مؤتمر مراكش يطالب بمزيد من الإصلاحات ودعم المرأة والشباب

لاغارد: وضع سياسات مالية تدعم الفقراء من أولويات تحقيق النمو الشامل

رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد أثناء حضورهما المؤتمر الاقتصادي في مراكش أمس (رويترز)
رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد أثناء حضورهما المؤتمر الاقتصادي في مراكش أمس (رويترز)
TT

مؤتمر مراكش يطالب بمزيد من الإصلاحات ودعم المرأة والشباب

رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد أثناء حضورهما المؤتمر الاقتصادي في مراكش أمس (رويترز)
رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد أثناء حضورهما المؤتمر الاقتصادي في مراكش أمس (رويترز)

أكد المشاركون في مؤتمر الازدهار للجميع «تعزيز الوظائف والنمو الشامل في العالم العربي»، المقام في مراكش، أهمية الاستمرار في الإصلاحات لتعزيز النمو الشامل وتمكين المرأة والشباب ودعم القطاع الخاص ومقاومة الفساد ومكافحة الإرهاب لتوفير مناخ استثماري جاذب.
وفي الجلسة الافتتاحية لليوم الثاني أمس، أكد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة المغربية، أهمية الاستمرار في الإصلاحات، قائلا إن التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي أسفرت عن تحديات اقتصادية واجتماعية تواجهها معظم الدول، ومن بينها الانتقال الديموغرافي وتغيرات البنية السكانية والثقافة الاجتماعية ورفع سقف تطلعات الشباب والمرأة، مما يحتم وضع سياسات للاستجابة للتطلعات، ومنها رفع جودة التعليم والخدمات الصحية والتغطية الاجتماعية وتوفير فرص العمل.
وأشار العثماني إلى ما تمثله مشكلة البطالة من تحد قابل للتفاقم خلال السنوات المقبلة وعائق أمام النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي، وقال إن «إشكالية البطالة لا يمكن التغلب عليها دون مساهمة القطاع الخاص في إنتاج الثروات وخلق فرص العمل، ولذا نسعى لخلق مناخ تنافسي وملائم لممارسة الأعمال وتشجيع الاستثمار وتحسين شروط التمويل، خصوصا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطوير البنية التحتية والانفتاح على الاقتصاد العالمي».
واستعرض العثماني ما قامت به الحكومة من إصلاحات هيكلية وإرساء نمو اقتصادي قوي البنيان، وبناء مؤسسات قوية في مجال حقوق الإنسان والتنافسية ومحاربة الاختلالات والفساد المالي والإداري وتشجيع المبادرات وتحسين مناخ الأعمال وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية لدعم الفئات الضعيفة والتصدي للفساد واعتماد الحوكمة والشفافية. وأوضح أن تلك الإجراءات أدت إلى تقدم مركز المغرب في مؤشر القيام بالأعمال من المرتبة 128 عام 2010 إلى المرتبة 69 في عام 2017، مشددا على عزم المغرب الدخول إلى قائمة الدول الخمسين الأولى في المؤشر.
وأكد العثماني أن حكومته انتقلت إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني لإعطاء مجال أكبر للصناعة، التي تمثل 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، لتصل إلى 21 في المائة عام 2021، مع خطوة وضع سعر مرن لصرف العملة المحلية وإعطاء المرأة أهمية أكبر للقيام بدور في القيادة والمسؤولية لتقوية التنافسية والقيام بالأعمال.
من جانبها، ركزت كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، في خطابها على ثلاث نقاط تحتاجها المنطقة العربية، أولها الحاجة للنمو الشامل، وثانيها مراعاة التعديل والتحولات، وثالثها وضع أجندة لكل المنطقة، مشيرة إلى ثلاث أولويات لتحقيق هذا النمو الشامل، وهي خلق قطاع خاص نشط لتحقيق النمو وخلق فرص عمل، ودعم الفئات الضعيفة والمرأة والشباب، واستغلال السياسات المالية للاستثمار في البشر والبني التحتية.
