المواجهة بين بري وباسيل في مرحلة غير مسبوقة... وجهود لاحتواء «الفتنة»

«حزب الله» يدعو عون للتدخل... وحركة «أمل» لاعتذار وزير الخارجية علناً

مناصرو حركة أمل يحملون علم الحركة ويقفون قرب الإطارات المحترقة في بيروت أمس احتجاجا على تصريحات وزير الخارجية (رويترز)
مناصرو حركة أمل يحملون علم الحركة ويقفون قرب الإطارات المحترقة في بيروت أمس احتجاجا على تصريحات وزير الخارجية (رويترز)
TT

المواجهة بين بري وباسيل في مرحلة غير مسبوقة... وجهود لاحتواء «الفتنة»

مناصرو حركة أمل يحملون علم الحركة ويقفون قرب الإطارات المحترقة في بيروت أمس احتجاجا على تصريحات وزير الخارجية (رويترز)
مناصرو حركة أمل يحملون علم الحركة ويقفون قرب الإطارات المحترقة في بيروت أمس احتجاجا على تصريحات وزير الخارجية (رويترز)

دفع فيديو مسرَّب لوزير الخارجية اللبناني، صهر رئيس الجمهورية، جبران باسيل، يصف فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنه «بلطجي»، متوعداً إياه بـ«تكسير رأسه»، دفع بالوضع السياسي والأمني في لبنان إلى حافة الانفجار بعد تحركات غاضبة لمناصري حركة «أمل» التي يرأسها بري في شوارع بيروت وضواحيها، وسط خطاب طائفي شديد اللهجة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقال مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الوسط»، إن الجيش والقوى الأمنية اللبنانية استنفرت قواها، تحسباً لانزلاق التحركات والتحركات المضادة إلى اهتزاز أكبر، بينما لزم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الصمت، وأوعز إلى معاونيه بالأمر نفسه. وكما في الشارع، هاجم وزراء من حركة «أمل» بشدة، باسيل، الذي امتنع عن التعليق، ما خلا تصريح صحافي أدلى به ليل أول من أمس، أسف فيه لـ«التسريب»، ولم يتبرأ من مضمونه.
ورأت مصادر مطّلعة على موقف «حزب الله»، أن تداعيات هذه الأزمة ستبقى مفتوحة لحين إجراء الانتخابات النيابية، مؤكدة كذلك أهمية وعي المسؤولين، قائلة إن الحزب يحاول «قدر الإمكان ضبط الشارع، وهذا ما قام به أمس، عند خروج الاحتجاجات، لكن من يمكنه ضمان ذلك بشكل دائم؟». وكانت الاحتجاجات قد انتقلت بعد ظهر أمس، من مواقع التواصل الاجتماعي إلى شوارع العاصمة، حيث أقفل مناصرو حركة «أمل» طرقات في بيروت وبعلبك، وعمدوا إلى إحراق الدواليب، وتمزيق صور لرئيس الجمهورية، ورفع صور بري بدلاً عنها عند مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت.
وأوصل التسريب، المواجهة السياسية بين «التيار الوطني الحر» وحركة «أمل»، المشتعلة أصلاً، إلى مرحلة غير مسبوقة، بحيث طغت تداعياتها على كل ما عداها من قضايا في لبنان، ما استدعى تدخلاً من حلفاء الطرفين في محاولة لتهدئة الأمور ومنعها من الانفجار في الشارع، كما حمّل «المجلس الإسلامي الشيعي»، «العهد»، مسؤولية إثارة الأجواء الطائفية.
