد أطباء قادرين على فهم حدود هذا الذكاء، والتعامل معه دون فقدان البعد الإنساني للمهنة.

يعكس هذا النوع من المؤلفات تصاعد الاهتمام العالمي بما يُعرف اليوم بـ«الأدبيات الطبية الرقمية»، الذي يحاول فهم العلاقة الجديدة بين الإنسان والخوارزمية داخل الطب الحديث.