وقالت لاغارد: «بعد مؤتمرنا الأخير في الأردن عام 2014، وضعت بلدان المنطقة فرص العمل والنمو الشامل في صميم برامجها الإصلاحية، وقد أحرزت تقدما لكنه غير كاف. والعديد من الدول تناضل من أجل توسيع نطاق تنفيذ الإصلاحات وتحقيق تطلعات شباب المنطقة واستعادة الأمل في المستقبل، خصوصا أن أكثر من 25 مليون شاب سيدخلون إلى سوق العمل خلال خمس سنوات في منطقة تعتبر فيها البطالة بين الشباب أعلى نسبة في العالم وتبلغ 25 في المائة. ويرى أكثر من 60 في المائة من المواطنين أنه ليست لديهم (واسطة) للحصول على عمل، وهذا يشكل مصدر قلق وينزع الثقة».
وأشارت لاغارد إلى أن الاقتصاد العالمي القوي يتيح فرصة للإصلاحات، حيث بلغ النمو العالمي 3.7 في المائة في عام 2017، ومن المتوقع أن يصل إلى 3.9 في المائة عامي 2018 و2019، قائلة إن محرك هذا النمو ليس الهند والصين، وإنما يأتي من 120 دولة تمثل ثلاثة أرباع الدخل الإجمالي العالمي، ومحركه الاستثمار والتجارة. وأوضحت أن نمو المنطقة العربية سيصل إلى 3.5 في المائة في عامي 2018 و2019. وهو أقل من نسبة النمو التي بلغت 6 في المائة عام 2008، والسبب هو استمرار الصراعات والتغير المناخي وتأثيره على الزراعة وأسعار المنتجات.
وفي استعراضها للعامل الثاني فيما تحتاجه المنطقة لتحقيق النمو، قالت لاغارد إنه تجب مراعاة التحولات الجديدة واستغلال التكنولوجيا مثل التكنولوجيا المالية «فين تك» FinTech لتعزيز النمو الاقتصادي. وأشارت إلى أن التكنولوجيا المالية زادت سبعة أضعاف في المنطقة منذ عام 2009 في مصر والأردن ولبنان والإمارات.
أما العامل الثالث فأوضحت لاغارد أنه سيكون هناك وضع أجندة للمنطقة تصدر عن المؤتمر الذي يضم أكثر من 20 دولة ومسؤولين حكوميين وممثلي القطاع الخاص، لتبادل الخبرات والتغلب على العقبات التي تحول دون تنفيذ سياسات النمو الشامل.
أما الأولويات الثلاث فقد حددتها مديرة صندوق النقد الدولي في إنشاء قطاع خاص نشط وقادر على تحقيق خلق فرص العمل، وهو ما يستدعي مكافحة الفساد وزيادة المنافسة والاستفادة من التجارة العالمية والتكنولوجيات الجديدة والتعاون بين القطاعين العام والخاص لتحسين البنية التحتية. والأولوية الثانية هي دعم الفئات الضعيفة والمرأة والشباب من خلال تحسين جودة التعليم وسياسات سوق العمل التي تساعد الشباب والنساء على إيجاد فرص عمل مجدية وزيادة الإدماج المالي للمرأة.
والأولوية الثالثة، كما قالت لاغارد، هي استغلال السياسات المالية للاستثمار في البشر والبنى التحتية. وأوضحت أن الإنفاق الاجتماعي وشبكات الأمان الاجتماعي والخدمات الصحية والتعليمة تبلغ 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ19 في المائة في أوروبا، وقالت إنه «لا بد من حلول لزيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية والبنية التحتية، وبناء قواعد ضريبية أوسع وأكثر إنصافا مع حماية الفقراء».
ومن جانبه، أكد الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الحميدي، المدير العام لصندوق النقد العربي، على تحديد ثلاث أولويات أيضا في مواجهات تحديات البطالة والنمو في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن أولها ضرورة تحقيق التنوع الاقتصادي في الاقتصادات العربية، والثاني هو خلق بيئة خاصة للابتكار تدعم رواد الأعمال، والثالث هو تعزيز فرص الوصول للتمويل والخدمات المالية.