كان كلام باسيل عن بري قد جاء خلال لقاء انتخابي عقده في بلدة بترونية، شمال لبنان، حسب ما أظهره فيديو نُشر مساء أول من أمس (الأحد)، وقال فيه «هذا بلطجي مش رئيس مجلس نواب»، متّهماً إياه بالطلب من المغتربين في أفريقيا عدم المشاركة في مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي تنظمه وزارته. ولم تمرّ ساعات على انتشار الفيديو وما رافقه من ردود فعل، حتى انتشر تسجيل آخر يقول فيه باسيل في رد على سؤال حول كيفية التعامل مع سياسة بري: «الحل هو أن نكسر له راسو لا أن يكسر لنا راسنا».
وعلى وقع التصعيد والمواجهة السياسية والإعلامية، تكثّفت، أمس، الاتصالات واللقاءات بين مختلف الأطراف لاحتواء هذه الأزمة، خصوصاً على خط حلفاء الطرفين، أبرزهم «حزب الله» الذي لم يكن موقفه أقلّ وطأة من موقف «أمل»، إضافة إلى رئيس الحكومة سعد الحريري، ورئيس الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. وأعلن الحريري عن مبادرة يقوم بها، بعد لقائه رئيس الجمهورية ميشال عون صباحاً، في وقت رأت مصادر مطلعة على موقف «حزب الله»، ضرورة تدخّل رئيس الجمهورية واعتذار باسيل عما صدر عنه لاحتواء الوضع وعدم تفاقم المشكلة بشكل أكبر بعدما انتقل الهجوم من السياسي إلى الشخصي والطائفي. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «الخطأ واضح وفاعله معروف بعيداً عن أي مبررات كتلك التي كانت تساق في السابق بشأن (أزمة المرسوم) كتفسير في الدستور أو غيره. هناك وزير أساء لرئيس مجلس النواب وعليه تصحيح الخطأ». في المقابل، رأت مصادر في «التيار الوطني الحر» أنه لا تزال هناك إمكانية لتصحيح الموقف، لكنها ربطت الأمر بنيّة الطرف الآخر في التصعيد أو عدمه. وأوضحت لـ«الشرق الأوسط»: «تُبذل جهود للتوصل إلى حل وعدم تفاقم المشكلة، لكن إذا كان هناك قرار من الطرف الآخر بالتصعيد فعندها سيكون الوضع مختلفاً والنتيجة كذلك».
وقال رئيس الحكومة بعد لقائه رئيس الجمهورية: «أكدنا التهدئة التي يجب أن تحصل، وفخامته في هذا الجو». وأضاف: «إن شاء الله تتجه الأمور إلى التهدئة والإيجابية، فالبلد ليس بحاجة لا إلى تصعيد ولا إلى تأزيم. لقد سمعنا الكثير، وحصل هناك اعتذار من قبل الوزير باسيل. فلندع الأمور عند هذا الحد، ومع الوقت نأمل أن تحصل التهدئة. وأنا سأكمل جهودي في هذا الموضوع». ورداً على سؤال، قال الحريري: «جميعنا نعمل وستكون لي مبادرة». وكان باسيل قد عبّر لصحيفة «الأخبار» عن أسفه لما سرّب من كلام له في الإعلام، بقوله: «ما قيل خارج عن أدبيّاتنا وأسلوبنا في الكلام، وقد أتى نتيجة المناخ السائد في اللقاء».
وفي حين غابت المواقف الرسمية عن رئاسة الجمهورية حول الأزمة المستجدة بين «التيار» و«أمل»، تنفيذاً لتعليمات الرئيس عون بضرورة التزام الصمت، حسب ما قالت مصادر مطّلعة على موقفه، تكثّفت الزيارات باتجاه مقر رئيس مجلس النواب، حيث صدرت مواقف مؤيدة له ومطالبة باسيل بالاعتذار، وهو ما أشار إليه كل من وزيري الداخلية نهاد المشنوق، ووزير الأشغال يوسف فنيانوس.
وردّ وزير المال علي حسن خليل، بالقول: «لسنا من يطالب الوزير جبران باسيل بالاعتذار، ولكن إذا أراد ذلك فليكن أمام اللبنانيين والعالم». وكان رد خليل مساء الأحد، عند نشر الفيديو، قد اتّسم بالتصعيد والمواجهة ضد باسيل، إذ قال: «إذا كان هناك من يسمع، فليسمع أن صهره المفضل قليل الأدب، ووضيع، وكلامه ليس تسريباً بل هو خطاب الانحطاط ونعيق الطائفيين أقزام السياسة، الذين يتصورون أنهم بالتطاول على القادة يحجزون موقعاً بينهم».
وأصدرت هيئة الرئاسة في حركة «أمل» بياناً بعد اجتماع طارئ لها، محذرة من الفتنة. وجاء في بيانها: إن «ما جرى تداوله من كلام صادر عن رئيس التيار الوطني الحر يحمل إبعاداً خطيرة تهدد وحدة البلد واستقراره وأمنه، وهي دعوة مفتوحة لفتنة ستأخذ في طريقها كل ما أُنجز على مستوى البلد، وتذكّرنا بحروب التحرير والإلغاء المشؤومة التي جلبت للبنان الدمار والويلات».
وقال المشنوق إثر لقائه بري: إن «الرئيس بري أكد احترامه للمقامات الرئاسية، والكلام الذي صدر عن وزير الخارجية جبران باسيل يجب الاعتذار عنه، ويجب ألا تنقصه الشجاعة لذلك». وأضاف: «جئت أناشد الهدوء الوطني لدولة الرئيس، ومسؤوليته الوطنية عن كل اللبنانيين، والترفع فوق الصغائر، وعدم السماح لكلمات خاطئة صدرت عن أيٍّ كان بأن تتسبب بأي توتر في البلد».
وأصدر «حزب الله» لاحقاً بياناً عبّر فيه عن رفضه القاطع لكلام باسيل «الذي تعرض بالإساءة إلى دولة رئيس مجلس النواب الأخ الأستاذ نبيه بري شكلاً ومضموناً». وأكد أن «اللغة لا تبني دولة ولا تأتي بإصلاح بل تخلق المزيد من الأزمات وتفرّق الصف وتمزق الشمل وتأخذ البلد إلى مخاطر هو بغنى عنها»، مضيفاً: «بعدما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه ندعو إلى المسارعة بمعالجة هذا الوضع القائم بأعلى درجة من الحكمة والمسؤولية».
ودخل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على خط «المعركة»، محذراً من «النهج المتبع في إثارة الأجواء الطائفية والمذهبية»، حسب ما جاء في بيان له. واعتبر أن «استهداف بري، الحريص دوماً على الوحدة الوطنية وحفظ المؤسسات والضامن للاستقرار والعيش المشترك، يأخذ البلاد إلى فتنة داخلية لأهداف شخصية»، محملاً «(العهد) مسؤولية هذا النهج المستنكَر والمدان، وهو مطالَب بإعادة الأمور إلى نصابها، ووضع حد لهذا الاستهتار واللامسؤولية في إدارة شؤون الدولة في أخطر مرحلة يمر بها لبنان».
ولم تقتصر تداعيات كلام باسيل على لبنان، بل وصلت إلى أفريقيا عشية المؤتمر الاغترابي الذي تنظمه وزارة الخارجية، واعتصم صباح أمس، مناصرو بري في السفارة اللبنانية في أبيدجان، اعتراضاً على كلام باسيل، غير مرحّبين بحضوره.
وفي حين لا يزال مصير المؤتمر المزمع عقده يومي الجمعة والسبت المقبلين، غير واضح، نُقل عن مجموعة من أبناء الجالية في أبيدجان مقاطعتهم له، وذلك بعد مطالبات سابقة بتأجيله ريثما يتم العمل على تهدئة الوضع بين «التيار الوطني الحر» ورئيس مجلس النواب، اللذين كانت المواجهات بينهما قد بدأت على خلفية ما بات يُعرف بـ«مرسوم الضباط» والخلاف الدستوري بشأن التوقيع عليه.



«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)

أثار قرار تثبيت سعر الفائدة في مصر للشهر الرابع على التوالي تساؤلات حول التضخم الذي تشهده البلاد.

ويرى خبراء أن «إجراءات البنك المركزي المصري تستهدف محاصرة نسبة التضخم على المستوى القصير»، وتوقعوا «ارتفاع نسب التضخم في نهاية العام الحالي بسبب تأثير الاضطرابات الإقليمية على أسعار الطاقة».

وقررت لجنة السياسة النقدية بـ«البنك المركزي»، مساء الخميس، «الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير»، ووفق إفادة لـ«المركزي» يتم تثبيت سعري العائد، الإيداع والإقراض، لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية عند 19 في المائة و19.5 في المائة و20 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.5 في المائة».

وهذه المرة الرابعة التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة منذ أبريل (نيسان) الماضي، وتعقد لجنة السياسات النقدية بـ«البنك المركزي» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع (45 يوماً)، ويتبقى لها ثلاثة اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

وبحسب بيان «المركزي» جاء القرار «انعكاساً لتقييم لجنة السياسيات النقدية لآخر تطورات التضخم وتوقعاته».

وشهد المعدل السنوي للتضخم العام ارتفاعاً طفيفاً في يوليو (تموز) الماضي ليبلغ 14.9 في المائة مقابل 14.3 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، بينما سجل المعدل الأساسي للتضخم 14.7 في المائة في يوليو مقابل 14.3 في المائة عن الشهر السابق له، وفق «المركزي»، الذي أشار إلى أن «التطورات الشهرية للأسعار أظهرت استقراراً مع انخفاض أسعار بعض السلع والخدمات».

البنك المركزي المصري قرر تثبيت سعر الفائدة (رويترز)

ويقول عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع» وليد جاب الله: «كان من المتوقع أن يتخذ البنك المركزي قرار تثبيت أسعار الفائدة مرة أخرى». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الفارق بين سعر الفائدة ونسب التضخم يسمح للبنك المركزي باتخاذ قرار التثبيت، ذلك أن الزيادة في نسب التضخم جاءت طفيفة وليست بنسب عالية».

وعدّ قرار التثبيت «تشديداً نقدياً تتخذه الحكومة في ظل حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي».

ووفق بيان «البنك المركزي» فإن «النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي شهد تباطؤاً طفيفاً متأثراً بالتقلبات الجيوسياسية، وضعف الطلب، في حين لا يزال التضخم مرتفعاً بشكل عام، مع تفاوت الضغوط التضخمية عبر الاقتصادات، ما أدى لتباين قرارات السياسة النقدية للبنوك المركزية».

وأشار البيان إلى أن «آفاق الاقتصاد العالمي تتسم بعدم اليقين ولا تزال عرضة لمجموعة من المخاطر، من أهمها استمرار التوترات الإقليمية لفترة أطول، وتجدد اضطرابات سلاسل الإمداد».

ولا يعني استمرار تثبيت أسعار الفائدة، قدرة الاقتصاد المصري على الحد من نسب التضخم، وفق جاب الله، مضيفاً أنه «من الصعب انخفاض مستويات التضخم في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة».

ورجح «ارتفاع نسب التضخم مع نهاية العام الحالي إلى نسب أقل من 17 في المائة، في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية»، مشيراً إلى أن «البنك المركزي فضل التريث بتثبيت أسعار الفائدة لترقب التطورات والأوضاع العالمية خصوصاً على صعيد أسعار الطاقة».

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يوضح أن «إجراءات البنك المركزي الحالية تستهدف محاصرة التضخم على المستوى القصير»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المتوقع زيادة معدلات التضخم مع بداية العام المقبل خصوصاً مع عدم انخفاض أسعار البترول بسبب الاضطرابات الإقليمية».

الحكومة المصرية تكثف الرقابة على الأسواق لضبط أسعار السلع (وزارة التموين المصرية)

و«تعرضت أسواق الطاقة مجدداً لضغوط تصاعدية وازدادت تقلباتها وسط تزايد حدة التوترات الإقليمية، كما اتجهت أسعار السلع الزراعية نحو الارتفاع نتيجة للمخاوف المتعلقة بالإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية»، وفق بيان «المركزي» المصري.

بدرة يلفت إلى أن «استمرار الأوضاع الإقليمية بالوضع الحالي سيترتب عليه ارتفاع في معدلات التضخم، وبالتالي سينعكس ذلك على ارتفاع سعر الفائدة مع نهاية العام الحالي».

كما يشير إلى أنه «حال حدوث أي توتر جديد بالمنطقة وارتفاع سعر برميل البترول عن (94 دولاراً) الحالية سيعني اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر تشدداً للتحوط مع الآثار الجديدة».

وتوقع البنك «المركزي» أن «يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 5 في المائة في العام المالي (2025-2026)» إلى جانب «مواصلة النشاط الاقتصادي الحقيقي انخفاضه الطفيف في الربع الثاني من العام الحالي وذلك انعكاساً للتأثير السلبي للصراع الإقليمي».


ثمن السلم الصعب... كيف وضعت حرب الخليج الأولى أوزارها في صيف 1988؟

انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
TT

ثمن السلم الصعب... كيف وضعت حرب الخليج الأولى أوزارها في صيف 1988؟

انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)
انفجار في مطار مهرآباد في طهران بعد الضربة الجوية العراقية في 22 سبتمبر 1980 (ويكيبيديا)

في 20 أغسطس (آب) من عام 1988، التقطت منطقة الشرق الأوسط أنفاسها بعد 8 سنوات عجاف لواحدة من أطول الحروب النظامية وأكثرها دموية في القرن العشرين.

لم يكن قرار وقف إطلاق النار بين العراق وإيران، المستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، مجرد توقيع بروتوكولي على وثيقة سلام، بل كان لحظة فارقة تحولت فيها جبهات القتال الممتدة من شط العرب جنوباً إلى جبال كردستان شمالاً، من مستنقع للموت والنزيف الاقتصادي والبشري إلى منصة لترقب حذر. 8 سنوات من خنادق تشبه خنادق الحرب العالمية الأولى، وهجمات الموجات البشرية، وحرب المدن، وحرب الناقلات في مياه الخليج العربي، وضعت الدولتين الجارتين أمام حقيقة مرة: استحالة الحسم العسكري الكامل.

وجاء الإعلان عن قبول القرار الدولي ليمثل تحولاً دراماتيكياً في سياسة طهران وبغداد، خصوصاً بعد الإعلان الشهير للمرشد الإيراني الأول (الخميني) بأن قبوله بالهدنة كان «كجرعة السم»، في حين اعتبرت بغداد الخطوة انتصاراً استراتيجياً حافظ على بوابتها الشرقية، لينتهي فصل من فصول المواجهة الدامية ويفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة صاغت وجه المنطقة لعقود تلت.

صورة أرشيفية تعود لعام 1978 للخميني في حديقة منزله بمدينة نوفيل لو شاتو في فرنسا (غيتي)

ميزان القوى العسكري والإنهاك الاقتصادي قُبيل الهدنة

شهد النصف الأول من عام 1988 تحولاً نوعياً في سير العمليات العسكرية، إذ نجح الجيش العراقي في استعادة المبادرة الاستراتيجية عبر سلسلة من المعارك الخاطفة، أطلق عليها اسم عمليات «توكلنا على الله».

طيارون عراقيون يستعدون لضرب أهداف إيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية وتظهر خلفهم طائرات «الميراج إف1» (ويكيبيديا)

وتمكنت القوات العراقية من تحرير شبه جزيرة الفاو الاستراتيجية في غضون ساعات، تلاها استعادة جزر مجنون وحقول نفط مجنون ومناطق الشلامجة.

هذا التراجع الميداني الإيراني تزامن مع ضغوط اقتصادية خانقة على طهران، حيث انخفضت صادرات النفط بشكل حادّ وتراجعت إمدادات الأسلحة بفعل العزلة الدولية، بينما كانت بغداد تحظى بدعم تسليحي ومالي دولي وعربي واسع، ما جعل استمرار الحرب بالنسبة لإيران مسألة انتحار اقتصادي وعسكري.

حرب الناقلات والتدخل الدولي في مياه الخليج

لم تقتصر المواجهة على الجبهات البرية، بل امتدت لتشمل الممر المائي الحيوي في الخليج العربي عبر ما عُرف بـ«حرب الناقلات».

استهدفت الهجمات المتبادلة سفن الشحن التجاري وناقلات النفط لقطع الشريان الاقتصادي للطرفين.

هذا التصعيد دفع القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إلى التدخل لحماية ممرات الملاحة الدولية، حيث جرى رفع العلم الأميركي على الناقلات الكويتية (عملية الإرادة الصالحة).

الفرقاطة سهند تحترق بعد أن ضربت بصواريخ البحرية الأميركية (ويكيبيديا)

وبلغ التوتر ذروته في يوليو (تموز) 1988 عندما أسقطت الطرّادة الأميركية «يو إس إس فينسينس» طائرة ركاب مدنية إيرانية (الرحلة 655) فوق مضيق هرمز، ما أرسل إشارة واضحة لطهران بأن النزاع كاد يتحول إلى مواجهة مباشرة مع قوى دولية كبرى.

كواليس القرار 598: «تجرع السم» في طهران والاحتفال في بغداد

في 18 يوليو 1988، فاجأت إيران المجتمع الدولي بإعلان قبولها الرسمي وغير المشروط لقرار مجلس الأمن رقم 598، الذي كانت قد تحفظت عليه منذ صدوره في يوليو 1987.

جندي إيراني يرتدي قناع غاز خلال الحرب بين إيران والعراق (ويكيبيديا)

وفي 20 يوليو، ألقى الخميني خطاباً تاريخياً موجهاً للشعب الإيراني، وصف فيه قرار وقف الحرب بأنه كان أكثر ألماً من «تجرع السم»، مشيراً إلى أن القرار اتُّخذ بناءً على تقارير القادة العسكريين والاقتصاديين الذين أكدوا استحالة الاستمرار.

في المقابل، استقبلت العاصمة العراقية بغداد، بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين، النبأ باحتفالات شعبية وعسكرية عارمة، واعتبرت القيادة العراقية هذا القبول إقراراً بهزيمة المشروع الإيراني لتصدير الثورة عسكرياً.

20 أغسطس 1988: دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ واستحقاقات السلام

المبعوث الأممي الخاص السابق يان إلياسون (ويكيبيديا)

في تمام الساعة الثامنة من صباح يوم 20 أغسطس (آب) 1988، دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ رسمياً بموجب الاتفاق الذي أشرف عليه الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، خافيير بيريز ديكييار.

وانتشرت على طول خط الحدود، البالغ نحو 1200 كيلومتر، بعثة مراقبي الأمم المتحدة العسكرية (UNIIMOG)، التي ضمّت ضباطاً وجنوداً من عشرات الدول (مثل كندا، وإيطاليا، والسنغال) للتأكد من عدم خرق الهدنة.

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، هواري بومدين رئيس الجزائر السابق، وشاه إيران محمد رضا بهلوي، اتفاقية الجزائر 1975 (ويكيبيديا)

ورغم صمت المدافع، بدأت معركة دبلوماسية معقدة في جنيف السويسرية، رعاها المبعوث الأممي الخاص يان إلياسون، تركزت حول ملفات شائكة مثل تبادل الأسرى (الذي شمل مئات الآلاف من الجنود مثل معسكرات الأسر في الرمادي وأراك)، وتنظيف شط العرب من الغوارق البحرية، وإعادة ترسيم الحدود وفق اتفاقية الجزائر لعام 1975 التي كان العراق قد ألغاها في بداية الحرب.


«اللجنة المصرية - القطرية» لتعزيز العلاقات وتعميق الشراكة

وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
TT

«اللجنة المصرية - القطرية» لتعزيز العلاقات وتعميق الشراكة

وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري والشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية بدولة قطر (الخارجية المصرية)

تشهد العلاقات المصرية القطرية زخماً جديداً مع انعقاد «اللجنة العليا المشتركة» بين البلدين، التي تتوج سنوات التقارب اللافت منذ إنهاء القطيعة بين البلدين في 2021، وصولاً لمشروعات استثمارية قطرية ضخمة بمصر في أواخر 2025، وحديث جديد عن شراكات مرتقبة.

وتلعب «اللجنة العليا» دوراً مهماً في تعزيز تلك العلاقات وتعميق الشراكة وترجمة الفرص الاستثمارية، ما يؤكد، بحسب خبراء في مصر وقطر، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن مسار التعاون «يحقق نجاحات متواصلة».

وعادت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين مصر وقطر في 20 يناير (كانون الثاني) 2021، عقب توقيع «اتفاقية العلا» التي أنهت مقاطعة استمرت منذ يونيو (حزيران) 2017، قبل أن تشهد تعيين سفيرين جديدين في صيف عام 2021، وتبادل اللقاءات الرفيعة المستوى بدءاً من ديسمبر (كانون الأول) 2022 بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وكبار المسؤولين بالبلاد، وما أعقب ذلك من زيارات على مستويات دبلوماسية مختلفة بين مسؤولي البلدين.

ومنذ عودة العلاقات، عقدت لقاءات ثناية للجنة المصرية القطرية في إطار ترتيبات العلاقات، قبل أن تنتقل أعمال الدورة الخامسة إلى مستوى اللجنة العليا وذلك في مارس (آذار) 2024، بالدوحة برئاسة وزيري خارجية البلدين وتستمر هكذا في الدورة السادسة بالعلمين المصرية، في 28 أغسطس (آب) 2025 والدورة السابعة الحالية التي احتضنتها مصر أيضاً.

إشادة مصرية

وأشاد السيسي، في لقاء مع رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني بمدينة العلمين، الخميس، «بما تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين من تقدم ونمو، وتطلعه لمواصلة تعزيز هذه العلاقات في مختلف القطاعات السياسية والتجارية والاستثمارية»، مؤكداً أهمية البناء على مخرجات اللجنة العليا المصرية القطرية المشتركة من أجل الارتقاء بالتعاون الثنائي في مختلف المجالات، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

وأفادت الخارجية المصرية، في بيان، بانعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المشتركة بمدينة العلمين الخميس، برئاسة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس وزراء قطر، بحضور عدد من وزراء ومسؤولي البلدين.

الرئيس السيسي خلال استقباله رئيس الوزراء القطري الخميس في العلمين (الرئاسة المصرية)

وفي كلمته، أشاد عبد العاطي «بالنقلة النوعية التي تشهدها العلاقات المصرية القطرية بتوجيهات قيادتي البلدين»، مؤكداً أن انتظام انعقاد اللجنة العليا المشتركة «يعكس الحرص المتبادل على تعزيز أطر التعاون في شتى المجالات، وترجمة الزخم السياسي القائم إلى خطوات عملية تحقق مصالح الشعبين».

وأشار إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين مصر وقطر بنسبة 80 في المائة خلال عام 2025، لافتاً إلى أنه «بخلاف مشروع علم الروم العقاري لتطوير الساحل الشمالي الذي تجاوز 29 مليار دولار، يتم تدشين مشروع تصنيع وقود الطائرات النفاثة المستدام في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات قطرية مباشرة تتجاوز 200 مليون دولار في مرحلته الأولى».

