التنين الصيني يحدد مستقبل العالم

كتاب فرنسي يطرح أسئلة عن مساراته سياسياً واقتصادياً وثقافياً

التنين الصيني يحدد مستقبل العالم
TT

التنين الصيني يحدد مستقبل العالم

التنين الصيني يحدد مستقبل العالم

فرضت الصين نفسها بقوة على منظومة السباق العالمي، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وتكنولوجياً، وأصبح «التنين الصيني» واحداً من الدول الأقوى التي تحكم مؤشرات الصراع فوق ظهر هذا الكوكب.
حول هذا الموضوع، صدر أخيراً بالعاصمة الفرنسية كتاب بعنوان «القدرة الصينية في مائة سؤال» للكاتبة الفرنسية فاليري نيكويت «Valérie Niquet» عن دار النشر الفرنسية «تالاندير Tallandier». يقع الكتاب في 304 صفحات من القطع المتوسط، وعبر هذه الصفحات طرحت الكاتبة مائة سؤال، تشكل فيما بينها لوحة كاملة للصين اليوم بصفتها قوة اقتصادية وثقافية وديموغرافية ونووية وعسكرية، مؤكدة في الوقت ذاته أسباب بلوغ الصين هذه المكانة المهمة دولياً خلال بضعة حقب زمنية لتتبوأ اليوم المرتبة الثانية عالمياً على المسار الاقتصادي والأولى على مسار الصادرات والواردات، وبخاصة فيما يتعلق بواردات النفط والمواد الأولية، وكذلك مكانتها الثانية على المسار العسكري عالمياً بعد الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ تقدر ميزانيتها في مجال الدفاع بـ144 مليار دولار وفقاً لإحصائيات 2017. بل، أصبح يحدد سوقها وتبادلاتها وخياراتها الاستراتيجية مستقبل العالم. ورغم التباطؤ النوعي للنمو الاقتصادي على مستوى العالم في 2015 وما أحدثه من تراجع حاد وواضح في الميزان التجاري، فإنه ما زال ينظر للصين بصفتها رائداً للنمو العالمي ومُنقذاً للاقتصاديات التي تعاني من أزمات اقتصادية.
أضفت الأسئلة المائة المطروحة من قبل المؤلفة على الكتاب طابعاً معلوماتياً شيقاً لما ينطوي عليه من حجم معلومات كبير يساعد على فهم واستيعاب ما توصلت إليه الصين اليوم، فبحسب الكتاب أنتجت واستخدمت الصين خلال الفترة من 2011 إلى 2013 كميات من الإسمنت أكثر من تلك التي أنتجتها واستخدمتها الولايات المتحدة الأميركية طوال القرن العشرين كاملاً.
ويلفت الكتاب إلى أن الصين حققت نجاحات حقيقية مذهلة على أرض الواقع تتمثل في خروج 500 مليون نسمة من مواطنيها من عباءة الفقر منذ 1980 حتى الآن، وهو رقم مذهل في الواقع؛ لأنه يمثل تخفيض معدل الفقر عالمياً بنسبة 75 في المائة عن الفترة نفسها. ولذلك؛ يسعى قادة الصين ليس فقط نحو الحفاظ على ما حققوه من نجاحات ملموسة، لكنهم أيضاً يعملون جاهدين على تطوير هذه النجاحات؛ خشية عليها من تعرضها لأي تهديدات، أو أن يضربها الضعف؛ لأن نموذج انهيار الاتحاد السوفياتي ليس ببعيد عن أعينهم؛ فهو حاضر وبقوة في أذهانهم.
ورغم ذلك، تنتقد المؤلفة الوضع الاقتصادي للمواطن الصيني، مؤكدة أنه على الرغم من قوتها الاقتصادية العاتية، فإن هذا لم ينعكس إيجاباً على المواطن الصيني؛ إذ تشير الأرقام إلى أن الصين تحتل المرتبة الـ74 عالمياً فيما يتعلق بنصيب الفرد من الثروة القومية، وهي مرتبة متواضعة للغاية، حيث تأتي الصين بعد روسيا وفنزويلا والمكسيك، وبالتالي فإن تطلعات الشعب وآماله لا تزال كبيرة وأحلامه في الثراء لا تزال صعبة المنال، وبخاصة لدى الأجيال الجديدة التي لم تعرف الخصخصة. ولذلك؛ فمنذ تعيينه رئيساً للبلاد في 2012، أنعش شي جينبنغ الآمال بتعميق الإصلاحات الاقتصادية والسياسية من خلال تعزيز التوجهات الوطنية والقومية، وبخاصة أن منطقته تشهد تحولات عميقة وجوهرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