وقال الحميدي: «هناك فرص واعدة للمنطقة التي يشكل الشباب دون 25 عاما نصف سكانها، وهو ما يستلزم مواصلة الجهود لدعم الشباب والاستغلال الأمثل للتكنولوجيا للوصول إلى الخدمات المالية، وتقليص الفجوة بين الرحل والمرأة في النفاذ إلى التمويل وفرص العمل، وهو ما سيحقق إضافة في زيادة الناتج القومي الإجمالي في المنطقة تتجاوز 40 في المائة خلال 10 سنوات».
وركز الحميدي بشكل خاص على المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي لا تتاح لها فرص الوصول إلى التمويل، وقال إن «16 إلى 17 مليون مشروع صغير ومتوسط في المنطقة لا يتاح لها فرص الوصول للتمويل، وإدراكا لأهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة يعمل صندوق النقد العربي على تطوير السياسات لتسريع تمويل الشركات الناشئة وتعزيز النمو والشمول المالي وزيادة مشاركة المرأة في الأنشطة الاستثمارية ونفاذها للخدمات المالية».
وأوضح الحميدي أن نسبة النساء اللاتي تتاح لهن فرصة النفاذ إلى الخدمات المالية تمثل 13 في المائة فقط في المنطقة، مقابل 47 في المائة عالميا. وشدد على ضرورة استغلال التقنيات الحديثة في النشاطات والخدمات المالية.
ومن جهته، استعرض يوسف الشاهد، رئيس الوزراء التونسي، خلال مداخلته الافتتاحية، التحولات التي عاشتها بلاده في السنوات الأخيرة، مقارنا بين الوضع قبل الثورة وبعدها، مشيرا إلى أن نسبة النمو في بلده، قبل الثورة، التي قامت ضد تفشي البطالة والتهميش والتفاوت الطبقي ظلت في حدود 5 في المائة لأكثر من عشر سنوات.
ورأى الشاهد أن بلاده حققت، رغم كل الصعوبات التي واجهتها بعد الثورة، نجاحات كثيرة، أغلبها على الصعيد السياسي والانتقال الديمقراطي؛ وهي نجاحات، اعتبر أنها، على أهميتها، تبقى «غير كافية».
وتحدث الشاهد عن دستور 2014، قائلا إن التونسيين فخورون بتقارير المنظمات الدولية، التي اعتبرت بلادهم «الأكثر حرية في المنطقة العربية»؛ غير أنه استدرك، فقال إن النجاحات السياسية كانت لها تكلفة اقتصادية، من جهة أن سنوات عدم الاستقرار السياسي أدت إلى تراجع على مستوى الاستثمارات ومداخيل الدولة، الشيء الذي يبرر لم كان الوضع الاقتصادي للسنوات الأولى للثورة ضعيفاً، دون نسيان ارتفاع مصارف الدولة على مستوى تكلفة الأجور، الشيء الذي دفع الدولة إلى الاقتراض الخارجي.
وبعد أن قال إن محركات النمو تعطلت بفعل المطالب التي رفعها التونسيون وتداعيات العمليات الإرهابية التي تعرضت لها البلاد، تحدث الشاهد عن عدد من الإجراءات التي اتخذتها حكومته، بهدف عودة الاستثمار الخارجي بقوة إلى تونس، مشيرا في هذا السياق إلى قانون الاستثمار الجديد لعام 2017، الذي يهدف إلى تحسين مناخ الأعمال والاستثمار لتجاوز العراقيل، إلى برنامج الأمان الاجتماعي وتوفير السكن اللائق. وأكد أن التنمية الاقتصادية تتطلب حوارا اجتماعيا سليما، والتعامل مع الجانب الأمني لمقاومة الإرهاب، الذي قال عنه إنه في مرتبة الفساد، الذي شدد على الضرورة القصوى للتعامل معه، ضمانا للشفافية وتكافؤ الفرص.
وختم الشاهد بالتشديد على عزم حكومته على إنجاح التجربة التونسية بمساريها السياسي والاقتصادي، بإمكانات تونس الذاتية ودعم أصدقائها وشركائها، مشددا على الحاجة إلى تطوير نموذج تنموي يضمن العيش اللائق للجميع ولا يترك فئات من المجتمع دون إدماج في مسلسل التنمية.



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.