وأكد عبد العاطي، أهمية البناء على الزخم الذي حققه «المنتدى الاستثماري المصري - القطري» الذي عقد بالقاهرة في ديسمبر 2025، والتطلع إلى استضافة النسخة الثالثة منه بالقاهرة بمشاركة مجالس الأعمال والشركات من البلدين.

من جانبه، أشاد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، بما تشهده العلاقات القطرية المصرية «من تطور متنامٍ في مختلف المجالات»، مثمناً انعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المشتركة وما تمثله من آلية مهمة لمتابعة مجالات التعاون ودفع تنفيذ المشروعات والاتفاقيات المشتركة.

وبحسب مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير، رخا أحمد حسن، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، فإن الانعقاد المنتظم للجنة «يعكس انتقال العلاقات المصرية - القطرية إلى مرحلة أكثر رسوخاً واستقراراً، بحيث لم تعد العلاقة محصورة في الملفات الثنائية»، ويؤكد وجود «إرادة سياسية لدى البلدين لترجمة التقارب إلى آليات مؤسسية مستدامة تعزز التطور في العلاقات وشراكة البلدين».

ويتفق معه المحلل القطري عبد الله الخاطر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، بأن العلاقات بين البلدين «تشهد تنامياً ملحوظاً وأن اللجنة القطرية المصرية من اللجان الأساسية والمهمة القادرة دفع العلاقات إلى آفاق أرحب».

اتفاقات ثنائية

وفي ختام أعمال اللجنة المصرية القطرية، تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين «الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية»، و«صندوق قطر للتنمية»، واتفاقية منحة بشأن إنشاء «مستشفى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني» بمحافظة سوهاج (جنوب مصر)، بجانب مذكرة تفاهم بين الجهاز المركزي للمحاسبات وديوان المحاسبة القطري للتعاون في مجالات العمل الرقابي، واتفاقية للمساعدة الإدارية المتبادلة في المجال الجمركي، بحسب البيان المصري.

وخلال مؤتمر صحافي مع رئيس وزراء قطر، قال وزير الخارجية المصري، إن «بلاده تسعى لتعميق التعاون بين البلدين في العديد من المجالات، سواء الطاقة أو المواد الغذائية»، معرباً عن اعتزاز مصر بصفقة «علم الروم»، العقارية، مؤكداً أن هناك مبادرات وشراكات ومشروعات أخرى.

جانب من انعقاد الدورة السابعة للجنة العليا المصرية القطرية المشتركة بالعلمين (الخارجية المصرية)

وشدد الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، على «أن العلاقات مع مصر أخوية وراسخة تستند إلى شراكة قوية وتنسيق مستمر في عدد من الملفات»، مشيراً إلى أن مشروع «علم الروم» سيكون إضافة للعلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع مصر.

واللافت في هذه الشراكة، بحسب رخا، أنها لم تعد محصورة في ملف واحد، فهناك تعاون اقتصادي واستثماري وتجاري، إلى جانب التنسيق السياسي والدبلوماسي، و«هو ما يعكس رغبة في جعل التطور الحالي مساراً مؤسسياً وليس مجرد تقارب ظرفي مرتبط بأزمة إقليمية معينة كملفي قطاع غزة وإيران اللذين تقود القاهرة والدوحة جهود وساطة فيهما».

ويخلص إلى «أن العلاقات حالياً في مرحلة بناء شراكة تقوم على المصالح المشتركة والحاجة إلى التنسيق المستمر على كل المستويات»، مؤكداً «أن تطور العلاقات المصرية - القطرية لا يمثل فقط مكسباً ثنائياً للقاهرة والدوحة، وإنما يمكن أن يتحول إلى رافعة للتنسيق العربي في ملفات المنطقة».