عباءة الثقافة والاقتصاد سياسياً
وفي حديثها عن البعد الثقافي والمجتمعي، تناولت المؤلفة أوجهاً كثيرة، منها دور الأديان وثقلها في قلب المجتمع الصيني الذي شهد تغيراً كبيراً في تركيبته الديموغرافية جراء سياسة الطفل الواحد، وهي السياسة التي انتهجتها الإدارة الصينية لموجهة زيادتها السكانية، إلا أن مردودها السلبي كان كبيراً على المجتمع الصيني داخلياً وخارجياً؛ إذ تشير الإحصائيات إلى تراجع السكان في سن العمل خلال عام 2015 بمقدار 4.87 مليون نسمة، وهو ما يعد تغيراً جوهرياً في تركيبة المجتمع الصيني الذي ظلت تمثل الأيدي العاملة ولسنوات طويلة إحدى أدواته المميزة وقوته الناعمة المهمة، إضافة إلى ذلك، فإن 1 في المائة فقط من السكان يمتلكون 33 في المائة من إجمالي ثروات البلاد. وتناولت المؤلفة أيضاً مسألة شبكات التواصل الاجتماعي، مؤكدة على أن شبكات التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت لا تزال تخضع لرقابة صارمة من قبل النظام وحزبه، ورغم ذلك، فإن موقع (Alibaba) الاقتصادي الصيني له أكثر من 400 مليون مستخدم. كما أن الحزب الشيوعي الصيني يسيطر على شبكة الإنترنت، وأن 80 في المائة من الـ34 مدينة صينية تعاني من معدل تلوث أعلى بكثير من المعدلات العالمية، حيث شهد عام 2015 انفجاراً غير قانوني لـ700 طن من المواد الكيميائية.
لا ينفصل هذا عن السياسة الصينية التي يناقشها الكتاب في فصله الثالث لمعرفة من يحكم ويدير الصين، مؤكداً أن «التوترات تزداد رويداً رويداً، وبقوة كبيرة بين المبادئ التسلطية»، كما أن حالة التضييق والرقابة الصارمة المفروضة على شبكة الإنترنت جعل منظمة «مراسلون بلا حدود» تصنف الصين في المرتبة الخامسة عالمياً للدول التي لا تحترم حرية الصحافة. كما تناولت المؤلفة كذلك حالات الانشقاق التي طالت المجتمع الصيني، فهناك منشقون عدة لجأوا إلى خيار المنفى في الخارج في مواجهة صرامة النظام الصيني.
خصصت المؤلفة في الكتاب فصلاً كاملاً حول الاقتصاد الصيني لمعرفة ماهيته وتوجهاته، وهل هو اقتصاد سوق أم اقتصاد اشتراكي؟ وتوصلت إلى أنه من الصعب تحديد ذلك الآن؛ فهناك 103 شركات صينية مملوكة للدولة الصينية، وتعد من بين أكبر وأهم 500 شركة عالمياً. كما أن الاستثمارات الأجنبية تمثل أهمية للصين، سواء من وجهة النظر الاقتصادية أو من وجهة نظر صورة الصين خارجياً.
وعلى الرغم من أن العملة الصينية «اليوان» لا تعد عملة دولية إلا بنسبة 2 في المائة فقط من حجم التعاملات، وعلى الرغم كذلك من أن الصين وأميركا يمثلان 40 في المائة من الاقتصاد العالمي، فإن الصين تحتل، منذ 2013، المرتبة الأولى عالمياً في حيازة العملة الأجنبية.
وتؤكد المؤلفة أن الشواهد تشير إلى صعوبات تجابه النظام الصيني اليوم، وتتساءل عما إذا كان ذلك يمثل ضعفاً عابراً أم طويل الأمد؟ وهل يستطيع النظام الصيني الخروج من عباءة الطاغية على المدى القصير؟ وهنا تشير المؤلفة إلى أن هذا الوضع يتطلب إحداث نمو قوي بأي ثمن لحفظ وصيانة شرعية النظام؛ ولذلك فقد وعد الرئيس الصيني بأن تصبح بلاده قوة معتدلة تنموياً في 2020 لإحداث تطور ملحوظ في متوسط دخل الفرد وتقليل الفروق الشاسعة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.
- الجغرافيا والاستراتيجية الخارجية
في الفصل الأخير من كتابها، تتناول المؤلفة أوجهاً كثيرة للصين الساعية نحو البناء كقوة عظمى، مشيرة إلى أن الرئيس الصيني يسعى نحو صياغة ما يسمى بـ«الحلم الصيني» لترسيخ مكانة الصين عالمياً من جانب، وأن تصبح الصين مستقلة من كل النواحي من جانب آخر. إلا أن التاريخ لا يزال متوقفاً اليوم عند نقطة غريبة تكمن في أن أكثر من نصف المسلسلات في الصين اليوم تتناول الحرب الصينية اليابانية، هذا رغم العلاقات الجديدة التي ترتسم الآن بين الصين وروسيا والتي تغير من شأنها الكثير من المعطيات الإقليمية والدولية.
كما تناولت المؤلفة خلال هذا الفصل محاور أخرى، مثل التواجد الصيني في آسيا الوسطى والهند وأفريقيا لتخلص في النهاية إلى التأكيد على قوة الصين الناعمة خارج نطاقها الجغرافي، وبخاصة في المناطق سالفة الذكر، حيث فتحت الصين أكثر من 500 معهد في 125 دولة منذ عام 2004.
يشار إلى أن مؤلفة الكتاب متخصصة في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية في آسيا ومسؤولة مهمة في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية بفرنسا؛ ما جعلنا أمام عمل مميز يجمع بين الأبعاد النظرية والحقائق المعلوماتية المأخوذة من الميدان الواقعي.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً